المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الثقافة الليبرالية ونظم الحكم الديمقراطي, متلازمات في الاقتصاد والسياسة


وطن الأشرعة
29/12/2005, 02:40 PM
الفصل بالفأس بين الديمقراطية وثقافة الليبرالية

حسين عجيب*



مدخل جانبي:

هل اليسار الديمقراطي وهم أم إمكانية فعلية؟



وضعنا أساتذة الأيديولوجيا طويلا أما سؤال مربك ومدمّر: أيهما تختار العدالة الاجتماعية أم الحريات الفردية ؟ وما تزال الكثير من الأسر والعائلات في بلادنا تجلد الأطفال المساكين بالسؤال المشابه: أيهما تحب أكثر أمك أم أبوك؟

ينصح المربون وعلماء النفس والمرشدون الاجتماعيون بتجنب السؤال العقوبة, الذي يقتضي تفضيل أحد الأبوين على الآخر. أظن بالمثل تأخرنا بالخروج من المفاضلة البائسة بين الحرية أو العدالة.

يحول دون الفرد في بلادنا والحق الأول والأبسط" حق الكلام والتعبير والتفكير" جبال وأسوار من المعيقات والحراس الحجريين, وتشترك بهذا التحريم السلطات المختلفة الدينية والأخلاقية والسياسية. أعتقد أن الجدل المثار حول التفريق بين الديمقراطية والليبرالية, جدل بيزنطي لا يختلف عن فكر وممارسة فقهاء القرون الوسطى, عندما يكون البلد المضيف سوريا أو السعودية أو ليبيا أو مصر أو العراق ..., ويكون حوارا ثقافيا لو كان البلد المضيف فرنسا أو ألمانيا أو قبرص أو حتى لبنان, وقد يتحول إلى حوار معرفي بالفعل.



*



اللا أعرف درجة متقدمة في الوعي:



في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي, حضرت العديد من الندوات والمحاضرات حول الديمقراطية وهي جميعا برعاية الدولة, كان المحاضر أو الكاتب(من صنف المفكر القومي أو اليساري) يبدأ من اليونان القديمة ويعرّج على المسيحية والإسلام مرورا بالعهد الاستعماري , ولا يصل إلى الآن وهنا , في رحلة شاقة ومملة, يذكر في منعطفاتها العديد من الأسماء والعناوين المجهولة بمعظمها, وتنتهي بنتيجة واحدة بالنسبة لي على الأقل, وأظن أغلب المتلقين كانوا يشاطروني النتيجة: الديمقراطية مفهوم عويص ومعقد يتعذر فهمه إلا للقلّة المتبحّرة في المعارف والعلوم أمثال السيد المحاضر(أستاذ, دكتور, مفكر...) . استمريت في جلسات التعذيب تلك لأكثر من عقد من الزمن. فأنا كنت من جهة أرغب بالوصول إلى مرتبة المثقف وعلى استعداد لبذل الجهد وتحمّل الضجر لبلوغ تلك الدرجة المرموقة, ومن جهة أخرى أشعر حقيقة بالمراوغة والادعاء والتعالي الصريح التي يمارسها ذلك العارف على الحضور أو القراء أو المشاهدين. ذلك الحال المضني استمر حتى منتصف التسعينات, بعد دخول الفضائيات والصحف الجديدة والأنترنيت تغير الوضع قليلا, صرت اقرأ وأستمع لشخصيات تتحدث بلغة سهلة وواضحة ويمكن فهمها بالقليل من الانتباه والتروي. لكن ذلك الصنف الثمانيني ما

زال هو الحاضر بكثرة بصوته العالي ويقينه وقبل ذلك تعاليه وادعائه المضمرين , مع دخول بعض التعبيرات الجديدة مثل أعتقد أو ربما أو يمكن..., لكن ذلك الخطاب العام والعائم ما زال يشكل الرسمي والسائد والمهيمن وقد بدأ بالزحف إلى موقع الحوار الليبرالي الناشئ , بنفس الأدوات والمنطق والموقف من الذات والآخر, ليعزز ويكرس الديماغوجيا القديمة المتجددة بخبرات وأدوات وتعابير, تمتلك سحر البلاغة وغواية الأيديولوجيا, ,وتعرض عن البعد المعرفي الهزيل والضامر أصلا في الثقافة والأدب العربيين.



*



يمكن تمييز الملامح الأساسية لذلك الخطاب عبر ثلاث عناصر:

أ- المتكلم أو الكاتب متعالي على الزمان والمكان, موقعه خارج التحديد وعصيّ على التعيين, فهو ينتمي إلى سلالة الأنبياء والعرافين , ولا يكترث للتفاصيل التافهة كالأفراد والأحداث وحتى الدول, لكنه على العكس دوما فيما يخص شؤون حياته الفردية, فهو متملّك ومتسلط واستحواذي وشره للسلطة والمال والمتع, وأظن جميعنا يعرف هذا النموذج عن قرب, ويعرف حالة الفصام الكامل التي يعيش فيها, هوسه الدائم بأدقّ تفاصيل حياته الشخصية على النقيض من ممارسته للثقافة والشأن العام وكل ما يخص الآخر القريب أو البعيد.

ب-المتلقي أو القارئ لهذا الخطاب هو جمهور وجماعة منصهرة من أل نحن أو أل هم, ما زال القارئ في هذا الخطاب تابعا وخارجيا , ولم يصل بعد إلى درجة الفردية أو القارئ الموازي والمكافئ للكاتب, ويستمر الخلط بين الفردية والأنانية, مع استمرار دور القارئ السلبي الذي يحتاج للوعظ والتلقين بدلا عن الحوار المعلّق فعلا من قبل السلطات المختلفة الدينية والسياسية والأخلاقية. ج- لغة الخطاب إنشائية تستخدم البلاغة والتعميم بإفراط بحيث يتعذر استخلاص خبرة أو معرفة, وهذه ما أعتقد تمثل جناية الأدب ومؤسسات الثقافة على الحياة والتفكير في بلادنا السحرية.



*



الثقافة الليبرالية ونظم الحكم الديمقراطي, متلازمات في الاقتصاد والسياسة ويتعذر التفريق بينها, على الطرف المقابل لثقافة الاستبداد ونظم الحكم التسلطي, التي هي كذلك متلازمات في الاقتصاد والسياسة ويتعذر التفريق بينها. سأحاول باختصار شديد الإجابة على سؤالين:

1- ما هو المشترك بين نظم الحكم التسلطي, والتي تنشر ثقافة وفكر الاستبداد وترتبط معها عضويا؟

والسؤال المرادف, ما هو المشترك بين نظم الحكم الديمقراطي, والذي يترافق مع ثقافة التعدد والتسامح والحريات الفردية؟ وهل الشرط بينهما لازم وكاف ويقبل العكس؟



*



الفرد الإنساني بغض النظر عن جنسه ولونه ودينه وعرقه وثقافته, يستخدم اليوم بسهولة جميع منجزات العلم والحضارة الحديثة, من السيارة والطائرة إلى الأنترنيت والهاتف المحمول, دون أن يسأله أحد( باستثناء بعض الإمارات الإسلامية والجماهيريات الثورية وفي بلادنا حصرا) عن جدارته بذلك, أو يضعه في اختبارات السياسة والأخلاق والولاء والطاعة, ليستحق مكرمة السلطات والفقهاء,استخدام سيارة واتصال بالأنترنيت. وبنفس الوقت وبشكل مثير للاشمئزاز من قبل البعض ومثير للشفقة من قبل البعض الآخر , يمنع عنه الحق المرافق: حريته بجسده وفكره وكلامه وعمله, بدعاوى متماثلة في المضمون وإن اختلفت بالشكل:الغيرة عليه وعليها ولحمايتهم وحصانتهم من تأثيرات الأعداء والطامعين . هذا الموضوع قد يشتت سياق المقالة, فأكتفي بالقول بالصراحة والوضوح التي أقدر عليها: الديمقراطية وحقوق الإنسان كما نصّ عليها الإعلان العالمي منذ ستين عاما, لا تستثني العرب والمسلمين, وهي غير قابلة للانتقاص, بنفس الوقت هي وجه العملة الآخر لثورة الاتصالات والمعلومات, ولا يفرّق بينها سوى مغفّل أو مخادع.



*



* المشترك بين نظم الحكم التسلطية( دينية أم قومية أم يسارية): تمركز السلطة, وقابليتها للتوريث المباشر, وارتفاع الحكام فوق القانون, وخروج المحكومين عن مظلة القانون الحامية نظريا, تبعية الاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الأخلاق لشخص الحاكم وأهله وبطانته. في ثقافة الاستبداد تستبدل الحرية والحق بالممنوع والواجب, حتى حق الكلام والتعبير والتفكير التي هي أبسط الحقوق وأكثرها شكلانية غير معترف بها, بل يصل الأمر إلى إجبار الفرد بالترهيب أو الترغيب على التعبير عكس ما يعتقد أو يعرف أو يظن أو يشعر.

* المشترك بين أنظمة الحكم الديمقراطية: تعدد السلطات والفصل بينها(حكومة, معارضة, قضاء, إعلام, تعليم, مراكز أبحاث,...), التداول السلمي للسلطة ,والقانون فوق الجميع نظريا, وعمليا حق الكلام والتعبير مع حق الحياة مصانة ومحفوظة للمختلف, بعدما انقرض صنف الكافر أو الخائن من الدول المتحضرة والشرعية. في الثقافة الليبرالية الحرية والحق هما المبدأ والأساس ويشتق عنهما الالتزام

والواجب , ومن تلك العناصر الفعلية القابلة للقياس والتجربة تتحقق دولة القانون حيث الدين لله والوطن للجميع. كما يوجد مشترك أساسي بين نظم الاستبداد, توجد كذلك عناصر اختلاف لا شك بذلك, لكنها دوما في مرتبة الثانوي واللاحق . كما يمكن مقابلة نظم الاستبداد على التضاد من نظم الليبرالية , عنصر بعنصر, وفكرة بفكرة, وممارسة بممارسة, بالضبط كما يمكن مقارنة الجمل بالسيارة.

الحكم التسلطي وثقافة الاستبداد توأم سيامي يشتركان بالرأس والدماغ. بالمثل الحكم الديمقراطي وثقافة الليبرالية توأم سيامي يشتركان بالرأس والدماغ. ومن يحاول الفصل بين هكذا توائم بالفأس أم بالمشرط, يكرر نفس الممارسة التي تحاول الفصل بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين ثورة الاتصالات والمعلومات الكونية.

ابوصاحب
29/12/2005, 07:58 PM
المكتوب بالأزرق هو مقتطف من نص الكاتب
أما المكتوب بالبرتقالي فهو تعليق العبد لله أبوصاحب

أعتقد أن الجدل المثار حول التفريق بين الديمقراطية والليبرالية, جدل بيزنطي لا يختلف عن فكر وممارسة فقهاء القرون الوسطى,

نعم هو جدل بيزنطي فهما وجهان جميلان لعملة قبيحة وردت من بلاد قد تلائمها ولكنها بالتأكيد لاتلائمنا


: الديمقراطية مفهوم عويص ومعقد يتعذر فهمه إلا للقلّة المتبحّرة في المعارف والعلوم أمثال السيد المحاضر(أستاذ, دكتور, مفكر...) .
هي مفهوم عويص يتعذر فهمه الا على المتغرب أو المتبحر في علوم الغرب .

استمريت في جلسات التعذيب تلك لأكثر من عقد من الزمن. فأنا كنت من جهة أرغب بالوصول إلى مرتبة المثقف وعلى استعداد لبذل الجهد وتحمّل الضجر لبلوغ تلك الدرجة المرموقة, ومن جهة أخرى أشعر حقيقة بالمراوغة والادعاء والتعالي الصريح التي يمارسها ذلك العارف على الحضور أو القراء أو المشاهدين. ذلك الحال المضني استمر حتى منتصف التسعينات, بعد دخول الفضائيات والصحف الجديدة والأنترنيت تغير الوضع قليلا, صرت اقرأ وأستمع لشخصيات تتحدث بلغة سهلة وواضحة ويمكن فهمها بالقليل من الانتباه والتروي. لكن ذلك الصنف الثمانيني ما
أسلوب السخرية من الآخر جزء من ثقافة الاقصاء .


زال هو الحاضر بكثرة بصوته العالي ويقينه وقبل ذلك تعاليه وادعائه المضمرين , مع دخول بعض التعبيرات الجديدة مثل أعتقد أو ربما أو يمكن..., لكن ذلك الخطاب العام والعائم ما زال يشكل الرسمي والسائد والمهيمن وقد بدأ بالزحف إلى موقع الحوار الليبرالي الناشئ , بنفس الأدوات والمنطق والموقف من الذات والآخر, ليعزز ويكرس الديماغوجيا القديمة المتجددة بخبرات وأدوات وتعابير, تمتلك سحر البلاغة وغواية الأيديولوجيا, ,وتعرض عن البعد المعرفي الهزيل والضامر أصلا في الثقافة والأدب العربيين.
حديث لايختلف عن سابقه ولاحقه في منتهى الاقصائية ، العجيب أن أكثر المنادين بنبذ الاقصائية هم الليبراليون .

أ- المتكلم أو الكاتب متعالي على الزمان والمكان, موقعه خارج التحديد وعصيّ على التعيين, فهو ينتمي إلى سلالة الأنبياء والعرافين , ولا يكترث للتفاصيل التافهة كالأفراد والأحداث وحتى الدول, لكنه على العكس دوما فيما يخص شؤون حياته الفردية, فهو متملّك ومتسلط واستحواذي وشره للسلطة والمال والمتع, وأظن جميعنا يعرف هذا النموذج عن قرب, ويعرف حالة الفصام الكامل التي يعيش فيها, هوسه الدائم بأدقّ تفاصيل حياته الشخصية على النقيض من ممارسته للثقافة والشأن العام وكل ما يخص الآخر القريب أو البعيد.
إقصائية أخرى

ب-المتلقي أو القارئ لهذا الخطاب هو جمهور وجماعة منصهرة من أل نحن أو أل هم, ما زال القارئ في هذا الخطاب تابعا وخارجيا , ولم يصل بعد إلى درجة الفردية أو القارئ الموازي والمكافئ للكاتب, ويستمر الخلط بين الفردية والأنانية, مع استمرار دور القارئ السلبي الذي يحتاج للوعظ والتلقين ([/COLOR](استمرار للمنهج الاقصائي )

الفرد الإنساني بغض النظر عن جنسه ولونه ودينه وعرقه وثقافته, يستخدم اليوم بسهولة جميع منجزات العلم والحضارة الحديثة, من السيارة والطائرة إلى الأنترنيت والهاتف المحمول, دون أن يسأله أحد( باستثناء بعض الإمارات الإسلامية والجماهيريات الثورية وفي بلادنا حصرا)
((الحمد لله أن الكاتب قال البعض وليس الكل))

بالقول بالصراحة والوضوح التي أقدر عليهاالديمقراطية وحقوق الإنسان كما نصّ عليها الإعلان العالمي منذ ستين عاما, لا تستثني العرب والمسلمين


وهناك من يريد أن يلزم العرب والمسلمين بها قصراً مع انهم يملكون البديل الأفضل .

تمركز السلطة, وقابليتها للتوريث المباشر, وارتفاع الحكام فوق القانون, وخروج المحكومين عن مظلة القانون الحامية نظريا, تبعية الاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الأخلاق لشخص الحاكم وأهله وبطانته. في ثقافة الاستبداد تستبدل الحرية والحق بالممنوع والواجب, حتى حق الكلام والتعبير والتفكير التي هي أبسط الحقوق وأكثرها شكلانية غير معترف بها, بل يصل الأمر إلى إجبار الفرد بالترهيب أو الترغيب على التعبير عكس ما يعتقد أو يعرف أو يظن أو يشعر.
بالله هل يعرف هذا الكاتب عن الاسلام شيئاً حتى يدخله ضمن النظم التسلطية ثم ينعته بكافة تلك النعوت التي أتى بها؟؟؟؟؟

* المشترك بين أنظمة الحكم الديمقراطية: تعدد السلطات (ربما بفتح السين:عيار: ) والفصل بينها(حكومة, معارضة, قضاء, إعلام, تعليم, مراكز أبحاث,...), التداول السلمي للسلطة
,والقانون فوق الجميع نظريا (نظرياً مؤكد),
وعمليا (ليس دائماً)
حق الكلام والتعبير مع حق الحياة مصانة ومحفوظة للمختلف [/COLOR"]
(فقط اذا كان ينتمي الى نفس الدولة أو غير مسلم وربما شيئاً قليلاً اذا كان مسلماً انبطاحياً أعني تحررياً)
بعدما انقرض صنف الكافر أو الخائن من الدول المتحضرة والشرعية. (لاأدري الجواسيس الذين يتم اكتشافهم في بعض الدول الديمقراطية يعملون ضد بلدانهم ولصالح دول اخرى تحت أي يصنيف يدخلون)

حيث الدين لله والوطن للجميع[/COLOR].(هذا هو بيت القصيد)

كما يوجد مشترك أساسي بين نظم الاستبداد, توجد كذلك عناصر اختلاف لا شك بذلك, لكنها دوما في مرتبة الثانوي واللاحق . كما يمكن مقابلة نظم الاستبداد على التضاد من نظم الليبرالية , عنصر بعنصر, وفكرة بفكرة, وممارسة بممارسة, بالضبط كما يمكن مقارنة الجمل بالسيارة.
إذا كان ماتمارسه الولايات المتحدة أكبر دولة ديمقراطية ليبرالية في العالم بدأ من أفغانستان ومروراً بالعراق وجوانتنامو وانتهاء بدعم اسرائيل ضد الحق الفلسطيني لايسمى استبداداً فلا أدري ماهو الاستبداد الذي يقصد به هذا الكاتب

كما أنني لاأدري عندما يكرر الكاتب الربط بين الاستبداد والنظم الحكمية التعسفية وبين الدين هل لأن عقيدته تقول أن الدين والاستبداد مترابطان وأنا هنا أعني الدين الاسلامي تحديداً ولمزيد من التخصيص فأنا أعني النص الديني وليس بعض الممارسات الغير مسؤولة .

nabras31
29/12/2005, 08:03 PM
بارك الله فيك يااخي ابو صاحب ....ولنا عودة في وقت لاحق

وطن الأشرعة
29/12/2005, 09:57 PM
المكتوب بالأزرق هو مقتطف من نص الكاتب
أما المكتوب بالبرتقالي فهو تعليق العبد لله أبوصاحب

أعتقد أن الجدل المثار حول التفريق بين الديمقراطية والليبرالية, جدل بيزنطي لا يختلف عن فكر وممارسة فقهاء القرون الوسطى,

نعم هو جدل بيزنطي فهما وجهان جميلان لعملة قبيحة وردت من بلاد قد تلائمها ولكنها بالتأكيد لاتلائمنا


: الديمقراطية مفهوم عويص ومعقد يتعذر فهمه إلا للقلّة المتبحّرة في المعارف والعلوم أمثال السيد المحاضر(أستاذ, دكتور, مفكر...) .
هي مفهوم عويص يتعذر فهمه الا على المتغرب أو المتبحر في علوم الغرب .

استمريت في جلسات التعذيب تلك لأكثر من عقد من الزمن. فأنا كنت من جهة أرغب بالوصول إلى مرتبة المثقف وعلى استعداد لبذل الجهد وتحمّل الضجر لبلوغ تلك الدرجة المرموقة, ومن جهة أخرى أشعر حقيقة بالمراوغة والادعاء والتعالي الصريح التي يمارسها ذلك العارف على الحضور أو القراء أو المشاهدين. ذلك الحال المضني استمر حتى منتصف التسعينات, بعد دخول الفضائيات والصحف الجديدة والأنترنيت تغير الوضع قليلا, صرت اقرأ وأستمع لشخصيات تتحدث بلغة سهلة وواضحة ويمكن فهمها بالقليل من الانتباه والتروي. لكن ذلك الصنف الثمانيني ما
أسلوب السخرية من الآخر جزء من ثقافة الاقصاء .


زال هو الحاضر بكثرة بصوته العالي ويقينه وقبل ذلك تعاليه وادعائه المضمرين , مع دخول بعض التعبيرات الجديدة مثل أعتقد أو ربما أو يمكن..., لكن ذلك الخطاب العام والعائم ما زال يشكل الرسمي والسائد والمهيمن وقد بدأ بالزحف إلى موقع الحوار الليبرالي الناشئ , بنفس الأدوات والمنطق والموقف من الذات والآخر, ليعزز ويكرس الديماغوجيا القديمة المتجددة بخبرات وأدوات وتعابير, تمتلك سحر البلاغة وغواية الأيديولوجيا, ,وتعرض عن البعد المعرفي الهزيل والضامر أصلا في الثقافة والأدب العربيين.
حديث لايختلف عن سابقه ولاحقه في منتهى الاقصائية ، العجيب أن أكثر المنادين بنبذ الاقصائية هم الليبراليون .

أ- المتكلم أو الكاتب متعالي على الزمان والمكان, موقعه خارج التحديد وعصيّ على التعيين, فهو ينتمي إلى سلالة الأنبياء والعرافين , ولا يكترث للتفاصيل التافهة كالأفراد والأحداث وحتى الدول, لكنه على العكس دوما فيما يخص شؤون حياته الفردية, فهو متملّك ومتسلط واستحواذي وشره للسلطة والمال والمتع, وأظن جميعنا يعرف هذا النموذج عن قرب, ويعرف حالة الفصام الكامل التي يعيش فيها, هوسه الدائم بأدقّ تفاصيل حياته الشخصية على النقيض من ممارسته للثقافة والشأن العام وكل ما يخص الآخر القريب أو البعيد.
إقصائية أخرى

ب-المتلقي أو القارئ لهذا الخطاب هو جمهور وجماعة منصهرة من أل نحن أو أل هم, ما زال القارئ في هذا الخطاب تابعا وخارجيا , ولم يصل بعد إلى درجة الفردية أو القارئ الموازي والمكافئ للكاتب, ويستمر الخلط بين الفردية والأنانية, مع استمرار دور القارئ السلبي الذي يحتاج للوعظ والتلقين ([/COLOR](استمرار للمنهج الاقصائي )

الفرد الإنساني بغض النظر عن جنسه ولونه ودينه وعرقه وثقافته, يستخدم اليوم بسهولة جميع منجزات العلم والحضارة الحديثة, من السيارة والطائرة إلى الأنترنيت والهاتف المحمول, دون أن يسأله أحد( باستثناء بعض الإمارات الإسلامية والجماهيريات الثورية وفي بلادنا حصرا)
((الحمد لله أن الكاتب قال البعض وليس الكل))

بالقول بالصراحة والوضوح التي أقدر عليهاالديمقراطية وحقوق الإنسان كما نصّ عليها الإعلان العالمي منذ ستين عاما, لا تستثني العرب والمسلمين


وهناك من يريد أن يلزم العرب والمسلمين بها قصراً مع انهم يملكون البديل الأفضل .

تمركز السلطة, وقابليتها للتوريث المباشر, وارتفاع الحكام فوق القانون, وخروج المحكومين عن مظلة القانون الحامية نظريا, تبعية الاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الأخلاق لشخص الحاكم وأهله وبطانته. في ثقافة الاستبداد تستبدل الحرية والحق بالممنوع والواجب, حتى حق الكلام والتعبير والتفكير التي هي أبسط الحقوق وأكثرها شكلانية غير معترف بها, بل يصل الأمر إلى إجبار الفرد بالترهيب أو الترغيب على التعبير عكس ما يعتقد أو يعرف أو يظن أو يشعر.
بالله هل يعرف هذا الكاتب عن الاسلام شيئاً حتى يدخله ضمن النظم التسلطية ثم ينعته بكافة تلك النعوت التي أتى بها؟؟؟؟؟

* المشترك بين أنظمة الحكم الديمقراطية: تعدد السلطات (ربما بفتح السين:عيار: ) والفصل بينها(حكومة, معارضة, قضاء, إعلام, تعليم, مراكز أبحاث,...), التداول السلمي للسلطة
,والقانون فوق الجميع نظريا (نظرياً مؤكد),
وعمليا (ليس دائماً)
حق الكلام والتعبير مع حق الحياة مصانة ومحفوظة للمختلف [/COLOR"]
(فقط اذا كان ينتمي الى نفس الدولة أو غير مسلم وربما شيئاً قليلاً اذا كان مسلماً انبطاحياً أعني تحررياً)
بعدما انقرض صنف الكافر أو الخائن من الدول المتحضرة والشرعية. (لاأدري الجواسيس الذين يتم اكتشافهم في بعض الدول الديمقراطية يعملون ضد بلدانهم ولصالح دول اخرى تحت أي يصنيف يدخلون)

حيث الدين لله والوطن للجميع[/COLOR].(هذا هو بيت القصيد)

كما يوجد مشترك أساسي بين نظم الاستبداد, توجد كذلك عناصر اختلاف لا شك بذلك, لكنها دوما في مرتبة الثانوي واللاحق . كما يمكن مقابلة نظم الاستبداد على التضاد من نظم الليبرالية , عنصر بعنصر, وفكرة بفكرة, وممارسة بممارسة, بالضبط كما يمكن مقارنة الجمل بالسيارة.
إذا كان ماتمارسه الولايات المتحدة أكبر دولة ديمقراطية ليبرالية في العالم بدأ من أفغانستان ومروراً بالعراق وجوانتنامو وانتهاء بدعم اسرائيل ضد الحق الفلسطيني لايسمى استبداداً فلا أدري ماهو الاستبداد الذي يقصد به هذا الكاتب

كما أنني لاأدري عندما يكرر الكاتب الربط بين الاستبداد والنظم الحكمية التعسفية وبين الدين هل لأن عقيدته تقول أن الدين والاستبداد مترابطان وأنا هنا أعني الدين الاسلامي تحديداً ولمزيد من التخصيص فأنا أعني النص الديني وليس بعض الممارسات الغير مسؤولة .
بارك الله فيك ... تستحق الإحترام والتقدير .... ولكني أختلف معك ... في بعض النقاط ؟؟؟؟

ابوصاحب
29/12/2005, 10:13 PM
بارك الله في الجميع
الاختلاف بالرأي لايفسد للود قضية ، شرط ألا يتحول الى خلاف

وطن الأشرعة
29/12/2005, 10:34 PM
مفهوم الليبرالية:
الليبرالية (LIBERALISME) كلمة ليست عربية، وترجمتها الحرية، جاء في الموسوعة الميسرة:

"الليبرالية: مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي".

ولها تعريفات مرتكزها: الاستقلالية، ومعناها: التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي، سواء كان دولة أم جماعة أم فردا، ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاق والانفلات نحو الحريات بكل صورها:

مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية (عَقَدِيّة).

وقد عرف (جان جاك روسو) الحرية الخُلقية ـ كما يسميها ـ فقال:

"الحرية الحقة هي أن نطيع القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا".

فهي – بحسب هذا المفهوم - عملية انكفاء على الداخل (النفس)، وعملية انفتاح تجاه القوانين التي تشرعها النفس.. فالانكفاء على الداخل تمرد وهروب من كل ما هو خارجي، والانفتاح طاعة القوانين التي تشرعها النفس من الداخل.

ويمكن أن تمثل بالمعادلة التالية:

الليبرالية = انكفاء على النفس (استقلالية) + انفتاح على قوانين النفس (انفلات مطلق).

وجاء في الموسوعة الفلسفية العربية تحت مادة (الليبرالية) ما يلي:

"جوهر الليبرالية التركيز على أهمية الفرد، وضرورة تحرره من كل أنواع السيطرة والاستبداد".

"الليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه: تسلط الدولة(الاستبداد السياسي)، وتسلط الجماعة(الاستبداد الاجتماعي)".

ويمكن صياغة ذلك بالمعادلة التالية:

جوهر الليبرالية = التركيز على أهمية الفرد + التحرر من كل سلطة خارجية.

ويحسن أن ننبه إلى أن الليبرالية كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع لم تتبلور على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي.

ففي الجانب السياسي يعتبر (جون لوك) ـ 1632-1704م ـ أهم وأول الفلاسفة إسهاما.

وفي الجانب الاقتصادي (آدم سميث) ـ 1723-1790م.

وكذلك كان لكل من (جان جاك روسو) ـ 1712-1778م ـ و(جون ستيوارت مل) ـ 180-1873م ـ إسهامات واضحة.

وقد تقدم أن الليبرالي مذهب قضيته الإنسان، وعلى ذلك فكل المذاهب التي اختصت بهذا القضية كان لها إسهام واضح في تقرير مبادئ الليبرالية:

- فالعلمانية تعني فصل الدين عن السياسة، كما تعني فصل الدين عن النشاط البشري بعامة، وعلى مثل هذا المبدأ يقوم المذهب الليبرالي في كافة المجالات: السياسية، والاقتصادية، والفكرية، بل لاتكون الدولة ليبرالية إلا حيث تكون العلمانية، ولاتكون علمانية إلا حيث تكون الليبرالية.

- والعقلانية تعني الاستغناء عن كل مصدر في الوصول إلى الحقيقة، إلا عن العقل الإنساني، وإخضاع كل شيء لحكم العقل، لإثباته أو نفيه، أو معرفة خصائصه ومنافعه، والعقل المحكّم هنا هو عقل الإنسان، وهكذا تقوم الليبرالية على مبدأ أن العقل الإنساني بلغ من النضج العقلي قدرا يؤهله أن يرعى مصالحه ونشاطاته الدنيوية، دون وصاية خارجية!!

- والإنسانية تؤمن بالدفاع عن حرية الفرد، والثقة بطبيعة الإنسان وقابليته للكمال، وتقرر التمرد على سلطان الكنيسة.

- والنفعية تجعل من نفع الفرد والمجتمع مقياسا للسلوك، وأن الخير الأسمى هو تحقيق السعادة لأكبر عدد من الناس.

وهكذا فكل هذه المذاهب وغيرها كان لها نصيب في صياغة المذهب الليبرالي، وهذه نتيجة طبيعية لمشكلة كان يعانيها كل المفكرين على اختلاف توجهاتهم، هي: انتهاك حقوق الإنسان في أوروبا.

ابوصاحب
29/12/2005, 11:27 PM
أشكرك الأخ كريم على هذه المعلومات حول الليبرالية
ففيها بعض المعلومات أقرأها لأول مرة
ولي عودة للتعليق عليها انشاء الله .

وطن الأشرعة
30/12/2005, 11:15 AM
مقتبسالليبرالية المتوحشة اليوم كألدّ عدوّ للديمقراطية



إذا انطلقنا من فرضية محاولة الاستبداد العالمي والمحلّي التأقلم بوضع قناع المؤسسات الديمقراطية على نواة استبدادية صلبة قوامها سلطة رأس المال، فلا بدّ من الغوص في الايديولوجيا التي ترتهن اليوم كل مشروع ديمقراطي جدّي ،سواء كانت ذلك على مستوى العالم أو على مستوى الوطن العربي.

كم كان من الأنسب لو أن اللغة العربية ، التي سمت الاشتراكية اشتراكية وليس ''سوسياليزم '' أطلقت على الليبرالية اسم ''الحرياتية''. فليس بديهيا لمن لا يعرف اللغات الأوروبية أن الكلمة مشتقّة من الحرية في اللغة الفرنسية والإنجليزية ، أنها تعني إذن فكر ومشروع الحرية مثلما تعني الاشتراكية فكر ومشروع العدالة. هذا الفكر والمشروع هو عصارة أفكار وأحلام وآمال مفكرين عظام، كانوا أيضا من آباء الديمقراطية، منهم دافيد هيوم وبنجامين فرانكلن وتوماس باين و الكسيس توكفيل وشارل كومت وجون ستيوارت ميل وأدم سميث وليونارد ريد وغيرهم. السؤال كيف أصبحت ايديولوجيا الحرية اليوم ألدّ عدوّ للتحرّر ؟ كيف يمكن لنظرية ولدت من نفس الرحم الذي أولد الديمقراطية أن تشكّل اليوم اكبر تهديد لها ؟

لنعد إلى الأفكار المركزية التي تسندها وهي بكثير من التلخيص:

-أن الليبرالية ليست نظرية اقتصادية أو سياسية وإنما حركة فكرية تهدف إلى جعل الحرية قيم القيم، ذلك لأنه لو تركت لها كل الإمكانيات، لوجد الإنسان توازنه بصفة شبه تلقائية.

-إن هذا التوازن ناجم عن كون الآدميين مرتبطين دوما بعلاقة تبادل نسميها السوق في الميدان الاقتصادي. ومن قوانين السوق إنك إذا تركت شخصين في وضع تبادل حرّ، فإن كل واحد سيختار تلقائيا أحسن حلّ بالنسبة إليه ومن ضمنه التفاهم مع الآخر على ثمن مقبول من الطرفين، فتكون المقايضة عادلة والعملية مربحة لكليهما.

-أن تدخّل طرف ثالث -مثل الدولة - في شكل معونات لهذا أو ضرائب ضدّ ذلك، يظلم و يعاقب صاحب المبادرة. لذلك يجب أن يكون دورها جدّ محدود ومقتصرا على منع من يريد تغيير قواعد اللعبة والتصدي للمبادرة. إن المهامّ الشرعية الوحيدة للدولة هي فرض الاستقرار والنظام عبر وظائف الشرطي والجندي والقاضي. فالدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي ليست أكثر من جهاز طفيلي يقبض غاليا ثمن وجوده. هي لا تخلق الثروات وإنما تبذرها. وعندما يدّعي جهاز من أجهزتها القيام بمهمة التضامن الاجتماعي مثلا، فإنّه ينزع هذه الوظيفة عن المجتمع الأولى بتحقيقها لأنّه أنجع في ذلك من بيروقراطية الحكومة.

لنذكّر عرضا أن الدولة الأمريكية لا تكتفي بدور الشرطي والقاضي والجندي تاركة للسوق حرية البحث عن نقطة التوازن الاقتصادي والاجتماعي. هي تتدخل كأيّ دولة متخلّفة لفرض الضرائب على البضاعة الأجنبية وإغراق فلاحيها بالمعونات ليغرقوا أسواق العالم الثالث بالموادّ الرخيصة متسبّبين في إفلاس الملايين من الفلاحين الفقراء، في الوقت الذي تشجب فيه هذه الضرائب والمعونات عند الآخرين عندما تتنافى مع مصالح من تسهر على مصالحهم.

معنى هذا أننا يجب أن نأخذ أقوال منظرّي الليبرالية كما نأخذ أقوال كل المنتمين لهذه الايدولوجيا أو تلك، أي بكثير من الحذر متذكّرين أن الكلام العقائدي دعاية فيها الحق و الباطل.... أنها تغطية نظرية على ممارسات قد تكون على الطرف النقيض.

السؤال العامّ الذي يجب أن نواجه به أنفسنا : كيف نتعامل مع هذه المقولات (أو مع أي مقولة ايديولوجية أخرى) بحيث لا نخدع ولا نخدع (بضمّ النون). يتطلب هذا قدرا كبيرا من نزاهة فكرية ترفض أن ترى القشة في عين الخصم ولا ترى الجذع الذي في عيننا. يتطلب الأمر الالتجاء إلى التقييم الموضوعي الذي يستعمل مؤشرات علمية.

ومن نافلة القول أننا لا نستطيع أن نذهب بعيدا في اتجاه موازاة التفكير العلمي، لأن تقييمنا يتعامل مع ظواهر اجتماعية وسياسية بالغة التعقيد ولا تقاس بالكمّ. لنحاول مع هذا تكوين مقياس نقيّم به جدّية ما يعرض علينا من بضاعة ايديولوجية منطلقين من بديهيات يتفق عليها الجميع ومن أهمّها :

- إنّ كلّ ظاهرة من عالم الفكر أو المادّة لا تتواصل عبر الزمن إلاّ وكان لها بالضرورة فائدة ما تتبلور عبر إنجازات ما. حتّى الموت من هذا المنظور له فوائد. فلولاه لما وجد الرضّع مكانا لهم في العالم ولما ارتاح الشيوخ من هموم الحياة . لنسمّ ( إ) مؤشّر الإنجازات هذه.

- إنّ قوانين هذا العالم دفّعت كل إنجاز ثمنه فجعلت أنجع المحركات تفقد جزءا من طاقتها بالحرارة الضائعة، وجعلت تمديد العمر يزيد في الأمراض المزمنة، وجعلت انتصار هذا يفرز هزيمة ذاك. هكذا رأينا الاشتراكية تنتج ''النومنكلاتورا'' والمسيحية التي تطالب بإدارة الخدّ الأيمن لمن صفعك على الخدّ الأيمن تخترع محاكم التفتيش وحرق الناسّ والحروب الصليبية. لنسمّ (س) مؤشّر السلبيات التي تظهر إبان عمل الظاهرة المدروسة.

- ما أن تظهر هذه السلبيات حتى تبرز كلّ أشكال مقاومتها لتتصاعد حدّتها بتصاعد حدّة السلبيات. لنسمّ ( م) مؤشّر المقاومة التي يبديها الواقع لتصحيحها. إن ما يشهده العالم اليوم من ردود فعل عنيفة ضدّ العولمة هو اصدق تعبير عن هذه الظاهرة الطبيعية.

لا بدّ من التركيز هنا على أنّه من واجب كلّ فكر نزيه أن يأخذها بعين الاعتبار كردّة فعل شرعية على السلبيات. فلا حقّ لأحد أن يصرخ على طريقة محمد عبده ''ما أجمل الليبرالية وما أقبح الليبراليون''. على العكس من هذا عليه استنتاج ما يجب من إصلاحات، علما وأن كل إصلاح سيولّد وضعا جديدا يفرز بدوره سلبيات فمقاومة، وهكذا إلى أن تستعصي الأيدولوجيا على كلّ إصلاح فيتمّ استبدالها نهائيا بأخرى تخضع لنفس القانون السرمدي أنه لا خلود لشيء أو أحد.

لنطبّق مقياس إ-س-م على الليبرالية علما وأنه أداة قراءة لأي ايدولوجيا أو سياسة وحتى أبسط خيار في الحياة الشخصية.

أمّا بخصوص الإنجازات فإنه لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ ''الحرّياتية'' أطلقت قوى جبارة داخل المجتمعات الغربية وأنّها لعبت دورا أساسيا في خلق الثروات المادية والفكرية والفنية. كم ننسى نحن العرب أن التخلّف المادي الذي تعرفه مجتمعاتنا المستعبدة ليس إلا الوجه الظاهر للقحط الفكري والفني والعلمي الناجم عن نفس السبب: تكبيل هذه الطاقة الجبارة. ومن الإنجازات أيضا خلق مجتمع ديناميكي يعوّل فيه الأفراد على أنفسهم فتسود روح المنافسة والتحدّي وكلّها من عوامل التقدّم المطّرد في كلّ الميادين.

لكن ماذا عن السلبيات خاصة في علاقتها بالديمقراطية ؟

*

إنها تتلخص في أربع نقط بلورتها التجربة التاريخية ونستقيها منها:



1-'' تسويق'' آليات الديمقراطية



لقد فرضت الليبرالية على الديمقراطية أن تكيّف آلياتها لتتطابق مع آلياتها هي، وكأنّ ساحة السياسة مجرّد سوق تباع فيها بضائع من نوع خاصّ ، لكنها في آخر المطاف خاضعة لنفس القوانين التي تتحكّم في تبادل الشاي والسكّر والسيّارات. الأخطر من هذا تبعية السياسي للاقتصادي أي لرأس المال. لنتذكّر هنا أن آباء الفكر الديمقراطي مثل لوك ومونتسكيو و روسو جعلوا من الفصل بين السلطات ضمان عدم تجدد الاستبداد وشرطه الأوّل. إلا أن ما تفصله الدولة اللبرالية هو السلطة السياسية على صعيد أفراد ومؤسسات، لكنها لا تفصل بين السلطة السياسية والاقتصادية في مستوى طبقة تستعمل المؤسسات السياسية لضمان مصالحها. هكذا تستطيع الليبرالية أن تلتفّ حول أهمّ ركن في الديمقراطية كما حلمها مفكرون لم يكن لهم أدنى فكرة عن القوة المالية الرهيبة التي ستمتلكها هذه الأرستقراطيات وكيف ستوظفها للحصول على السلطة السياسية أو توجيهها عن بعد. يعطي الشيوخ الذين يستجوبون أمام الكاميرا مدير وكالة المخابرات المركزية ووزير الخارجية الانطباع بوجود ديمقراطية قوية يراقب فيها التشريعي كلّ دواليب التنفيذي. لكنهم أعضاء نفس نادي الأثرياء أي الأرستقراطيات الفاعلة التي صادرت الديمقراطية لمصلحتها. لقد أصبح معروفا ما للشركات البترولية من تأثير على سياسة الدولة الأمريكية وكيف تستطيع بتمويل الحملات الانتخابية لهذا المترشح أو ذاك شراء بوليصة تأمين على المستقبل. في أكتوبر 2003 أصدرت هيئة محايدة تدعى''اللجنة الأمريكية لمراقبة النزاهة''تقريرها السنوي الذي فضح ظاهرة كنّا نشكّ في وجودها دون قدرة إثباتها. لقد أبرز التقرير أن جلّ الشركات الأمريكية التي فازت بعقود ما سمّي بإعمار العراق الذي خربته الإدارة الأمريكية بمدافعها وحصارها اللا إنساني لعشرية كاملة، كانت بالصدفة من أكبر المساهمين في تغطية الحملة الانتخابية للرئيس بوش. وإن لم يكن هذا الفساد بعينه وفي أعلى مستويات، فما الفساد يا ترى؟ لكن من يعرف أن حماية مثل هؤلاء السياسيين امتدت إلى شركة من كبرى الشركات الصيدلية في العالم وهي''ايلاي ليلي'' التي استطاعت أن تسمّم ملايين الأطفال بلقاحات فاسدة لا زالت تسوقها في العالم الثالث ولم تستطع العائلات المنكوبة مقاضاتها لأن المشرّعين الأمريكيين المحتاجين هم أيضا للدعم المالي لحملاتهم الانتخابية اصدروا قوانين تمنع تتبع الشركة بحجة ....المصلحة الوطنية. من لا يعلم اليوم أن بوش الأب وبوش الابن ونائبه شيني وما لا يحصى من كبار الموظّفين وقدامى السفراء، كانوا ولا يزالوا في خدمة رأس المال هذا عبر ما يملكون وما يخدمون من الشركات العملاقة ....أنّ المكلفين بجمع أموال إعادة انتخاب الرئيس كلينتون كانوا يبيعون مقابل مئات الآلاف من الدولارات لقاءا مع الرئيس وليلة في سرير لينكولن بالبيت الأبيض وسفرة على متن الطائرة الرئاسية .....إن المرشحين لأعلى مراكز القرار هم دوما أثرياء في مواجهة أثرياء أو مدعومين منهم. هذا ما يفسّر التركيبة الطبقية للكونجرس الأمريكي، فنسبة المليونارات فيه خمسين مرّة أضعاف النسبة في الجمهرة العامّة للشعب الأمريكي. كيف استطاع شعب فيه أربعين مليون فقير أن يبعث بهذا العدد الرهيب من الأثرياء لتمثيله أو أن يوصل إلى أعلى مراكز القرار أشخاص مثل بوش ورامسفيلد وشيني المعروفين بثرائهم الفاحش وعلاقاتهم الوثيقة بالشركات البترولية الكبرى؟

والقاعدة أنّ السلطة السياسية في إفريقيا وبقية المناطق المتخلفة، هي المدخل للسلطة الاقتصادية أي لوضع اليد على المال العمومي، بينما تشكّل السلطة الاقتصادية في أمريكا المدخل للسلطة السياسية التي هي بدورها المدخل للسلطة الاقتصادية.

إنّ المفارقة في كلّ العملية تتمثّل في أن أحوج الناس للمؤسسة وهم الفقراء، يساهمون من حيث يدرون ولا يدرون في ملئها بمن هم ألدّ أعداء مصالحهم. إن أنهار الأموال التي تصرف في هذه المهرجانات مخصصة في جزء كبير لربح أصواتهم بكلّ الوسائل ومنها التضليل حتى تختلط السبل ويقع الجمع في اللاشعور بين مصالح لا تجتمع مثلما لا يجتمع الماء والنار.

لكن المال لا يحيد بالعملية الانتخابية وحدها عن أهدافها الأصلية وإنّما بآليات أخرى ضرورية لسلامة النظام الديمقراطي.إنّ الصحافة هي بصفة متعاظمة جزء من استراتيجية غزو المؤسسات الديمقراطية بهذا المال، حيث أنّ حرّية رأي جريدة مغمورة يكتب فيها بعض المعارضين للنظام ليست بوزن حرّية الرأي عند من يملك قنوات تلفزيونية يسخّرها في خدمة مرشّح معّين.إن بلورة رأي عام ّ والتلاعب به وتوجيهه هي اليوم بالأساس قضية إمكانيات مادّية والأقوى فيها هو الأغنى. حقّا هناك حدود للعملية لأن الشعوب ليست بالغباء الذي يتصوّره بعض الإعلاميين، لكن كم من وقت ومن طاقة ومن خسارة قبل أن ينكشف التضليل؟

وبخصوص حرية التنظم أي مقارنة ممكنة بين حظوظ حزب مدعوم بالمليارات وآخر لا يملك الحدّ الأدنى من الإمكانيات لإيصال صوته ؟ هذا ما دفع السينمائي والناقد الأمريكي'' مايكل مور'' للقول بأن عشرة في المائة من الأمريكيين لهما حزبان وتسعين في المائة ليس لهم ولا حزب واحد. هكذا ترى أباطرة المؤسسات المالية الضخمة يقودون مقاليد الأمور في الميادين الحساسة على امتداد العقود وترى مقاولي السياسة ومهرجيها الصغار يتخاصمون لخدمتهم على كراسي لنيابات قصيرة المدى. يظهر التدقيق في الظاهرة إذن العيب الهيكلي الخطير في الديمقراطية التمثيلية : سهولة التحكّم فيها وتوجيها بالمال، هذا الوقود الذي يجب ضخّه في دواليب السياسية في الدولة الليبرالية ودونه لا تستطيع أيّ آلة من آليات النظام أن تعمل أو بصفة أدقّ أن تعمل بالكيفية التي نعرفها.

ولقائل أن يقول أنّ الحلّ بسيط بمنع التمويل الخاصّ وقصر التبرّعات على حدّ معين وتمويل الحملات الانتخابية من المال العامّ. إن هذا ما تسعى إليه كثير من البلدان الديمقراطية التي لا تقبل السيرك الأمريكي. لكن حتّى لو سلّمنا بعدم وقوع الغشّ عبر التمويل السرّي، فإن هذا لا يلغي بقية الإشكالية أي قولبة آليات الديمقراطية وفق نموذج غير منظور للسوق.

ليس من باب الصدفة أن يواجه الناخب البرامج السياسية كما يواجه البضائع المعروضة عليه في سوق الفواكه واللحوم والأسماك. لنتذكّر أن أي واحد منّا عندما يذهب لشراء السمك لا يسلم أحيانا من الغشّ رغم تجربته الطويلة في التعرّف على الطازج منه وحرصه على المقارنة المطوّلة بين أسعار الباعة . افرض الآن أنّك أمام بائعين يتصايحان بخصوص جودة هذا الحاسوب أو ذاك. إنّ إمكانيات الخطأ في اختيار الأفضل ترتفع بصفة كبيرة لأنّك لست بالضرورة مهندسا مختصّا في الإعلامية. يتعقّد الخيار بصفة مطّردة وأنت تتردّد في التوجّه لهذه المصحّة أو تلك لعملية جراحية. أيّ قدرة لك على الخيار السليم وأنت لا تعرف حالة الأجهزة ومعنويات الممرضات وخبرة الجرّاحين ؟ كيف تستطيع التقرير بأن الخدمات التي قدّمت لك تستأهل الثمن المدفوع ؟ والآن تصوّر ناخبنا المسكين وهو مطالب بالخيار بين بائعين، كل واحد يريد إقناعه ب''شراء'' برنامجه حول تخفيض البطالة والعجز في ميزانية وميزانية الدفاع والسياسة الفلاحية والعلاقات مع العالم الخارجي والطاقات المتجدّدة ومحاربة الجريمة وألف موضوع تقني آخر. بداهة لا يمكن أن يكون رميه في الصندوق لهذه البطاقة أو تلك خيارا حرّا أي مبنيا على معرفة ووعي كما يمكن أن يقتنع هو نفسه بذلك . إنّها مقامرة بأتمّ معنى الكلمة حظوظ الفشل فيها أكبر بكثير من حظوظ النجاح. الإشكال هو أن رهان هذه المقامرة قد يكون مصير شعب وحتى مصير العالم.

هكذا خرّب منطق السوق آليات الديمقراطية عندما سمح للأرستقراطيات المخفية بالتمكن من مقاليدها عبر المال وفرض رؤيتها للعالم حتى على طريقة الانتخاب وخرّب صورتها عندما ضرب هيبة السياسة والسياسيين بالإشهار الرخيص.



2-زعزعة العقد الديمقراطي.



إن خلق الثروات شيء وتوزيعها العادل شيء آخر. وإذا أثبتت الليبرالية حقيقة لا تجادل فهي فائق قدرتها على الخلق وفائق عجزها عن توزيعها العادل. هذا ما أدّى إلى خلق مجتمعات غير سوية تتكدّس فيها جلّ الثروة بين أيادي قليلة ويترك الفتات للبقية. إن اقتصاد السوق، الذي افترض آباء الليبرالية عن سذاجة أنه عامل توازن، هو اليوم أكبر عامل اختلال في حياة العالم. لقد أصبحت هذه الأخيرة، نظرا لتوسعها من المركز الغربي إلى العالم عبر ما سمّي العولمة، مرادفا لتنمية الفقر الفاحش بجانب الثراء المشين وخلق جيوب مطردة الاتساع من المهمّشين والبطالين داخل كل مجتمع مما يؤدّي إجباريا إلى تفكّك الأسر وتفشّي الجريمة والدعارة والإدمان على المخدرات وانتشار الأمراض.

إن مجتمعا يعيش لا توازنا متزايدا وهوّة تتسع يوما بعد يوم بين من يملكون ومن لا يملكون ، هو مجتمع على فوهة بركان. إن مثل هذا الوضع، لا يمكن إلا أن يثير ردّ فعل عنيف طال الزمان أو قصر. وفي مثل هذا المجتمع التي تعركه قوى القمع وقوى التمرّد لا يمكن للحلول الوسطية والسلمية التي تشكل لبّ الديمقراطية أن تكون بديلا للعنف وحتى إن انتصبت، فلمدّة منتهية بالضرورة عندما تقتنع الأغلبية بأنه لا حلّ أمامها سوى الثورة. في الماضي كانت الليبرالية هي آلية خلق الثورة الشيوعية وما زال أمامها الكثير من الثورات تغذيها وتخلقها في المستقبل القريب.

3-إضعاف سلطة الدولة الديمقراطية.



لقد نجحت هذه الدولة، خاصة في البلدان الاسكندنافية، في الاضطلاع بالوظيفة الأهمّ لكلّ دولة أي توفير الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وحتى العمل، كلّ هذا حتى تضمن تواصل انخراط الأغلبية في التعامل السلمي لحلّ المشاكل الاجتماعية.

إن هذه المهمّة هي التي تتعرّض اليوم للخطر في كلّ مكان لأن انهيار الحدود يمكّن رأس المال الوطني والدولي من ممارسة الابتزاز تجاه أيّ دولة تريد حماية الحقوق الاجتماعية لمواطنيها. ثمة دوما بلد فقير يمكن أن يهرع إليه رأس المال وبلد أفقر منه إن أرادت حكومته الديمقراطية الحفاظ على الحدّ الأدنى من الخدمات الاجتماعية أو حقوق الشغالين في الإضراب و الأجر العادل. وفي هذا المستوى أصبحت الحكومات الديمقراطية في البلدان الفقيرة والغنية في نفس الوضعية، فإمّا قبول الابتزاز بما يعنيه الأمر من ضرب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للناس أو مواجهة وضع أصعب ناتج عن هروب رأس المال لا يجري إلاّ وراء الربح.

إنّ الخلل الأساسي في الليبرالية قلبها للأولويات الطبيعية. ففي كل مجتمع سويّ يجب أن تكون أداة الإنتاج في خدمة حاجات الناس من أكل وكساء وعمل الخ، أما ما ينتج من ربح فهو مكافأة اجتماعية للمجتهد والمبدع. لكن عندما يصبح الربح هو الهدف والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مجرّد توابع ثانوية يمكن التضحية بها إذا تضاربت مع الربح، فإننا ندخل في منطق مريض لا يمكن أن يتمخّض عنه إلا مجتمع بل وعالم مريض. هذا الانقلاب في الأولويات هو الذي يجعل اليوم الليبرالية بعبعا مخيفا يدمّر البيئة والشعوب والعائلة من أجل تكديس الأرباح.

إنّ وصف الليبرالية بالمتوحشة ليس من باب البلاغة الجوفاء وإنما وصف فرضته عليّ متابعتي الدقيقة لعلاقة الشركات العملاقة بمشاكل الصحّة التي أدرّسها بالجامعة. فلا أشرس من الشركات الصيدلية الأمريكية في حربها المدعومة بالإدارة الأمريكية ضدّ توفّر الدواء بأرخص الأثمان في العالم. هي ترفض للبلدان الفقيرة حق تصنيع الأدوية الضرورية التي تمتلك براءتها بحجة حماية الملكية الفكرية وتقيم الدنيا وتقعدها على كلّ دولة ''مارقة'' رغم الأرباح الخيالية التي تحققها والمونوبول الواسع الذي تتمتع به. هكذا تعرف أفريقيا اليوم 28 مليون مريض بنقص المناعة المكتسب لا يحصل منهم على العلاج إلا واحد بالمائة. هذه السياسية المجرمة، التي تحرم حتى الفقراء في أمريكا من الدواء لغلائه الفاحش ، أثارت سخط المنظمة العالمية للصحة ( بيان ماي 2001) ولجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ( بيان نوفمبر 2001) وصراع رهيب في ساحة المنظمة الدولية للتجارة. إنها الحرب بين حق الصحة وحق الربح الحرام. ثمة اليوم مجازر صامتة لملايين الأطفال في إفريقيا تجد ورائها أكلة لحوم البشر بالسموكنج ويحدثونك عن دور المنافسة في توفير أرخص السلع لمن لا يمتلكون ما يسدّون به الرمق

4-تلويث قيم الديمقراطية : ما من شكّ أنّ الحرية من أهمّ القيم بالنسبة لكل الديمقراطيين ، لكن استعمالها من قبل الليبراليين كتبرير لكل الموبقات التي تتمخض عنها العولمة المتوحشة، يلقي بضلاله على المفهوم بأسره بل قد يبغضّه للناس.

أنّ الحرية هي قدرتنا النظرية في اختيار الطريق الذي نظنّ أنه الأقصر والأسهل والأضمن لتحقيق مصالحنا وصيانة كرامتنا وذلك بدون ضغط أو إكراه. لكن أغلب الظروف البيولوجية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية التي نعيش داخلها تتصرّف وكأن لا همّ لها سوى الحدّ من قدرتنا هذه. مما يعني أن مشكلتنا ليست الحرية بما هي قيمة مطلقة توجد أو لا توجد وإنما مع حالتها العملية أي التحرّر. هذا التحرّر هو جهد كلّ لحظة لتوسيع دائرة الخيار في وجه كل المعوقات . لكن أهم المعوقات في وجه تحرّر الأغلبية الساحقة للبشرية اليوم هو الحرية كما يفهمها الليبراليون.

لقد أظهرت التجربة التاريخية بما فيه الكفاية أنها كانت ولا تزال حرّية الذئب في المدجنة والتغليف النظري للداروينية الاجتماعية بمبدأها الأزلي : البقاء للأقوى والأقوى هنا هو الأغنى.

*

لا غرابة في مثل هذا الوضع أن تكون المقاومة بشراسة الهجوم على الحريات و الحقوق المشروعة لأغلبية البشرية. لقد تمثّلت هذه المقاومة في المظاهرات الشعبية الصاخبة التي انطلق مسلسلها منذ نهاية القرن الماضي من مدينة سياتل في الولايات المتحدة والتي انتشرت كالنار في الهشيم إلى كلّ مدينة في العالم شهدت فيها لقاء أساقفة الليبرالية. لقد تمثّلت أيضا في إعادة تجنيد النقابات التي قيل أن عهدها انتهى وفي بروز عدد هائل من التنظيمات المدنية لوقف الدّاء وفي ما لا يحصى من كتابات النقد والاحتجاج ومنها هذا الكتاب.

القاعدة أن بقدر ما تتشنّج الشعوب في مقاومتها للظاهرة بقدر ما تتشنّج الليبرالية في الدفاع عن مصالحها غير المشروعة.

ها هي تمرّ اليوم في حربها الخارجية ضدّ كل من يقف في وجه مصالحها حتى إلى خصخصة الأمن ( 1).

من كان يتصوّر إمكانية ظهور شركات أمريكية تعدّ بالمئات ويديرها جنرالات أمريكيون متقاعدون، تملك أسلحة من نوع قاذفات القنابل ب2 وأسلحة ثقيلة وجيوش خاصة من المرتزقة لحماية مصالح الشركات العملاقة وعملائها المحليين. وبالمناسبة نرجو من منظرّي الليبرالية إفهامنا أين هي آليات السوق التي ستجعل خدمات هذه الشركات توفّر الأمن والاستقرار بأبخس ثمن ممكن ولمصلحة أي مستهلك ؟ كيف سيحصل التنافس الشريف والنزيه بينها لجني أرباح لا بدّ أن يكون لها علاقة ما بثمن الدم ؟ ينذر ظهور هذه الشركات بأن الليبرالية دخلت في أخطر مراحل تطور كل ايدولوجيا أي الدفاع عن الذات بالعنف الأقصى وعدم تكّلف التقية والتمويه .

تبدأ الإيديولوجيا كعقيدة خصبة ومنظومة فكرية وسياسية تريد التحرّر من نظام فاسد متقدّم عليها. ثم تصبح بمرّ الزمان وبالتمكن السياسي أداة حكم تحقّق جزءا من برنامجها الثوري وتقعدها حدودها وتعقيد العالم عن تحقيق الباقي. ثم يحصل نوع من التوازن بين الايجابيات والسلبيات تمكّن من إطالة عمرها أحقابا وقرونا. تأتي المرحلة النهائية التي يتعمق فيها فشل المشروع وتغلّب السلبيات على الإيجابيات وتصاعد المقاومة في ثوب ظهور عقائد أخرى تدفع قدما المشروع التحرّري الإنساني. تتشنّج آنذاك إرادة السيطرة والبقاء على كل باقي مكونات الأيدولوجيا فتغدو عنفا أعمى بغطاء نظري وتبرير بالغ الهشاشة لا يقنع إلا من أصرّ على الصمم والعمى. كلّ هذا في خدمة طائفة تضيق رقعتها باطّراد أمام تكاثر المتضرّرين والمطالبين بالتغيير الجذري.

إنها ظاهرة أزلية عبّر عنها توماس مازاريك قائلا:" تسقط الشعوب بسقوط المثل العليا التي نهضت باسمها''. نحن بصدد معايشة هذه الفترة البالغة الخطورة في حياة الليبرالية.

كما مثّل المرحوم الاتحاد السوفييتي ذروة النظام الاستبدادي الشيوعي فإنّه يمكن اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية هي ذروة النظام الاستبدادي الليبرالي، وقد تنتهي معه بنفس الكيفية عندما يستنفذ النظام كل طاقاته وعيوبه مثلما انتهى الاتحاد السوفييتي عندما أوصله نظامه السياسي إلى الهاوية بعد أن استنفذ كل طاقته وتمخّض عن كلّ موبقاته.

لقد أصبح واضحا اليوم أنه إذا كانت الشيوعية والفاشية ألدّ أعداء الديمقراطية في القرن الماضي فإن ألدّ أعدائها في هذا القرن هي الليبرالية المتوحشة.

***

وطن الأشرعة
13/04/2006, 05:57 PM
المحطة التالية في مسيرة التحول الليبرالي، والتي تعتبر مرحلة التمهيد، أو حرث الحقل وتسويته، استعداداً لعملية البناء الليبرالي أو الاستزراع، تضم خمس نقاط تشكل موقفنا من الماضي، والحقيقة أن موقفنا الحالي كشعوب شرقية من الماضي مرتبط ارتباطاً عضوياً بموقفنا من المقدس، أو هو جزء منه، ويعود بجذورة إلى ذات العمق السحيق في تاريخ الإنسانية، فقد بدأ الإنسان الأول بعبادة قوى الطبيعة التي يخشاها، ثم عبادة الحيوانات، ومع تكوينه للمجتمعات بدأ معبوده الحيواني يأخذ مفهوم الطوطم كرمز للجماعة، وتطور ليصبح جدها وأصل سلالتها، ومع التطور صارت الجماعات تنتمي إلى جد خليط من الطوطم والإنسان، لتبدأ مرحلة عبادة الأسلاف، المستمرة بدرجة أو بأخرى، تبعاً للمراحل الحضارية التي تمر بها الشعوب، ورغم أن الظاهر من الأدبيات الدينية هو أن عبادة الأسلاف قد أخلت مواقعها لحساب الإله المتسامي، إلا أننا نجد مثلاً يهوه إله إسرائيل يتسمى باسم الأسلاف، فيقول "أنا إله إبراهيم واسحق ويعقوب"، وإذا كنا نفهم هذه العبارة الآن على أنها تكريم لهؤلاء البطاركة العظام، فإن هذا ما وصلت إليه الأمور، لكن من الواضح أن البداية كانت عكس ذلك، وتركيز التدين الشعبي حالياً على الاهتمام بأولياء الله وبالقديسين، هو الجزء الذي استعصى على الزوال من ميراث عبادة الأسلاف.
ينعكس هذا على المناخ الثقافي، الذي يصبغ الممارسات الحياتية، ويصوغ المفاهيم والقيم، ويظهر بصورة بارزة في مجالين:
• التمسك بعادات وتقاليد وأخلاق الأباء والأجداد، واعتبارها معيار الخطأ والصواب، وقد كان هذا العامل عبر التاريخ العائق الأكبر أمام دعاة الإصلاح، سواء الأنبياء، أم المصلحين العلمانيين، فقد كان من الصعب على الناس دائماً أن تعتنق ما يخالف ما سار علية آباؤهم وأجدادهم.
• اعتبار هوية الفرد والمجتمعات تكمن في الماضي، ومقياس الأصالة للحاضر هو مدى اقترابه أو بعده عن مواصفات الماضي، ليكون تبرير الحاضر هو أنه مشتق من الماضي أو امتداد له، ويكون الإبداع محل اتهام إلى أن يتصدى للدفاع عنه من يستطيع التحايل لإيجاد علاقة ما بينه وبين الماضي، حتى على نطاق من يحسبون على أهل الفكر، نجد مفكراً مثل زكي نجيب محمود يخترع قضية الأصالة والمعاصرة، في محاولة تلفيقية ليجمع بها ما لا يجتمع.

يحتاج منا الماضي أيضاً أن نضعه في مكانه الصحيح:
• التقدير العلمي لما أنجزه الأوائل، وفق سياق زمانهم ودرجة تطوره الحضاري، في مسيرة تتجه بصفة عامة نحو الأفضل، رغم ما قد يتخللها من انكسارات وانتكاسات.
• المراجعة النقدية للماضي، لاكتشاف ما قد يمت من عناصر الخلل في الحاضر إلى ميراث الماضي، ومحاولة استخلاص الدروس حرصاً على أن لا يعيد التاريخ نفسه، لأن التكرار في مسيرة الإنسانية لا يمكن إلا أن يكون وبالاً وتقهقراً حضارياً، مهما بدا الأمر عكس ذلك.
• اعتبار الهوية في مقابل الماضي، أي في المستقبل، باعتبارها الممكن الذي لم يظهر بعد في حياة الإنسان وفي التاريخ، كما في المفهوم الهيجلي، بحيث يكون الاقتراب أو التشابه مع الماضي مؤشراً سلبياً، يدل على انتقاص تحقيق الممكن أي انتقاص من الهوية، أو الأصالة.
لكن المسألة في الحقيقة لها بعد آخر غير التقديس التاريخي المتوارث للماضي، ويتعلق بالحاضر، وهو ما جاء في النقطة التاسعة من المانيفستو وتقول: إن ضعفنا، وهزالنا، وقلة معرفتنا، وعجزنا العلمي والعقلاني هو الذي يؤدي بنا إلى الاتجاه إلى الماضي للاستعانة به لبناء الحاضر، أرى أن المقصود بضعفنا وهزالنا هنا الجانب النفسي وليس المادي، عدم الثقة بالنفس، فالفقر المادي والعلمي ليس سبباً، ولكنه نتيجة لعدم الثقة بالنفس، الذي يدفع للجوء دائماً للماضي للسير على هداه، خوفاً من الانحراف لطريق جديد مجهول، وخوفاً من تحمل مسئولية هذا الطريق، أما حين نقتدي بالأجداد فلا مسئولية علينا، وبالتالي فنحن لا نحتاج لأكثر من شيخ عارف يخبرنا ماذا نفعل، من واقع حكمته ودرايته بعلم وتقاليد الأجداد، ومن هنا يتسلل خلسة وعلى استحياء قبس واهن من التطور تفرضه الحياة، حين يوائم الشيخ العارف في فتاواه بين حكمة الأجداد وواقع الحياة المتغير، وغالباً ما يفعل هذا دون أن ينتبه أنه يقوم بعملية تطوير، وأنه لا يضع أقدامه تماماً على آثار أقدام الأجداد المطبوعة على الصخور العتيقة، وبتراكم تلك التغيرات البسيطة على مدى مئات وآلاف السنين نجد أننا قد تحركنا قليلاً للأمام، فالسلحفاة ليست صخرة ملقاة على الرمال، لأنها غير فاقدة للحركة تماماً، وإذا كان ما نستنتجه صحيحاً، من أن عجزنا وضعفنا يرجع لأساس نفسي من عدم الثقة بالنفس، فإن الأمر سيكون معضلة كبرى، إذا ما حاولنا البحث عن حل للإشكالية.
أما من الناحية العقلية فإن نظرتنا للماضي لمحاولة استنطاقه بحلول لمشاكلنا يشوبها:
• نزع أفكار الماضي مصحوبة بتطبيقاتها العملية من سياقها، لإقحامها على سياق جديد مختلف تماماً، وذلك فيما يتعلق بقيم إنسانية أساسية، كانت صالحة في الماضي وستظل كذلك إلى الأبد، كالمحبة والعدالة وحماية الضعيف، مثال النظر لفائدة المال في البنوك على أنها ربا محرم، وقد كانت مستهجنة وفق اقتصاديات العالم القديم، وحرمتها الأديان بصفتها استنزاف للفقراء، وهو السياق المختلف تماماً عن اقتصاديات الحاضر، والذي يعتمد على الادخار والقروض لإقامة المشروعات الاستثمارية الكبرى، أو الصغرى.
• نظرتنا إلى الزمن كأنه مجرد تراكم كمي، سواء في الأيام والسنين، أو في البشر واحتياجاتهم المادية، ويغيب عنها ما يصاحب هذا التراكم الكمي من تغير كيفي، في طبيعة البشر والأشياء، وبالتالي في طبيعة العلاقات، بما يعني عدم صلاحية الماضي لأن يكون خزانة للحكمة الصالحة للاستخدام في الحاضر، كمثال التعامل مع المرأة، فالمرأة حالياً، تكاد لا تمت بصلة من الناحية الكيفية للمرأة قديماً، وقد كانت مجرد جسد للمتعة والإنجاب - هذا إن كانت فعلاً كذلك في يوم ما - وكما يريد خفافيش الظلام أن يعيدوها.
هذا عن الماضي بوجه عام، وعن النظرة الصحيحة له، أي النظرة التي لا تجعل الحاضر أسيراً له، بل العكس، وهو أن نكرس جهودنا للإفلات من قيوده، نكسر صدفته، ليخرج منها فرخ الغد، يتنفس هواء جديداً نقياٌ، أما عن التخصيص، فيما يتعلق بماضينا نحن أبناء الشرق، فالكلام يثير الشجون، فالنقطة الثامنة من المانيفستو تقول: ماضينا وتراثنا الثقافي أقام مجزرة معرفية لنفسة بنفسه، وعادى الفلسفة بقيادة ابن تيمية والسيوطي وابن القيم الجوزية وغيرهم، وطرد العقل، واضطهد المعتزلة، وأغلق باب الاجتهاد، وحرّم علم الكلام، ونفى أصحاب المنطق، ووضع النصوص الدينية المزوّرة التي تحارب الفلسفة والحكمة وإعمال العقل (من تمنطق فقد تزندق)، وألغى العلوم الطبيعة والطب واعتبرها "علوماً دخيلة"، واستبدل بها العلوم الدينية والطب النبوي وحرّم الموسيقا والغناء والنحت والرسم والشعر، وكافة أشكال الفنون الإنسانية الرفيعة. فكيف يمكن الاستعانة بهذا الماضي للعبور من الحاضر إلى المستقبل؟

بمراجعة موقفنا من المقدس، وموقفنا من الماضي، نكون قد مهدنا الأرض لإقامة البناء الحضاري الليبرالي، الذي تتصدى له مسودة مانيفستو الليبراليين الجدد، ونناقشه لاحقاً
منقول

وطن الأشرعة
02/08/2006, 11:25 PM
جهاد الدين مسوتي
21 أيار 2005


مقتطفات من كتابات الدكتور جمال الأتاسي (الحوار) عام 1979
لكل زمان مقال ورجال، والدكتور جمال من المناضلين الوطنيين والمفكرين السياسيين القلائل اللذين عملوا بصبر ودأب طيلة حياتهم. وهو من القادة الوطنيين الديمقراطيين ليس على الساحة السورية وحسب بل في الإطار القومي أيضاً. ويمكن أن نتعرف عليه ونقترب منه أكثر بالإطلاع على كتاباته. ليس بالمطلق طبعاً وإنما إذا أخذناها بسياقها التاريخي. ولكن بالرغم من ذلك، نرى بكتابات المرحوم الدكتور جمال الأتاسي، المناضل والناقد والباحث والمفكر والديمقراطي، كتابات لا زالت تحتفظ بحيويتها إلى يومنا هذا، وفيما يلي مقتطفات منها تم عنونتها للتعبير عن مضمونها:
بدايات الديموقراطية:
إن الثورة الديمقراطية الأولى، أو الثورة البرجوازية الليبرالية، بدأت قبل قرنين. وجاءت بعد تمهيد طويل حمله عهد النهضة وعصر الأنوار وحركات الإصلاح الديني ومنارات الفكر الفلسفي والعلمي. ونضال مرير لقادة الفكر العلماني. وجاءت وهي تحمل الوعد بتحرير الإنسان من عبودية عهود الظلم والطغيان ومن أنظمة الحكم المطلق وعهود الإقطاع، وبعلمنة الدولة والمجتمع وتحويل الناس من رعايا إلى مواطنين، وقالت بسيادة سلطة الشعب فوق كل سلطة وبحكم الأكثرية بالتصويت العام الحر، وبضمان الحريات السياسية كلها وحرية الفكر والمعتقد، وبإطلاق مبادرات الفرد والجماعة وإقامة المساواة وتكافؤ الفرص، ليكون ذلك مدخلها إلى تحقيق الحرية الفعلية للإنسان. إن تلك الثورة قد أعطت قواعد ومفاهيم ترسخت ومازالت تشكل ركائز أساسية لمضامين الحرية السياسية وفهم سيادة القانون الذي يصنعه البشر بإرادتهم الحرة كناظم لحياتهم وعلاقاتهم ومنافعهم المتبادلة...
نقد التجربة الاشتراكية:
ولكننا إذا ما ذهبنا للتأكيد بأن الفكر والتطلع الاشتراكيين قد أصبحا سائدين لدى قوى التحرر والتقدم في العالم، فإن الواقع الأمر على الخارطة السياسية ومن حيث المسار التاريخي لقضية الحرية، إن تلك الثورة الاشتراكية لم تستطع أن تنجز بعد وعدها الديمقراطي، وإن ما حققته من إزالة للملكية الفردية واستغلال الطبقة الرأسمالية، لم ينه جميع ألوان الاستغلال كمحصلة مباشرة لذلك ولم ينه ضياع حرية الإنسان، وعلى الصعيد الأيديولوجي، نجد أيضاً أنه جمد حيوية الفكر الماركسي نفسه كفكر جدلي نقدي يفترض فيه
التجدد باستمرار، واستيعاب الواقع المتغير باستمرار أيضاً، وأن يكون لا دليلاً لنقد النظام الرأسمالي والحكم على تطوراته فحسب، بل وأن يكون دليل نقد متجدد لمسار تجربته الثورية ذاتها، وتحول بذلك الفكر إلى مذهب رسمي للدولة، ليسخر كدليل تبرير، وليقيم نظام الهيمنة الجماعية للبيروقراطية لا الديمقراطية الشعبية والجماعية، ثم إن تلك النظم التي تدور في الفلك ذاته وتسمي نفسها ’ديمقراطيات شعبية‘ على اعتبار أنها على الطريق ولم تنجز بعد كل مهمات الاشتراكية، فإن ديمقراطيتها تبقى أيضاً شكلية وشكلاً، ولا يعطي مسارها الراهن صيغة للوعد الديمقراطي أياً ما بلغت في اشتراكيتها الاقتصادية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد من جمود الوعد الديمقراطي في ما يقوم من أنماط للهيمنة السلطوية ومن تطويع الجماهير وتقنين للحرية، يقدمون تبريرات لها ضرورات أمن الثورة الاشتراكية وحمايتها من أعدائها ووقايتها من التخريب والارتداد، فثمة أزمة داخل تلك النظم الاشتراكية وثمة تناقضات بين الحاكمين والمحكومين فيها لا تريد الأيديولوجيا الرسمية الاعتراف بها وهي في الواقع أزمة ديمقراطية، وثمة أزمة بين تلك النظم تعبر عن صيغ الهيمنة المفروضة لا الاختيار الإرادي المستقر والحر لعلاقاتها، وهذه أزمة وطنية وديمقراطية أيضاً، وإذا ما مررنا من غير توقف على أحداث المجر لعام 1956، ومن بعدها على أحداث تشيكوسلوفاكيا لعام 1968، والتي لم تقدم الأيديولوجيا الرسمية من تفسيرات لها إلا تلك التفسيرات الدعائية التي تلقي تبعاتها على التآمر الإمبريالي المتواطئ مع القوى التحريضية والقوى اليمينية المضادة للثورة، والذي لا يقدم بالتالي أي تعليل أو تحلي يتطابق مع الفهم الماركسي النقدي ومنظوره لتاريخ المجتمعات وصراعها.
لقد كان وعداً ديمقراطياً وإنسانياً رائعاً ذلك الوعد الذي تقدمت به الثورة الاشتراكية الصينية في بدايات حكمها تحت شعار ماو (اتركوا مائة زهرة تتفتح) وكان الأمل بتجربة أكثر نجاحاً للديمقراطية الاجتماعية كما كان الأمل بخروج عن الجمود وبتفتح أيديولوجي جديد، وبتنوع في التجارب تغني قضية الحرية وتصب في إطار التحرر الإنساني العام والخروج عن عهد الهيمنة الأيديولوجية المطلقة والاستقطاب لتجربة واحدة ومركز واحد في العالم، والخروج على مبدأ تقسيم العالم إلى معسكرين وعالمين مفروض على شعوب العالم الثالث، وهي تتحرر، أن تقع في هذا الإطار أو ذاك.
فالنقد الذي نمارسه لتجربة الثورة الاجتماعية، والذي نطالب أنفسنا وجميع الاشتراكيين والديمقراطيين بتعميقه أكثر بكثير واستخلاص نتائجه ودروسه، يمكن أن يعتبر بصورة ما نوع من النقد الذاتي، أو بالأحرى نقد لمسار تاريخي يخصنا وتشدنا إليه الكثير من الأواصر، إذ أننا ننتسب بفكرنا وتطلعاتنا، أي بمضمون أساسي من مضامين أيديولوجيتنا في الثورة العربية أي ثورتنا الوطنية الديمقراطية، إلى تيار عالمي في الفكر التقدمي الاشتراكي، وهو تيار الاشتراكية العلمية ومنظورها التاريخي القابل دائماً للتجدد، ونقدنا إنما يتوجه لا إلى القضية والمبادئ الأساسية اللذان هما قضيتنا ومبادئنا وإنما إلى نهج لم يستطع أن يحقق الوعد الديمقراطي، وإلى الجمود الأيديولوجي وإلى التعصب وإلى الهيمنة البيروقراطية، وإلى كل الثغرات التي تعرقل هذا المسار في تحرير الإنسان وتحرر الإنسانية، والتي كان بمقدور الفكر الاشتراكي العلمي ذاته، من منظوره التاريخي والجدلي سدها والوقوف دون تماديها وتعطيلها، وبمنطقه النقدي ذاته لو أتيح له مجال التفتح والتجدد ولو أتيح له مناخ الحرية والديمقراطية والتبادل الإنساني.
الديموقراطية أولاً كما أكدته لاحقاً المتغيرات الجديدة:
وما يطرح من مسائل حول إعادة صياغة الدولة العصرية وعلاقاتها الديمقراطية وما يفترض أن يقوم من رقابة شعبية ومن ’إدارات ذاتية‘… إن هذا التيار ولو أنه لم يعط بعد قيماً فلسفية وفكرية كبرى تستخلص معطياته كلها وتحدد طبيعة مساره التاريخي، فإنه يطرح أزمة العصر ويقدم إجابات على كثير من مسائلها، ويمكن إجمال ذلك التيار الفكري والسياسي التحرري بأنه فكر ’ديمقراطي اشتراكي‘، هذا مع تقديم كلمة ’ديمقراطي‘ لأنها هي التي تحدد أولاً مساره العام في إطار التوجه ضد كل أشكال الاستغلال والاستبداد.
وهو يحمل تحت هذا العنوان معطيات جديدة يبشر بها مفكرون وقوى اجتماعية وسياسية وأحزاب تقدمية ويسارية بل ودينية أيضاً. إنها تضع الديمقراطية مبدأ وطريقاً وغاية، كما تضعها حكماً بينها وحكماً شعبياً عاماً عليها، يأخذ أكثرها بالاشتراكية العلمية ليضعها في المسار الديمقراطي وليس على حسابه، وينادي ببناء تحالف تاريخي عريض واستراتيجي لطبقات وفئات اجتماعية متعددة تجمعها المصالح المشتركة والقناعات المشتركة في الديمقراطية وفي التوجه بها ومنها نحو الاشتراكية، وأن يشكل هذا التحالف قاعدة للنضال والتغيير وأساساً لبناء نظام جديد. كما يجمع بينها موقف عام ضد مادية النظم البرجوازية ومفاسدها وفسادها، وهي تفرض كل أساليب الهيمنة السلطوية من فوق، الفردية منها أو الجماعية، وترفض كل الدكتاتوريات بما في ذلك ’دكتاتورية البروليتاريا‘ أو ما يسمى بذلك ويرفع من أهداف. هذا ونلاحظ أن العديد من الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، وانسجاماً منها مع هذا الواقع، قد أنزلت من برامجها ومقولاتها الأيديولوجية، ذلك المبدأ أو الشعار. وأكثر من ذلك، فإن أكثر مفكري تلك الأحزاب أو التيارات والقوى اليسارية، أخذت تعيد، وعلى ضوء معطيات الواقع الذي فرض نفسه، تقييم دور القيم الروحية التي جاءت بها الأديان السماوية، وما غذته في الماضي وما يمكن أن تغذيه من نزعات ثورية لدى قوى وقطاعات واسعة من الناس، وما لتلك القيم من فعل في بناء أخلاقية البشر ووجدانهم وما لها من دور في توجيه حياتهم وعلاقاتهم والتي أثبتت ترسخها عبر التاريخ ومتغيراته، لدى قطاعات واسعة من البشر في المجتمعات الإنسانية كلها. إنها لم تعد تنظر لتلك القيم كمجرد بنى فوقية وأيديولوجيات مثالية ترتبط بمرحلة تاريخية معينة من التطور أو بسيطرة طبقة معينة، بل كحوافز إنسانية عميقة أدت إلى الوقوف ضد الظلم والاستغلال وإلى جانب المحرومين والمطالبين بالعدالة والحق وتنقلها إلى مواقع التقدم والاشتراكية، بل وتؤدي دوراً فعالاً في الوقوف بوجه طغيان النزعات المادية والفردية التي تستشري في المجتمعات وتمتد. إن عدداً من أقطاب الفكر الماركسي أخذوا يراجعون مواقفه من قضية الدين ويستكشفون في الفلسفة الماركسية وأطروحات ماركس معان إيجابية بهذا المنحى، كذلك الأمر بالنسبة لكثير من المفكرين المسيحيين التقدميين في الغرب الذين يراجعون المواقف السلبية من الماركسية وأهدافها، ويرفدهم مفكرون ديمقراطيون ثوريون أيضاً، وهذا كله يجري لا في سبيل إيجاد توافق أو تطابق أيديولوجي أو تلفيق أيديولوجية مشتركة، فذلك غير صحيح وغير ممكن، وإنما في سبيل تحديد الأرض الاجتماعية والسياسية المشتركة التي يبنى عليها تحالف تاريخي جديد ونضال مشترك واستراتيجية مشتركة للتغير. وإن هذا الذي يطرحه مفكرون غربيون ليس نسيج وحده، بل وإن له امتدادات وحوافز موازية في أنحاء عديدة من العالم، بل وفي أمريكا اللاتينية.
الديمقراطية كمعيار للتقدم:
لقد أكدنا فيما تقدم على الطابع العام والشمولي للثورتين الكبيرتين، ثورة الديمقراطية السياسية وثورة الديمقراطية الاجتماعية وعلى استمراريتهما وتداخلهما في حياة البشر كقناعات وقيم. وأياً كان الانتقاص منهما هنا أو هناك أو السلب الذي يأخذ منهما، فإنهما تظلان تشكلان حوافز في حياة البشر وفي تنظيم العلائق الاجتماعية بينهم وفي التشريع وسن القوانين وإقامة النظم، كما كانتا وستظلان حوافز للتغيير، وترسمان مسار التقدم وأهدافه، لتصبح قضية الديمقراطية وهي المعيار الحقيقي للتقدم. إنها قضية الحرية وقد أنزلها نضال البشر ضد الظلم والاستغلال، من أبراج التأمل الفلسفي والمقولات الميتافيزيقية إلى أرض الواقع، لتصبح قضية تحرر وتحرير، ولتوضع في سياقها التاريخي، أي في حياة المجتمعات الإنسانية وصراعاتها، وليصبح التاريخ بها تاريخاً هادفاً، نجد مثلاً أن إعلان حقوق الإنسان الذي جاءت به الثورة الفرنسية الليبرالية بين عام 1789 وعام 1791، ما لبث أن أخذ امتداده وشموله كمبادئ ناظمة، وهو مازال يفرض مقولاته على أكثر نظم العالم لتصوغ مبادئه دساتير الدول وتشريعاتها، ولو أن الواقع والتطبيق يسلب منها الكثير.
إن الغفلة عن الديمقراطية أو إغفال تأكيد مسارها في كل خطوة، أياً كانت الخدعة أو التبريرات التي تقدم للتغطية باسم حرق المراحل وإعطاء منجزات أكبر أو بدعوى عدم نضج حركة الجماهير لممارسة ديمقراطية عامة، يفتح الباب للردة وللنظم الدكتاتورية وتحكم الأقلية، وإن هذه النظم وبالوسائل التي تستخدمها لتوسيع مصالح طبقتها ولبسط هيمنتها ونفوذها، وبالقوى التي تسخرها لخدمة مصالحها، تعود لتمارس أنماطاً من التحكم والتسلط على الشعب ما أشبهها بأساليب التحكم الأجنبي، بل ويمكن لها أن تنتهي إلى الاحتماء بالأجنبي أو تستعديه على شعبها إذا ما تحرك الشعب الوطني ضدها وضد حكمها. والشواهد أمامنا عديدة في أقطار من آسيا وأفريقيا.
وإذا كانت الديمقراطية وما تعنيه من تأكيد سيادة الشعب بمجموعه أو بغالبيته الكبرى، فوق كل سيادة، وبالحريات السياسية وحرية الفكر والمعتقد وبعلمنة الدولة والمجتمع وما يعنيه ذلك من مساواة عامة بين المواطنين على اختلاف فئاتهم وطوائفهم ومن مساواة أمام القانون، وغير ذلك من المهمات التي تصبح وهي ضمانة وطنية، فإنها وإذ هي الطريق إلى النهوض بوعي جماهير الشعب، وإخراجها من علاقات التأخر وانقساماتها الطائفية والعشائرية، وبلورة تشكلها الطبقي ووعيها الطبقي والسياسي والتقدم بوسائل وأطر تلاحمها الوطني وتنظيمها السياسي، فإنها تصبح وهي الضمانة الأساسية أيضاً لإنجاز جميع مهمات تلك الثورة، لا في بناء حريتها السياسية فحسب، بل وفي بناء وحدتها القومية وبناء صمودها وقوتها وكذلك في بناء حريتها الاجتماعية والتقدم بها على طريق ديمقراطية نحو الاشتراكية.
مراجعة نقدية للتجارب الثورية:
وقبل أن نقف عند تحليل تلك التجارب والبحث في عوامل جمودها وتوقفها أو تعثرها وانتكاسها، نستبق فنقول أن القصور الذي وقعت فيه تلك التجارب، أي تجارب ثورتنا، بل ثوراتنا الوطنية والقومية، ليس مصدرها أن قيادتها لم تصدر عن موقف أيديولوجي موحد، أو لم تنطلق في صياغة برنامج عملها من نظرية عامة مسبقة بل في أنها لم تعط للمسألة الديمقراطية وللمسار الديمقراطي وزنهما الفعلي في صياغة علاقات القوى، وفي التقدم بوعي الجماهير ومشاركتها. وذلك قصور تحمل مسؤوليته القوى الأكثر راديكالية في تلك الثورات قبل غيرها. إن الأهداف المشتركة إذن والاستراتيجية المشتركة وما تطرحه من مهمات مرحلية أو بعيدة المدى، لا الأيديولوجية الواحدة، هي التي تحدد طبيعة الثورة الوطنية الديمقراطية، وطريق صياغة العلاقات بين قوى تلك الثورة وصياغة برنامج عملها وطريق تحالفها أو وحدتها، بل وإن ذلك هو الذي يعطي لتسميتها بالديمقراطية ولديمقراطيتها منحاها ومعناها، أي أنها تقبل تعدد القوى والتيارات النظرية التي تحملها تلك القوى وتترك لعملية التحرر ذاتها ولتقدم الوعي الشعبي والمشاركة الشعبية، أن يدفع أكثر بهذه القوة أو تلك وبهذا التيار أو ذاك، أو أن يدفع بهما نحو الاندماج والوحدة. إنه يترك للتقدم بالطريق الديمقراطي، السياسي والاجتماعي معاً، أن يصفي تركة الركود والتخلف واللاعقلانية، وانقطاع التواصل بين ماضي الأمة وحاضرها وركود مبادرتها التاريخية. ويترك لما تبلوره حركة التقدم من صيغ اجتماعية واقتصادية ومن بنى ثقافية وحضارية جديدة، أن تساعد على نشوء فكر عصري جديد يوحد اتجاه الأمة ويعطي لتاريخها منحاه الإنساني ومعناه.
التعصب الأيديولوجي:
ولكننا نريد هنا أن نميز بين نظرية العمل التي تقدم نفسها كأيديولوجية جاهزة، أي بصيغة من القناعات والمقولات المسبقة والأحكام القطعية التي تريد أن تفرض نفسها على الواقع، والتي تزور الواقع ومسار الواقع لتحشره في إطار مقولاتها وأحكامها، أي تأخذ منهجاً معتقداتياً ومذهبياً وتحرض في مواجهتها المذاهب والمعتقدات المغايرة وتحول النضال السياسي إلى صراع طوائف، وتقف عند حدود إطلاق أحكامها على الواقع، أي تصبح تجريداً مثالياً، وبين مفهوم آخر لنظرية العمل أو الأيديولوجيا يراد منها أن تكون لا مجرد أحكام ومقولات، بل أن تكون دليلاً يستهدى به لتغيير الواقع، وفي هذا السبيل لا بدّ أن تكون أولاً استيعاباً للواقع الذي تريد تغييره واستيعاباً لحركته وهو يتغير، كما تكون في الوقت ذاته استيعاباً لروح العصر ومعطياته وتمثلاً للتجارب الثورية التي مرت وتمر بها أمم أخرى، كما لا بدّ أن تكون منعتقة من التعصب، قادرة على الانفتاح على الآخرين، قادرة على نقد قصوراتها نفسها ومراجعتها من خلال ما تقدمه معطيات حركة الواقع.
ضرورة الانفتاح على التيار الديني المعتدل:
إن فسح المجال أمام التيارات التي تنطلق من أيديولوجيات مغايرة، ولها رصيدها لدى قطاعات واسعة من جماهير شعبنا المتدنية والمؤمنة، لتجد طريقها إلى التفاعل مع الآخرين، وعلى مواجهة الواقع، وإلى القبول بصيغ التعامل الديمقراطي، هو الذي يخرجها من الاتباعية والسلفية، ومن صيغ الصراع الطائفي والانقسام الطائفي والمعتقداتي للمجتمع، إلى صيغ الصراع السياسي – الاجتماعي، ولتتحدث وتعرف أن العلمنة كمبدأ ديمقراطي، هي تأكيد حرية المعتقد لا إنكار المعتقد، وليست التنكر للقيم الروحية والأخلاقية التي صنعت في الماضي وجهاً حضارياً لأمتنا، وأعطت معان إنسانية لتاريخها، بل فسح المجال الرحب أمامها لتتفتح بحرية على روح العصر، وتقدم معان جديدة لحركة التجديد والتقدم في تاريخنا.
قراءة نقدية للبنى والتيارات السياسية القومية والتقدمية:
ونحن جميعاً أبناء ذلك الجيل، أي الجيل الذي دخل المعترك السياسي في الخمسينات وما بعدها، أفراداً كنا أم أحزاباً، مشتركين في العمل السياسي المباشر أو مساهمين بأفكارنا وأيديولوجيتنا أو عن طريق الشعر وما يسمى بالأدب الملتزم والفن، قادة أحزاب أو قادة نقابات وفئات اجتماعية ومصالح وإدارات، إننا نحمل جميعاً مسؤولية ذلك القصور وعدم الكفاية في مواصلة مسيرة التحرر والتقدم وتمكين قوى الارتداد. وتتحمل مسؤوليته ذلك قبل غيرها التيارات الحزبية التي حملت راية التقدم وشعارات الحرية والتحرر والاشتراكية، وهي على الصعيد العربي العام، تيارات الأحزاب القومية التقدمية والأحزاب الماركسية، واللذان أصبحا وفي المشرق العربي بخاصة ثلاثة تيارات، وهي بالتحديد : تيار الماركسية العربية والشيوعية، وتيار البعث العربي الاشتراكي، والتيار الوحدوي الناصري، على اختلاف تشكيلاتها الحزبية وأطرافها وتفرقاتها، وما تشعب عنها من شراذم وشلل، إن قصور استيعابنا لمسألة الثورة الوطنية الديمقراطية كلها وما تطرحه أمامنا من مراحل ومهمات، بل وإن تهاوننا في أولوياتها الديمقراطية وما تطالب به من صيغ في العمل والعلاقات وفي الفهم وفي التعامل، وفي قبول التعدد والتنوع والاحتكام للإرادة الجماعية وإرادة الشعب، كان من العوامل الرئيسية فيما تعثرت به تلك الحركات أو التيارات، سواء في صياغة حزبها أو حركتها السياسية، أو صياغة علاقاتها مع بعضها وتحالفاتها المرحلية أو الاستراتيجية، أو صياغة علاقاتها مع جماهير الشعب، ومع قواه الطبقية وفئاتها الاجتماعية، كما وأنه كان من العوامل الرئيسية في فلات زمام المبادرة من يد الحركة الشعبية الوطنية، وفي تشكل نظم الاستبداد والردة على اختلاف ألوانها، وفي العودة إلى مواقع الإقليمية والتخلف والعجز. إننا نحن في تصوراتنا وتجاوزاتنا، وفي قصور برامجنا وتصميمنا الديمقراطي، جعلنا من تيار التقدم الذي صعد، قشرة سطحية وضعيفة حطمتها بسهولة حركات الارتداد والهزائم والنكسات، وهذا أمر لا بدّ من استيعابه لنقدر على تجاوزه، وعلى أن نضع أنفسنا على طريق التقدم، وهذا ما لا بدّ أن نتعمق في نقده واستخلاص دروسه، إذا لم نرد أن نهرب من مسؤولياتنا فنلقيها على التآمر الإمبريالي والرجعي وعلى الأقدار والقوى الخفية.
نظرة إيجابية للديموقراطية السياسية البرجوازية الوطنية:
إننا وإنصافاً لتاريخ أمتنا ومعطبات تقدمها، لا بدّ من الاعتراف أن ما يسمونه بالرعيل الوطني الأول، أو ذلك الجيل من القيادات السياسية البورجوازية التي قادت العمل الوطني والقومي في المراحل الأولى، ومنذ الخروج من العهد العثماني ودخولاً إلى مراحل النضال الوطني ضد الاستعمار الغربي وأنظمة الانتداب، كانت في العلاقات السياسية التي أقامتها فيما بينها من خلال ترابط مصالحها الطبقية، وفي علاقاتها مع الواقع الشعبي والاجتماعي ومتغيراته، كانت أكثر انسجاماً مع مرحلتها وعصرها من انسجام جيل ثوراتنا وثوريينا الجدد مع عصرهم ومع معطيات تقدم الوعي السياسي لجماهير شعبهم وتقدم العلاقات والقوى الاجتماعية. ذلك أنها، وحتى في صيغ التعسف والاستغلال التي أقامت عليها سياساتها ونظمها، كانت أكثر ديمقراطية (إن صحّ التعبير)، وأكثر احتكاماً لحركة الواقع وإرادات قوى الشعب، كما أن إرادات القوى الشعبية كانت أكثر فعلاً فيها. ولقد أقامت صيغاً في العمل السياسي وفي الاندماج الوطني لمختلف طوائف الشعب أعطت دفعاً إلى الأمام. وهي ولو أنها جسدت دكتاتورية طبقة وقسريتها واستغلالها، وكانت رخوة في مواقفها الوطنية تجاه الاستعمار، فإنها كانت محكومة بقواعد في العمل الوطني وفي الارتباط الاجتماعي، لم تجعل منها سداً في وجه التقدم، لقد كان طابعها العام المحافظة ولكن الصيغ الدستورية والسياسية التي أقامها نظامها، كانت مدخلاً للقوى الشعبية والسياسية المتشكلة في معارضتها ومن خلال التطلع إلى التغيير باتجاه المستقبل، ولأن تمسك بمهماتها كمهمات ثورية وطنية. ثم إن ذلك القدر المحدود من الليبرالية السياسية الذي أتاحته نظم البورجوازية التي جاءت للحكم بعد الاستقلال، ومع كل ما حاولت أن تستعمله من وسائل وأدوات لبسط نفوذها وحماية مصالحها واستغلالها، فسح مجالاً لتشكل قوى سياسية جديدة تناضل للتغيير، كما أصبحت القطاعات الشعبية بفئاتها الناشطة سياسياً من عمالية وطلابية ذات فعل وتأثير وقامت مراكز لاتخاذ القرار السياسي واتخاذ المواقف في مواجهة السلطة ومعارضاتها على الصعيد الجماهيري العام، كثيراً ما كانت تفرض نفسها على السلطة في سنّ التشريعات وإدخال تبديلات في السلطة والحكم. بل واستطاعت أن تحرك ضد السلطة بعض قطاعات هيمنتها نفسها بما فيها قطاع الجيش وقطاع التعليم. كما أفسحت المجال لنقل الصراع على السلطة إلى مستواه السياسي والاجتماعي، كصراع طبقات وصراع مصالح واتجاهات سياسية، ولتقوم معارضة يسارية في اتجاهات أكثر جذرية، ولتتقدم مفاهيم الديمقراطية الاجتماعية ولترتفع شعارات الاشتراكية ولتأخذ القضية الوطنية أبعادها الصحيحة من حيث كشف روابط الاستغلال والنظام الرأسمالي بالتابعية للإمبريالية وأسواقها وسياساتها وأحلافها وقروضها.. ويكفي أن نتذكر بهذا الصدد ما كان عليه مسار العمل الوطني التقدمي في سورية منذ نكبة فلسطين الأولى مروراً بمراحل الانقلابات العسكرية التي ما كانت تدوم. وإذا ما وقفنا على سبيل الاستشهاد عند الصورة التي صعدت بها حركة الجماهير عام 1954، بعد إسقاط الدكتاتورية العسكرية بحركة انقلابية أمسك بها تحالف وطني عريض، وتابعنا شعارات العمل الوطني التي شقت بها الطريق حركة الجماهير وعلى رأسها تلك التيارات الحزبية الوطنية، والمهمات التي تقدمت لحملها وصياغتها في مواقف ومطالب محددة. لوجدنا أنها كانت تطرح على أرض الواقع مهمات الثورة الوطنية في تداخلاتها، وفي أبعادها القومية الوحدوية، وأبعادها الاشتراكية أيضاً. فمطالب الحريات السياسية العامة والمطالبة بالاعتراف بمشروعية الأحزاب التقدمية وحرية حركتها وتنظيماتها ونشرها وصحافتها، كانت تمشي جنباً إلى جنب مع مطالب التحرر الاجتماعي والحريات النقابية واستكمال السيادة الوطنية والالتزام بقضايا التحرر القومي على مستوى الوطن العربي، ثم إن قضية الديمقراطية لم تعد أشكالاً وصيغاً شكلية تعطى وتمنح أو مجرد نصوص دستورية وقانونية، بل أخذت طريقها كعملية نضال تحرري وتحرير لمواقع شعبية وفئات اجتماعية واسعة من هيمنة قوى الاستغلال والتسلط ومن هيمنة البورجوازية المدنية والريفية الحاكمة، وأخذت تشد إلى ساحة العمل الوطني والمشاركة السياسية قطاعات شعبية وفئات اجتماعية كانت مقيدة بروابط التخلف والاستغلال ومعزولة. فمطالب حرية الاقتراع والغرفة السرية في الانتخابات العامة تقدمت جنباً إلى جنب مع مطالب الإصلاح الزراعي ورفع الإرهاب الإقطاعي وتغيير قوانين العلاقات الزراعية. كما كانت تتقدم مع النضالات المطلبية للعمال. أما قوى الطلاب والمثقفين التقدميين، تلك القوى التي كانت تمارس دورها من قبل، بشكل عام أو من خلال الأحزاب التقدمية، فلقد أخذت دوراً أكبر وأكثر فعالية وفعلاً. وإن إنجاز أية مهمة من تلك المهمات بطابعها الديمقراطي العام، كان يدفع بقوة شعبية جديدة إلى الساحة، وليصوغ ذلك التحالف التقدمي العريض بين قوى الفلاحين والعمال والطلاب والمثقفين التقدميين، أي التحالف الذي ترتكز إليه الثورة الوطنية الديمقراطية، فانتخابات 1954، أحدثت خطوة تغيير ديمقراطي ثوري حقيقي في الريف. وأدخلت قوى الفلاحين والعمال الزراعيين معترك النضال السياسي لتأخذ دورها في تصفية المواقع السياسية لقيادات الإقطاع في كثير من المناطق. وهكذا فالديمقراطية السياسية أخذت على أرض الواقع وفي حياة جماهير الشعب ارتباطها بالديمقراطية الاجتماعية.
لو أخذنا أي فئة من الفئات الاجتماعية التي كانت تصعد وتتقدم في تلك الفترة وقارنا ما كان لها من فعل وما آلت إليه لوضعنا يدنا على معايير هذا التراجع. فأين اليوم حركة الفلاحين، وأين قوة العمال وفعلها، بل أين قوة طلاب الجامعة وما كان لها من فعل مباشر في حركة الأحداث، إنها اليوم في استلاب شبه كامل، تتوازع غالبيتها قوى الأجهزة أو الاتجاهات العدمية المقلدة لمثيلاتها في الغرب أو الهروب إلى العصبية الطائفية والتصوف.
إنه لتراجع في المسار الديمقراطي، إذا كان لنظام الاستبداد المطلق فعله الأول فيه، فهو تعبير أيضاً عن قصور التنظيمات السياسية الوطنية التقدمية التي تصدت لقيادة تيار تلك الحركة الشعبية.
قراءة لمتغيرات السبعينات من القرن الماضي:
إن حركة الثورة المضادة تبدو وكأنها ربحت الجولة التي خاضتها منذ بداية السبعينات حتى اليوم، وأوقفت مشروع ثورة الأمة في التقدم على الطريق الوطني الديمقراطي الوحدوي ذو التطلعات الاشتراكية، لتحتل مواقع السلطة والسيطرة هذه الكيانات الاستبدادية الشاذة للطبقة الرأسمالية الجديدة، وهي رأسمالية تابعة ومتخلفة ولا وطنية. وليبدو وكأنه لم يبق في الساحة في مقابلها، إلا تلك الموجة من الرجوع إلى مواقع العصبيات الطائفية وإلا التعصب الديني، ولكن هذا التشكل الملفق والشاذ لنظم الاستبداد والاستغلال حمل في تكونه تناقضاته القاتلة، والرجعية أياً ما انتعشت كرد فعل وتحركت، فهي عاجزة عن أن تقدم طريقاً أو مخرجاً. وبرغم هذه الصيرة القائمة التي يقدمها جمود الواقع، فإن نداء بالديمقراطية وبتجديد النضال الديمقراطي، يصعد من أعمال هذا الواقع، ومن أعماق جماهير الشعب والطبقات الكادحة والعاملة بفئاتها وقواعدها الاجتماعية المتلفة، ومن البقية الباقية من القوى والأحزاب السياسية التي مازالت صامدة في الساحة وممسكة بخط التقدم.
وهذه القوى، وأياً ما كان الحصار من حولها، فإنها تجد نفسها مطالبة بأن تنفتح على بعضها وأن تنفتح بروح ديمقراطية جديدة على حركة الجماهير لتتعزز بتلك الحركة ولتقوى على بناء تلاحمها الوطني ووحدة نضالها واستكشاف طريقها إلى التقدم وإلى التغيير. وإذا ما أكدنا على ضرورة تحليل هذا الواقع والتوجه إليه بنقد متعمق، فذلك لا يقف عند حدود كشف العوامل السلبية وإدانتها، بل ويهدف بالدرجة الأولى للكشف عن الرصيد الحقيقي للتقدم في سبيل صياغة قواه والدفع بحركته، وهي حركة رصيدها ولا شك النهج الديمقراطي. والأخذ بالنهج الديمقراطي يعني بالضرورة أيضاً، أن الديمقراطية لا تطلب لقوى التقدم وأحزابها وحدها، بل هي ديمقراطية المجتمع كله والديمقراطية للجميع.
التيارات الأصولية والتقدمية:
وفي هذا الإطار يمكن أن نميز بين اتجاهين أيديولوجيين عامين، أولهما رجعي وهو يتوجه إلى الوراء والماضي، فالعصر الذهبي كان هناك، وينادي الناس إلى إعادته والرجعة إليه. وهناك الأيديولوجيات التقدمية، وهي تتطلع للمستقبل. وتتطلع للتغيير في هذا الاتجاه، فما مضى كانت له مرحلته التاريخية من حيث التطور الاجتماعي والفكري، والإنسانية تعيش مرحلة تاريخية جديدة بمقوماتها وخبراتها ومعطياتها. وإذا كنا نضع أنفسنا في هذا الإطار الأخير، إطار التاريخية وحركة التاريخ المتقدمة، لننظر لقوى التقدم بهذا المقياس. فليست كل أيديولوجية تقول بالمستقبل والثورة مستقبلية وثورية. فثمة بين الأيديولوجيات التي تحمل عنوان التقدم ما أخذ تحولاته المثالية والطوباوية وأخذ تلك الصور التي أتينا على ذكرها، من حيث صياغاته المذهبية الجامدة التي تفقده قدرته على استيعاب حركة الواقع وعلى الفعل فيه.
يمكن أن نعود بكل أيديولوجية لوضع طبقي تأتي تعبيراً عنه. ولكن أيديولوجية الطبقة الحاكمة والمتسلطة في هذه النظم المشرقية، إنما هي البنية الفوقية أو هي التعبير العام عن عقلية تلك الطبقة الجديدة التي صعدت للحكم وتمكنت، وعن سياساتها العامة وأساليبها في بسط الهيمنة والسيطرة وفي تحقيق مصالحها. وهي في الواقع أيديولوجية محافظة أياً ما أطلقت من شعارات الإصلاح والتقدم والتصحيح، إذ هي مسخرة لتزييف حركة المجتمع والتاريخ وتجميدها، هي موظفة لخدمة استمرارية هذه الطبقة في السيطرة. وهذا الطابع الأيديولوجي المحافظ لا ينطبق على تشكلات تلك النظم التي يطلق عليها بالعامة اسم نظم تقليدية أو نظم رجعية كالنظام السعودي فحسب، بل وهو ينطبق أكثر من ذلك على نظم مستجدة وتسمي نفسها فوق ذلك تقدمية وتحررية بل وثورية...
الفئات الحاكمة ( منبتها الاجتماعي ونهجها في الحكم ):
هي جاءت من البورجوازية الصغيرة في المدن والريف، وبورجوازية صغيرة لم تمسك بها حركة الجماهير ولم تشدها إليها الطبقة الكادحة، فأفلتت بفكرها المتذبذب وأخلاقها الرخوة وبنزوعها للبرجزة والسلطة. إنها قوى لها فوق ذلك منطق تشكلها الخاص من خلال إمساكها بزمام السلطة وطريقة إمساكها كطبقة حاكمة جديدة امتدت وتشعبت بحماية الأجهزة العسكرية والبوليسية، وضمت إليها من هنا وهناك فئات وشرائح متعددة، بحكم عصبياتها أو انتهازيتها. وبسطت هيمنتها بأساليب خاصة ما أقربها إلى الأساليب التي بسطت بها القوى الفاشستية في مناطق أخرى من العالم هيمنتها وتسلطها، كما تشابهها في أيديولوجية هيمنتها، مع ما يضيفه واقع تخلفها الفكري والاجتماعي من طابع مميز. إن الأوضاع العامة التي أقامتها وتقيمها هذه الفئات الحاكمة الجديدة أو الأنظمة الجديدة، وإن المناخ الاجتماعي والسياسي والدعائي العام الذي تقيمه، هو التعبير عن أيديولوجيتها الضمنية أو عن تزويرها الأيديولوجي. إنها الإقليمية في ثوب القومية والادعاءات الوحدوية. إنها المدعية بالاشتراكية والعدل الاجتماعي، وتحمل أبشع أنواع الاستغلال والنهب والفساد، إنها تسمي نفسها نظماً ديمقراطية أو ديمقراطية شعبية وهي تلغي كل إرادة شعبية وتنزع حق التشريع والرقابة على الحكم وحق التقرير السياسي من أية مؤسسة أو هيئة شعبية أو رسمية، بما فيها مجالس نظامها وأحزاب حكمها وجبهاتها، ولا تكتفي، فهي تحولها إلى أدوات وأجهزة مسخرة لدعايتها ولبسط هيمنتها وفرض سلطتها وسلطانها...
وكتعبير عن هذا التجريد الأيديولوجي والتزوير وعن ذلك التشكل الطبقي الجديد المصطنع والمتسلط، فإن الزعامة (الأبوية) تأتي كمعطي أساسي من معطياتها وكتجريد فوق التجريد، ولتعطي تلك الطبقة الصياغة المناسبة لبسط هيمنتها الأيديولوجية ولترتيب قواعد سلطانها وحكمها. إن الطابع الأبوي للزعامة هو البديل الأيديولوجي عن ذلك الحق الإلهي المطلق للنظم الكنسية القديمة ونظم ملوك الإقطاع والعشائر. إنه الأب الكبير الذي يوحد العائلة أو العشيرة أو الطائفة بانشدادها بالعصبية إليه لمجرد أنه رأسها وأبوها، وليصبح هو رمزها الأعلى وتجريدها، كما هو يأتي تجريداً لها، وسلخ لها، بالعصبية، عن مواطنيها وعن روابطها الاجتماعية والطبقية، وهكذا أو بالتجريد أيضاً يصبح أباً لكل الشعب، ليظل الشعب ممسوكاً من تلك العصبيات، أو ليتمزق من خلالها. بل ويصبح ذلك الأب هو الأيديولوجية وكلماته نصوص مطلقة وشعارات، وقوله الفصل، وهو قيادة لكل القيادات وهو المشرع فوق كل المشرعين والتشريعات وهو مصدر القرار والتقرير. ومثل هذا التجريد المطلق يسحب أيضاً على حزب السلطة أو المؤسسة السياسية للنظام، والذي يستمد من تلك الأبوية أيضاً أمناً مطلقاً تسن له التشريعات والقوانين، ومن أشرك به أو مرق عنه يعاقب مثلما كانت تعاقب نظم القرون الوسطى الزنادقة والملحدين.
أما مظاهر التحلل في المجتمع وتسيب الإدارة وامتهان القانون الذي يأتي مغايراً في ظل هذه الفاشستية الشرقية فهو ليس تعبيراً عن تخلفها فحسب، بل ويأتي وكأنه مطلوب بذاته لضمان استمرارية هيمنتها، عن طريق تفتيت المجتمع وبعثرة قواه وضياع معاييره القانونية والأخلاقية بما فيها التقليدية منها.
هدف الديموقراطية:
لقد كان من الصعب أن نحيط بهذه المسألة ، أي مسألة الديمقراطية كهدف أساسي من أهداف النضال العربي لا بدّ أن يتقدم على غيره من الأهداف وكطريق أيضاً لبلوغ الأهداف، من جميع جوانبها في هذا البحث. فالديمقراطية كتجسيد للحرية السياسية والحرية الاجتماعية، وكنظام يساعد على تفتح حرية الفرد في إطار تحرر المجتمع وتقدمه، هو نظام مستقبلي وليس تكراراً لصورة تحققت في الماضي. وإن العمل على توضيح مقومات هذا المسار الديمقراطي والتزاماته ، هو الهدف المباشر الذي ندعو للإسهام في التفكير به وفي النضال من أجله.
الحوار الديموقراطي:
إن البحث الأولي عن الثورة الوطنية الديمقراطية ومهماتها، وعن مكانها في إطار الفكر الثوري العالمي ومعطياته الإنسانية، الذي نقدمه كمداخل إلى ’حوارنا الديمقراطي‘ هذا، ليس بحثاً مشتركاً أو متفقاً عليه بين المشاركين في هذا ’الحوار‘ أو المدعوين للمشاركة فيه، بل هو محاولة أولية لفتح باب الحوار وتحريضه، ولتحديد إطار عام للأرض الفكرية والسياسية التي ندير عليها حوارنا وللمسائل الأساسية المطروحة علينا وعلى جميع الملتزمين بقضية تحرر الأمة العربية وتقدمها ووحدتها. أولئك الذين يعذبهم واقع الضياع والتبعثر والعجز الذي تتعثر به حركة التقدم العربي في مرحلتها الراهنة ويجدون أنفسهم مطالبين بالعمل المشترك لإيجاد مخرج من هذا الضياع والتبعثر. فعدا الالتزام المشترك بقضية التحرر الإنساني والتقدم، وعدا الالتزام المشترك بقضية الأمة العربية وأهدافها، وإنها قضية ثورة ولا تتحقق أهدافها إلا بمنهج ثوري وتغيير ثوري، هناك مبدأ أساسي وقناعة مشتركة يشداننا ويؤلفان بيننا منذ البداية، ويجدان تعبيرهما في أن الديمقراطية غاية لنا وطريق. وإن الوحدة فيما بيننا، وعلى أي مستوى من المستويات الفكرية والسياسية والنضالية، إذا ما كنا ننشد من خلال الحوار الوصول إلى صيغة في التلاقي والوحدة، فهي صيغة لا بدّ أن تحمل أيضاً قبول التنوع والتعدد في إطارها. وننطلق جميعاً من أن الحرية هي في المعرفة أولاً، وأن السياسة هي تعامل مع حركة الواقع وحركة التاريخ، لا دونهما ولا فوقهما. ويقول جميعاً بذلك المبدأ الديمقراطي الأول وهو العقلانية في السياسة، أي بتخاطب العقول وبقدرة العقل الإنساني على التصدي للمسائل التي تطرحها العلاقات بين البشر ومصالحهم وصراعاتهم وعلى إيجاد حلول لها وسن التشريعات الناظمة لتلك العلاقات وتوجيه بناء الدولة والمجتمع.
فما كان المقصد من هذا البحث إذن إلا التأكيد على خط عام، لمواصلة الحوار والدفع به نحو أهدافه، ولذا فقد جاء طرحاً للعديد من المسائل أكثر من أن يحمل إجابات محددة عليها، وإذا ما قدم إجابات حول بعض الأمور فما ذلك إلا محاولة، وهي مطروحة للنقاش والنقد، كما وأنها قابلة للمراجعة على ضوء ما يقدمه الآخرون من معطيات جديدة. ومن هذا المنطلق يأخذ هذا العنوان الذي اخترناه ’الحوار الديمقراطي‘ منحاه. فهو لا يتوقف عند التعبير عن موضوعات وقناعات تمت صياغتها مسبقاً بين عناصر أو فئات تنطلق منها للتبشير الأيديولوجي والسياسي، بل هو دعوة لكل من يعذبهم واقع الضياع والظلم والاستغلال الذي نعيشه، ولكل من يفهم مسألة تقدم أمتهم وتحررها، للبحث عن خط ناظم فكري واستراتيجي للخروج من هذا الواقع.
إننا جميعاً، على تعددنا وتنوعنا الذي فرضه التاريخ السياسي والفكري لكل فرد منا أو فئة، وقبلنا استمراريته كواقع، نعيش أزمة. كلنا يواجهها في داخله تمزقاً ومن حوله تشتتاً وضياعاً، كما يواجه شتى أنواع الإرهاب الفكري والسياسي من القوى المتسلطة والمهيمنة، يضاف له كل ما يعوم على السطح من انتهاز وتضليل. وكثيرون أولئك الذين هربوا بمثلهم وأخلاقياتهم من هذا الواقع إلى العزوف أو إلى أبراج الانتظار، والتأمل أو قالوا بالقنوط واللاجدوى. وغيرهم هرب بثورته إلى الفوضوية والتحريض الفوضوي أو إلى مواجهة إرهاب الاستبداد السلطوي بحركات إرهاب مضاد وقاصر عن التغيير، أو إلى مواجهة عصبيات الهيمنة السلطوية بردود أخرى من العصبية والتعصب توغل في الضياع ولا تؤدي إلى غاية. ونريدها محاولة جدية ودؤوبة لجمع شتات القوى الباقية على تمسكها بوجودها الفاعل وعلى تشبثها بالاستمرار على طريق العمل والنضال...
ولنا أن نعتبر الحوار الديمقراطي جزيرة صغيرة نريد أن نلتقي عليها – خروجاً بأفكارنا ومحاوراتنا من الغرف الضيقة والأطر المحدودة والخاصة – لتوضع على محك الواقع وتتصدى بالصراحة والوضوح، ليكون وضوحها هذا وديمقراطيتها وتوجهها العام، سياج حمايتها. إن هذا المنبر الضيق أو الجزيرة الصغيرة، هي المتاحة لنا في وسط ذلك الخضم الدعائي والإعلاني الواسع الذي تملكه أو تغذيه قوى التسلط المهيمنة في الوطن العربي، وبودنا أن نقوى على حمايتها، لا بإقامة أسوار من العزلة والكتمان من حولها، وإنما بفتحها لمختلف التيارات الوطنية الديمقراطية، وأن يتقدم منها بصراحة التزاماتنا وما نريد، فليس لدينا ما نحرص على إخفائه وكتمانه، وليس إلا الوضوح طريقاً إلى الحقيقة.
إن حرية ’الكلمة المكتوبة‘ والالتزام بها وحمل مسؤولية هذا الالتزام، هو مطلبنا الديمقراطي الأول وهو نقطة البداية في ممارساتنا لهذه الديمقراطية، ونريد لهذا المنبر أن يقوى ويتقوى ليحمل حرية الكلمة وحرية الالتزام. إنه ليس منبر حزب أو جبهة أحزاب، ولا ينحصر لتيار أيديولوجي واحد، وإنما نريده مفتوحاً لكل من يريد الإسهام في هذا الحوار، ومن خلال التزام مشترك واحد، وهو أن الديمقراطية وحرية التعبير والمعتقد والقبول بالتنوع والتعدد في إطار التوجه الوطني، الديمقراطي العام، هو مبدأ هذا الحوار وطريقه، ويبقى هدفه الكبير تحريك إرادة تغيير واقع الضياع الذي نرزح تحت أعبائه، وتحريض حركة الوعي الوطني والقومي والوعي الإنساني التحرري على المستوى الشعبي العام، هذا مع طموحنا إلى أن يكون هذا المنبر إلى جانب ما يتوفر من وسائل أخرى للتعبير والحوار، منطلق بداية لبلورة صيغة علاقات مشتركة ونضال مشترك.
إننا لن نقول لأحد اترك حزبك أو مجموعتك واهجر ما لديك من قناعات فكرية وأيديولوجية وتعال إلينا وإلى قناعاتنا الجاهزة ، بل نقول للجميع أن المطلوب أن نبلور معاً القناعات المشتركة وأن نعممها لتكون خطاً ناظماً لحركة عملنا وتقدمنا جميعاً.
إن مسألة الديمقراطية كانت هي المسألة الكبرى التي وقف عندها ياسين الحافظ، وهي المسألة التي يتوجه إليها من خلال معاناة واقعنا العربي الراهن الكثير من المفكرين التقدميين الملتزمين في أرجاء الوطن العربي، وهي المسألة التي يتوجه إليها ويبدأ منها حوارنا، لتكون الديمقراطية طريقاً لنا وغاية.
ونعود لنقول أن التعصب الأيديولوجي وعدم التلاقي على المبدأ الديمقراطي، كان عاملاً من عوامل التصادم والتبعثر، وقطع طريق اللقاء الاستراتيجي على الأفراد والقوى التي كان من مصلحتها ومصلحة تقدم الأمة أن تلتقي. وإن النزاعات الأيديولوجية التي تختفي وراءها مصالح فئوية وسلطوية أو تعبر عن قصور في الوعي والتقدم، وبخاصة تلك التي أخذت صيغاً من التعصب المذهبي الذي يحاول فرض صيغه الجاهزة على الواقع ويحاول فرض هيمنته بالإرهاب الفكري أو بقسر الوسائل السلطوية أو بتحريض العصبيات المتخلفة، كل ذلك لعب دوراً معطلاً وسلبياً وقدم إضافات جديدة لواقع الضياع واستلاب حرية الإنسان وأعطى رصيداً لقوى الرجعية ولأيديولوجياتها المتوجهة إلى الوراء وجمود التخلف، لا إلى المستقبل وتمثل تقدم معطيات العصر.
وليس المطلوب في النهاية أن نصل من الحوار إلى صياغة نظرية فلسفية شمولية، أو استخلاص أيديولوجية عامة واحدة تتقدم بقناعاتها أمام الجميع، فذلك جهد حضاري مازال فوق مطامحنا وفوق معطيات واقعنا. فكل مطمحنا الآن أن نصل إلى صياغة استراتيجية عمل وطني بعيدة المدى، يمكن أن تصب فيها تيارات فلسفية وأيديولوجيات متعددة تلتقي على أهداف وطنية وقومية وعالمية مشتركة، وعلى تصور مشترك لبلوغ تلك الأهداف، وتقبل بالتفاعل مع بعضها والتعامل ديمقراطياً، لا بمحاولات الهيمنة والاحتواء ولا بالإرهاب الفكري وفرض القوالب والمقولات الجاهزة لدى هذا الطرف أو ذاك، ويبقى الحكم بينها والحكم عليها في النهاية – تقدم الوعي السياسي العام وتقدم حركة الجماهير في اندماجها الوطني وصعود مشاركتها وما يمكن أن تعطي من دفع في هذا الاتجاه أو ذاك، أي ما تفرضه حركة الواقع المتغير وهو يتغير ويتقدم.

منقول

سرب
03/08/2006, 12:49 AM
موضوع جميل جدا ..يحتاج لقراءة طويلة..

فقط : التسلط واضطهاد الآخر بناء على قانون أحادي غير انساني ، هو شئ مرفوض حتى لمن ليس بلبيراليا ..

فالاسلام كان ولا يزال ضد الاضطهاد وضد التسلط والقهر واقصاء الآخر ( والدليل تعددية القراءات داخل النص القرآني وقبولها كلها " افتراضا " يعني من قبل كل مسلم يدين بالاسلام..

والأنظمة القانونية الوضعية كذلك تدين التسلط والقهر وامنع الآخرين من مزاولة حرياتهم ، أيا كان الايدلوجية التي يتبعها هذا القانون..

فالانسان بحكم أنه انسان ( مهما كانت ايدلوجيته ) يفهم الفارق بين منح الآخر حق العيش وبين قتله كما تفعل الحيوانات ببعضها..

بنت الأئمة
03/08/2006, 03:36 AM
التوازن مطلوب ..

الكبت والاضطهاد مرفوض ولكن أيضا الحرية المطلقه لها نتائج قد تكون مدمره وسلبية.

شكرا على الموضوع الوافي.

untold story
03/08/2006, 06:48 AM
و لسخـــــرية الأقـــــدار .... أن المسلـــمين بالرغم من كثرة الفلسفات أو الحركات لتنظيـــــــم المجتــــــمعات ... و اللي هي جلهـــــــا من منظـــور غربي...متخبطـــــــــون بين هذه و تلك ....ولم يتوقفوا من المحاولة من عدم الفشل....

و المشكلـــــة .... النتيجــــــــة الفشـــل ...وفشل ذريــــــــع ...وملاحظ
في كـــــــــل الأنظمـــــــــة العربية من حال شعوبهــا ....

و لأبســــــــــط الأسباب .... لأنها من وضـــــع البشر ,,, و نحن أمة القرآن ...
كان المفــــــــــروض العمـــــــــل به ....

و سنستـــــــــمر في هذه المهـــزلة ...البحث عن بديل للقرآن ....لأجــل الله أعلم به ...

و دمتـــــــم في رعاية اللـــه ...:نطوط:

قصر الأميرات
03/08/2006, 05:13 PM
أنا أعتقد أن الليبرالية التي يروج لها في أوساط المجتمعات من قبل بعض الأفراد هي إعلانات مدفوعة الثمن إذ أن من يصدق أن الليبرالية أفضل من باقي الأنظمة فهو في ضلاله القديم ومحصور في دائرة مغلقة كنهاية الطريق ...
لنفترض أن الليبرالية قامت في إحدى الدول العربية أو الإسلامية فهل ستكون كالتي في باقي أنحاء العالم . طبعا لا .. لأنه وبسهولة هذه الأقاليم لها فطرتها وعادتها الليبرالية في الوطن العربي كباقي الأنظمة الحديثة ولا فائدة منها ...

السهم المسدد
05/08/2006, 01:41 PM
أزمتنا تكمن في أننا معشر (العرب) لم ننتقل من حالة (الحفظ) والنسخ (Copy & Paste) إلى حالة (القراءة) والتدبر التي أمرنا بها القرآن الكريم وجعلها أول الفرائض في الإسلام والتي بها يحق لنا أن نفرض وجود حضارتنا على بقية الحضارات.

الأخ كريم الذي يقوم بعمليات غسيل الأدمغة والقص واللصق لمقالات أزعم أنه لا يستطيع تفسير الكثير مما تختزنه من مصطلحات حمالة الأوجه المسمومة والمأزومة.

هل قرأ أحدنا قبل التصفيق للكاتب والناقل عن (الليبرالية الكلاسيكية) وكيف نشأت في نهاية القرن التاسع عشر مع المزارعين الأحرار ومن ثم كيف تطورت إلى (الليبرالية المطورة) إلى أن وصلت (الليبرالية الراديكالية الحديثة) التي تريد أن تنقض على جميع الثقافات العالمية وتلغيها؟

إن اليبرالية تفرض نفسها اليوم كجيش فكري عابر للحدود والقارات وهي خصم للدود للـ (الخصوصية) و(الهوية) والليبراليون الجدد يتحدثون اليوم عن (وهم الهوية) فهل سنقبل -المثقفون كما ندعي- بالقشور المعرفية التي يضخها الكاتب والناقل الذين لا نعرف مهايتهم ولا اتجاهتم الفكرية؟

أنصح نفسي وأنصح الجميع بقراءة كتاب (رياح العصر) لفهمي جدعان للوقوف على هذا الإعصار الفكري (الليبرالية الراديكالية) فلا يجدر بنا أن نرضى بالفتات المعرفي فالليبرالية هي فلسفة معرفية لا تجابه إلا بسلاح المعرفة (إقرأ).

ولن تفلح أمة (إقرأ) إذا لم تقرأ.

وطن الأشرعة
05/08/2006, 08:03 PM
أزمتنا تكمن في أننا معشر (العرب) لم ننتقل من حالة (الحفظ) والنسخ (Copy & Paste) إلى حالة (القراءة) والتدبر التي أمرنا بها القرآن الكريم وجعلها أول الفرائض في الإسلام والتي بها يحق لنا أن نفرض وجود حضارتنا على بقية الحضارات.

الأخ كريم الذي يقوم بعمليات غسيل الأدمغة والقص واللصق لمقالات أزعم أنه لا يستطيع تفسير الكثير مما تختزنه من مصطلحات حمالة الأوجه المسمومة والمأزومة.

هل قرأ أحدنا قبل التصفيق للكاتب والناقل عن (الليبرالية الكلاسيكية) وكيف نشأت في نهاية القرن التاسع عشر مع المزارعين الأحرار ومن ثم كيف تطورت إلى (الليبرالية المطورة) إلى أن وصلت (الليبرالية الراديكالية الحديثة) التي تريد أن تنقض على جميع الثقافات العالمية وتلغيها؟

إن اليبرالية تفرض نفسها اليوم كجيش فكري عابر للحدود والقارات وهي خصم للدود للـ (الخصوصية) و(الهوية) والليبراليون الجدد يتحدثون اليوم عن (وهم الهوية) فهل سنقبل -المثقفون كما ندعي- بالقشور المعرفية التي يضخها الكاتب والناقل الذين لا نعرف مهايتهم ولا اتجاهتم الفكرية؟

أنصح نفسي وأنصح الجميع بقراءة كتاب (رياح العصر) لفهمي جدعان للوقوف على هذا الإعصار الفكري (الليبرالية الراديكالية) فلا يجدر بنا أن نرضى بالفتات المعرفي فالليبرالية هي فلسفة معرفية لا تجابه إلا بسلاح المعرفة (إقرأ).

ولن تفلح أمة (إقرأ) إذا لم تقرأ.

شكرا عزيزي على المرور .. وإبداء الرأي ... ورأيك مقدر ..