الذات
28/01/2006, 11:54 AM
كان مـتكأ بمرفق يده اليسرى على نافذة ( سيارة الكشرة ) التي يعملُ عليها ، و المذياع يقرأ نشرة الأخبار الروتينية إنفجارات في العراق و أصابع الإتهام تشير إلى الإسلام بالإرهاب ، و إسرائيل تقتحم غزة و تعتقل فلسطينين و تواصل بناء جدار الفصل العنصري .. و يتماهى في مسمعيه أخبار إيران و سوريا و لبنان و... و ... و ....
أما هو فقد صار من العالَم العربي الذي صارت له آذان فيل تسمعُ فقط ، و كأن حسها لا يهتز للشهداء الذي يـتـسـاقطون في العراق و فلسطين و غيرهن من أنحاء المعمورة.
وفجأة تناهى إلى مسمعه : الشايب سويدان مات .
و ارتجّ صدى الخبر في أذنيه .. الشايب سويدان مات .. الشايب سويدان ماات .. الشايب سويداان مااات ..
اختطفه هذا الخبر من أخبار المذياع مسددا عينيه إلى ما لا ترى عينا غيره .
و فجأة صرخ داخل أعماقه : آآآه الشايب سويدان .. اللي كان يرعى الهوش . مسكييييييييين .. الله يرحمُه المُسيكين ، هذي الدنيا كما هذه الكشرة اللي أشلها .. ما تسوى شي و ريحتها خايسة .
تذكّرَ كيف أنه ذات مرة عندما ذهب ليرجع الشاة من الزريبة، أخذه الشايب سويدان مع زوجته و بناته .. و ركب معهم في سيارتهم القديمة جدا وسط بناته ، و قلب الشايب سويدان لم يتكدر بظنون سوداء تعشش في قلوب أهل هذا الزمان .
تذكّرَ أنه سأله : ما شفت ولدي سالم .
- لا عمي ما شفته اليوم .
- هذا الولد أيشيب لي رأسي .. ما أعرفه هين يغيب .
- عمي سويدان .. احنا وين سايرين ؟
- أنسير مكان يعقوا فيه غوازي .
- عمي أنا ما أريد غوازي ، وقّفْني أريد أرجع البيت .
- ليش ؟
- أمي ما عارفها هين أنا ساير و بتضربني يوم أتأخر ، و بتخبر أبوي و بيضربني بقوة .
- واحظه أبوك و احظه .. ياليته سلوم كذاك ... ما تخاف أنا أخبر أبوك.
و مع ذلك فقد ظل يبكي و يبكي ( أمي أتضربني ومن يرجع الشاة .. ومن يرجع الشاة ) أمي أتضربني و أبوي يضربني ..
أما الشايب سويدان فقد جره معه عسى أن يحصل شيئا من الفلوس . و أوكل إليه أن يخبره إذا رأى ولده سالم .. و تذكر أنه من ذلك المكان كان نصيبه خمسة ريالات عمانية ..و لكنه لم يكن يعبأ بكل ذلك.
فما أن رجع قريته و في يده الخمسة ريالات إلا و رماها في أقدار الفلج خشية أن تَراهنّ أمه و تبدأ تحقيقها ( أين كنتَ .. و أنى لكَ هذا ) و تدقق في تفاصيل محرمةٍ في إزاره و ما خلف الإزار عن دليل لمصدر الخمسة ريالات .
و لكن عينا أمه تلقفنه من بعيد و بعد أطنان من الصراخ و شيء من السب و الشتم انهالت عليه ( بالـُمْجَمْعَة ) قبل أن ينقذه الشايب سويدان و يخبرها بخبر الخمسة ريالات .
- و هين الخمسة ريالات .
- رميتهنْ في الفلج .. خفت تسأليني عنهن و تضربيني.
و رمق في عيني أمة الحسرة و الندامة عليهن ، و كأنها لم تدأب على تلقينه :
- لا ترضى حدْ يقولك خذ 100 بيسة و خلا نسير مكانْ .... تراني أذبحك لأنه عيب .
*** *** *** ***
أحد زملائه الملقيون المكتنزون مع القمامة يضرب في ( جونية قواطي المعدن ) ، وهي غنيمة من القمامة ، وسـيـبـيـعـهـا ليستعين بها على مشاقّ الحياة يصرخ لينبهه: وسّع الشارع .. خلي الناس تمرّْ .
سيارة " لكزس" فارهة ذات دفع رباعي عليها رجل ذو وجه أنثوي الملامحْ .
آآآآآآه إنه ( الشيخ سلوم شكليته ) .. سالم ولد الشايب سويدان يمر مسرعا جدا إلى بيت أبيه بعد أنْ كان طرده منه في حياته غضبا منه و سخطا عليه لأنه أُعطي من ( المكان اللي يعقّوا فيه غوازي ) أضعاف سنوات ضوئية للخمسة ريالات بعد ................ أريقَ على جوانبه الدمُ
- مستمعينا الكرام : و فيما يلي قراءة سريعة لموجز نشرة الأخـ
وجر من حلقه حشرجة الحسرة و قال : أخخخخخ ، و أغلق المذياع و قد تيقن أن المسافة بين سيارة الكشرة و بين سيارة اللكزس ليست كالمسافة بين النشرة و الموجز ، بل مقدارها كمدى صدى صرخات :
- أمي أتضربني .. و من يرجّع الشاة .
أما هو فقد صار من العالَم العربي الذي صارت له آذان فيل تسمعُ فقط ، و كأن حسها لا يهتز للشهداء الذي يـتـسـاقطون في العراق و فلسطين و غيرهن من أنحاء المعمورة.
وفجأة تناهى إلى مسمعه : الشايب سويدان مات .
و ارتجّ صدى الخبر في أذنيه .. الشايب سويدان مات .. الشايب سويدان ماات .. الشايب سويداان مااات ..
اختطفه هذا الخبر من أخبار المذياع مسددا عينيه إلى ما لا ترى عينا غيره .
و فجأة صرخ داخل أعماقه : آآآه الشايب سويدان .. اللي كان يرعى الهوش . مسكييييييييين .. الله يرحمُه المُسيكين ، هذي الدنيا كما هذه الكشرة اللي أشلها .. ما تسوى شي و ريحتها خايسة .
تذكّرَ كيف أنه ذات مرة عندما ذهب ليرجع الشاة من الزريبة، أخذه الشايب سويدان مع زوجته و بناته .. و ركب معهم في سيارتهم القديمة جدا وسط بناته ، و قلب الشايب سويدان لم يتكدر بظنون سوداء تعشش في قلوب أهل هذا الزمان .
تذكّرَ أنه سأله : ما شفت ولدي سالم .
- لا عمي ما شفته اليوم .
- هذا الولد أيشيب لي رأسي .. ما أعرفه هين يغيب .
- عمي سويدان .. احنا وين سايرين ؟
- أنسير مكان يعقوا فيه غوازي .
- عمي أنا ما أريد غوازي ، وقّفْني أريد أرجع البيت .
- ليش ؟
- أمي ما عارفها هين أنا ساير و بتضربني يوم أتأخر ، و بتخبر أبوي و بيضربني بقوة .
- واحظه أبوك و احظه .. ياليته سلوم كذاك ... ما تخاف أنا أخبر أبوك.
و مع ذلك فقد ظل يبكي و يبكي ( أمي أتضربني ومن يرجع الشاة .. ومن يرجع الشاة ) أمي أتضربني و أبوي يضربني ..
أما الشايب سويدان فقد جره معه عسى أن يحصل شيئا من الفلوس . و أوكل إليه أن يخبره إذا رأى ولده سالم .. و تذكر أنه من ذلك المكان كان نصيبه خمسة ريالات عمانية ..و لكنه لم يكن يعبأ بكل ذلك.
فما أن رجع قريته و في يده الخمسة ريالات إلا و رماها في أقدار الفلج خشية أن تَراهنّ أمه و تبدأ تحقيقها ( أين كنتَ .. و أنى لكَ هذا ) و تدقق في تفاصيل محرمةٍ في إزاره و ما خلف الإزار عن دليل لمصدر الخمسة ريالات .
و لكن عينا أمه تلقفنه من بعيد و بعد أطنان من الصراخ و شيء من السب و الشتم انهالت عليه ( بالـُمْجَمْعَة ) قبل أن ينقذه الشايب سويدان و يخبرها بخبر الخمسة ريالات .
- و هين الخمسة ريالات .
- رميتهنْ في الفلج .. خفت تسأليني عنهن و تضربيني.
و رمق في عيني أمة الحسرة و الندامة عليهن ، و كأنها لم تدأب على تلقينه :
- لا ترضى حدْ يقولك خذ 100 بيسة و خلا نسير مكانْ .... تراني أذبحك لأنه عيب .
*** *** *** ***
أحد زملائه الملقيون المكتنزون مع القمامة يضرب في ( جونية قواطي المعدن ) ، وهي غنيمة من القمامة ، وسـيـبـيـعـهـا ليستعين بها على مشاقّ الحياة يصرخ لينبهه: وسّع الشارع .. خلي الناس تمرّْ .
سيارة " لكزس" فارهة ذات دفع رباعي عليها رجل ذو وجه أنثوي الملامحْ .
آآآآآآه إنه ( الشيخ سلوم شكليته ) .. سالم ولد الشايب سويدان يمر مسرعا جدا إلى بيت أبيه بعد أنْ كان طرده منه في حياته غضبا منه و سخطا عليه لأنه أُعطي من ( المكان اللي يعقّوا فيه غوازي ) أضعاف سنوات ضوئية للخمسة ريالات بعد ................ أريقَ على جوانبه الدمُ
- مستمعينا الكرام : و فيما يلي قراءة سريعة لموجز نشرة الأخـ
وجر من حلقه حشرجة الحسرة و قال : أخخخخخ ، و أغلق المذياع و قد تيقن أن المسافة بين سيارة الكشرة و بين سيارة اللكزس ليست كالمسافة بين النشرة و الموجز ، بل مقدارها كمدى صدى صرخات :
- أمي أتضربني .. و من يرجّع الشاة .