محمد الحارثي
29/12/2005, 06:57 PM
الخنفساء
(رحلة مع زهَير بن أبي سلمى)
[إلى سعدي يوسف، في السّبعين]
بعد أنْ بعثرتُ حياتي في الترحال
كسرتُ الإبرَة وراودتُ المغناطيس
عن نفسه
بعد أنْ بعثرتها وبعثرتها
كما ينبغي، وكما لا...
نحَرْتُ الناقةَ في الأوقيانوس
مُقتعِداً حَصَاة الواقع
كأنما لأحْصي وقائعها
ورقةً
ورقة
قبل الوصُول إلى ميناءِ البُوصَلة
بعد أنْ وأنْ بعثرتها كَما وكَما
نَشَرْتها
رحلةً
رحلةً
في كتابٍ طويتهُ
عَيناً إثر جَناح..
واقتعَدْتُ هذه الحصاة
سَأمَاً من لألأةِ القنديلِ
بين الجُزر العذراء
والرّبع الخالي -
سَأماً من لألأتهِ أنفخ
بقايا الشعلةِ..
سَأماً، أنفخ بقاياها
فيما أداعِبُ
حَجَرَ الفلاسفة هذا
بعد أن ثقبتُ
في بلادٍ نـفّـاطَةٍ
جُيوبَ دشداشتي
واقتعَدْتُ
حَصَاة الإفلاسِ هذه..
ساهياً لاهياً عن عقرب الأربعين
وهي تدْنو بأمِّ أربعينها وأربعينها
لتلدَغني في عُرجُونِ الرِّحلةِ الأعمى
يا بن أبي سلمى
قبل أن تتلاشى على رَمْلِ الشاشةِ
رأفة بي من سَأمِ الثمانين
رأفة – لا أبا لكَ يا زهَير –
من سَأمِها
في زمانٍ كهذا الذي لم نعُد نقرأ فيه
المُعلقات
إلاّ على كَعْبَةِ الشاشات..
أنّى سَئمْنا تكاليفَ الحياة وضَرَّسَتنا أنيابُها
في فردوسِها المَعْقودِ جُلمودَ صخرٍ
حَطّهُ السَّيلُ من عَلٍ على
زهرة نحيلةِ الوجُودِ
قرب المِقوَد المَختوم
بشعار V.W في خنفساءٍ كهذه
التي ترَحَّـلْنا فيها سَويّة وقرأنا مُعلّقتكَ
(تحت سِنامها الذي تحْسدها
عليه تصاميمُ الرَّوَاحِل)
بصوتي وصوتكَ
وصوتِ فيروز في الـ CD مع
عُودٍ رنّانٍ حين يتعبُ ولا يتعبُ
لسانُِ الشيخ فينا
بعد سبعين فرسخاً اقتطعناها
خبَباً
خبَباً
من لسانِ الفتى نصفٌ
ونصفٌ طريقهُ...
حتى أخذتكَ الموسيقى إلى سِنَةٍ ونومٍ قبلَ أن تفيق مُتثائباً لتفكِّرَ في نجاة الصّغيرة باحثاً في المقعد المُستطيلِ عن زجاجةِ المياهِ المعدنيةِ - يا مْسافرْ وحْدَكْ - يا بن أبي سلمى حيث كان والتْ ويتمانْ بلحْيتهِ الملأى بالفراشات يُنادمُ الأخضر بن يوسف رغم مشاغلهِ نبيّاً يُخرجُ من جيبهِ زهرةً ويقولُ العَلامَةَ إثر العَلامَة، لكنهُ حينَ يَحْتدُّ يرفضُ أن يرتدي غير بُرنُسِهِ الصّوفِ.. يَهدأ بعد قليلٍ ليَهْمسَ في أذُنِ الزهرةِ: الجُند أعرفهمْ. والجنرالون، يا زهرتي، لا يَعرفون من أديمِ الأرضِ سوى بُعْدَينِ: ما نتأ، حصْنٌ وما انبسَط، ساحةٌ. فيما يُنادمُهُ ويتمانْ بصَوتٍ خفيضٍ - يا مْسافرْ وحْدَكْ - ليحْتدَّ في دورةٍ لا تنتهي في قرْقفٍ وقرَف:
God, save America
My home, sweet home
ضاحكَيْنِ في حُرّية الطفلِ حين يلامسُ أهدابهُ في المرايا التي ضحكَتْ بعد سبعين فرسخاً وفرسخاً من فكاهة الصّانع التي دَعَتْ الخنفساء لنقلِ مُحرِّكِها من مُؤخرة الفكْرةِ إلى مُقدِّمتها في مُوديلات التسعين بطيفِ ألوانها الفسْتقيّة والبرتقاليّة.. قبل أن تتسنى لنا ملاحظة اختفائهما من الألوانِ والمقعد المُستطيلِ، حين توقفنا ليَمْهَرَ أوراقنا المُزوَّرةَ رجالُ الجوازات الذين (كما كانوا في القصيدةِ) خلف مكاتبهم يعلكون النبيذ الرّديئ قبل - وبعد أن تزوَّدَنا بوقود British Petroleum وبيرة كُورُونا المُعَمَّمَة بشرائح الليمون وسَندويتشات ماكْدونالدز لنقرأ بحَماسَة عابري الحُدود مُعلقاتِ سَمِيِّي ابن حِلّزة والنابغة والأعشى ولبيد، ظعناً في شمُوس البيد وأكبادها - بأوراقٍ مُزوَّرةٍ - وصُولاً في آخر الرّحلةِ حتى مَفازة امرئ القيس...
سادرَيْن عن العقرب وأربعينها المعقوفةِ في ميناء عَدّاد السُّرعة وثمانينه التي تجاوزناها إلى ما عَمينا عن علمهِ أمسِ واليوم قبلهُ في مخالفةٍ مروريةٍ لم يحتسبْ لها حساباً قوسُ أوكتافيو باز ولا قيثارته..
في الثمانين كما في الأربعين -
لا فرق، لا فرق في حَجَر الشُّمُوسِ هذا..
(في الأربعين كما في الثمانين)
غداً، أمسِ، واليومَ قبلهُما في حُتوفٍ مُعَلقةٍ خبط عشواء
مَن تُصِبْ تُمِتهُ، ومَن تُخطئ تُمِتهُ ارتقى أسبابَ
السّماوات وأبوابَها أمْ هابَ أسبابَ
المنايا في قحْفِ هذه الخنفساء
المُحْدَودِبِ كدَهْركَ
الذي
ينقضي ولا ينقضي
في هذه القصيدة
التي لا تنتهي
(كما كانت في المَطلع)
من الوصولِ
إلى ميناءِ البوصَلةِ
(لا تنتهي في الخاتمةِ)..
لا تنتهي عن مُراودةِ المغناطيس
كُلَّ ليلةٍ في طريقهما..
كُلَّ ليلةٍ إلى بَدْرها
وشمْسِها وضُحاها.
_____________________
• حَبْلُ سُرّة "الخنفساء" بالـنـصِّ مَرّةً، بالوشيـجَـة مَرّةً أخرى، بالمُـتـعة الشعريّة مَرّاتٍ ومَرّات؛ مُـمتدٌّ
من قصائدِ زهَير بن أبي سلمى وسعدي يوسف حتى امرئ القيس.
_______________
أعيد، هنا، نشر هذه القصيدة ابتهاجاً بتغيير مسمى هذه السبلة، في الواجهة، التي ظلت تحمل
زمناً طويلاً مُسماها القديم. التحية للقلة من متابعيها، ولمشرفيها الذين راهنوا عليها طويلاً.
(رحلة مع زهَير بن أبي سلمى)
[إلى سعدي يوسف، في السّبعين]
بعد أنْ بعثرتُ حياتي في الترحال
كسرتُ الإبرَة وراودتُ المغناطيس
عن نفسه
بعد أنْ بعثرتها وبعثرتها
كما ينبغي، وكما لا...
نحَرْتُ الناقةَ في الأوقيانوس
مُقتعِداً حَصَاة الواقع
كأنما لأحْصي وقائعها
ورقةً
ورقة
قبل الوصُول إلى ميناءِ البُوصَلة
بعد أنْ وأنْ بعثرتها كَما وكَما
نَشَرْتها
رحلةً
رحلةً
في كتابٍ طويتهُ
عَيناً إثر جَناح..
واقتعَدْتُ هذه الحصاة
سَأمَاً من لألأةِ القنديلِ
بين الجُزر العذراء
والرّبع الخالي -
سَأماً من لألأتهِ أنفخ
بقايا الشعلةِ..
سَأماً، أنفخ بقاياها
فيما أداعِبُ
حَجَرَ الفلاسفة هذا
بعد أن ثقبتُ
في بلادٍ نـفّـاطَةٍ
جُيوبَ دشداشتي
واقتعَدْتُ
حَصَاة الإفلاسِ هذه..
ساهياً لاهياً عن عقرب الأربعين
وهي تدْنو بأمِّ أربعينها وأربعينها
لتلدَغني في عُرجُونِ الرِّحلةِ الأعمى
يا بن أبي سلمى
قبل أن تتلاشى على رَمْلِ الشاشةِ
رأفة بي من سَأمِ الثمانين
رأفة – لا أبا لكَ يا زهَير –
من سَأمِها
في زمانٍ كهذا الذي لم نعُد نقرأ فيه
المُعلقات
إلاّ على كَعْبَةِ الشاشات..
أنّى سَئمْنا تكاليفَ الحياة وضَرَّسَتنا أنيابُها
في فردوسِها المَعْقودِ جُلمودَ صخرٍ
حَطّهُ السَّيلُ من عَلٍ على
زهرة نحيلةِ الوجُودِ
قرب المِقوَد المَختوم
بشعار V.W في خنفساءٍ كهذه
التي ترَحَّـلْنا فيها سَويّة وقرأنا مُعلّقتكَ
(تحت سِنامها الذي تحْسدها
عليه تصاميمُ الرَّوَاحِل)
بصوتي وصوتكَ
وصوتِ فيروز في الـ CD مع
عُودٍ رنّانٍ حين يتعبُ ولا يتعبُ
لسانُِ الشيخ فينا
بعد سبعين فرسخاً اقتطعناها
خبَباً
خبَباً
من لسانِ الفتى نصفٌ
ونصفٌ طريقهُ...
حتى أخذتكَ الموسيقى إلى سِنَةٍ ونومٍ قبلَ أن تفيق مُتثائباً لتفكِّرَ في نجاة الصّغيرة باحثاً في المقعد المُستطيلِ عن زجاجةِ المياهِ المعدنيةِ - يا مْسافرْ وحْدَكْ - يا بن أبي سلمى حيث كان والتْ ويتمانْ بلحْيتهِ الملأى بالفراشات يُنادمُ الأخضر بن يوسف رغم مشاغلهِ نبيّاً يُخرجُ من جيبهِ زهرةً ويقولُ العَلامَةَ إثر العَلامَة، لكنهُ حينَ يَحْتدُّ يرفضُ أن يرتدي غير بُرنُسِهِ الصّوفِ.. يَهدأ بعد قليلٍ ليَهْمسَ في أذُنِ الزهرةِ: الجُند أعرفهمْ. والجنرالون، يا زهرتي، لا يَعرفون من أديمِ الأرضِ سوى بُعْدَينِ: ما نتأ، حصْنٌ وما انبسَط، ساحةٌ. فيما يُنادمُهُ ويتمانْ بصَوتٍ خفيضٍ - يا مْسافرْ وحْدَكْ - ليحْتدَّ في دورةٍ لا تنتهي في قرْقفٍ وقرَف:
God, save America
My home, sweet home
ضاحكَيْنِ في حُرّية الطفلِ حين يلامسُ أهدابهُ في المرايا التي ضحكَتْ بعد سبعين فرسخاً وفرسخاً من فكاهة الصّانع التي دَعَتْ الخنفساء لنقلِ مُحرِّكِها من مُؤخرة الفكْرةِ إلى مُقدِّمتها في مُوديلات التسعين بطيفِ ألوانها الفسْتقيّة والبرتقاليّة.. قبل أن تتسنى لنا ملاحظة اختفائهما من الألوانِ والمقعد المُستطيلِ، حين توقفنا ليَمْهَرَ أوراقنا المُزوَّرةَ رجالُ الجوازات الذين (كما كانوا في القصيدةِ) خلف مكاتبهم يعلكون النبيذ الرّديئ قبل - وبعد أن تزوَّدَنا بوقود British Petroleum وبيرة كُورُونا المُعَمَّمَة بشرائح الليمون وسَندويتشات ماكْدونالدز لنقرأ بحَماسَة عابري الحُدود مُعلقاتِ سَمِيِّي ابن حِلّزة والنابغة والأعشى ولبيد، ظعناً في شمُوس البيد وأكبادها - بأوراقٍ مُزوَّرةٍ - وصُولاً في آخر الرّحلةِ حتى مَفازة امرئ القيس...
سادرَيْن عن العقرب وأربعينها المعقوفةِ في ميناء عَدّاد السُّرعة وثمانينه التي تجاوزناها إلى ما عَمينا عن علمهِ أمسِ واليوم قبلهُ في مخالفةٍ مروريةٍ لم يحتسبْ لها حساباً قوسُ أوكتافيو باز ولا قيثارته..
في الثمانين كما في الأربعين -
لا فرق، لا فرق في حَجَر الشُّمُوسِ هذا..
(في الأربعين كما في الثمانين)
غداً، أمسِ، واليومَ قبلهُما في حُتوفٍ مُعَلقةٍ خبط عشواء
مَن تُصِبْ تُمِتهُ، ومَن تُخطئ تُمِتهُ ارتقى أسبابَ
السّماوات وأبوابَها أمْ هابَ أسبابَ
المنايا في قحْفِ هذه الخنفساء
المُحْدَودِبِ كدَهْركَ
الذي
ينقضي ولا ينقضي
في هذه القصيدة
التي لا تنتهي
(كما كانت في المَطلع)
من الوصولِ
إلى ميناءِ البوصَلةِ
(لا تنتهي في الخاتمةِ)..
لا تنتهي عن مُراودةِ المغناطيس
كُلَّ ليلةٍ في طريقهما..
كُلَّ ليلةٍ إلى بَدْرها
وشمْسِها وضُحاها.
_____________________
• حَبْلُ سُرّة "الخنفساء" بالـنـصِّ مَرّةً، بالوشيـجَـة مَرّةً أخرى، بالمُـتـعة الشعريّة مَرّاتٍ ومَرّات؛ مُـمتدٌّ
من قصائدِ زهَير بن أبي سلمى وسعدي يوسف حتى امرئ القيس.
_______________
أعيد، هنا، نشر هذه القصيدة ابتهاجاً بتغيير مسمى هذه السبلة، في الواجهة، التي ظلت تحمل
زمناً طويلاً مُسماها القديم. التحية للقلة من متابعيها، ولمشرفيها الذين راهنوا عليها طويلاً.