سويري
11/01/2006, 05:41 PM
الروائي السعودي عبده خال في حوار مع "الشرق الأوسط": روايتي «فسوق» شهادة إدانة لمجتمع يتحرك من دون قيم مناسبة لمتغيرات كبيرة
جدة: حليمة مظفر
الروائي السعودي عبده خال الذي خرج من أزقة الهنداوية العتيقة وعوالم القرية الجنوبية، دائما ما يلقي بفجائعنا على قارعة الطريق ثم يكمل سيره من دون أن يلتفت إلى الوراء، باحثا عن حكاية جديدة تنبش في رائحة الموت الذي قال عنه «أناديه كي أتفق معه وألاعبه». كتب خمس مجموعات قصصية ومسرحية واحدة وست روايات. «الشرق الأوسط» التقت الروائي عبده خال الذي يعمل منذ 19 سنة في تدريس الأطفال، وحاورته حول روايته الجديدة «فسوق» التي يراها «عربة من النفايات البشرية داخل مجتمع يحاول التطهر من مثاليته»، وسمح لنا بالتسلل إلى حياته والتعرف على حقيقة مرضه، وواقعه الذي يعيشه.
> جليلة بطلة روايتك «فسوق» هي ضحية لنميمة عابرة، ولهيئة حكومية لم تنظر لها بمعيار إنساني.. هل هذه هي حقيقة المرأة السعودية؟
ـ في البدء، عملت النميمة على تحريف سيرة جليلة وإلصاق كل التهم بها رغم أنها ميتة. سوء الظن لدينا سابق للتجريب، الهيئة أو الشرطة الدينية تتحرك بسوء الظن، وهذا يسري على كل الشخصيات في الرواية، فالمحقق أيمن سيئ الظن حتى في حياته الخاصة، وكذلك أسرة جليلة لديها سوء ظن بشفيق، وشفيق لديه سوء ظن بالمجتمع، والزعامة التي تقيم علاقاتنا ببعضنا البعض، قائمة على علاقة متوترة في ظل متغيرات جارفة وعنيفة. ولو لاحظت أن الجليلتين لم تتحدث أي منهما من بدء الرواية، وقد حضر عنهما سوء الظن بهما. المرأة غائبة بإرادة المجتمع، وحاضرة بإرادته، فمتى أراد أن يستحضرها كجانب للفتنة أو الدمار يفعل. الجميع استحضروا جليلة على أنها امرأة فاسقة جرفت الرجال في طريقها، هذا إذا أخذناها في صورتها البسيطة، ولكننا نتحدث عن قضية أكبر من المرأة في الرواية، هي قضية الكائن الإنساني داخل المجتمع.
> لاحظنا في الآونة الأخيرة أن الروائيين السعوديين يتخذون من المرأة وسيلة وأداة عاطفية في لعبتهم الروائية، وربما «فسوق» ضمن هذه الأعمال.. ما رأيك؟
ـ المرأة في «فسوق» لم تكن إلا عجلة لتسيير عربة نفايات كبيرة جدا، كما أن العبث في الرواية لم يسلم منه أحد، حتى الموتى ثمة عبث يحدث لهم، وذلك عندما تحدثتُ عن مقبرة الصبان، وأن هناك من يتاجر حتى بعظامنا بعد موتنا. ولهذا المرأة في «فسوق» هي جزء من قضية الإنسان بشكل عام، أما ملاحظتك حول الروايات الأخرى، فإن عمل الكاتب على الاستجداء بالمرأة لإثارة شهوة القارئ، لا ينجح الرواية، وإن أخذت حالتها الإعلامية المؤقتة.
> أغلبية منتجنا الروائي السعودي يسلط الضوء على المتناقضات داخل المجتمع، فهل هذه موجة تطهير للمجتمع من المثالية التي طالما التصقت به؟
ـ عندما نذكر كلمة تطهير، ربما يتبادر إلى داخلنا أن هناك دنساً يلتصق بنا. نحن بشر لا نحمل الطهر الكامل، ولهذا الإنسان دائم البحث عن التطهر في توجهاته البشرية المختلفة، وفسوق أرادت أن تتطهر من الآخر الذي يسجنك، ويحاول أن يقودك إلى حياة تدخل إلى نفقها رغما عنك. فمحمود لم يكن راغبا في أن يكون إرهابيا، وجليلة لم تلجأ إلى التنسك بشكل فطري، وإنما لتطهر سيرتها مما التصق بها بعد أن تم القبض عليها من قبل الهيئة. جميع شخوص الرواية كانوا يمارسون هذا التطهير حتى يتخلصوا من أدران سابقة.
> حكايات العجائز الشعبية واضحة في سردك، سواء في فسوق أو حتى رواياتك السابقة.. لماذا؟
ـ بطلات «فسوق» شابات، وثمة كثير من القوانين التي تمضغ هذه الأغصان الشابة. وهي قوانين بلغت من الهرم ما لا تستطيع معه أن تساير الواقع. الإحصائية السكانية تخبرنا أن 54% من أبناء المجتمع السعودي، تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاما، وجليلة هي ضحية مقولات سببها عادات قديمة ما زالت تفرض سيطرتها، وخلفيات العجائز ومقولاتهم عادة ما تستخدم كمعطل أو كحكمة، وأتصور أن «فسوق» شهادة إدانة في مجتمع تحرك من غير أن يحمل قيما مناسبة لمتغيرات كبيرة.
> قلت ذات مرة «نحن كائنات يصل إليها عطب الموت سريعا»، ما الذي قصدته؟
ـ هناك أناس يظنون أن الموت هو نقلك لحفرة صغيرة، وكارثتنا أننا نموت أحياء، إذ يصل إلينا العطب بسبب وضعنا داخل سجن صغير من التهميش، مكون من سوء الظن والزيف والكذب. وبالتالي نتحول إلى كائنات ميتة، فماذا يعني أن شابا صغيرا في مقتبل العمر لا يدرس ولا يعمل ولا يحب، أليس هذا الشاب ميتا؟!
> لأجل ذلك تكرس رائحة الموت في محيط رواياتك جميعها.. ففي «فسوق» المقبرة تكاد تكون بطلا حاضرا؟
ـ المقبرة في «فسوق» هي البطل والخلاص، بمعنى أن الحياة بما وصلت إليه من اختلال وعبث فإن تصحيحها لا يكون إلا بالموت، أي من داخل المقبرة، لتنشأ بعدها حياة جديدة خالية من الأدران. فالأطفال يتجمعون داخل المقبرة لتواصل الحكاية سردها في «فسوق». شفيق يمثل النقاء الطاهر للإنسان، أما وحشية العمل الذي قام به؛ فهو بالنسبة له ما كان سوى حياة جديدة يستمتع بها رغم أنه يمارس حبا شاذا لأبعد درجة ممكنة، لكنه مارسه بطهر، وقد نبع هذا التصرف منه لأنه اكتسب العفن في داخله واعتاد عليه، فعندما لاصق الموتى الذين يفوح منهم العفن، اعتاد على ذلك ما عاد تصرفه الشاذ يعني له شيئا، حتى أنه اعتقد بإمكانية تكوين أسرة من الموتى، والعيش مع عشيقة ميتة، على عكس الأحياء خارج المقبرة ممن رفضوه. عندما أتحدث عن الموت في الرواية، لا أعتبره نهاية وإنما نقطة ارتكاز لبدء دائرة جديدة من الحياة.
> مررت بلحظات الموت في غرف العناية المركزة التي دخلتها عدة مرات عندما تعب قلبك.. فهل أردت مواجهة الموت في رواياتك بسبب ذلك؟
ـ مسألة ذهابي المتكرر للمستشفى تعود إلى أني قدمت من قرية، الحياة فيها رخيصة جدا، ففي كل موسم يتحرك مرض أو وباء يختطف من أي بيت فردين أو ثلاثة. أصبت بأمراض كثيرة وأنا طفل، من ضمنها الملاريا. أبناء القرى يمرون عادة بجحافل من الأمراض التي تخطفهم باكرا. وأول ما نبهني لحقيقة الموت، وأنا صغير، في قريتي، هي تلك الجثث التي رأيت الوادي يجرفها أمام عيني، وتلك الغارقة داخل الآبار، مات أصحابها بسبب وباء انتشر في القرية. لهذا لم يكن الموت مرعبا بالنسبة لنا، كوننا اعتدنا عليه. اليوم تغيرت علاقتي بالموت، وبدأت أخافه، لهذا أوجدت طريقة للتحايل عليه في لعبة سردية، وكأني أقول له: تعال إلي كي نتفق ونتصادق، لقد لعبتها معه في رواية «الطين»، والآن في «فسوق»، وهي محاولة مني كي أثبت أن الموت هو حياة وليس
نهاية.
> أنت خريج علوم سياسية من جامعة الملك عبد العزيز وأراك مدرس أطفال في المرحلة الابتدائية.. هذه مفارقة؟
ـ انه غباء الطبقة البسيطة. هذا القسم في الجامعة لا يدخله سوى أبناء الأسر الكبيرة، لأن هناك تجهيزات ما بعد التخرج تعمل على انتقالك للعمل في سفارة من السفارات، وقد كنت في البداية أدرس الهندسة، واكتشفت أني لا أصلح مهندسا، لأني أمضي الليل كله وأنا أكتب قصائد الحب والغرام وإن كانت حينها تعيسة، ولهذا قررت الانتقال إلى قسم اللغة العربية، لكنهم لم يقبلوني لأني متخرج من القسم العلمي في الثانوية، فلم أجد خيارا أقرب للأدب أخوضه سوى دراسة العلوم السياسية. وبعد التخرج توجهت بشهادتي إلى وزارة الخارجية أبحث عن وظيفة، وخلال تلك الفترة اتصل بي أحدهم وهو مشفق علي يسألني بحسرة «ما الذي دفعك لأن تدرس العلوم السياسية»، حينها تنبهت لحقيقة مرّة بأني جلست في مقعد ليس لي، وأذكر أني قمت بتشكيل شهادة التخرج على شكل طائرة ورقية قمت برميها بعيدا عني، ومن ثم تقدمت بطلب، وأصبحت معلما للمرحلة الابتدائية، رغم أنه لم يخطر في بالي يوما أن أكون معلما للأطفال، واستمر 19 سنة وانتظر وصولها للعشرين لأتقاعد. فهي وظيفة لا تتسق معي. ولكن هذا هو قدرك حين تكون هاويا للأدب، وتدرس العلوم السياسية، وتعمل معلما، وصحافيا متعاونا، إنه واقعك الحقيقي، وقد كان من الأجدر أن تعمل وزارة الثقافة والإعلام على نقل خدمات المثقفين إلى الوزارة للاستفادة منهم، بدلا من التهشيم، ولو عدنا لفسوق فهذا هو التهشيم بعينه.
> كونك مدرسا للأطفال وروائيا وإعلاميا معروفا تتقاسمه هموم ذاتية واجتماعية.. عندما تغلق الفصل عليك أنت وطلابك الصغار.. بماذا تفكر؟
ـ عادة ما يحضر تلامذتي الصغار مقالة لي ويسألونني: أنت هذا؟ وأخبرهم أنه شبيه لي وليس أنا، وكنت طوال السنوات الماضية أدرس مواد اللغة العربية، خلال هذا العام أصبحت معلم كشكول يدرس مختلف المواد، ولم يتبق منها سوى الرياضة، لكنني كنت أستمتع بتدريسهم مادة التعبير، ونحولها إلى ورشة لكتابة قصة ومناقشة رسومات كاريكاتيرية بعيدة عن المنهج، وقد وجدت أن مخيلة الطفل أكثر نضوجا مني ككبير، وأحتفظ في خزانتي بقصص للأطفال أفكر في إصدارها ككتاب. الهالة الإعلامية التي تحيط بك، تنتهي عندما تدخل الفصل مع هؤلاء الأطفال. ودائما ما نجعل الحصة لعبة تعليمية، كأن يكون لدينا درس حول الحركات الإعرابية التي نحولها معا إلى شخوص في قصة أحكيها لهم، وكثيرا ما يلومني المدير حينما أطلقهم بين أرجاء المدرسة يبحثون عن همزة وصل كتبت بشكل خاطئ أو تاء مربوطة كتبت هاء على لوحات المدرسة المعلقة، وأكافئهم بريال إذا ما وجدوا خطأ، وهم يستمتعون بذلك.
المصدر الشرق الاوسط
11/1/2006
جدة: حليمة مظفر
الروائي السعودي عبده خال الذي خرج من أزقة الهنداوية العتيقة وعوالم القرية الجنوبية، دائما ما يلقي بفجائعنا على قارعة الطريق ثم يكمل سيره من دون أن يلتفت إلى الوراء، باحثا عن حكاية جديدة تنبش في رائحة الموت الذي قال عنه «أناديه كي أتفق معه وألاعبه». كتب خمس مجموعات قصصية ومسرحية واحدة وست روايات. «الشرق الأوسط» التقت الروائي عبده خال الذي يعمل منذ 19 سنة في تدريس الأطفال، وحاورته حول روايته الجديدة «فسوق» التي يراها «عربة من النفايات البشرية داخل مجتمع يحاول التطهر من مثاليته»، وسمح لنا بالتسلل إلى حياته والتعرف على حقيقة مرضه، وواقعه الذي يعيشه.
> جليلة بطلة روايتك «فسوق» هي ضحية لنميمة عابرة، ولهيئة حكومية لم تنظر لها بمعيار إنساني.. هل هذه هي حقيقة المرأة السعودية؟
ـ في البدء، عملت النميمة على تحريف سيرة جليلة وإلصاق كل التهم بها رغم أنها ميتة. سوء الظن لدينا سابق للتجريب، الهيئة أو الشرطة الدينية تتحرك بسوء الظن، وهذا يسري على كل الشخصيات في الرواية، فالمحقق أيمن سيئ الظن حتى في حياته الخاصة، وكذلك أسرة جليلة لديها سوء ظن بشفيق، وشفيق لديه سوء ظن بالمجتمع، والزعامة التي تقيم علاقاتنا ببعضنا البعض، قائمة على علاقة متوترة في ظل متغيرات جارفة وعنيفة. ولو لاحظت أن الجليلتين لم تتحدث أي منهما من بدء الرواية، وقد حضر عنهما سوء الظن بهما. المرأة غائبة بإرادة المجتمع، وحاضرة بإرادته، فمتى أراد أن يستحضرها كجانب للفتنة أو الدمار يفعل. الجميع استحضروا جليلة على أنها امرأة فاسقة جرفت الرجال في طريقها، هذا إذا أخذناها في صورتها البسيطة، ولكننا نتحدث عن قضية أكبر من المرأة في الرواية، هي قضية الكائن الإنساني داخل المجتمع.
> لاحظنا في الآونة الأخيرة أن الروائيين السعوديين يتخذون من المرأة وسيلة وأداة عاطفية في لعبتهم الروائية، وربما «فسوق» ضمن هذه الأعمال.. ما رأيك؟
ـ المرأة في «فسوق» لم تكن إلا عجلة لتسيير عربة نفايات كبيرة جدا، كما أن العبث في الرواية لم يسلم منه أحد، حتى الموتى ثمة عبث يحدث لهم، وذلك عندما تحدثتُ عن مقبرة الصبان، وأن هناك من يتاجر حتى بعظامنا بعد موتنا. ولهذا المرأة في «فسوق» هي جزء من قضية الإنسان بشكل عام، أما ملاحظتك حول الروايات الأخرى، فإن عمل الكاتب على الاستجداء بالمرأة لإثارة شهوة القارئ، لا ينجح الرواية، وإن أخذت حالتها الإعلامية المؤقتة.
> أغلبية منتجنا الروائي السعودي يسلط الضوء على المتناقضات داخل المجتمع، فهل هذه موجة تطهير للمجتمع من المثالية التي طالما التصقت به؟
ـ عندما نذكر كلمة تطهير، ربما يتبادر إلى داخلنا أن هناك دنساً يلتصق بنا. نحن بشر لا نحمل الطهر الكامل، ولهذا الإنسان دائم البحث عن التطهر في توجهاته البشرية المختلفة، وفسوق أرادت أن تتطهر من الآخر الذي يسجنك، ويحاول أن يقودك إلى حياة تدخل إلى نفقها رغما عنك. فمحمود لم يكن راغبا في أن يكون إرهابيا، وجليلة لم تلجأ إلى التنسك بشكل فطري، وإنما لتطهر سيرتها مما التصق بها بعد أن تم القبض عليها من قبل الهيئة. جميع شخوص الرواية كانوا يمارسون هذا التطهير حتى يتخلصوا من أدران سابقة.
> حكايات العجائز الشعبية واضحة في سردك، سواء في فسوق أو حتى رواياتك السابقة.. لماذا؟
ـ بطلات «فسوق» شابات، وثمة كثير من القوانين التي تمضغ هذه الأغصان الشابة. وهي قوانين بلغت من الهرم ما لا تستطيع معه أن تساير الواقع. الإحصائية السكانية تخبرنا أن 54% من أبناء المجتمع السعودي، تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاما، وجليلة هي ضحية مقولات سببها عادات قديمة ما زالت تفرض سيطرتها، وخلفيات العجائز ومقولاتهم عادة ما تستخدم كمعطل أو كحكمة، وأتصور أن «فسوق» شهادة إدانة في مجتمع تحرك من غير أن يحمل قيما مناسبة لمتغيرات كبيرة.
> قلت ذات مرة «نحن كائنات يصل إليها عطب الموت سريعا»، ما الذي قصدته؟
ـ هناك أناس يظنون أن الموت هو نقلك لحفرة صغيرة، وكارثتنا أننا نموت أحياء، إذ يصل إلينا العطب بسبب وضعنا داخل سجن صغير من التهميش، مكون من سوء الظن والزيف والكذب. وبالتالي نتحول إلى كائنات ميتة، فماذا يعني أن شابا صغيرا في مقتبل العمر لا يدرس ولا يعمل ولا يحب، أليس هذا الشاب ميتا؟!
> لأجل ذلك تكرس رائحة الموت في محيط رواياتك جميعها.. ففي «فسوق» المقبرة تكاد تكون بطلا حاضرا؟
ـ المقبرة في «فسوق» هي البطل والخلاص، بمعنى أن الحياة بما وصلت إليه من اختلال وعبث فإن تصحيحها لا يكون إلا بالموت، أي من داخل المقبرة، لتنشأ بعدها حياة جديدة خالية من الأدران. فالأطفال يتجمعون داخل المقبرة لتواصل الحكاية سردها في «فسوق». شفيق يمثل النقاء الطاهر للإنسان، أما وحشية العمل الذي قام به؛ فهو بالنسبة له ما كان سوى حياة جديدة يستمتع بها رغم أنه يمارس حبا شاذا لأبعد درجة ممكنة، لكنه مارسه بطهر، وقد نبع هذا التصرف منه لأنه اكتسب العفن في داخله واعتاد عليه، فعندما لاصق الموتى الذين يفوح منهم العفن، اعتاد على ذلك ما عاد تصرفه الشاذ يعني له شيئا، حتى أنه اعتقد بإمكانية تكوين أسرة من الموتى، والعيش مع عشيقة ميتة، على عكس الأحياء خارج المقبرة ممن رفضوه. عندما أتحدث عن الموت في الرواية، لا أعتبره نهاية وإنما نقطة ارتكاز لبدء دائرة جديدة من الحياة.
> مررت بلحظات الموت في غرف العناية المركزة التي دخلتها عدة مرات عندما تعب قلبك.. فهل أردت مواجهة الموت في رواياتك بسبب ذلك؟
ـ مسألة ذهابي المتكرر للمستشفى تعود إلى أني قدمت من قرية، الحياة فيها رخيصة جدا، ففي كل موسم يتحرك مرض أو وباء يختطف من أي بيت فردين أو ثلاثة. أصبت بأمراض كثيرة وأنا طفل، من ضمنها الملاريا. أبناء القرى يمرون عادة بجحافل من الأمراض التي تخطفهم باكرا. وأول ما نبهني لحقيقة الموت، وأنا صغير، في قريتي، هي تلك الجثث التي رأيت الوادي يجرفها أمام عيني، وتلك الغارقة داخل الآبار، مات أصحابها بسبب وباء انتشر في القرية. لهذا لم يكن الموت مرعبا بالنسبة لنا، كوننا اعتدنا عليه. اليوم تغيرت علاقتي بالموت، وبدأت أخافه، لهذا أوجدت طريقة للتحايل عليه في لعبة سردية، وكأني أقول له: تعال إلي كي نتفق ونتصادق، لقد لعبتها معه في رواية «الطين»، والآن في «فسوق»، وهي محاولة مني كي أثبت أن الموت هو حياة وليس
نهاية.
> أنت خريج علوم سياسية من جامعة الملك عبد العزيز وأراك مدرس أطفال في المرحلة الابتدائية.. هذه مفارقة؟
ـ انه غباء الطبقة البسيطة. هذا القسم في الجامعة لا يدخله سوى أبناء الأسر الكبيرة، لأن هناك تجهيزات ما بعد التخرج تعمل على انتقالك للعمل في سفارة من السفارات، وقد كنت في البداية أدرس الهندسة، واكتشفت أني لا أصلح مهندسا، لأني أمضي الليل كله وأنا أكتب قصائد الحب والغرام وإن كانت حينها تعيسة، ولهذا قررت الانتقال إلى قسم اللغة العربية، لكنهم لم يقبلوني لأني متخرج من القسم العلمي في الثانوية، فلم أجد خيارا أقرب للأدب أخوضه سوى دراسة العلوم السياسية. وبعد التخرج توجهت بشهادتي إلى وزارة الخارجية أبحث عن وظيفة، وخلال تلك الفترة اتصل بي أحدهم وهو مشفق علي يسألني بحسرة «ما الذي دفعك لأن تدرس العلوم السياسية»، حينها تنبهت لحقيقة مرّة بأني جلست في مقعد ليس لي، وأذكر أني قمت بتشكيل شهادة التخرج على شكل طائرة ورقية قمت برميها بعيدا عني، ومن ثم تقدمت بطلب، وأصبحت معلما للمرحلة الابتدائية، رغم أنه لم يخطر في بالي يوما أن أكون معلما للأطفال، واستمر 19 سنة وانتظر وصولها للعشرين لأتقاعد. فهي وظيفة لا تتسق معي. ولكن هذا هو قدرك حين تكون هاويا للأدب، وتدرس العلوم السياسية، وتعمل معلما، وصحافيا متعاونا، إنه واقعك الحقيقي، وقد كان من الأجدر أن تعمل وزارة الثقافة والإعلام على نقل خدمات المثقفين إلى الوزارة للاستفادة منهم، بدلا من التهشيم، ولو عدنا لفسوق فهذا هو التهشيم بعينه.
> كونك مدرسا للأطفال وروائيا وإعلاميا معروفا تتقاسمه هموم ذاتية واجتماعية.. عندما تغلق الفصل عليك أنت وطلابك الصغار.. بماذا تفكر؟
ـ عادة ما يحضر تلامذتي الصغار مقالة لي ويسألونني: أنت هذا؟ وأخبرهم أنه شبيه لي وليس أنا، وكنت طوال السنوات الماضية أدرس مواد اللغة العربية، خلال هذا العام أصبحت معلم كشكول يدرس مختلف المواد، ولم يتبق منها سوى الرياضة، لكنني كنت أستمتع بتدريسهم مادة التعبير، ونحولها إلى ورشة لكتابة قصة ومناقشة رسومات كاريكاتيرية بعيدة عن المنهج، وقد وجدت أن مخيلة الطفل أكثر نضوجا مني ككبير، وأحتفظ في خزانتي بقصص للأطفال أفكر في إصدارها ككتاب. الهالة الإعلامية التي تحيط بك، تنتهي عندما تدخل الفصل مع هؤلاء الأطفال. ودائما ما نجعل الحصة لعبة تعليمية، كأن يكون لدينا درس حول الحركات الإعرابية التي نحولها معا إلى شخوص في قصة أحكيها لهم، وكثيرا ما يلومني المدير حينما أطلقهم بين أرجاء المدرسة يبحثون عن همزة وصل كتبت بشكل خاطئ أو تاء مربوطة كتبت هاء على لوحات المدرسة المعلقة، وأكافئهم بريال إذا ما وجدوا خطأ، وهم يستمتعون بذلك.
المصدر الشرق الاوسط
11/1/2006