المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : عدم إجتماع المتناقضات


أبوجندل
22/02/2006, 02:18 AM
دليـل عـدم اجتمـاع المتنـاقضـات

""""""""""""""""""""""""""



هذا الدليل هو الذي تبنى عليه الأدلة وفيه أنه إذا كان لا بد للمرء أن يتصف بواحدة من صفتين متضادتين متناقضتين فإنهما لا تجتمعان فيه ولا يمكن أن ترتفعان منه ، وهذا هو من المبادئ العقلية التي تبنى عليه الأدلة المركبة ، ولكن قبل أن نشرع في الاستدلال به نريد أن نقدم مقدمات :



أول : أن الله أمر بتدبر القرآن قال جل ذكره (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلاف كثير)[النساء:82] وقال سبحانه (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب)[ص:29] وقال تعالى (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)[محمد:24] والمعلوم أن التدبر يحدث الفهم فالمطلوب من كل خلق الله هو تدبر الكتاب وفهمه ، وقد أنكر الله على من لم يتدبر القرآن ، إذ فالقرآن في طاقة كل إنسان تدبره وفهمه ، وإلا لما كلفوا جميع بتدبره .



بل أن الله أخبرنا أنه ميسر قال تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)[القمر:17] إذ فالقرآن ميسر ومن يسْره أن الله لم يجعل فيه الشيء وضده فهو عديم التناقض والاختلاف ، بل قد جعل الله العلامة الوحيدة لكونه من عند غير الله سبحانه هي التناقض والاختلاف يقول الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلاف كثير)[النساء:82] إذ فالقرآن يقوم على مبدأ عدم التناقض ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه التناقض والاختلاف فهو يقوم على هذا المبدأ النـزيه .



ثاني : دعوى الألوهية : إن هذا المبدأ العقلي – مبدأ عدم التناقض – وهو أن النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان .. قد جعله الله الحجة القاطعة لإثبات الألوهية أول، ثم لإثبات الرسالة ثاني ، فقد حاج الله المشركين بناء على ذلك المبدأ الموجود في عقولهم حيث قال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)[الأنبياء:22] وقال تعالى (إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)[المؤمنون:91] فتفسد بسبب التناقض، ولا بد أنه وباليقين يؤدي إلى الفساد، وعلى نفس تلك البديهية العقلية يقول جل ذكره (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون)[النحل:17] وقال تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث)[المائدة:100] وقال تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات) [فاطر:19-22] ويقول (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)[الزمر:9] وقال (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون)[غافر:58] تلك هي أول المبادئ العقلية التي لا تحتاج في تقريرها إلى وحي لأنها تدرك ببداهة العقل ، وهكذا يحاج الرب الناس بما في عقولهم من أن النقيضان لا يجتمعان ، فكل الناس جميع مركب في عقولهم أنه لا يجتمع الشيء وضده .



ثالث : دعوى الرسالة : إن دعوى الرسالة لا بد لها من برهان كما قال الرسول (ص) (ما من الأنبياء نبي إلا عطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي)[رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة] فلا بد لنا من وقفة قصيرة نقرر كيف نستدل بهذا المبدأ على صدق الرسالة فإن الرسالة لا بد لها من برهان زائد عن مجرد الدعوى ، فلو قلنا بنفس دعوى الرسول أنه صادق فهذا لا يمكن أن يصح ، ولو أجزنا ذلك لأجزنا التناقض نعني صدق الدعوى ونقيضها ، وهذا يعني التناقض ولا يمكن أن ينتج منه إلا الفساد ، إذ لا بد من شيء زائد عن مجرد الدعوى كما قال جل ذكره (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)[النمل:64] وبه نميز الصادق من الكاذب ، وأمهلني قليل أضرب لك الأمثال .. فلو جاءك من يدعي أنه رسول ثم إنك قلت له لست برسول لا يمكن أن يحكم عليك بالمخالفة والعصيان قبل أن يأتيك ببرهان على صدق رسالته ، فلو جاءك بعصا مثل فألقاها فإذا هي حية تسعى ، فأنت بعد ذلك أمام دعوى وبرهان ، فإما أنه يكفي للدلالة على صدق دعواه أو لا يكفي ... ودعنا نناقش كفاءة هذا البرهان ، ثم ننتقل إلى محل بحثنا ، أما كيف دلت العصا على صدق دعوى الرسالة .. نستعرض في ذهنك بعض المقدمات : ..

أول : هل يستطيع كل واحد من الناس أن يحول العصا إلى حية تسعى ؟ الجواب وباليقين لا .

ثاني : لو افترضنا أن طائفة من الناس تستطيع أن تقوم بحيلة السحر ، فهذا افتراض خاطئ لسببين اثنين : ..

أولهما : أن السحرة لا يستطيعون تحويل طبيعة الأشياء وتبديلها من جنس إلى آخر ، وذلك توفر في موسى من تحويل العصا إلى حية تسعى فإذا هي تلقف ما يأفكون .

ثانيهما : إن أولي الخبرة بفنهم هم السحرة قد أعلنوا عن عجزهم وتسليمهم لموسى على الرغم من تهديد فرعون وقوة بطشه وعلى الرغم من أن موسى لا يملك لهم شيئ وأن موسى أتى بما عجز عنه أصحاب السحر وهم أولو الخبرة والمعرفة ، لكن قد رسخ في قلوب العقلاء واحدة من أول البديهيات والمسلمات العقلية ألا وهي أن الإنسان بطبعه يستحيل عليه تحويل طبيعة الأشياء ، وعلم ذلك بالضرورة .



ثم تجد نفسك بعد هذا الشوط من التساؤل لبرهان موسى أمام قضية ذات مقدمتين اثنتين هما :

الأولى : الإنسان بطبعه يستحيل عليه تحويل طبيعة الأشياء من جماد إلى جنس آخر يجري ...

الثانية : موسى من جنس البشر حول العصا من جماد إلى حية تسعى، والنتيجة إذ لا بد من شيء زائد عن موسى به تحولت العصا إلى حية تسعى ، ولا بد وأن تكون له مؤهلات التحويل والقدرة على التبديل ، ولا بد من خضوع المخلوقات له يعمل فيها كيف يشاء ... وليس ذلك إلا لله تعالى العلي القدير .



وهنا تجد نفسك أمام هذه النتيجة التي تسلم بها لبرهان موسى ، ولئن سألت نفسك كيف تبين صدق دعوى موسى لوجدت أنه تبين على مبدأ عدم التناقض والاختلاف ، ذلك أننا علمنا عجز البشر عن تحويل طبيعة الأشياء ، وعلمنا أن موسى من البشر .. وعلمنا أن تحويل العصا تم ولكن ليس بقدرة موسى الذي هو عاجز كغيره من البشر ، وليس في ذلك أي تناقض بل توافق تام .



رابع : إن هذا المبدأ هو الأصل لكل دليل استنباطي وأنت الآن تستطيع أن توقن أن هذا هو أبو البراهين وبدونه لا يعرف معروف ولا ينكر منكر وتفسد كل وسائل الاستدلال ، ذلك لأنه الدليل الأول لإثبات الألوهية والرسالة ، وعلى هذا الأساس فإننا لا نستطيع أن نهمل هذا المبدأ وهذا الأصل البديع الفذ ونحن بسبيل تدبرنا للذكر الحكيم نستجلي معانيه ونعلم أحكامه .



وبناء على مبدأ عدم التناقض فإننا نستنتج من ذلك أنه إذا كان لا بد لشيء أن يتصف بواحدة من صفتين متضادتين متناقضتين فإنهما لا تجتمعان فيه ويستحيل أن ترتفعان منه، ونضرب على ذلك الأمثال فلو قلنا أن الإنسان إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصير وأن زيد أحد الناس فلا بد أن يكون إما أعمى وإما بصير ، ويستحيل أن لا يكون أعمى ولا بصير ، وإذا قلنا أن الله خلق الخلق إما كافر وإما مؤمن وأن زيد واحد من الناس فلا بد أن يكون إما كافر وإما مؤمنا ويستحيل أن لا يكون كافر ولا مؤمن ، وإن قلنا أن الإنسان إما طائع وإما عاص وأن زيد واحد من الناس فلا بد أن يكون إما طائع وإما عاصي ويستحيل أن لا يكون طائع ولا عاصي .



وقد آن لنا أن نتكلم عن القضية محل بحثنا ونستدل بدليلنا بعد أن أقررنا ذلك المبدأ وعلمنا تطبيقه، وهذه القضية هي التي زاغت فيها الأهواء واضطربت فيها الأقوال وتفرقت فيها الفرق ، فإنه ما كان سبب ضلالهم إلا أنهم قلدوا من سبقهم واتبعوا ظنونهم وأهوائهم بغير هدى، فتراهم أجازوا المتناقضات وأباحوا المحرمات، وعلى ذلك سموا المسلمين بغير أسمائهم كأن يقولوا لهم "متزمتين ومتطرفين ومبتدعين" إلى غير ذلك من الأسماء القبيحة ، وفي نفس الوقت وبنفس القدر من الضلال سموا المشركين مسلمين فسووا بين المسلمين والمجرمين وبين الأبرار والفجار، وربنا يقول إن هؤلاء غير هؤلاء حيث يقول (أفنجعل المسلمين كالمجرمين * مالكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون)[القلم:35-38] ويقول تعالى أيض (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسق لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزل بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون)[السجدة:18-20] وقال تعالى (إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين)[الانفطار:13-16] وقال جل وعلا (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون)[غافر:58] وقال جل من قائل (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار)[ص:28] ولكنهم سووا بينهم ...



يقول سبحانه (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذب)[الكهف:5] وصدق الله إذ يقول (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون)[المؤمنون:71] ولكنا والحمد لله على ما وفقنا إليه فله المن ، فقد قرأنا كتاب الله وتدبرنا آياته فتبين لنا أن الله قد فصل وبين أن صفات الكفر وصفات الشر والذم هيئة واحدة مترابطة متلازمة لا تنفصل إحداها عن الأخرى ويستحيل ذلك تمام مثلما استحال اجتماع المتناقضات في قوله (أفمن يخلق كمن لا يخلق) وفي قوله (قل لا يستوي الخبيث والطيب) .



وكذا أسماء الإيمان وصفات المدح مترابطة متلازمة لا تنفصل ولا تنفك عن بعض تمام مثلما لا تنفصل صفات الشر عن بعضها البعض تقوم جميع وتقعد جميع فقد جعل الله للمؤمنين صفات تصفهم حال طاعتهم وجعل للعصاة صفات تصفهم حال عصيانهم تناقض صفات الإيمان ، وجعل لكل صفة من صفات المدح ما يناقضها من صفات الذم قال جل ذكره (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ونحن بناء على ما قررناه من قبل نقول بدورنا لا بد أن يكون الإنسان إما كافر وإما مؤمن ويستحيل أن يجتمعا فيه جميع أو ينفصلا منه جميع ، ويقول سبحانه (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)[النور:26] ويقول (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث)[المائدة:100] فجعل الناس إما طيب وإما خبيث ، ويستحيل أن يجتمعا جميع أو يرتفعا جميع ، وقال (ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون)[الأنفال:37] وقال (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسق لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزل بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون)[السجدة:18-20] وقال سبحانه (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)[آل عمران:110] وقال سبحانه (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون)[يونس:33] فجعل الفسق نقيض الإيمان فهما لا يجتمعان ويستحيل أن يرتفعا جميع وقال تعالى (إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين) [الانفطار:13-16] .



وهكذا أخي المسلم كلما زاد بحثك زاد علمك كما وعدك ربك بقوله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)[العنكبوت:69] وحقق الألباني في السلسة الصحيحة قوله (ص) (من يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه) .



ونزيدك توضيح وبيان أنها قد وردت في نصوص القرآن ألفاظ ذم متعددة، مثل كفر وأشرك وعصى وعتى وفسق وأجرم وأذنب ... فهل كل لفظ يدل على معنى بذاته ويدل في نفس الوقت على موصوف مختلف ؟ وهل تستقل تلك المعاني عن بعضها وتنفصل ؟ أعني : هل المشرك صنف والكافر صنف ثان والعاصي صنف ثالث والفاسق صنف رابع .. أم أن لتلك الألفاظ والمعاني رابط ما وعلاقة؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي البحث عن كل لفظ وتحديد دلالته وقت نزول القرآن وإليك أخي البيـــان : ..



1- عصى : العصيان ضد الطاعة ، وعصى العبد ربه أي : خالف أمره والعصيان الامتناع والمخالفة استعصى عليه الشيء اشتد وامتنع وتصلب وقسى ، ولك أن تعلم الآن أن العصيان هو عدم الطاعة بالامتناع من إنفاذ الأمر والتصلب على الأمر ، فالشيء المستعصي هو المتصلب الممتنع عن التشكل ، ولذلك فهو ضد الطاعة من حيث كون الطاعة من الذل والانقياد .

2- عتى : العتو هو الاستكبار وتجاوز الحد ، وهو أيض العصيان ، عتى فلان إذا لم يطع ، فعتى وعصى بمعنى واحد ، إذ فهما مترادفان .

3- طغى : الطغيان تجاوز الحد ، يقول تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)[الحاقة:11] أي فاض الماء وزاد عن حده ، فمن زاد عن حده فقد طغى .

4- فسق : الفسوق هو الخروج ، فمن خرج عن أمر الله فقد فسق ، ومن خرج عن الصراط المستقيم فقد فسق .

5- فجر : الفجور هو الخروج عن الحق ، فمن خرج عن صراط الله المستقيم فهو فاجر ، إذ فالفاجر هو الفاسق وهما اسمان مترادفان .

6- أذنب ، أجرم : الذنب والجرم بمعنى واحد وهو تحمل المرء شيء زائد عن بدنه وذاته ، ويقال أجرم فلان أي تحمل جرم .

7- أخطأ : الخاطئ من تعمد ما لا ينبغي فعله ومنه الخطيئة .

8- أساء : السوء كل كلمة قبيحة أو فعلة قبيحة لأنها تشين صاحبها ، فمن عمل عمل يعرض للعقوبة أو الذم فقد أساء إلى نفسه .

9- ظلم : الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن جاوز الحد فقد ظلم.

10- الفحش : تجاوز الحد .

11- كفر : الكفر التغطية والستر، ومنه سمي الليل بالكافر حيث أنه يستر الأجسام فلا تظهر، وسمي الزارع بالكافر حيث أن يستر البذور في التربة فتختفي ولا تبين ، وسمي المخالف لأمر الله كافر حيث أنه يستر حق الله فيه من الطاعة والعبادة .

12- أشرك : الشرك المخالفة .



وبعد تحديد معاني تلك الألفاظ نجدها متلازمة لا تنفصل واحدة عن الأخرى، ونجد أنها جميع صفات للمرء حال المخالفة لأمر الله تعالى ، وهكذا أخي لتعلم أننا إنما نتكلم عن صفات المدح العامة وكذلك صفات الذم العامة ، فصفات الذم هي المتمثلة في العصيان والفسوق والكفر والظلم والشرك والشقاق والخبث والضلال والفجور والمحادة لله ورسوله والغي والبغي والعدوان والشر ...



ونتكلم عن صفات المدح المتمثلة في اللين والطاعة والمحافظة على حدود الله تعالى والإيمان والإخلاص والإسلام والبر والتقوى والإحسان ... ، وأنت لو دققت النظر لوجدت أن كل صفة من صفات المدح لها ما يقابلها من صفات الذم وقد علمت أن صفات الذم مترابطة يستحيل انفصالها وكلها تناقض صفات المدح فلا يجتمعان كما لا يجتمع الليل والنهار ...



ونزيدك في الأمر بيان كيف أنها مجتمعة جميع لا تنفصل فقولنا أن فلان خالف أمر الله إنما نعني أنه أتاه أمر من الله فخالفه ، وهو بهذه المخالفة إنما امتنع عن أمر الله فأبى طاعته فهو متول ، وهو بهذا التولي عاص لله ورسوله ولم يؤد حق الله تعالى في نفسه ، وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أي أن لله في الإنسان حق وهو الطاعة وعندما يعصي الإنسان فإنه لم يؤد هذه الطاعة أي لم يظهرها بل سترها فقد ستر حق الله فيه فهو كافر إذ أنه كفر حق الله تعالى فيه ، وفي نفس الوقت وبتلك المخالفة فهو طائع وعابد للطاغوت فهو مشرك بعبادة ربه وهو بنفس الوقت إنما تعدى حدود الله وخرج عن أمر الله فهو فاجر وفاسق ، وهو بتلك المخالفة قد ضل الطريق فهو ضال ، وهو بتلك المخالفة قد أساء وأذنب فهو مسيء مذنب، وهو بتلك المخالفة قد أوقع نفسه موقع الذم والعقاب فهو ظالم وهكذا في كل صفة من صفات الذم تربط بها كل صفات الذم .



وكذلك لو قلنا فلان يطيع الله فإننا نعني بذلك أنه أتاه أمر من الله فلان له وخضع وطوع نفسه فهو طائع عابد ، وقد أدى حق الله فيه فهو مؤمن وقد أخلص نفسه لله فهو مسلم ، وهو بهذه الطاعة قد خاف الله وخشاه فهو خاش واتقى وبر فهو متق بار ، وهو بهذه الطاعة قد حافظ على حدود الله فهو حافظ لحدود الله ، وهو تائب وشاكر وهو بهذه الطاعة محسن وهكذا تجتمع فيه كل صفات المدح والخير فعندما نذكر صفات المجرمين الضالين لا نعني أصناف من الناس وإنما نعني أوصاف ، وكذلك بذكرنا للمؤمنين لا نعني أننا نذكر أصناف من الناس وإنما نعني أوصافا ، فقولنا مسلم وبار وتقي وخاشع ومحسن لا نعني أصناف من الناس، وقولنا عاص ومشرك وكافر ومتول وظالم وفاسق وفاجر ومجرم وخبيث إنما نعني أوصاف تجتمع في كل مشرك لا تنفصل منها واحدة عن الأخرى .



وأضرب لك على ذلك أمثالا بينة فأنت المسلم الذي قد علمت أنه لا إله إلا الله وأنه هو الواحد الصمد وأنه هو الحي القيوم السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر المنتقم العليم الخبير السميع البصير العلي القدير الرءوف الرحيم ... وأنه له الأسماء الحسنى فهل أنت عندما تذكر هذه الصفات جميعها تذكر أصناف من الآلهة أم أنك تذكر أوصاف للإله الواحد لا شك أنك تذكر أوصاف للإله الواحد فأنت عندما تذكره سبحانه بصفة بالضرورة أنك تعني بقية الصفات والأسماء الحسنى ، وفي نفس الوقت هي صفات مختلفة ثبتت للإله الواحد وهي صفات متعددة لا صفة واحدة ، فقولنا عليم غير قولنا حكيم وقولنا سميع غير قولنا بصير وقولنا عزيز غير قولنا ودود وقولنا الظاهر غير الباطن وقولنا الأول غير الآخر وقولنا الرازق غير المهيمن ، تعددت الأسماء والصفات والرب واحد ، فهذا مثل ما نقول عاص فإنما نعني مخالف أمر الله ولا ننفي بقية الصفات عنه وإنما هي مرتبطة كل الترابط لا تنفصل منها واحدة ولأنها أوجه مختلفة لكل معصية لله كما سبق .



وأزيدك مثال فأنت المسلم الذي تعلم أن يوم القيامة يوم واحد ليس غير ، ولكنك تجد له في القرآن أسماء متعددة ومختلفة ولكنك تعني يوم واحد له أسماء مختلفة باعتبار ما يحصل فيه والأمثلة كثيرة جد ... وكذلك الرسول (ص) له أسماء متعددة ، وكثير من الأشياء لها أسماء متعددة حول معنى واحد ، وننتهي من هذا البحث إلى حقائق بسيطة المعنى جليلة الأثر كالسيف المرهف القاطع وهي أن صفات المدح هيئة بذاتها تصف المؤمن حال طاعته وأن صفات الذم هيئة بذاتها تصف المجرم حال عصيانه، وأنهما هيئتان متضادتان متناقضتان لا تجتمعان ولا ترتفعان وأظن أن من السهل عليك أخي المسلم أن تتبين ضلال من ادعى أن المسلم يكون عاصي لله ورسوله أو مسيئ أو ظالم أو فاسق أو مشرك وأن الكافر يكون مسلم أو مؤمن أو أن له أي صفة من صفات المدح فهو التناقض بعينه كما سبق أن علمت .



وعلى هذا فإذا قال الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)[المائدة:47،45،44] فإن الله لا يعني أصناف من الحكام وإنما هي أوصاف تصفهم حين مشاقتهم لله ورسوله وإبائهم عن حكمه فهم الكافرون باعتبار كفر حق الله تعالى فيهم ، وهم الفاسقون باعتبار خروجهم عن صراط الله ، وهم الظالمون باعتبار تعريض أنفسهم لعقاب الله تعالى وحق النفس على صاحبها أن يزكيها ، وهذه الصفات جميع في كل من حكم بغير ما أنزل الله تعالى لا تنفصل لأنها أوجه لعصيان الله جل وعلا ، وليس معنى ذلك أنهم ليسوا مشركين أو فجار أو عصاة أو مجرمين أو ضالين أو غاوين ، كلا إنهم أنفسهم تجتمع فيهم صفات الشر باعتبار عصيانهم لله تعالى كما سبق أن بينا ذلك ، وقال سبحانه وتعالى (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون)[الحجرات:7] فقد قصر الله الرشد على من هذه صفته فلا إسلام إلا برشد ولا رشد إلا بحب الإيمان وكره ما يضاده من كفر وفسوق وعصيان .



وقد جعل الله هيئة الإيمان بما فيه من بر وتقوى وخشوع وورع ... مقابل ما يناقضها ويضادها من هيئة الشر من كفر وفسوق وعصيان ... ، فقد كره الله إلينا مخالفة أمره بكل ما تحمله الكلمة من صفات قبيحة فهو سبحانه كره إلينا الكفر لأنه كفر وستر لحقه، وكره إلينا الفسوق لأنه خروج عن صراطه، وكره إلينا العصيان لأنه إباء لطاعته فكرهها إلينا باعتبار أنها تقوم جميع وتقعد جميع وهي عبادة لغيره وشرك به وهكذا وإن لم يذكر لنا بقية صفات الشر فهي مفهومة لكونها تترابط مع أخواتـها جميع .



ونسأل من قال أن الكفر غير الفسوق : أليس الكفر عصيان الله وأليس الفسوق عصيان الله فإذا كانت هذه درجات فلماذا ذكر العصيان وهو مشترك بين الكفر والفسوق كما تقرون ؟ أم أنكم تزعمون أن الكفر درجة والفسوق درجة والعصيان درجة ..؟ وبهذا الكلام تضطرب المعاني كلها .



ثاني : لماذا تقولون أن العصيان فسوق وقد ذكر وحده منفصل ، ولو قلتم أن العصيان غير الفسوق فنسألكم من هو الفاسق وماذا يعمل سوى العصيان ..؟ وهنا تبين أنهما اسمان لمسمى واحد كما أن الله قد جعل ما يضادهما الإيمان بما فيه من صفات المدح .



وقال الرسول (ص) (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)[رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود] فليس معنى ذلك التفريق بين حكم السباب والقتل ، فقتل المؤمن فسوق وسبابه فسوق لكونهما خروج عن صراط الله وكفر بحقه وشرك بعبادته وظلم للنفس وللغير وإساءة وضلال وفجور ، ومثل هذا ما روي أن بغية من بني إسرائيل دخلت الجنة في *** سقته ، فإن الله لا يعني أن ينطلق المرء في جميع الآثام ثم يسقي *** فيدخل الجنة .. بل لا بد لدخول الجنة من كل الإسلام ، وإن سقْي الكلب مع الشرك وعبادة الطاغوت لا ينفع بشيء ، ولا بد أن هذه البغية قد وحدت الله تعالى قلب وجارحة إن صح الحديث .



وبذلك أخي المسلم يتبين لك سفاهة الذين زعموا في العبد الطاعة والعصيان جميع، والكفر والإيمان جميع والإساءة والإحسان جميع في اللحظة الواحدة ، وقد علمت ذلك مما سبق ومن قوله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)[الأحزاب:4] فهو قلب واحد إما مع الله تعالى بالطاعة أو مع غيره بالتولي وظني بك أيها المسلم وقد خضت هذه القضية أن تتقي سوء القول وتتمسك بأحسن الظن ، لإنك قد علمت علم اليقين أن هذا واحد من أهم أدلتنا على حد الإسلام، حيث أنه قد تبين لك أنه من المستحيل أن يجتمع في العبد الواحد الطاعة والعصيان فيستحيل أن يكون المؤمن عاصي لأنه التناقض، ولن يبقى لنا على أي دعوى دليل أو برهان .. سواء في ذلك الصادق والكاذب ، وقد علمت أن كل صفات الذم لها ما يقابلها من صفات المدح وأنهما هيئتان متضادتان .



أيض لو دققت النظر في القرآن الكريم لوجدت أن كل صفات الذم مآل أصحابها إلى الخلود في نار جهنم ... فإن قلت عاص قال تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبد)[الجن:23] وإن قلت كافر ، قال الله تعالى كذلك (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور)[فاطر:36] وإن قلت آثم ، قال جل وعلا (إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم)[الدخان:44،43] وإن قلت منافق ، قال تعالى (إن المنافقين في الدرْك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا)[النساء:145] وإن قلت فاسق فمأواه النار ، كما قال تعالى (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها)[السجدة:20] وإن قلت مجرم قال سبحانه (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون)[الزخرف:75،74] وإن قلت غاو يجيب المولى بقوله (فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون)[الشعراء:95،94] وإن قلت مشرك قال عز وجل (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)[المائدة:72] وإن قلت ظالم قال جل ذكره (ومن يظلم منكم نذقه عذاب كبير) [الفرقان:19] وإن قلت خبيث قال تعالى (ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون)[الأنفال:37] وإن قلت فاجر قال تعالى (وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين)[الانفطار:14-16] وإن قلت مسيء قال سبحانه (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)[يونس:27] فقد تبين أن أهل صفات الذم مخلدون في النار .



وانظر إلى القرآن ... هل تجد صاحب صفة ذم سيدخل الجنة ؟ لا يوجد ذلك أبد وهذا مما يدل على أن صفات الذم هيئة واحدة تقوم جميع وتقعد جميع وهاك بعض الآيات من القرآن تربط بين هذه الأسماء والصفات قال جل ذكره (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)[البقرة:229] وقال (فأبى الظالمون إلا كفور)[الإسراء:99] وقال (والكافرون هم الظالمون)[البقرة:254] وقال (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينـزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) [آل عمران:151] فهذه أدلة تربط بين الكفر والشرك والظلم وتبين أنها شيء واحد .



وقال تعالى (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)[البقرة:229] فقد سمى الذي يتعد حدوده ظالم ، والظالم هو الكافر المشرك ، وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)[المائدة:47،45،44] فتسويته في الجريمة يدل على تسويته في الحكم ، فالجريمة واحدة وقد سماها بعدة أسماء مما يدل على أن معاني هذه الأسماء واحد وقال تعالى (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)[الحجرت:11] فسمى التنابز بالألقاب فسق وسماه ظلم مما يدل على أن الفسق هو الظلم والظلم هو الكفر ، وقال تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)[البقرة:59] فبين أن الفسق هو الظلم والظلم هو الفسق والظلم هو الكفر ، وقد جعل الله الفسق نقيض الإيمان كما جعل الكفر والشرك نقيض الإيمان .



وتدبر أخي المسلم تجد أن في كتاب الله البيان لكل ذلك وما سقناه قليل من كثير ، أما من يقول أن هناك مسلم عاص فلا بد أن يجعل في القرآن تناقض واختلاف بحيث يقول أن المسلم قد يكون عاصي أو مشرك أو ظالم إلى آخر أقوالهم التي تلحق بكتاب الله التناقض والاختلاف ، حتى أنهم يقولون لو أن إنسان تلبس بطاعة ومعصية كمن صلى وهو متختم بالذهب ماذا يسمى ..؟ فلا يعجزك أخي الرد فيمن هذا شأنه مما قد علمت أنه يتصف بصفة من صفات الذم أي أنه متبع أمر الشيطان فهو مشرك يطيع الله ويطيع الشيطان فتجتمع في المشرك كل صفات الذم ، فقد أمره الله أن يطيعه وحده ولا يطيع أمر الشيطان، فكيف يقول إياك نعبد، أي ما نطيع إلا أنت يا رب ، ثم هو طائع ومتبع للشيطان ... أيكذب على الله وهو في أثناء صلاته ...



والحمد لله الذي نبأنا الله من أخبارهم .. الحمد لله الذي علمنا الأسماء وأبان لنا الطريق وكل ضلال وغي إنما منشؤه التحريف في الأسماء والمسميات ، والنبي (ص) قد حذر من ذلك فقال (سموا الأشياء بمسمياتها) فلا يجوز التحريف في الأسماء، وما حصل الخطأ لآدم إلا بسبب أنه قبل أن يسمي من سماه الله عدوه ناصح له ، وعندما قبل آدم النصيحة منه أغواه وأوقعه في عصيان الله تعالى ، ولا يزال الشيطان يزين للناس تحريف الأسماء الشرعية حتى زين لهم أن يسموا مسلم عاص مسلم كافر به كفر أصغر ، مسلم مشرك به شرك أصغر ، مسلم فاسق ظالم فاجر ملعون ، أسماء ما أنزل الله بها من سلطان فضلوا وأضلوا ... نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة أنه على ما يشاء قدير ...