سويري
07/01/2006, 01:42 PM
.. يا ليلة الهبطة
يكتبها اليوم:محمد بن سيف الرحبي
تلك ليلة من ليالي العيد.. ليلة الهبطة.
غابت الأصابع عن العد، ولم تحترق قلوبنا شوقا إليها، تحسب الساعات رغم أن الباقي عليها أيام طوال، انطفأت حرارة الانتظار كما كانت سخونة الشرايين قبل سنوات مرت، حينها كان الطفل لا يزال طفلا، والقلب لا يزال غضا، والروح تعيش صفاءها الطفولي.
أتت ليلة (الهبطة) باردة ومملة، ثقيلة رغم جريان ساعاتها، لم ننتظرها كأنها تأتي رغم أنفها إلينا نحن القابعين بلا أدنى إحساس بقسوة الانتظار، لم تعد تلك الليلة كما نعرفها، كانت كحبيبة تأخرت عن موعدها الأول، بل وجدنا الليلة هكذا بيننا، فغابت حرارة الشوق، وجاء النوم دون سماع تلك التباشير القادمة مع صيحات الرعاة وهم يسوقون مواشيهم خلال ساعات الليل باتجاه مكان (الهبطة)، والجمالون وهم ينزلون بضاعتهم متنقلين من هبطة الى أخرى، و (رعاة الجبل) بـ (جواني) الجوز يعدون ما تبقى من حبات مختلطة برائحة تكاد الأنف تعرفها جيدا رغم هبوب السنوات على حقول الذاكرة الهشة، غاب الصوت وضاع الصدى بعيدا عن آذاننا.
صغارا، قبل أن يكبر بنا العمر..
أو نكبر مع العمر، كانت ليلة الهبطة عيدا حقيقيا، نترقب مجيئها منذ حلول هلال شهر ذي الحجة، تهليلات وتكبيرات تتردد وراء البيوت الطينية للصغار الحاملين قناديلهم، يتنقلون مع فرحة العيد من سكة لأخرى كأنهم يرشون البهجة على كل بيت ماء ورد ورائحة حناء..
هل شاخت الروح أكثر مما ينبغي؟! وقد أسرج العمر حصانه وغاب ذلك الطفل في داخلنا!
ليلة الهبطة بحثت عنها طويلا كي أفرح معها، واستعير منها تلك البهجة الضائعة، طفت على نفس الطرقات، ووقفت على نفس الجدار، وهنا وهناك فتشت عن طفل قديم كنته ذات حين من الدهر، كانت الملامح غائبة جدا، أيقنت أن زمن الطفولة غاب الى غير رجعة، وأن الأمكنة ما عادت تعرفني كما كانت، تغيرت أشياء كثيرة بيننا.
وصبيحة الهبطة لم يستيقظ الزمان كما عهدته في تلك الصباحات القصية، حملت معي الطفل الذي سكنته منذ أكثر من ربع قرن، لكنه ضاع في زحام الأيام.
تذكرته جيدا: ذلك الطفل كان يمضي بنصف ريال في جيبه كأنه يمتلك الدنيا، كبر الطفل، لكن لم تنفعه محفظته في العثور على فرحة كما كانت في سنوات خلت.وبائع الجوز والرمان، ذلك الكهل القادم من الجبل الأخضر اختفى من ناظر الطفل، غاب هو الآخر كأن الزمان لم يعد زمانه.
تعددت الألوان من حولي، وتعددت الوجوه وتكاثرت فوق الاحتمال، وجميعها لم تمنحن نزرا يسيرا من تلك البهجة التي حاولت التفتيش عنها لعلني أجدها بعد سنوات من الغياب عن المشهد.
حتى الصغار من حولي لم يكونوا كما كنت، تركوا الهبطة وفي أيديهم ألعاب العصر، مسدسات وبنادق وأقنعة، مؤكد أن الحيرة لم تستوقفهم طويلا أمام الباعة، كما كانت معي حين لا يكفي النصف ريال سوى لمشكاكين وكوب (شربات)، ولعبة لم أعد أتذكرها جيدا.
جريدة عمان
7/1/2006
يكتبها اليوم:محمد بن سيف الرحبي
تلك ليلة من ليالي العيد.. ليلة الهبطة.
غابت الأصابع عن العد، ولم تحترق قلوبنا شوقا إليها، تحسب الساعات رغم أن الباقي عليها أيام طوال، انطفأت حرارة الانتظار كما كانت سخونة الشرايين قبل سنوات مرت، حينها كان الطفل لا يزال طفلا، والقلب لا يزال غضا، والروح تعيش صفاءها الطفولي.
أتت ليلة (الهبطة) باردة ومملة، ثقيلة رغم جريان ساعاتها، لم ننتظرها كأنها تأتي رغم أنفها إلينا نحن القابعين بلا أدنى إحساس بقسوة الانتظار، لم تعد تلك الليلة كما نعرفها، كانت كحبيبة تأخرت عن موعدها الأول، بل وجدنا الليلة هكذا بيننا، فغابت حرارة الشوق، وجاء النوم دون سماع تلك التباشير القادمة مع صيحات الرعاة وهم يسوقون مواشيهم خلال ساعات الليل باتجاه مكان (الهبطة)، والجمالون وهم ينزلون بضاعتهم متنقلين من هبطة الى أخرى، و (رعاة الجبل) بـ (جواني) الجوز يعدون ما تبقى من حبات مختلطة برائحة تكاد الأنف تعرفها جيدا رغم هبوب السنوات على حقول الذاكرة الهشة، غاب الصوت وضاع الصدى بعيدا عن آذاننا.
صغارا، قبل أن يكبر بنا العمر..
أو نكبر مع العمر، كانت ليلة الهبطة عيدا حقيقيا، نترقب مجيئها منذ حلول هلال شهر ذي الحجة، تهليلات وتكبيرات تتردد وراء البيوت الطينية للصغار الحاملين قناديلهم، يتنقلون مع فرحة العيد من سكة لأخرى كأنهم يرشون البهجة على كل بيت ماء ورد ورائحة حناء..
هل شاخت الروح أكثر مما ينبغي؟! وقد أسرج العمر حصانه وغاب ذلك الطفل في داخلنا!
ليلة الهبطة بحثت عنها طويلا كي أفرح معها، واستعير منها تلك البهجة الضائعة، طفت على نفس الطرقات، ووقفت على نفس الجدار، وهنا وهناك فتشت عن طفل قديم كنته ذات حين من الدهر، كانت الملامح غائبة جدا، أيقنت أن زمن الطفولة غاب الى غير رجعة، وأن الأمكنة ما عادت تعرفني كما كانت، تغيرت أشياء كثيرة بيننا.
وصبيحة الهبطة لم يستيقظ الزمان كما عهدته في تلك الصباحات القصية، حملت معي الطفل الذي سكنته منذ أكثر من ربع قرن، لكنه ضاع في زحام الأيام.
تذكرته جيدا: ذلك الطفل كان يمضي بنصف ريال في جيبه كأنه يمتلك الدنيا، كبر الطفل، لكن لم تنفعه محفظته في العثور على فرحة كما كانت في سنوات خلت.وبائع الجوز والرمان، ذلك الكهل القادم من الجبل الأخضر اختفى من ناظر الطفل، غاب هو الآخر كأن الزمان لم يعد زمانه.
تعددت الألوان من حولي، وتعددت الوجوه وتكاثرت فوق الاحتمال، وجميعها لم تمنحن نزرا يسيرا من تلك البهجة التي حاولت التفتيش عنها لعلني أجدها بعد سنوات من الغياب عن المشهد.
حتى الصغار من حولي لم يكونوا كما كنت، تركوا الهبطة وفي أيديهم ألعاب العصر، مسدسات وبنادق وأقنعة، مؤكد أن الحيرة لم تستوقفهم طويلا أمام الباعة، كما كانت معي حين لا يكفي النصف ريال سوى لمشكاكين وكوب (شربات)، ولعبة لم أعد أتذكرها جيدا.
جريدة عمان
7/1/2006