المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : جدل المثقف - أحمد بن سالم الفلاحي


اللامنتمي
04/01/2006, 08:39 PM
في المساحة الممنوحة للمثقف يربك هذا المثقف نفسه بمجموعة من الاسئلة، والاسئلة في حد ذاتها حالة صحية، وطريق لاكتشاف المعرفة - ان وفق هذا المثقف في طرحها بصورة منطقية - ؛ هذه الاسئلة على كثرتها قد تعيق - احيانا - ترتيب الاوراق فتغدو المسألة اكثر صعوبة، وصعوبتها تكمن في ضياع الهدف ؛ وضياع الهدف معناه ان هذا المثقف لم يع بعد ماذا يريد، وماذا يراد منه؟!.

هذه الصورة الماثلة في تركيبتها المعقدة تعني ان هناك دوائر ضيقة يتحرك فيها هذا المثقف، لا تتيح له نفس الشروع في الميدان المتسع الارحب، الذي يتسامى عن خطاب الذات الضيق، الى خطاب الهم العام الكبير، والخوف على الذات مسألة في غاية الخطورة.

في كل بلدان الدنيا تتوالد اسئلة المثقف وتكثر، وهي اسئلة مشروعة، وتختلط اوراقه فتضيع الاهداف، وهذه نتيجة مسؤول عنها المثقف نفسه، لأنها تربك حتى السياسات، ويبقى خطاب المثقف، في هذه الحالة، منعزلا بعيدا، عن صنع القرار، وعندما يعاد اليه شيء من جزئيات صنع هذا القرار، تختزل صورة الهم العام الى حد التماهي والذوبان في تحقيق شيء من (الأنا) لا أكثر، بينما يفترض ان تكون هناك (ذات مزدوجة، بين الأنا، والـ(نحن).

قد يعذر غير المثقف عند تبنيه فكرة الذات، والتعامل معها بتلك الفوضوية الممقوتة في الفعل، والأداء، او السلوك، لأنه تتلبسه ذات سطحية في تناول الاشياء، وفي التعامل معها، فلا يرى في الوردة الحمراء - على سبيل المثال - الا لونها الاحمر، او الابيض، او البنفسجي، اما ما تحمله تلك الوردة من رائحة زكية يعطر شذاها ارجاء الكون، فذلك مكون ثقافي آخر يحتاج الى نفس تستلهم المعاني الصافية وتسلها من غمدها كما يسل السيف من غمده ناصع البياض (كبارق ثغرك المتبسم).

استهل هذه المقدمة لأقف حول بعض الشواهد التي تقف ضد اسئلة هذا المثقف أو - للتخفيف - تختلف معها، فمنذ زمن بعيد تطرح اسئلة حول المؤسسات الثقافية الرسمية ودورها في الاخذ بيد المثقف، والتعاطي معه في مختلف صنوف الابداع، مستمع هو، او مستمع منه، كما تطرح اسئلة الإدارة - ادارة المؤسسات الثقافية غير الرسمية من قبل المثقف، وانه الاقدر على تفعيلها، وضخها بالحيوية والنشاط، وتطرح مسألة استقدام المفكرين، والشعراء، والادباء، كنوع من التعاطي مع الآخر، وتطرح مسألة اقامة الورش الفنية، والاسابيع الثقافية ؛ سواء في الشعر، او القصة، وتطرح مسألة المهرجانات الكبيرة التي تحتاج الى استعدادات خاصة، وترتيبات اكثر اتساعا.

في كل هذه الاسئلة، على اهميتها، تأتي الاجابة من خلال هذا المثقف، عبر السلوك الممارس مناقضة لهذه المطالب كلها، ويأتي هذا المثقف في مقدمة المعتذرين عن المساهمة في تفعيل هذا الجانب او ذاك، وتأتي ردة الفعل هذه لأن هناك فلانا من الناس اصطدم معه في الرؤية، او اخلف معه، فتضيق الدائرة من اقامة مشروع وطني هام، الى دائرة (الأنا) و (فلان من الناس)، فتتماهى الصورة الجميلة للفعل الانساني الى هذا الحد الممقوت.

وهكذا يظل السجال قائما بين المثقف، وبين مؤسسته الثقافية الرسمية وغير الرسمية، فلا هذا اشبع نهمه، ولا تلك اخذت نفسها (بفتح الفاء)، وفي المسافة الفاصلة بين الاثنين. هناك كم من الاسئلة الحيرى، واكثر كمية من التهم المتبادلة بين الطرفين.

هذا السجال القائم - قد يكون - حالة صحية من باب ( فلنختلف لنتفق)، ولكن تبدو الصورة الحقيقية غير ذلك تماما، فهناك فجوة قائمة، ولم تنته بعد - وعلى ما يبدو ليس لها غد مشرق -، بين المثقف ومؤسسته الثقافية الرسمية بصورة خاصة ، وهناك فجوة بين المثقف والمثقف نفسه، وهذه اعقد من تلك، والضحية في ذلك المشاريع الثقافية الهامة التي توثق - بلا شك - مراحل تاريخية هامة من عمر الوطن، وتجسد منجزه الحضاري. هذه الصورة غير الصحية، لا شك، انها تختزل المنجز الثقافي العام في صورة عمل لا يرقى والمرحلة التي قطعها هذا المنجز من عمره التنموي، والنتيجة اداء ضعيف، وصورة مترهلة، واتهامات متبادلة - بالجملة - بين الطرفين.

في ندوة (مسقط عاصمة الثقافة العربية) التي اقامتها مؤسسة عمان للصحافة والانباء والنشر والاعلان ممثلة في جريدة عمان، والتي جمعت بين مجموعة من المثقفين - مع التأكيد على اعتذار الكثيرين من المثقفين - كطرف معني بما سوف يقدم له خلال هذا العام، وبين وزارة التراث والثقافة ممثلة في مديرعام المنظمات والعلاقات الثقافية كطرف معني بما سوف يقدم خلال هذا العام، لم تتجاوز اسئلة الطرف الاول ماهية الاعوام الثقافية، ومفهوم الثقافة، وما المطلوب من المثقف العماني في هذا العام، وعندما وصل الجميع الى المحك؛ عند طرح سؤال عدم اشراك المثقف العماني في صياغة برامج وفعاليات هذا العام، جاءت الاجابة مدوية، وهي: ان الوزارة خاطبت ثلاثين - ممن يحملون لواء الثقافة في السلطنة (انتقاء) - ولم يرد أحد لا بالموافقة ولا بالرفض، ومن كلف نفسه بالرد لم يتجاوز اصابع اليد الواحدة، ولم يخرجوا عن دائرة الاعتذار، وحتى المؤسسات الثقافية الاخرى التي خوطبت، كانت على نفس الشاكلة، على الرغم ان وزارة التراث والثقافة - كما اوضح ذلك خالد الغساني - قد رصدت موازنة لهذه المؤسسات كدعم منها لمساهمتها في هذا العام !!!

السؤال: ماذا يعني هذا؟ لا شك ان ذلك يعني، كما علق على ذلك احد المشاركين في الندوة انه لا يوجد تناغم بين المثقف والمؤسسة الثقافية من ناحية، كما لا يوجد تناغم بين المثقف والمثقف من ناحية ثانية، وهذه اشكالية كبيرة لا تصنع منجزا ثقافيا قبل ان يكون منجزا حضاريا يوثق مرحلة هامة من مراحل التنمية في السلطنة.
والتنمية - كما هو معروف - جزء لا يتجزأ، فالمكون او البعد الثقافي يتكامل مع المكون او للبعد الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي. قد تختلف هذه التقسيمات في الأداء، أو السلوك، ولكنها تتفق في ايجاد حالة تنموية فاعلة ينظر اليها في صورتها العامة.

هذه الاشكالية الماثلة ليست وليدة هذا العام، او تتزامن مع بدء فعاليات هذا الحدث الهام من عمر التنمية في السلطنة، ولكنها اشكالية قائمة بين المثقف والمؤسسة الثقافية، لا المؤسسة قادرة على ارضاء هذا المثقف، ولا المثقف قادر على تحديد مبتغاه بصورة تعكس شفافيته التي ينادي بها من خلال المنابر، او من خلال اطروحاته في أي شكل ادبي يعمل من خلاله، ويوثق ابداعه.

لا شك ان جلسات المقاهي اليوم تزخر بجدل المثقف، حول احتفال عاصمته باحتضانها فعاليات الثقافة العربية، هذه الاسئلة لن تخرج عن عدم مشاركته في صنع القرار الثقافي في هذه الاحتفالية - كنوع من التنظير، وايجاد مبرر لاطالة الجلسات على الارصفة - وتشاركها في ذلك المجالس الاخرى التي تعج بهذه الفئة (المنتقاة) من مثقفي البلد، بينما الواقع غير ذلك تماما، وسجلات وزارة التراث والثقافة خير شاهد على ذلك.

اذن والحالة هذه فعلى المؤسسة الثقافية الرسمية ان تبدأ بحول الله، وعلى هذا المثقف ان يتسامى على ذاته قليلا، ويبحث له عن كرسي للاستماع، والاستمتاع في محاضرة ما، او ندوة ما فلربما تعيد للنفس شيئا من ذاكرة المكان، فالمكان عمان، وعمان اكبر من ان نختزلها في صورة رفض عن المشاركة في مثل هذه الفعالية الهامة، ولو في صورة حضور.

عمان - الملحق الثقافي

الحزين
08/01/2006, 10:09 PM
اذن والحالة هذه فعلى المؤسسة الثقافية الرسمية ان تبدأ بحول الله، وعلى هذا المثقف ان يتسامى على ذاته قليلا، ويبحث له عن كرسي للاستماع، والاستمتاع في محاضرة ما، او ندوة ما فلربما تعيد للنفس شيئا من ذاكرة المكان، فالمكان عمان، وعمان اكبر من ان نختزلها في صورة رفض عن المشاركة في مثل هذه الفعالية الهامة، ولو في صورة حضور.

ليت مثقفينا يقرؤا هذه الجملة فقط !