بن الحاجر
13/02/2006, 03:17 AM
نادرا ما شعر اللبنانيون منذ استقلالهم عن فرنسا في عام 1943 بمأساة كبيرة حلت بهم باغتيال شخصية سياسية كالشعور الذي انتابهم بعد مقتل الرئيس الاسبق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير عام 2005. ولذلك عندما يحيي اللبنانيون ذكرى اغتياله الاولى فانهم يدركون ان بلدهم يعيش ادق مرحلة في تاريخه السياسي الحديث نظرا لان الشخصية التي استهدفت لم تكن على مستوى لبنان كله فحسب وانما تجمع بين البعد الاقليمي والعالمي المعطوف على وطنية لبنانية على خلفية اعادة بناء وطن خارج من من تحت ركام الحرب والانقسام.
فاغتيال الحريري لم يكن سابقة في التاريخ السياسي اللبناني ولا الاول في قتل رؤساء حكومات سابقين او كانوا يمارسون الحكم، فقبله وفي عام 1949 اغتيل رياض الصلح رئيس وزراء لبنان واحد الشركاء في الصيغة اللبنانية التقليدية المعروفة التي تنشد التعايش بين الطوائف لابل احد ابطال استقلال لبنان. وصحيح ان لبنان اهتز لهذا الحدث الكبير لكنه تمكن من احتواء تداعياته وبعد هذه الحادثة بثلاثة عقود اغتيل رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل مما ادى الى تاجيج الصراع الداخلي ومع ذلك تجاوز اللبنانيون ذلك الى مؤتمر حوار وطني في جنيف ولوزان في اشارة الى ان فرص التلاقي اكبر من فرص التباعد. وبعد اغتيال الجميل بسنوات اغتيل رئيس الحكومة رشيد كرامي في عام 1987 وهو لا يزال في الحكم وايضا تجاوز لبنان هذه الجريمة المأساوية لكن يبدو بعد 18 عاما حين حدث اغتيال جديد الامر مختلفا في الظروف والشخصية المستهدفة. فالرئيس رفيق الحريري الاتي الى الحكم من بوابة العلاقات الاقليمية والدولية حاول تسخير تلك العلاقات في حركته اللبنانية، وهذه مسألة تحمل الكثير من التعقيدات والالغام في آن لانه ليس من السهولة لبننة لبنان على حساب التاثير الاقليمي السوري بالدرجة الاولى او كما كان يردد الحريري ان لبنان لايحكم من سوريا ولاسوريا تحكم من لبنان. وهذا لايعني ان الحريري كان معاديا لسوريا لكنه لم يكن من نادي رؤساء الحكومة اللبنانيين الذين كانوا يرون ان دمشق تملك كل الاوراق في لبنان وبالتالي حدود القرار اللبناني يجب ان لاتتخطى العاصمة السورية. فالرئيس الحريري اتت به الى رئاسة الحكومة تسوية امريكية سعودية وبرضى سوري ترجمت في اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية في عام 1989 ولذلك كان يهتز موقعه السياسي في لبنان كلما اهتزت التسوية الاقليمية الدولية المبرمة وكلما ارتفع مستوى العامل السوري في لبنان. وحين بدأ الحريري مسيرة اعادة اعمار لبنان في عام 1992 لم يكن في برنامج عمله الاعمار الاقتصادي فقط وانما اعادة صيغة تسوية سياسية لبنانية مستندة الى اتفاق الطائف الذي اخذ الحريري وبعض اللبنانيين على سوريا التهرب من تنفيذ الكثير من بنوده وهذا ما احدث خللا في العلاقة مع سوريا التي كانت تسيطر عسكريا وسياسيا على لبنان. وقد ظهر التباعد بين النظرتين السورية واللبنانية التي يمثلها الحريري مع تسلم الرئيس بشار الاسد مقاليد السلطة في سوريا في عام 2000 وبعد انسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان وهو عمليا حين بدا الطلاق الامريكي السوري ودفن صيغة الاتفاق بين واشنطن ودمشق حول لبنان في عام 1990 والذي بموجبه اطلقت يد دمشق في لبنان بعد تاييد سوريا للتحالف الدولي بزعامة واشنطن ضد العراق وانفجر الصراع على نطاق واسع بين السوريين من جهة والامريكيين والفرنسيين والسعوديين من جهة اخرى في اواخر عام 2004 حين مددت دمشق ولاية الرئيس اميل لحود ثلاث سنوات اخرى بعدما انتهت ولايته في سبتمبر عام 2004. والتمديد في عنوانه هو بروز تعارض بين مشروعين في لبنان مشروع سوري مبني على القلق والخوف والاتيان برئيس جديد قد يكون معارضا لسوريا وان الضمانة لمواجهة المستجدات هي اميل لحود الذي جرب لمدة ست سنوات في الحكم وبرهن عن اخلاصه للتحالف اللبناني السوري ومشروع متصادم مع الاول يرى ان انتخاب رئيس جديد يخفف من القبضة السورية على لبنان، والتمديد الذي كان له معارضون كثر ومؤيدون في الوقت ذاته ادخل لبنان في صراع سياسي حاد اخرج الرئيس الاسبق للحكومة رفيق الحريري من رئاسة السلطة التنفيذية وترافقت هذه التطورات مع توتر امريكي سوري حول العراق وفلسطين وكذلك لبنان. وحل عمر كرامي الزعيم الشمالي المقرب من دمشق محل رفيق الحريري في رئاسة الحكومة اواخر عام 2004 في اشارة قوية للحريري وغيره انه ليس الرقم الصعب في المعادلة اللبنانية الذي لايمكن تشكيل حكومة بدونه وان تسير الامور على مايرام وان دمشق لا تزال تملك الاوراق الربحة في لبنان. ودخلت لبنان المرحلة الخطيرة عنوانها الانقسام والتوتر السياسي والخلاف الاقليمي الامريكي الذي انعكس ضغطا امريكيا على دمشق لافلات لبنان من قبضتها. وكادت الامور تسير وفق المشهد السياسي التقليدي اللبناني الذي تحكمه دائما التسويات والصيغ مهما بلغ الخلاف السياسي حدا لكن كان زلزال 14 فبراير، رفيق الحريري السياسي اللبناني المعروف ورئيس حكومات عديدة بعد انتهاء الحرب في لبنان ورئيس كتلة نيابية كبيرة في المجلس النيابي اللبناني وايضا صاحب الشبكة الواسعة من العلاقات العربية والدولية شهيدا بانفجار في العاصمة بيروت وانفجر معه الوضع اللبناني فوضى سياسية كادت ان تطيح بالسلم الاهلي لولا ادراك الجميع ان العودة الى الوراء هي عودة الى الخراب والدمار. لكن قد يكون الهدوء المشوب بالقلق هو ايضا نوع من انواع الحرب على لبنان حيث عاش لبنان لحظات عصيبة وعاش ابناؤه في هاجس الاغتيالات التي كرت سبحتها فيما كان الجيش السوري يسرع انسحابه من لبنان بعد ثلاثين عاما من الوجود العسكري والسياسي والمخابراتي وانسحب السوريون في السادس والعشرين من ابريل تحت وطأة الضغط الامريكي وبعدما انقسم لبنان الى تيارين تيار الثامن من مارس الذي يقدم نفسه على انه صديق سوريا وحليفها و غطت الحشود المليونية ساحة رياض الصلح وسط العاصمة على بعد امتار من اعتصام قوى المعارضة اللبنانية المطالبة باسقاط رئيس الجمهورية اميل لحود وتحميل سوريا مسؤولية اغتيال الحريري. وهذا الحشد المليوني في الثامن من مارس حض القوى الاخرى على حشد مماثل في الرابع عشر من مارس في ساحة الشهداء القريبة وعلى مقربة من ضريح رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري على وقع الشعارات والهتافات المعادية لسوريا وللحود وهكذا انقسم لبنان بين مارسين 8 مارس و14 مارس واطاح المعارضون بحكومة الرئيس عمر كرامي الذي قاده حظه العاثر مرة اخرى الى الاستقالة تحت ضغط الشارع بعدما اضطره الشارع في عام 1992 الى التخلي عن رئاسة اول حكومة يرأسها. وقد بدا لبنان مكشوفا بالكامل خاصة بعدما غادر اخر جندي سوري لبنان في السادس والعشرين من ابريل منهيا بذلك عصر الوصاية السورية على لبنان لمدة ثلاثة عقود كما يقول المناهضون لدمشق لكن انتهاء الوصاية السورية اوجد وصاية امريكية بتوافق فرنسي على لبنان كما يقول حلفاء سوريا وبرز ذلك في تشكيل الرئيس نجيب ميقاتي حكومته خلفا لعمر كرامي حيث قيل تسوية امريكية فرنسية سعودية ادت الى تشكيل حكومة ميقاتي من اجل تمرير الاستحقاق الانتخابي النيابي في موعده. ووسط هذا الاحتراب السياسي سقطت ضحية اخرى في مسلسل الاغتيالات في لبنان الذي بدا انه لم يتوقف عند رفيق الحريري حيث اغتيال الصحفي اللبناني المعارض لسوريا سمير قصير واغتيال قصير جاء حين كانت صناديق الاقتراع في لبنان تفتح في اول انتخابات نيابية يشهدها لبنان بعد الحرب بمعزل عن الشاهد والمهندس السوري لها وقد ادت نتائجها الى انهيار ذريع لحلفاء سوريا في عدد من المناطق حيث غابت اسماء لها علاقات مميزة مع دمشق عن الساحة السياسية وحلت مكانها اسماء مغمورة في العمل السياسي جاءت بها التيارات المناهضة لدمشق والتي عرفت فيما بعد بالاكثرية النيابية لكن برز في الانتخابات صعود لتيار العماد ميشال عون في بلاد جبيل كسروان وفي منطقة المتن حيث شكل عون كتلة نيابية بالتحالف الزعيم البقاعي الارثوذكسي الياس سكاف وباتت كتلته تضم 21 نائبا يصنفون على انهم حلفاء جدد لسوريا بعدما دب الخلاف بينهم وبين قوى 14 مارس. في حين حافظ التحالف الشيعي المشكل من حركة امل وحزب الله على موقعه ودوره في المعادلة السياسية والنيابية اللبنانية. هذا التشكيل الجديد للمجلس النيابي اللبناني اظهر ان الاتجاه السياسي اللبناني سيكون مختلفا عن السابق في وقت ارتفعت فيه مجددا اصوات الانفجارات في بيروت والتي طالت هذه المرة السياسي اللبناني جورج حاوي كما فجرت مؤسسات اقتصادية وسياحية في المنطقة المسيحية من بيروت والقريبة منها في محاولة لضرب الاستقرار اللبناني والوحدة الوطنية اللبنانية حمل المسيحيين على رفع شعار امن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار. لكن المفاجأة هذه المرة في مسلسل الاغتيالات هي محاولة اغتيال وزير الدفاع الياس المر صهر رئيس الجمهورية لكنه نجا من الموت باعجوبة وترافقت محاولة اغتيال المر مع بدء لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري عملها برئاسة القاضي الالماني ديتليف ميليس والامساك برأس خيط بالاشتباه بمسؤولين امنيين لبنانيين في الجريمة وقد تم توقيفهم لاحقا وبتورط سوري فيها. ولم يتوقف مسلسل القتل او محاولة عند الياس المر وانما تعداه ليطال الصحفيين حيث نجت الصحفية مي شدياق المعارضة لسوريا من الموت بعد تفجير سيارتها وبترت يدها ورجلها في هذا التفجير. هذه التطورات الامنية قابلها انسداد في الافق السياسي اللبناني الداخلي على خلفية العلاقة المتوترة بين لبنان وسوريا والتي كانت شهدت في اشهر الصيف اقفالا للحدود بين البلدين مع تحريك لملف السلاح الفلسطيني وادى الاحتقان الداخلي الى اعتكاف وزراء التحالف الشيعي امل وحزب الله عن حضور جلسات مجلس الوزراء على خلفية المطالبة الشيعية بتحديد دور لبنان في الصراع مع اسرائيل والالتفاف حول المقاومة وعدم تدويل ملف اغتيال الرئيس الحريري وكشف الخلاف حول هذا الموضوع عن انقسام لبناني حقيقي حول القضايا الاساسية وما يعرف بالثوابت الوطنية وبالتالي حول دور لبنان الاقليمي مستقبلا ولان يد الاجرام تحاول ان ترسم المشهد اللبناني وفق مخططاتها كان جبران تويني هو الشهيد الاخر لاعمال القتل بعدما فجرت سيارته في الثاني عشر من ديسمبر ليكون اخر شهيد في عام 2005 لكن ليس الاخير في لبنان طالما ان لبنان تعيش حالة من الفوضى السياسية الحادة على الرغم من عودة وزراء التحالف الشيعي الى الحكومة، لان هذه العودة لم تنه الانقسام السياسي الذي تعمق اكثر ببعده الطائفي المذهبي ووضع لبنان دائما في امتحان الوحدة الوطنية، ومن المؤكد ان هذا المشهد لم يكن ليرسم لولا اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي وجد فيه الكثيرون شخصية كانت من الممكن ان تعيد بناء لبنان على اسس اكثر لبنانية وفق صيغة ان قوة لبنان في علاقاته الدولية والعربية. ولذلك فان اللبنانيين عندما يحيون ذكرى اغتيال الحريري فانهم يتحسرون على فرصة ضاعت لاعادة تكوين لبنان جديد ويعيشون القلق من عدم تمكن بلدهم من استعادة عافية الوحدة الوطنية المصابة الان باعتلال واضح في صحتها.
فاغتيال الحريري لم يكن سابقة في التاريخ السياسي اللبناني ولا الاول في قتل رؤساء حكومات سابقين او كانوا يمارسون الحكم، فقبله وفي عام 1949 اغتيل رياض الصلح رئيس وزراء لبنان واحد الشركاء في الصيغة اللبنانية التقليدية المعروفة التي تنشد التعايش بين الطوائف لابل احد ابطال استقلال لبنان. وصحيح ان لبنان اهتز لهذا الحدث الكبير لكنه تمكن من احتواء تداعياته وبعد هذه الحادثة بثلاثة عقود اغتيل رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل مما ادى الى تاجيج الصراع الداخلي ومع ذلك تجاوز اللبنانيون ذلك الى مؤتمر حوار وطني في جنيف ولوزان في اشارة الى ان فرص التلاقي اكبر من فرص التباعد. وبعد اغتيال الجميل بسنوات اغتيل رئيس الحكومة رشيد كرامي في عام 1987 وهو لا يزال في الحكم وايضا تجاوز لبنان هذه الجريمة المأساوية لكن يبدو بعد 18 عاما حين حدث اغتيال جديد الامر مختلفا في الظروف والشخصية المستهدفة. فالرئيس رفيق الحريري الاتي الى الحكم من بوابة العلاقات الاقليمية والدولية حاول تسخير تلك العلاقات في حركته اللبنانية، وهذه مسألة تحمل الكثير من التعقيدات والالغام في آن لانه ليس من السهولة لبننة لبنان على حساب التاثير الاقليمي السوري بالدرجة الاولى او كما كان يردد الحريري ان لبنان لايحكم من سوريا ولاسوريا تحكم من لبنان. وهذا لايعني ان الحريري كان معاديا لسوريا لكنه لم يكن من نادي رؤساء الحكومة اللبنانيين الذين كانوا يرون ان دمشق تملك كل الاوراق في لبنان وبالتالي حدود القرار اللبناني يجب ان لاتتخطى العاصمة السورية. فالرئيس الحريري اتت به الى رئاسة الحكومة تسوية امريكية سعودية وبرضى سوري ترجمت في اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية في عام 1989 ولذلك كان يهتز موقعه السياسي في لبنان كلما اهتزت التسوية الاقليمية الدولية المبرمة وكلما ارتفع مستوى العامل السوري في لبنان. وحين بدأ الحريري مسيرة اعادة اعمار لبنان في عام 1992 لم يكن في برنامج عمله الاعمار الاقتصادي فقط وانما اعادة صيغة تسوية سياسية لبنانية مستندة الى اتفاق الطائف الذي اخذ الحريري وبعض اللبنانيين على سوريا التهرب من تنفيذ الكثير من بنوده وهذا ما احدث خللا في العلاقة مع سوريا التي كانت تسيطر عسكريا وسياسيا على لبنان. وقد ظهر التباعد بين النظرتين السورية واللبنانية التي يمثلها الحريري مع تسلم الرئيس بشار الاسد مقاليد السلطة في سوريا في عام 2000 وبعد انسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان وهو عمليا حين بدا الطلاق الامريكي السوري ودفن صيغة الاتفاق بين واشنطن ودمشق حول لبنان في عام 1990 والذي بموجبه اطلقت يد دمشق في لبنان بعد تاييد سوريا للتحالف الدولي بزعامة واشنطن ضد العراق وانفجر الصراع على نطاق واسع بين السوريين من جهة والامريكيين والفرنسيين والسعوديين من جهة اخرى في اواخر عام 2004 حين مددت دمشق ولاية الرئيس اميل لحود ثلاث سنوات اخرى بعدما انتهت ولايته في سبتمبر عام 2004. والتمديد في عنوانه هو بروز تعارض بين مشروعين في لبنان مشروع سوري مبني على القلق والخوف والاتيان برئيس جديد قد يكون معارضا لسوريا وان الضمانة لمواجهة المستجدات هي اميل لحود الذي جرب لمدة ست سنوات في الحكم وبرهن عن اخلاصه للتحالف اللبناني السوري ومشروع متصادم مع الاول يرى ان انتخاب رئيس جديد يخفف من القبضة السورية على لبنان، والتمديد الذي كان له معارضون كثر ومؤيدون في الوقت ذاته ادخل لبنان في صراع سياسي حاد اخرج الرئيس الاسبق للحكومة رفيق الحريري من رئاسة السلطة التنفيذية وترافقت هذه التطورات مع توتر امريكي سوري حول العراق وفلسطين وكذلك لبنان. وحل عمر كرامي الزعيم الشمالي المقرب من دمشق محل رفيق الحريري في رئاسة الحكومة اواخر عام 2004 في اشارة قوية للحريري وغيره انه ليس الرقم الصعب في المعادلة اللبنانية الذي لايمكن تشكيل حكومة بدونه وان تسير الامور على مايرام وان دمشق لا تزال تملك الاوراق الربحة في لبنان. ودخلت لبنان المرحلة الخطيرة عنوانها الانقسام والتوتر السياسي والخلاف الاقليمي الامريكي الذي انعكس ضغطا امريكيا على دمشق لافلات لبنان من قبضتها. وكادت الامور تسير وفق المشهد السياسي التقليدي اللبناني الذي تحكمه دائما التسويات والصيغ مهما بلغ الخلاف السياسي حدا لكن كان زلزال 14 فبراير، رفيق الحريري السياسي اللبناني المعروف ورئيس حكومات عديدة بعد انتهاء الحرب في لبنان ورئيس كتلة نيابية كبيرة في المجلس النيابي اللبناني وايضا صاحب الشبكة الواسعة من العلاقات العربية والدولية شهيدا بانفجار في العاصمة بيروت وانفجر معه الوضع اللبناني فوضى سياسية كادت ان تطيح بالسلم الاهلي لولا ادراك الجميع ان العودة الى الوراء هي عودة الى الخراب والدمار. لكن قد يكون الهدوء المشوب بالقلق هو ايضا نوع من انواع الحرب على لبنان حيث عاش لبنان لحظات عصيبة وعاش ابناؤه في هاجس الاغتيالات التي كرت سبحتها فيما كان الجيش السوري يسرع انسحابه من لبنان بعد ثلاثين عاما من الوجود العسكري والسياسي والمخابراتي وانسحب السوريون في السادس والعشرين من ابريل تحت وطأة الضغط الامريكي وبعدما انقسم لبنان الى تيارين تيار الثامن من مارس الذي يقدم نفسه على انه صديق سوريا وحليفها و غطت الحشود المليونية ساحة رياض الصلح وسط العاصمة على بعد امتار من اعتصام قوى المعارضة اللبنانية المطالبة باسقاط رئيس الجمهورية اميل لحود وتحميل سوريا مسؤولية اغتيال الحريري. وهذا الحشد المليوني في الثامن من مارس حض القوى الاخرى على حشد مماثل في الرابع عشر من مارس في ساحة الشهداء القريبة وعلى مقربة من ضريح رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري على وقع الشعارات والهتافات المعادية لسوريا وللحود وهكذا انقسم لبنان بين مارسين 8 مارس و14 مارس واطاح المعارضون بحكومة الرئيس عمر كرامي الذي قاده حظه العاثر مرة اخرى الى الاستقالة تحت ضغط الشارع بعدما اضطره الشارع في عام 1992 الى التخلي عن رئاسة اول حكومة يرأسها. وقد بدا لبنان مكشوفا بالكامل خاصة بعدما غادر اخر جندي سوري لبنان في السادس والعشرين من ابريل منهيا بذلك عصر الوصاية السورية على لبنان لمدة ثلاثة عقود كما يقول المناهضون لدمشق لكن انتهاء الوصاية السورية اوجد وصاية امريكية بتوافق فرنسي على لبنان كما يقول حلفاء سوريا وبرز ذلك في تشكيل الرئيس نجيب ميقاتي حكومته خلفا لعمر كرامي حيث قيل تسوية امريكية فرنسية سعودية ادت الى تشكيل حكومة ميقاتي من اجل تمرير الاستحقاق الانتخابي النيابي في موعده. ووسط هذا الاحتراب السياسي سقطت ضحية اخرى في مسلسل الاغتيالات في لبنان الذي بدا انه لم يتوقف عند رفيق الحريري حيث اغتيال الصحفي اللبناني المعارض لسوريا سمير قصير واغتيال قصير جاء حين كانت صناديق الاقتراع في لبنان تفتح في اول انتخابات نيابية يشهدها لبنان بعد الحرب بمعزل عن الشاهد والمهندس السوري لها وقد ادت نتائجها الى انهيار ذريع لحلفاء سوريا في عدد من المناطق حيث غابت اسماء لها علاقات مميزة مع دمشق عن الساحة السياسية وحلت مكانها اسماء مغمورة في العمل السياسي جاءت بها التيارات المناهضة لدمشق والتي عرفت فيما بعد بالاكثرية النيابية لكن برز في الانتخابات صعود لتيار العماد ميشال عون في بلاد جبيل كسروان وفي منطقة المتن حيث شكل عون كتلة نيابية بالتحالف الزعيم البقاعي الارثوذكسي الياس سكاف وباتت كتلته تضم 21 نائبا يصنفون على انهم حلفاء جدد لسوريا بعدما دب الخلاف بينهم وبين قوى 14 مارس. في حين حافظ التحالف الشيعي المشكل من حركة امل وحزب الله على موقعه ودوره في المعادلة السياسية والنيابية اللبنانية. هذا التشكيل الجديد للمجلس النيابي اللبناني اظهر ان الاتجاه السياسي اللبناني سيكون مختلفا عن السابق في وقت ارتفعت فيه مجددا اصوات الانفجارات في بيروت والتي طالت هذه المرة السياسي اللبناني جورج حاوي كما فجرت مؤسسات اقتصادية وسياحية في المنطقة المسيحية من بيروت والقريبة منها في محاولة لضرب الاستقرار اللبناني والوحدة الوطنية اللبنانية حمل المسيحيين على رفع شعار امن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار. لكن المفاجأة هذه المرة في مسلسل الاغتيالات هي محاولة اغتيال وزير الدفاع الياس المر صهر رئيس الجمهورية لكنه نجا من الموت باعجوبة وترافقت محاولة اغتيال المر مع بدء لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري عملها برئاسة القاضي الالماني ديتليف ميليس والامساك برأس خيط بالاشتباه بمسؤولين امنيين لبنانيين في الجريمة وقد تم توقيفهم لاحقا وبتورط سوري فيها. ولم يتوقف مسلسل القتل او محاولة عند الياس المر وانما تعداه ليطال الصحفيين حيث نجت الصحفية مي شدياق المعارضة لسوريا من الموت بعد تفجير سيارتها وبترت يدها ورجلها في هذا التفجير. هذه التطورات الامنية قابلها انسداد في الافق السياسي اللبناني الداخلي على خلفية العلاقة المتوترة بين لبنان وسوريا والتي كانت شهدت في اشهر الصيف اقفالا للحدود بين البلدين مع تحريك لملف السلاح الفلسطيني وادى الاحتقان الداخلي الى اعتكاف وزراء التحالف الشيعي امل وحزب الله عن حضور جلسات مجلس الوزراء على خلفية المطالبة الشيعية بتحديد دور لبنان في الصراع مع اسرائيل والالتفاف حول المقاومة وعدم تدويل ملف اغتيال الرئيس الحريري وكشف الخلاف حول هذا الموضوع عن انقسام لبناني حقيقي حول القضايا الاساسية وما يعرف بالثوابت الوطنية وبالتالي حول دور لبنان الاقليمي مستقبلا ولان يد الاجرام تحاول ان ترسم المشهد اللبناني وفق مخططاتها كان جبران تويني هو الشهيد الاخر لاعمال القتل بعدما فجرت سيارته في الثاني عشر من ديسمبر ليكون اخر شهيد في عام 2005 لكن ليس الاخير في لبنان طالما ان لبنان تعيش حالة من الفوضى السياسية الحادة على الرغم من عودة وزراء التحالف الشيعي الى الحكومة، لان هذه العودة لم تنه الانقسام السياسي الذي تعمق اكثر ببعده الطائفي المذهبي ووضع لبنان دائما في امتحان الوحدة الوطنية، ومن المؤكد ان هذا المشهد لم يكن ليرسم لولا اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي وجد فيه الكثيرون شخصية كانت من الممكن ان تعيد بناء لبنان على اسس اكثر لبنانية وفق صيغة ان قوة لبنان في علاقاته الدولية والعربية. ولذلك فان اللبنانيين عندما يحيون ذكرى اغتيال الحريري فانهم يتحسرون على فرصة ضاعت لاعادة تكوين لبنان جديد ويعيشون القلق من عدم تمكن بلدهم من استعادة عافية الوحدة الوطنية المصابة الان باعتلال واضح في صحتها.