المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : حكايةً جميلةً اسمُها: مسقط


خلفان الزيدي
22/01/2006, 09:21 PM
حكايةً جميلةً اسمُها: مسقط


اكتبُ هذهِ المرةَ عن مسقطَ.. عنِ الحبِ المسكونِ في أعماقي.. عنِ الذاتِ التي تراودني في صحوي ومناماتي.. عن مسقطَ.. وما أدراني بها يومَ كانت تستيقظُ ذاتَ صباحٍ على أزيزِ بوابتها العاتيةِ تمعن وجوهَ العابرينَ والمارينَ إلى طرقاتها قبلَ أن تأذنَ لهم بالدخولِ..
كانت مسقطُ حلمَ الطفولةِ.. وذاكرةَ الأمسِ المغيبةَ.. المكتوبةَ على صفحاتِ الحنينِ.. وعلى مرابعِ الشوقِ.. وكنتُ البعيدَ عنها يومئذٍ أحسدُ الماضينَ إليها.. الذين يتدثرونَ بسمائها.. ويجولون أرضَهَاْ.. يأتونَ ممتلئينَ بحكاياتِ المدينةِ.. والشوارعِ الواسعةِ.. متخضبينَ بزرقةِ البحرِ الذي لا بدايةَ لَهُ ولا نهايةَ.. كنتُ اقرأُ كلماتِ الانبهارِ عن مسقطَ فازدادُ لها شوقاً وحنيناً.. يهزني الشوقُ لمرابِعِهَاْ.. ويأخذني الوجدُ لنواحيها.. وودِدْتُ لو أسكنُ مسقطَ..أو احمل اسمها في شهادةِ ميلادي أو بينَ سطورِ حياتي كوسامِ فخرٍ أتوشحُ بِهِ.. وأتباهى بينَ حكاياتِ الاصحابِ.. وهم يروون سيرةَ مدينةٍ.. سيرةَ عشقي لمسقطَ..

لم أعرفْ مسقطَ إلا في مرحلةٍ متقدمةٍ من العمرِ.. كانت تأتيني كحلمٍ يداعبُ حياتي.. ويلمسُ مكامنَ العشقِ في قلبي.. كنتُ أجدها تسكنُ كتبي المدرسيةَ.. في حكايةِ مدرسِ التاريخِ عن مسقطَ.. الصامدةِ.. المانعةِ.. العتيةِ على الأعداءِ.. وفي كلماتِ مدرسِ اللغةِ العربيةِ يداعبُ أحلامنا بجملةٍ يطالبنا فيها بإيضاحِ الفعلِ والفاعلِ.. ذهبَ الرجلُ إلى مسقطَ.. ذهبَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌ على الفتحِ.. الرجلُ: فاعلٌ مرفوعٌ بالضمةِ الظاهرةِ.. إلى: حرفُ جرٍ.. (مسقطَ): اسمٌ مجرورٌ إلى أحلامِنَاْ.. يلامسُ مخيلتَنَاْ.. نرسمهُ كيفما نشاءُ وأينما نشاءُ.. نُسَطِّرُهُ تارةً بحراً زاخراً باللآلئ والأصدافِ الجميلةِ التي يحملُهَاْ إلينا القادمونَ من مسقطَ وتتجسدُ لوحةُ بديعةٌ.. وتارةً حديقةً غناءَ كالجنةِ صورتُهَاْ.. وتارةً هي الشوارعُ الفسيحةُ والمباني على ضفتيها تشرفُ على حياةِ العابرينَ والمارينَ في طرقاتِهَاْ.. كانت مسقطُ تتشكلُ في كلِّ شيءٍ..وكنا نجلسُ صغاراً حولَ أحدِهِمْ يأتينا من جهةِ مسقطَ.. محمَّلاً بالغرائبِ والعجائبِ.. وبحكاياتِ سوقِ مطرحَ ذي البضائعِ المتنوعةِ والرخيصةِ.. وبحدائقِ النسيمِ وريامِ حيثُ العشبُ يغطي كلَّ جزءٍ هناك.. وتبدو الاشجارُ بصورٍ بديعةٍ.. وهندسةٍ فريدةٍ.. وحين يسرد لنا عن المباني العاليةِ نتخيلُ الوصولَ إليها.. بسلالمَ ممتدةٍ بعضُهَاْ فوقَ بعضٍ..
كانت حكايةُ مسقطَ.. جميلةً الى الحدِّ الذي تكبرُ معه أحلامُنَا.. وتتفتقُ أزاهيرُ الشوقِ.. تشرقُ على محيا الحبيبةِ الساكنةِ غيرَ بعيدٍ منَّا.. تَقْطَعُهَا المركباتُ جيئةً وذهاباً كلَّ يومٍ.. وبوابتُهَا ما عادتْ تُغْلَقُ ذاتَ مساءٍ.. كنتُ أستمعُ إلى هذا التحولِ والتبدلِ في صورةِ المدينةِ.. واللهفةُ تنزع فؤاديَ وتستلُّهُ من مكانِهِ.. يطيرُ لأشواقِهِ كسهمٍ نافذٍ نحوَ هدفِهِ..
حينَ كان مدرسُ التربيةِ الفنيةِ يطلبُ منا رسمَ صورةِ المدينةِ.. كانت خيالاتُ مسقطَ تراودني.. وأشرعُ في سكبِ كلِّ ألواني لأكوِّنَ لوحتَهَا البهيةَ.. كانت الصورةُ متداخلةَ الألوانِ.. هنا الاخضرُ للمساحاتِ العشبيةِ.. والازرقُ لتناغمِ السماءِ وتلاقيها مع زرقةِ البحرِ.. وذا اللونُ البنيُّ للجبالِ الراسياتِ.. ذاتِ الشموخِ المسقطيِّ.. وهكذا.. أسكبُ من كلِّ لونٍ على ورقتي البيضاءَ.. وكأني أسكبُ خيالاتي اللامرئيةَ.. وأدوِّنُ لوحةَ عشقٍ بكلِّ ألوانِ الحبِّ..
وذاتَ يومٍ جاءنا تلميذٌ جديدٌ انتقلَ إلى مدرستِنَا بعدما انتقلتْ عائلتُهُ إلى مدينتِنَا الريفيةِ من مسقطَ.. كنت أولَ المتقربينَ منه.. هرعتُ لمصافحتِهِ.. وتفرستُ وجهَهُ.. وسألتهُ والدهشةُ تملؤني ما إذا كان قد ولد في مسقطَ.. وعاشَ طفولتَهُ هناك.. وتربَّى في حضنِها.. وتنقلَ بينَ معالمِها وطافَ شوارعَها..
كان التلميذُ الجديدُ يقرأُ الاسئلةَ فاغراً فَاْهُ من هذا الذي يعشقُ مسقطَ لدرجةِ الجنونِ وهو لم يَرَهَا، ولا يعرفُ شيئاً غيرَ أنها مدينةُ المساحاتِ العشبيةِ في حديقتي ريام والنسيم.. والبحرِ المليءِ بالقواقعِ والاصدافِ.. لا يعرفُ غيرَ الشوارعِ الفسيحةِ.. والمركباتِ ذاتِ الألوانِ والعلاماتِ المختلفةِ..
وراح يحكي لي حكايةً ما سئمتُ سماعَها.. ولا مللتُ كلماتِها.. قال لي عن مسقطَ الكثيرَ.. وسلبَ خيالاتي وفكري في محاسنِها وبدائِعِها.. ومن يومِها صار هذا التلميذُ صديقي.. كنتُ أتحدثُ إليهِ وكأنني أخاطبُ مسقطَ في صورتِهِ.. كانت ـ مسقطُ ـ تسمعني وأسمعها.. تناديني للقاءِ المحبينَ.. وحديثِ العاشقينَ.. وكنتُ أراقبُ المسافرينَ إليها.. هؤلاء الذين يمتطون نياشينَ السفرِ إلى مسقطَ.. وينثرون الزهورَ في دروبِهِمُ.. ويمضونَ وكأنَّهم للعلياءِ يهرعونَ..
وكان يومُ الجمعةِ يوماً مشهوداً بالنسبةِ لي.. أُحَمِّلُ المسافرينَ أشواقي للحبيبةِ.. وأسوقُ معهم سلامي وتحياتي.. وكنتُ أترقبُ مجيئَهُمُ.. وأناظرُ الدربَ.. وحينَ يفدونَ أهرعُ إليهم لأسالَهُمْ عن الحبيبةِ التي ملكت قلبي وسلبت مهجتي وكياني.. كانت كلماتُهُمْ تتناثرُ كالرياحينِ تفوحُ عطراً شذياً.. تتعانقُ مع أحلامي وآمالي.. وتجسد وجهَ الحبيبةِ الساكنةِ غيرَ بعيدٍ مني..
وكبرتُ بعضَ سنينَ.. وكبر الحلمُ.. وما عاد القلبُ يقوى على البعدِ أكثرَ من ذلك.. وكان أن أذنت الحبيبةُ باللقاءِ.. وتحققت الامنيةُ.. ذاتَ يومٍ لاحت لي من بعيدٍ.. في رحلةٍ مدرسيةٍ تحملني إليها.. وعدتُ لاتهيأَ لهذا اللقاءِ.. ولمصافحةِ الحلمِ العتيقِ.. لم أنمْ في بدءِ ليلتي.. وأبى النومُ أن يطوقني ويسدلَ علي أستارَهُ.. كنتُ أتقلبُ في فراشي وأنا أتحيَّنُ ساعةَ الصباحِ التي ستجمعني بمسقطَ.. حتى إذا ما غشيني النعاسُ فززتُ من فراشي.. ورحتُ أتجهزُ للرحيلِ.. حملت ذاتي.. واتجهت الى مكانِ التجمعِ المتفقِ عليهِ.. والابتسامةُ تعلو وجهي كما لم تعلوهُ من قبلُ.. وفي حافلةِ النقلِ كنت أجلسُ في الأمامِ كيما أكونَ أولَ من يناظرُ الحبيبةَ.. كان الطريقُ أبعدَ مما أتصورُ.. والزمنُ بطيءٌ لدرجةِ الضجرِ والتأففِ.. ونفسي تسألني متى الوصولُ؟.. فأجيبُها عمَّا قليلٍ.. ونارُ الشوقِ تحرقني.. والأضلعُ في صدري تكتوي بلهيبِها..
ولحظةَ أن لاح أولُ معالِمِها.. واتضحت ملامحُهُ من البعيدِ.. فَزَّ قلبي.. وطارَ وجداً نحوَها.. شعرتُ بخفقاتِهِ تتعالى شيئاً فشيئاً.. وأنا لا اقوى على الوقوفِ في مكاني من شدةِ الوجدِ.. ولامست أنظاري برجَ الصحوةِ.. هذا الشامخُ على مدخلِ المدينةِ.. كانت الاشجارُ باسقاتٍ أوراقُها.. والخضرةُ باسطةٌ كفيها على ضفتي الشارعِ تستقبلُ وجدي وحنيني.. كنت أتشبع في تلكَ اللحظةِ بكلِّ معلمٍ وبكلِّ صورةٍ تلتقطها أنظاري.. ولم أشبعْ.. كانتِ الصورةُ البارزةُ أمامي لمسقطَ تضاهي كلَّ الحكاياتِ والسردياتِ التي سمعتُها.. وكانت المعاني والأوصافُ التي عرفتها لا تمثل شيئاً لما أشاهدُهُ وأناظرُهُ في تلك اللحظةِ.. وأطلقت لذاتي العنانَ كيما تسبحَ في فلكِ مسقطَ.. وتعبرَ سماواتِها..
كانت مسقطُ ممتدةً في ذلك اليومِ بامتدادِ الحلمِ الراني إليها.. بامتدادِ حنوِّ الصغيرِ الذي يأتيها مثقلاً بالأيامِ التي طالت ساعاتُها عليهِ.. كانت تتسعُ لكلِّ القلوبِ والافئدةِ المنضويةِ تحتَ أحضانِها.. الباحثةِ عن الدفءِ.. عن الحبِّ.. تهبُّ نسيماً عليلاً رغمَ أنَّ الشمسَ تتوسطُ كبدَ السماءِ.. والبحرُ ينضحُ خيراتِهِ.. يجرفُ الأشواقَ للعابرينَ دروبَ مسقطَ.. الذين يأتونها ليلاً أو نهاراً.. لا بدَّ لهم من زيارتِهِ.. وريِّ الأجسادِ بمياهِهِ الدافئةِ.. كان البحرُ.. بالنسبةِ لصغيرٍ لا يعرفُ من الماءِ غيرَ الفلجِ والوادي.. حلمَ معانقةٍ أخرى يتمنى معايشتَهُ.. كان الصغيرُ الذي يلامسُ البحرَ ببصرِهِ ويمدُّهُ بامتدادِ ضفةِ الماءِ..وبسعتِهِ وانبساطِهِ.. يرى في البحرِ كنزاً.. لا بدَّ أن يحملَ بعضاً منه..
رميتُ جسدي الذي لا يعرفُ غيرَ السباحةِ في الفلجِ وفي بركِ الوادي.. في البحرِ.. تقلبتُ على أمواجِهِ.. وشربتُ من مياهِهِ المالحةِ حدَّ الغرقِ.. وركضتُ على الشاطئِ.. أنثرُ وجدي وحنيني.. حلقتُ كما طيورِ النورسِ.. وغصتُ في لجةِ الماءِ.. وفي غمارِ البحرِ..
يدثرني بمياهِهِ ورمالِهِ.. ويحتضنني كطفلٍ ران إلى صدر أمِّهِ..
وحينَ أَزِفَ الرحيلُ حملتُ من قواقِعِهِ وبعضاً من مياهِهِ في قنينةٍ صغيرةٍ كتذكارٍ أستعيدُهُ في كلِّ حينٍ.. وأعيدُ حكايةَ الطفلِ والبحرِ.. حينما أنصتَ لقوقعةٍ صغيرةٍ راح يسمعُ عبرَها أمواجَ البحرِ وتقاذفَ مياهِهِ وأصواتِ النورسِ..
في مسقطَ تفتحت أنظاري على صورٍ ومعانٍ عديدةٍ ودلالاتٍ لم أجدْ تفسيرَهَا سالفاً في الكتبِ المدرسيةِ أو الاحاديثِ المرويةِ.. كانت مسقطُ صورةَ المدينةِ التي تتباينُ مع معاني القريةِ والحارةِ ومزارعِ النخيلِ والسككِ الضيقةِ.. وأولادِ الجيرانِ.. كنتُ أنظرُ إلى الطوابقِ الشاهقةِ.. كطفلٍ لم يَرَ مِنَ المنازلِ غيرَ بيوتِ الطينِ ذاتِ الدورِ الواحدِ والدورينِ.. وكانت المصاعدُ التي رميتُ نفسي بداخلِها وأطلقتُ لها الحريةَ لتنقلني إلى الأدوارِ العليا دونَ مجهودٍ مني أو تعبٍ.. حكايةً أخرى تجسدت في أتونِ الذاكرةِ.. كان مركزُ عمان والكويت التجاري (أوكي سنتر) محطةَ فرجةٍ بالنسبةِ لنا نحن الذين جئنا محملينَ بالأماني والأحلامِ.. تجرُّنا الدهشةُ حيث ندري ولا ندري.. فرحينَ بامتطاءِ سلالمَ متحركةٍ ومصاعدَ كهربائيةٍ تأخذنا إلى الأعلى.. إلى الحلمِ الساكنِ فوقَ هاماتِ السحابِ.. من هناك بدت روي باتساعها محطةً تجاريةً تحتضنُ كلَّ شيءٍ.. ويجد فيها المرءُ مبتغاه دونَ عناءٍ..
وفي روي كان جامعُ السلطانِ قابوس محطةً هامةً لأداءِ الصلاةِ قبلَ مواصلةِ الرحلةِ.. وكم كانت دهشتُنا يومئذٍ حينما رحنا نقارنُ بينَ بناءِ هذا الجامعِ وجامعِ السلطانِ قابوس بنزوى.. كان الاثنانِ يشتركانِ في كلِّ شيءٍ.. حتى في لونِ سجادةِ الصلاةِ..
أما مطرحُ.. فالذاكرةُ فيها تزدحمُ بالصورِ والمشاهدِ البديعةِ.. من على طريقِها البحريِّ نظرنا الى ميناءِ السلطانِ قابوس.. وإلى السفنِ الراسياتِ.. وإلى الميراني فوقَ الجبالِ تشمخُ بتاريخٍ حافلٍ.. تحكي عن بطولاتٍ قرأنا تفاصيلَها في كتبِ التاريخِ.. تناظر الجلالي وقصرَ العلمِ العامرِ.. وبيوتَ مسقطَ القديمةَ..
كانت مطرحُ تضجُّ بالحياةِ.. وتزخرُ بالتفاصيلِ.. لا يكاد المرءُ يولِّيْ شطرَهُ جهةً حتى يصادفَ أثراً أو معلماً بارزاً يدلُّ على مطرحَ.. ويؤجِّجُ الحبَّ والعشقَ في القلبِ الحاني المتلهفِ للقاءِ الأحبةِ.. واحتضانِ أشواقِهم..
وعدتُ من رحلتي الأولى لمسقطَ محملاً بالدهشةِ والغرابةِ.. والبهجةِ كوني حققتُ حلماً راودني زمناً طويلاً.. عدتُ لأتحدثَ هذه المرةَ أنا مفتخراً بزيارتي لمسقطَ وأسمعَ الآخرينَ حكاياتي.. وأسردَ على مسامِعِهم حكايةَ العاشقِ الذي ولجَ المدينةَ كفاتحٍ منتشٍ بالنصرِ..
وما بينَ الرحلةِ الأولى والرحلاتِ التي أعقبتها، كانت مسقطُ تتجسدُ أمامي في كلِّ شيءٍ جميلٍ.. كانت الوجهَ الآخرَ للحارةِ والقريةِ التي وجدتني أرسِّخُ جذوري فيها بعدَ كلِّ زيارةٍ إلى مسقطَ.. وأحنُّ إلى خبزِ أمي وإلى بيوتِ الطينِ وأسوارِ الحارةِ وثغاءِ الماعزِ كلَّ صباحٍ..
وبعدَ أن تخرجتُ من الثانويةِ.. كانت مسقطُ محطَ زيارتي المتكررةِ.. عرفتُ روي.. ووادي حطاط ومدينة السلطان قابوس.. وبوشر.. أهيمُ فيها بحثاً عن مستقبلي المكتوب.. أتنقلُ من هنا إلى هناك.. أبحثُ عنِ المقسومِ والمقدَّرِ لي.. تسوقني أقدامي نحوَ مصيرٍ لا أعرفُ منتهاه.. دخلتُ المجلسَ الثقافيَ البريطانيَ.. والمعهدَ المصرفيَّ العمانيَّ.. ودخلتُ كليةَ عمانَ الفنيةَ الصناعيةَ التي عرفتُ من خلالِها الخوير.. وتنقلتُ بينَ أرجائِها.. زرتُ كلَّ طريقٍ فيها.. وعرفتُ كلَّ ركنٍ منها.. كانت الخويرُ تعيشُ مرحلةَ التطورِ والبناءِ والتحديثِ.. وكنت شاهداً على كلِّ ذلك.. في طريقي من السكنِ إلى الكليةِ.. عايشتُ مراحلَ بناءِ الكثيرِ من شواهدِها.. ومعالِمِها الحديثةِ والبناياتِ السكنيةِ.. وشاهدتُ توسيعَ الطرقِ والشوارعِ الرئيسيةِ والفرعيةِ.. وقيامَ المجمعاتِ التجاريةِ الكبيرةِ والمطاعمِ والمحلاتِ..
كانت الخويرُ وكأنَّها تحكي لي قيامَ مدينةٍ.. وولادتَها من منطقةٍ صحراويةٍ قاحلةٍ تسكن بين هضابِ الرملِ.. إلى منطقةٍ عصريةٍ حديثةٍ.. وكنتُ أسجِّلُ في ذاكرتي كلَّ تحولاتِ المدينةِ وكأنني سأكونُ على موعدٍ لكتابتِها والبوحِ بها بعدَ حينٍ.. كانت الخويرُ صورةً مصغرةً للمدينةِ الكبرى مسقطَ..
وبعدَ سنواتٍ من حياةِ الخويرِ.. عدتُ إليها مرةً ثانيةً.. لكنني هذه المرةَ بصورةٍ حياتيةٍ مختلفةٍ.. فقد صرتُ صحفياً في جريدةِ (الوطن).. وصارت لي أسرتي.. التي تقاسمت معي فرحةَ الحياةِ في مسقطَ.. رغمَ صخبِ المدينةِ وضجيجِها ورتمِ الحياةِ المختلفِ عنِ القريةِ..
وعبر (الوطن) جلتُ مسقطَ.. وذرعتُ أمكنتَها.. وعرفتُ كلَّ زاويةٍ فيها بصورةٍ أشملَ وأوسعَ.. من قنتبَ إلى حديقةِ النسيمِ.. ومن بوشرَ القديمةِ إلى رأسِ الحمراءِ.. كانت مسقطُ تختصرُ البيئةَ العمانيةَ وتقدمُ تمازجاً فريداً لكلِّ البيئاتِ والتجمعاتِ الحياتيةِ.. يمكنُ للمرءِ في مسقطَ أن يعيشَ القريةَ.. ويمرَّ مع الفلجِ إلى مزارعِ الأشجارِ والنخيلِ.. وأن يلامسَ الحياةَ ببساطتِها وشفافيتِها.. ويناظرَ بيوتَ الطينِ تحفُّها المزارعُ والأسوارُ.. أو يصعدَ إلى قمةِ جبلٍ ليرى تمازجَ البحرِ مع سلاسلِ الجبالِ وتحتَهُ تسكنُ حياةٌ حديثةٌ ذاتُ شوارعَ بديعةٍ ومبانٍ فخمةٍ فارهةٍ.. ويمكنُ للمرءِ أن يعيشَ الأسواقَ في مسقطَ.. وأن يجدَ التباينَ بينَ الأسواقِ الشعبيةِ والتي على النمطِ الحديثِ..
كانت أسواقُ مسقطَ تكبرُ كما الناسِ الذين يفدونَ إليها من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، ولا تخفتُ الحياةُ.. تشتعلُ الروحُ في هذِهِ الأسواقِ.. كلٌّ يطرحُ بضاعتَهُ ويجدُ غايتَهُ ومقصدَهُ..
ومن الخويرِ انتقلتُ إلى عشقٍ آخرَ.. إلى السيبِ.. هناك حيثُ تلوحُ الأعلامُ الصفراءُ والخضراءُ كلَّ عامٍ تزدانُ بعباراتِ الحبِّ والهيامِ للنادي العريقِ الذي يكتبُ البطولاتِ.. ويسجلُ الانتصاراتِ.. كنتُ أعبرُ السيبَ وأجولُ مناطقَها التي تنمو يوماً بعدَ آخرَ وتتبدلُ بصورةٍ أجملَ وأبهى من ذي قبلُ.. حتى أن الذي يغيبُ عنها أشهرَ قليلةً يجدها متبدلةً في صورةٍ بهيةٍ لا يعرفُها إلا باسمِها وعنوانِها..
كانت السيبُ الممتدةُ من الموالحِ وحتى المعبيلةِ والحاضنةُ لمناطق ما حولَ المطارِ وما خلفَ جامعةِ السلطانِ قابوس من الخوضِ وحتى الحيل.. بجهاتِها الشماليةِ والجنوبيةِ.. تعمِّقُ العشقَ المكنونَ.. وتكشفُ سرَّ الولَهِ المدفونِ.. أجوبُ السيبَ والحنينُ يصاحبني.. حيثُ كلَّ يومٍ يبزغُ مشروعٌ جديدٌ.. أكونُ أنا شاهداً عليهِ وشاهداً هو عليّ..
كانت أجملَ أوقاتي.. وأحلى ساعاتِ اليومِ وأنا أعبرُ شوارعَ مسقطَ من السيبِ إلى العذيبةِ.. أشاهدُ طوابيرَ الطائراتِ المحلقةِ فوقَ سماءِ مسقطَ كلَّ صباحٍ ومساءٍ.. تتنظرُ إذنَ الهبوطِ على مدرجِ مطارِ السيبِ الدولي.. وإنزالِ عشاقٍ جددٍ يهيمون في المدينةِ.. ويسردونَ حكاياتِ حبٍّ امتلأوا بها.. كان مطارُ السيبِ يبدو في كلِّ ساعةٍ خليةً نشطةً تعجُّ بجموعِ القادمينَ نحوَ مسقطَ.. هؤلاء الذين يأخذهم الحبُّ نحوَ مسقطَ.. تملؤهم الدهشةُ ذاتُها التي علت وجهَ الطفلِ الذي جاءها لأولِ مرةٍ.. وآخالُ أن الزهوَ والفخرَ يعلو محياهم وهم يشاهدونَ عباراتِ الترحيبِ ترتسمُ أمامَهم على لوحةٍ بديعةٍ حيثُ مسقطُ العامرةُ ترحبُ بزوارِها الكرامِ..
في الجهةِِ الأخرى من الطريقِ البحريِّ المتجهِ إلى العذيبةِ.. كانت بذورُ مشروعٍ كبيرٍ تلوحُ في الأفقِ.. وتأذنُ بالبزوغِ.. كان مشروعُ الموجِ.. أحدَ المشاريعِ العملاقةِ التي كتبَ العمرُ لي أن أراها لحظةَ مخاضِها وولادتِها في مسقطَ العامرةِ.. كان كلُّ شيءٍ في مسقطَ ينمو ويكبرُ.. حتى الحبُّ الذي بداخلي.. ما عدتُ أقوى على كتمِهِ ولجمِ مشاعرِهِ.. وجدتُ في مسقطَ معاني الحبِّ والصفاءِ والجمالِ.. وجدتُ الانسجامَ والتناسقَ بديعاً بينَ كلِّ جزئيةٍ وكلِّ مكوّنٍ للمدينةِ.. وحين أعبرُ الشوارعَ.. أمضي في أفقٍ متسعٍ يحتضنُ كلَّ معاني الجمالِ والأصالةِ.. ويحكي كلُّ ركنٍ فيهِ حكايةَ مجدٍ وتاريخٍ أصيلٍ..
وفيما قبلُ حين أستمعُ إلى كلماتِ المديحِ والإطراءِ التي يقولُها الزوارُ في حقِّ محبوبتِهم مسقطَ.. كنتُ أخالُ أنَّ هذا الحديثَ هو مجاملةٌ للمدينةِ التي يسكنونَها.. وأنه مجردُ كرمٍ منهم في قولِ هذا المديحِ.. أما وقد باحت مشاعري بكلِّ لواعجِها.. وأفضت عن مكنونِ عشقِها.. وجدتني أقولُ ما دسَّهُ القلبُ زمناً طويلاً.. أجدُ أنَّ مسقطَ تسكنني حتى الأعماقِ.. وأنَّ الكلماتِ التي خرجت من أفواهِ العاشقينَ أمثالي.. هي أكبرُ من أن تكونَ كلماتِ مديحٍ وإطراءٍ.. وأكبرُ من أن يختزنَها القلبُ.. ويكابدَ حرَّ نارِها.. دون أن يطلقَها في الأنحاءِ..
كان الحبُّ يزدادُ يوماً بعد آخرَ.. وكان الشوقُ بداخلي يلسعني أكثرَ من ذي قبلُ.. كان يكبرُ كما المدينةِ وهي تتسعُ لاحتضانِ أكبرِ عددٍ من العشاقِ.. تفردُ مفاتنَها.. وجمالياتِها.. لتكشفَ عن عشقٍ جديدٍ مدفونٍ بينَ الأرضِ والسماءِ..
قبلَ بضعةِ أيامٍ زرتُ برَّ الجصةِ لأولِ مرةٍ.. فاجأني بما حواهُ من فنادقَ ومنتجعاتٍ سياحيةٍ.. وطرقٍ تخترقُ الجبالَ.. وتكتبُ على الصخرِ ولادةَ حبٍ جديدٍ.. كان برُّ الجصةِ يلوحُ من بينِ الجبالِ.. عبرَ طريقٍ ممتدٍ من البستانِ إلى قنتبَ.. لتكشفَ عن حلمٍ آخرَ لم أعِشْهُ طوالَ حياتي في مسقطَ.. حلمُ أن تُحيطَ بك المدينةُ بكلِّ ثيماتِها وتحلقَ بك إلى البعيدِ حيثُ تتشكلُ مدنٌ ورديةٌ تطوِّقُها الأحلامُ من كلِّ جانبٍ.. وتَحُفُّها إبداعاتُ الخالقِ.. وآياتُ الطبيعةِ البديعةِ.. حيثُ الجزرُ الصغيرةُ الراقدةُ على البحرِ.. والشاطئِ المتعرجِ ما بينَها.. تحرسُهُ الجبالُ من كلِّ ناحيةٍ.. وقفتُ على ربوةٍ عاليةٍ هناك.. ووجدتني مستغرقاً في الحبِّ والهيامِ.. حدَّ أنني نسيتُ كلَّ ما جئتُ من أجلِهِ.. وما قصدتُهُ من رحلتي هذه.. فقد تبخرتْ كلُّ مقاصدي ووجدتني مسكوناً فقط بحبِّ مسقطَ وما حوتْهُ من إبداعاتٍ ومفرداتٍ تأخذُ الألبابَ وتأسرُ القلوبَ.. وتُلْهِبُ المشاعرَ.. وتُلْجِمُ الألسنةَ.. ولا تبقي ولا تذرُ غيرَ كلماتٍ قليلةٍ تختزلُ كلَّ المعاني والأوصافِ..
ما رأيتُهُ في برِّ الجصةِ.. سيتكررُ في مناطقَ أخرى يَفِرُّ القلبُ إليها متحيراً.. تُلْجِمُهُ الدهشةُ.. ويستوقِفُهُ السؤالُ: أيُّ جهةٍ يعشقُ أكثرَ؟.. وأيُّ مقصدٍ يسعى إليهِ أولاً.. والكلماتُ التي انطلقت ستجبرني ذاتَ يومٍ على إعلانِ عشقٍ أكبرَ من هذا..
وهكذا لم تكنْ مسقطُ جهةً واحدةً يُيَّمِمُ نحوَها القلبُ ويوجهُ شطرَهُ ناحيتَها.. كانت جهاتٍ عديدةً تتشكلُ في كلِّ ركنٍ منها حكايةُ حبٍّ وسيرةُ عاشقٍ.. وكلُّ جانبٍ منها أجملُ وأبدعُ من الآخرِ.. تعرفُ ذلك حينما تقفُ في أعلى نقطةِ ارتفاعٍ.. حيث تبدو المدينةُ متداخلةَ الجهاتِ.. حينَها ستعرفُ معنى أن تعشقَ المدينةَ.. وأن تعشقَكَ هي.. ومعنى أن تنثرَ كلماتِ الحبِّ والغزلِ في الأرجاءِ.. فيأتيك الصدى يبادلُكَ الحبَّ والعشقَ.. وتنتشي بأحلامِ اليقظةِ..
وقفت ذاتَ يومٍ في مدينةِ الإعلامِ.. بالقربِ من تقاطعٍ يُطِلُّ جزءٌ منه على المدينةِ الساكنةِ بينَ البحرِ والجبالِ.. كانت تبدو كعروسٍ كاعبٍ يملأُ الحبُّ أحضانَها.. والدفءٌ يتهاوى من كلِّ جهاتِها.. لم أشعرْ باللحظاتِ التي مرَّتْ.. فقد كان الصغيرُ يمرقُ المدينةَ والدهشةُ تملؤُهُ من هذه التي لم يعرفْها إلا بعدَ أن بلغَ من العمرِ ما بلغ.. وكان القادمون عبرَ مطارِ السيبِ الدوليِّ في حيرةٍ من أمرِهِمْ أيَّ جهاتِ المدينةِ يسلكون أولاً.. وإلى أيِّ المناطقِ يعبرون بادئِ ذي بدءٍ..
كانت مدينةُ الإعلامِ وهي ربوةٌ تسكنُ وسطَ المدينةِ.. تطلُّ على امتدادِها حيثُ البحرُ يعانقُ من البعيدِ مناطقَ القرمِ والخويرِ والغبرةِ والعذيبةِ.. كانت هادئةً وديعةً تستأنسُ بأصواتِ البحرِ والمنتشين بجمالِ الشاطئِ وانعكاسِ الشمسِ على صفحةِ المياهِ..
خلفَ مدينةِ الإعلامِ كانت ثمةَ حركةٌ ونشاطُ يوحيانِ بمدنٍ تنمو هناك.. حيثُ الجبالُ لا تقفُ عائقاً للبناءِ والتعميرِ.. كان كلُّ شيءٍ في أوجِ نشاطِهِ.. وكان الإنسانُ في كلِّ زاويةٍ يكتبُ قصيدةَ حبٍّ.. ويغني أنشودةَ فرحٍ..

البسيوي
22/01/2006, 10:21 PM
قرأت جزءا من الموضوع في الوطن اليوم .. أسلوب رائع كعادتك .. بوركت أخي خلفان.

خـطير الشبكة
22/01/2006, 10:38 PM
أسلوب جميل ورائع ......... شكرا عزيزي

سرب
22/01/2006, 11:52 PM
لغة جميلة جدا...

وخلفان الزيدي : عاشق مدن بامتياز و كاتب متقن ، و عازف جميل لأجمل الألحان في محراب الوطن والعشق والأرض...

وما يحيرني قدرته على وصف هكذا عشق للأرض وللمدينة..بهكذا جمال..

بوركت....

الصقر الذهبي
23/01/2006, 08:45 AM
أخي العزيز خلفان
مرحبا بك وبكتاباتك مرة أخرى بيننا
على الرغم من وجودي في مسقط لأكثر من 13 سنة الآن ، ولكنني أكثر إرتباطا بقريتي الأولى ، فأنا أشعر بالسعادة الغامرة حينما أذهب اليها ولا أجد الكثير الذي يشدني لمسقط ، ربما لآنني من هواة الهدوء
أخي العزيز
أعتقد أنني قرأت لك وصفا لرحلتك لباريس فهل بالامكان أن تنقله الينا

خلفان الزيدي
23/01/2006, 02:39 PM
اخواني اخواتي الاعــزاء
البسيوي
خـطير الشبكة
سرب
الصقر الذهبي

شكرا لمروركم الجميل.. وكلماتكم وسام فخر وحافز لكتابات قادمة.. آمل ان تكون في مستوى القبول..

اخي الصقر الذهبي:
وجودي في مسقط لا يعني انحسار العشق لمدينتي الاولى وللحارة القديمة التي ما زالت تسكنني.. وتراودني كثيرا في كتاباتي.. لكن لـ مسقط ايضا نكهة وخصوصية نعيها نجدها حينما نسافر الى مدن وعواصم العالم.. انها مدينة متسعة لكل المعاني والتفاصيل التي ننشدها ونرنو إليها حتى لو كنا من عشاق القرى والحارات القديمة وبيوت الطين وهدوء المدن الصغيرة..

وبالنسبة لرحلة باريس فاعدك بنشرها .. رغم انها كانت رحلة وجيزة .. ولم تتعد زيارة شارع واحد !

مع خالص المودة للجميع

ماجده
24/01/2006, 10:48 PM
هكذا دائما هو خلفان الزيدي مبدع...........الى الامام دائما يا اخي .......

الرجل الضرب
25/01/2006, 07:14 PM
سررنا بالقراءة
أسلوب شيق جدا
ولا ثمة غرابة، والكاتب هو خلفان

بركان الالم
26/01/2006, 07:07 PM
صدقني لم اكن اعر ف ان مسقط جميله الى هذا الحد الا بعد ان نقلت لنا هذه التفاصيل الدقيقة التي قلما ندقق النظر فيها.

شكرا جزيلا وفي انتظارل الجديد المثير