عرض الإصدار الكامل : نصوص قصصية لـ ياسمينة صالح
خلفان الزيدي
24/12/2005, 10:45 AM
الروائية الجزائرية ياسمينة صالح واحدة من الأصوات الأدبية الجزائرية الحرة، و المناضلة لأجل الكلمة الشامخة و الرائعة، مدافعة عن قضايا أمتها و وطنها ـ هكذا هي ترجمتها الموجزة ـ اما الاسهاب في سرد سيرتها فتقول ـ حسب موقع منتدى الكتاب العربي ـ إنها من كتاب الرواية الجدد من جيل الاستقلال الثاني الذين تزخر بهم الجزائر.
حازت روايتها بحر الصمت على جائزة مالك حداد التي نظمتها في سنة 2001 الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي.
تكتب القصة أيضا ولها مجموعتان قصصيتان، الأولى بعنوان (وطن الكلام) و الثانية ( قصة مطولة) بعنوان امرأة من برج الميزان.
حازت على جوائز أدبية من السعودية، والعراق، وتونس، والجزائر.
حائزة على ليسانس في علم النفس.
تشتغل منذ عام 1995 في المجال الصحفي.
أشرفت سنة 2000 على القسم الثقافي في مجلة نسائية جزائرية.
عضو في جمعية الشباب المغاربية للحرية و الإبداع.
عضو شرفي في الجمعية الإفريقية للطفولة والتنمية الذي يوجد مقرها الحالي في ساحل العاج.
لها تحت الطبع مجموعة قصصية جديدة بعنوان "حين نلتقي غرباء" ستصدر قريبا عن دار نشر عربية في باريس.
ترجمت بحر الصمت إلى الفرنسية.
أعلنت مؤسسة "بوابلا" الثقافية عن نيتها في ترجمة نفس الرواية إلى الإسبانية.
من مواليد الجزائر العاصمة، وهي من أسرة جزائرية مناضلة معروفة، شارك والدها في الحرب التحريرية الجزائرية العظيمة.
قال عنها الأديب التونسي، حسن العرباوي، في جريدة الصباح التونسية: " ياسمينة صالح اسم يبدأ الآن ولن ينتهي، لأنه ارتبط بالإبداع الجميل الذي يمضي هادئا و ثائرا، إنها الدم الجزائري الجديد الذي لا يخشى من مواجهة الماضي و التاريخ معا، وهي ببساطة بحر صمت من النوع المميز."
مؤلفات الكاتبة :
بحر الصمت – رواية. منشورات الاختلاف، الجزائر، 2001.
بحر الصمت – رواية. منشورات دار الآداب، بيروت، 2003.
أحزان امرأة من برج الميزان – مجموعة قصصية. منشورات جمعية المرأة في اتصال، الجزائر، 2001.
وطن الكلام – مجموعة قصصية. منشورات الكتاب العربي ، دبي، 2001.
حين نلتقي غرباء – مجموعة قصصية. منشورات دار القلم، العراق، 2002.
ما بعد الكلام - مجموعة قصصية. منشورات الكتاب العربي ، دبي 2003.
بالفرنسية
les femmes d'algerie. (نساء الجزائر). منشورات فولتير. باريس.
.LE SILENCE DE LA MER(بحر الصمت). منشورات EDITION LA NOUVELLE PLUME-AIX-EN PROVENCE-FRANCE. كانون الأول-ديسمبر 2004. المترجمة: LUCIENNE TIGE
اعتقد ان اسما كهذا يستحق قراءة ابداعاته ونصوصه.. إنها ابحار في اعماق الكلمة الحرة.. الكلمة التي تلج الى قلوبنا فتلامس شغافها وتسمو بمشاعرنا واحاسيسنا..
اترككم مع هذه النصوص البديعة لـ ياسمينة صالح.
خلفان الزيدي
24/12/2005, 10:46 AM
تساؤلات مواطن متهم بالإرهاب
قف !
يسرقه الزحام و الكلام اليومي عن الحرب و الخبز .. يترجّل أحلامه المتسارعة باتجاه الشتات، هو الذي سكن حكايات المدينة، و أوهم العشاق أن الحب سينتصر في نهاية الرواية هو .. الذي لم يعد شيئا منذ اكتشف أن الحب لا يعيش طويلا .. و أن العشق قد يتعرض للحوادث ككل الناس،لأن البدايات فقدت قيمتها و انهالت عليها اللعنة ..
قف !
يدفعه الحنين إلى الجنون .. يتسلّق جدران المستحيلات كي يرى أمه ..
كي يحتضن حبيبة فارقها منذ عشرين عاما .. أيام كان قلبه غضا .. و عواطفه تقضم الشعر عنه .. لكنه كبر .. شاخت عواطفه و تقاعد قلبه ..
و انهار ..
عشرون عاما ..
يجوب الشوارع متنكرا في زي شحاذ ليراقب أهله ..
يتسلّل إلى رؤاهم في السّر..
و في السّر يسرب إليهم ما تبقى من نبض ما زال يشتعل في دمه ..
قد نسيته المدينة ..و لكن البوليس لم ينس شكله.. منذ عشرين عاما يلصقون صورته على الجدران، و يطالبون به حيا أو ميتا ..
لم يستوعب أحد منهم أن السنوات المتعبة تُغير من شكل العشاق أيضا ..
و أن الحب سرعان ما يصير عادة سيئة ..
قف !
يلتفت نحو اليمين و نحو الشمال ..
سحنته المفجوعة تثير السخرية، و الازدراء معا ..
في عينيه تبرق الحقيقة الوحيدة التي جاءت به إلى هنا .. كي يرى أمه للمرة الأخيرة .. يتسلل رويدا رويداً ..
يتسلق جدار الحديقة .. يتفادى نباح ****** .. يتفادى الخطوات المقبلة و يدخل إلى الدار ..
إلى داره التي لم تعد له ، صارت لاخوة تنكروا له، و أدانوه من أول العمر إلى آخره ..
يلمح والدته في وسط الدار ..
كأنه الموت الذي يجره دوما من تلابيبه كي يلتقي بمن يحب و بمن يكره أيضا .. في البدء كان يجيء متخفيا كي يشاهد خصومه القدامى محملون نحو مثواهم الأخير ..
لكن الموت مختلف هذه المرة ..
ها هي أمه التي لم يرها كثيرا طوال عمر قضاه هاربا و متسللا ..
أمه التي لم تحتضنه كما كان يجب أن تحتضنه
هي التي كانت تجلس القرفصاء في زمن الرّحيل إلى اللاشيء .. تراقب الباب علّه يأتي ..
من آخر العمر .. أو من حلم مفاجئ كالدهشة ..
هــــــــا يكتشف أنه يتيم الآن .. و أن الحكاية لن تعنيه بعد اليوم ..
و السجون و الرّفاق الذين اغتيلوا ، أو اختطفوا، أو هاجروا، انتحروا..
لا شيء صار يعنيه و قد صار وجها لوجه مع أمه التي لن تسمع صوته و لا نحيبه و لا صياح الوجع فيه ..
قف !
و لا يتوقف ..
يصيح الصوت ثانية و ثالثة .. و لا يأبه بشيء ..
تدوي الطلقة الأولى .. و الثانية و الثالثة ..
شيء مـــــا يصيب ظهره .. يترنح فجأة .. يلفه دوار مدهش ..
هل هو الموت؟
يترنح أكثر و يسقط ..
يشم رائحة الأ اخوته الذين نسوا شكله.. و حبيبته التي تزوجت من جندي طارده منذ عشرين عاما ..
رض المبللة بمطر الربيع و يتذكر أمه ثانية ..
تذكر أنه مطالب بالحياة كي يمشي نحو نهايته باسما ..
لكن .. شيء يخزه الآن .. أهو الموت حقا ؟
يدنو العساكر منه ..
حذاء ثقيل يحط على رأسه.. يهزه بعنجهية تؤلمه .. فلا يتحرك .. تتباهى الأصوات بدمه .. تتصافح محتفلة بالنهاية ، فيعرف بحاسته أن الجرائد ستكتب عنه غدا ..
هو الذي لم يكن محاربا و لا سياسيا .. كان مواطنا طالب بالخبز فطاردته الشرطة .. طالب بالحرية فطارده العسكر .. طالب بالحياة فطاردته المدينة ..
هو الذي لن يجد من يبكيه غير قبر يضاف إلى قبور يتكئ عليها الناس ليستريحوا من عبء الأشياء الجاهزة لأجلهم سلفا..
فالحكاية بدأت للتو و لن تنتهي...
خلفان الزيدي
24/12/2005, 10:50 AM
أغنية جزائرية حزينة
تفتح المدينة نوافذها على صباح من الدخان..تتبختر الكآبة في الشوارع و الطرقات..الوقت يتكرر ببلادة على الساعة الجدارية الجاثمة وسط شارع المدينة الرئيسي..
دوريات العساكر تعبر الشوارع الخالية إلا من رائحة الحرب و الفوضى المتراكمة على حدود الكلام ،في مدينة أعلنت حالة الطوارئ على ذاتها..
كان "البشير" جالسا قرب منزله..يرتشف قهوة صباحية خالية من البهجة..بينما مذياعه الصغير يبث بيانات عسكرية تدعو إلى الهدوء و الصمت..كان حزينا، بيد أنه لم يكن يدري لماذا هو حزين كل هذا الحزن ؟ لقد عاش حياته يتمنى و يحلم بالنهوض..النهوض الذي يعني ببساطة التغيير الجذري و الفاعل..
عندما وقف ذات "1962" أمام قبر رفاقه، لم يذرف دمعة واحدة..قرأ الفاتحة و ………….
-استرجعنا الجزائر يا رفاق….
قالها و مضى ..مضى إلى الغد..
بالنسبة إليه، كانت الثورة عملا نضاليا لا يكف عن الوجود و عن العطاء و التضحية..لم يكن هنالك شيء اسمه"الارتجالية" في منطق الواجب إزاء الوطن..كل شيء كان يجب أن يكون امتدادا للوعي القومي الذي صنع شهداء يغطون وجه الشمس..
لا يذكر كيف مر الوقت..كل هذا الوقت..
لكنه يذكر أنه انتظر طويلا ..بصبر مدهش..انتظر الغد الآتي..
..يذكر جيدا ما جرى بعد الاستقلال..بالضبط عندما اكتشف -شيئا فشيئا- الخيبة و الشعور بالانحراف..
في صيف "1965"،زار صديقه "العربي"..لم يزره بمحض إرادته، بل بدعوة ملحة من هذا الأخير..كان يحب "العربي"..و يحترمه..و يصدق إيمانه بالجزائر أولا و قبل كل شيء..هذا ما جعله يذهب إليه، و يدخل مكتبه بشوق سنوات النضال، و الكفاح المشتركين..
لكنه، اندهش و هو يكتشف الاستقبال الفاتر الذي خصه به صديقه القديم، لولا ابتسامة متقنة، و سؤال مفتعل عن الصحة و الأهل و………..
الحزب لا ينام على أذنيه يا" سي البشير" ، و هو يملك أسماء كل المعارضين لمسار الثورة….
صعق..لم يصدق ما سمعه..
معقول؟
اقشعر بدنه..نظر حوله..
معقول؟
يقول له- هو- هذا الكلام؟
هو الذي كرس شبابه لأجل الثورة، و الوطن، و الحال أنه رفض تقلد المناصب كي لا يسيء إلى أحلامه الحميمة،إزاء الوطن و الناس..كل الناس….
معقول؟
و "العربي" من يقول له ذلك؟
حتى كلمة (صديقي) بخل بها عليه..استبدلها ب" سي البشير" و كأنه لم يكن رفيقه عبر مسالك "الأوراس" الوعرة..كأنه ليس هو من حمله جريحا و عبر به خط "موريس" المكهرب..
شعر بالبرد، بينما "العربي" يرمقه بنظرة شزراء..
في تلك الصائفة، اكتشف أنه خسر أشياء كثيرة، و أن الثورة التي غذتها أرواح الشهداء قابلة للمساومة، و التعليب ..
كان يدرك أنه محق في قناعاته تلك كلما بعث "العربي "وراءه، كي يوبخه و يهدده باسم حزب لا ينام على أذنيه..?
منذ البدء، عرف أنه يملك قوة إضافية، لم يتردد في استغلالها..
أبناؤه..
انتظر طويلا اليوم الذي فيه يرى نتيجة صبره..
كبر الأبناء، و هو يرفل بحلمه الحميم..
لكن الانكسار حدث..رحل ابنه البكر إلى "فرنسا" بحثا عن عمل..
فجع..و الحال أن فجيعته تلك نابعة من إحساس باغته، بأنه فشل في إيصال الرسالة إلى ابنه البكر..كانت الهجرة، إلى فرنسا..فرنسا بالذات، تشبه هزيمته الشخصية،
و مع ذلك..ظل متمسكا بأمله، و بابنه الأصغر"كريمو"..
-كريمــــــــــــــــو..
خفق قلبه..مص سيجارته، و اقرب فنجان قهوته من شفتيه..لم يرجع "كريمو" منذ بداية الأحداث..يذكر أنه لم يمنعه من الخروج عندما قرر الالتحاق بالمتظاهرين..بل إنه يعترف بينه و بين نفسه أنه سر و ابتهج..
في عيني صغيره قرأ ما تمنى قراءته..
رفع رأسه إلى السماء..رأى الغيوم تتكدس حاجبة الشمس..
عرف بحاسته أنها ستمطر..
ستمطر كما لم تمطر أبدا..
خلفان الزيدي
24/12/2005, 10:52 AM
هنا يبدأ النهار
هناَ يبدأ النّهار منْ أحزَاننا اليومية، فندْخل أُبهة التّمني .. نستفيقُ على أَنين صَوْتَيْناَ و الظّلمة المسيّجة بالتساؤُل.. أمِنْ هذاَ الظّلاَم الموقّر يبدأُ تاريخنا الجديدْ؟
* * *
لاَ !!
لاَ تتمنّى البِدَايات المُسْتهلكة، و لاَ تَجْلِب لقلبيَ سكينة الموت، فثمة جِراح لم ننتهِ مِنهاَ بعد، و الحِكاية التي تَرويها الأزمات فقدت خيالها الخصب، فلا تعدني بالحرّية المطوّقة بالسّجون، و لا تبتهج ْحِين تَبْكي المدينة و حين ينزّ الفؤادْ ..
* * *
ِللبِداية صوت أمّي ..
خُطاها المتناغمة في ساحة الدّار، و رائحة القهوة .. و مذياع الجيران الصّاخب .. للِبداية اسم العاَبرين مدن الِحكاية .. السّابحين في وهم الممكن و المستحيل..
كم ذا ترهقني المسافة بيني و بينك، فأصرخ باسمك .. أتشبث بالوَجع خَلف الدّرُوب التي مَشيتها نحوكَ، و أمضي في سُكاتْ ..
لِلبِداية طعم البنفسج و انكسار الياسمين .. فأخاف عليكَ من الشّوارع المعبّدة بالثرثرة، و من عيونٍ القتلى حين تتربّص بك خلف زُقاق حيِّناَ القديم ..
* * *
أخافُ من الظّلِّ الذي يُلاحِقُناَ كلّما هرَبْنا إلى بَعضِنا في زحمة الشّتات و الحرب .. أتدحرج فيكَ رويداً رُويدا و أسكُنُكَ كالرُّؤَى .. و أُوهِم الآخرين أنّني أعلنتُ توبتي مِنك، و طهّرتُ روحي من خطاي كي لا يكتشفُوا هباء الدّنيا دُونَك أنتَ ..
* * *
ليكن وجهُكَ دولَــــــتي الوَحيدة ..
حرّيتي التي فَقدتُ لأَجلِها حقوقي البسيطة، و ليكن قلبكَ زنزانة أدخلها راضية عن حياتي المسيجّة بالتّعب و الهموم ..
فوَحدهُ الحبّ لاَ يعترف بالحقيقة..
و وحدها الحقيقة لا تؤمن بالحيادْ !!
خلفان الزيدي
24/12/2005, 10:55 AM
مــــــاذا تبقى من الكلمــــــات ؟
عبثــا ،تنهضين من عمرك الجاهز للتداول .. من السنوات التي اجتريتها طويلا .. من الكلمات التي لم تعد تقول شيئا، منذ صارت الأشياء جاهزة سلفا لأجلك .. تكتشفين فجأة حدود الحكاية في تفاصيلها الصغيرة .. بين الوطن و الوطن ينمو الخيال شجرا من برتقال و ليمون حامض .. و بين جرح و جرح تتجرد التفاصيل من غموضها التاريخي، و يصبح الوجع وجها قوميا من وجودك
-2-
أنت .. كل ما مضى، و هي ما تبقى من خيال كان خصبا و صار مع الوقت وهما جميلا ما زلت تصنعين منه ورودا تصففينها في مزهرية العمر الجافة ..
أنتِ .. التي جاءت من عبق الأحلام الحميمة ..
تزورين ألبوم الصور كما تزورين مدنا كالسراب، و تحتفلين بالأعياد في بطاقة صامتة يبعثهـــا لك ..
بطاقة لا تحمل عبارة جديدة، سوى تلك الأمنيات التي تتكرر كي تذبل مع الورد في مزهريتك العتيقة ..
لكأنه العمر ثانية، يأتي مجفلا بالصمت، و بالخيبات التي تنسحب قليلا فاسحة الطريق لعيد يأتيك مجروحا و ثملا بالأسئلة ..
-3-
أيبدأ العمر في ثانية للعبور إلى الوهم مرة في العام؟
هنا يبدأ نهاركِ .. تنهضين صباحا لتكتشفين أنكِ امرأة، و أن اليوم المقبل نحوكِ يحمل اسمكِ أيضا..
أنتِ التي جاءت من التساؤلات المزمنة، و من ضلع قيل عنه أعوج !!
هذا النهار السريع كالدهشة..
تصدقين تراتيله المبهرة، و الورد الذي تحملينها بين ذراعيكِ،
و الابتسامة التي تعتقدين أنها الأنسب كي تسيرين قدما، لما تبقى من الوقت ،غير حالمة بشيء معيّن ..
لكنه الحس ثانية ..يمتحن في حضرتكِ مجاري القلب ..
يطرق، و يرن، و يراسل مدارات تسكنها الأبراج
-4-
ماذا تركوا لك غير أوهام يبيعونها لكِ في المناسبات العامة ؟
و ماذا تبقى لكِ كي تحلمي به ؟
كانت الرؤى مسارا ركبته، حين خانتكِ المدينة و الناس و رموكِ في القبيلة و العشيرة ..
فماذا يريدون منكِ الآن ؟ و أنتِ تغادرين الجرح الحادي عشر،
لتدخلين يومكِ الجديد متأبطة ذراع رجل تتباهين به أمام الناس كي لا بقين عانسا إلى الأبد ..
أنت المرأة الأم / الزوجة / الأخت / الابنة / الحبيبة
أنت التي تحمل المدينة وجهكِ، و تضاريس قلبكِ الضجر و المتعب ..
-5-
سلام عليك، و أنت تدخلين أبهة يومك التاريخي .. أو أنت تدخلين محل حلاقة كي تكوني أجمل من الأمس، و كي تستقبلي الوجوه بوجه مزينـا بالطباشير !!
كي لا يتعرّى وجعك الأبدي و كي لا يقتلك الصمت ..
سلام عليك .. و أنت تتكلمين عن يومك هذا ..
تصدّقين الورد على طاولتك، و المصافحات التي تهمس لك " عيد سعيد" .. لتعني " يا خسارتك" !!
سلام عليك يا امرأة .. يا أنا، و هي و هن.. حين نقف في الطابور، لأجل خبزة لا نشبعها .. و حين نتدافع في الحافلات لأجل مقاعد لا نجلس عليها .. و حين تقضم غيظنا قبالة رجل يسيء إلينا باسم " الرّجلة" .. و حين
-6-
سلام عليك، و عليه ســــــــــــلام ..
هو الذي يصدّق لأجل يومك أنك سيدة هذا النهار،
و يحمل إليك وردا يقتص ثمنه من مصروفه الصغير، ليؤمن أن الدنيا تغيّرت، و أن التحديات صارت تطالب بك أنت أيضا، كي تكوني، و كي توجدي، و كي لا تموتي ضحية بائسة في حادث إرهابي،
أو في حادث اغتصاب لا يكترث إليه سوى الجيران ،ليعاقبون أنوثتك المجروحة باسم الشرف ..
سلام عليكن.. عليكم ..
و انتم تصدقون أوهام الحكاية التي تحاصرها الحكايات القديمة،
!!!!وصواريخ طويلة المدى قد تقتل ما تبقى من الأشياء فينا.. وفي وطن لم يعد يتسع لغير الوهم
خلفان الزيدي
24/12/2005, 11:01 AM
قليل من الشمس تكفي...؟
طال الوقت وأنت تقف أمام المرآة مغمض العينين .. لا تجرؤ على فتحهما .. لم تنظر إلى وجهك في المرآة منذ دهر .. منذ اكتشفت أنك مشوه الملامح ، بعد أن اكتشف الناس هذه الحقيقة قبلك ..
وأنت المجنون أيضاً .. هكذا تقول نظرات والدك كلما التقت بنظراتك ، لكنك لم تشعر قط أن من واجبك التغير كي تتغير الأشياء حولك .. ولم يكن الأمر يعنيك تماماً ، كأن البشاعة والجنون صفتان تساعدانك على التحرك دونما القيود التي تحدد حركة " العقلاء " حولك .. كنت مقتنعاً بذلك ، بحيث كانت الخيـوط التي تشدك إلى البيت والقرية والناس والعالم ، تتقطع تدريجياً ، ولم يكن يعنيك ذلك أيضاً .. غير أنك آمنت منذ البداية بوجود قوة خارقة وغامضة تشدك إلى الخلف ، وتجبرك على الخضوع .. والقبول بالمخيبات كالمسلمات .. أكانت أمك ؟
بالنسبة إلى الآخرين ، كنت رمزاً للبشاعة والتشويه ، لم يع أحد أنك إنسان سوي تملك عالماً جميلاً كأي إنسان آخر ، ولم يضايقك عدم اكتراثهم .. بل على العكس تماماً .. كنت تشعر أنك أكثر حرية منهم جميعاً .. حراً من كل العقد التي تتحكم في مصائرهم باسم القانون والواجب والمنطق .. سمح لك هذا بامتلاك العديد من الأسرار .. كانت العلبة الخشبية أول ما ملكت يداك .. أخفيتها عنهم جميعاً وكنت حريصاً على سرية مكانها ، ولكن ... اللعنة وعالمك خطان متوازيان .
اكتشف أبوك العلبة .. أخذه الفضول إليها وعندما فتحها صاح مذعوراً .. لحظتها فقط ، شعرت بالحزن والانكسار وأنت ترى الصراصير الصغيرة التي تعبت في جمعها ، وفي التآلف معها ، وهي تركض في كل اتجاه من الغرفة ، دون أن تقوى على شيء .. يومها ، رأيت في عيني أبيك التهمة / الحكم .. ولم يكن يعنيك ذلك .. كيف تعرف من الأول أنك لا تشبه إخوانك الكادحين في حرث الأرض ، المنتظرين سقوط الغيث .. إخوانك الذين إذا عادوا في المساء خائبين ، لعنوا الأرض ووجهك النحس .. كنت تهرب منهم جميعاً ، وتلجأ إلى شجرتك العتيقة .. تتسلقها وتراقب العالم من الأعلى .. كنت ترى بوضوح من الأعلى ما لا تقدر على رؤيته أو فهمه من الأسفل ..
واليوم ؟ مغمض العينين أنت .. مجرد نظرة .. نظرة واحدة فقط إلى المرآة ، ثم بعد ذلك تفكر فيما قاله إخوانك ليلة البارحة :
ـ والد " السي موسى " خطب جميلة بنت صانعة الفخار لابنه ....
جميلة ؟ دق قلبه بعنف .. لا ، لا يمكن .. جميلة جزء منك أنت فقط ..
طفل ، كنت تسرق الحليب لأجلها ، وعندما لا تجد الحليب جاهزا تضطر إلى حلب البقرة الوحيدة التي يملكها أبوك ، يداك الصغيرتان .. لم تشعر أبداً أن ما فعلته كان سرقة ، حتى عندما اكتشفك أبوك في حالة تلبس وانهال عليك ضرباً ، وشتماً .. كنت تصرخ بأعلى صوتك مستنجداً بوالدتك المريضة ، بأحضانها وعينيها وصوتها .. وحدها أمك فهمــت الحقيقة ، بأنك لم تسرق ، مثلما فهمت بعد ذلك أنك لست مجنونا .. في عينيها قرأت كلاماً كبيراً وكنت تريد لو تنطق به وتقوله بأعلى صوتها كي يسمعه والدك والناس والعالم ..
فجأة ، اكتشفت الحقيقة .. فهمت أن القوة الغامضة التي تشدك وتجبرك على الخضوع هي أمك .. حاولت الثورة على نفسك وعليها ، وعلى تلك القوة الغامضة التي تطوقك وتكبلك ، وكان عليك أن تتحرك قبل أن تفقد صوابك وتجن .. قررت التخلص من الضعف ومن المرض ومن الأنين المزمن .. من الخوف التاريخي العتيق .. أبرمت النار في سريرها .. رأيت اللهب يتصاعد ويلتهم كل شيء .. وكنت سعيداً ، بينما النار تقترب منك .. تقترب منك .. تقتر ....ب و .......
عيناك مغمضتين ، لا تقدر على فتحهما ...
أن تفتح عينيك الآن ، بعد كل تلك السنين من إغلاقهما .. أن تنظر إلى وجهك في مرآة نبذتها طويلاً ؟ ماذا سيحدث ساعتها ؟
لا شيء .. سوى أنك سترى وجهك ، إن كان بشعاً كما يقول الناس .؟
لم تكن " جميلة " تخافك .. كانت تأتيك جرياً وتحدثك عن الأشكال التي تصنعها أمها بالطين لتبيعها لنساء القرية .. كنت تصغي إليها سعيداً ومفعماً بمشاعر جمة .. سألتها ذات مرة " هل أنا بشع ؟ " ولم ترد ، بل تقدمت منك خطوتين جريئتين وطبعت على جبينك قبلة وانسحبت تجري كالحلم ..
فتحت عينيك أخيراً ، وبدل النظر إلى المرآة ، نظرت إلى الباب .. كنت تفكر في شيء تدرك خطورته ..
خرجت من البيت وكانت السمـاء تمطـر ، بينما الساعة تشير إلى الصفر .. ؟
خلفان الزيدي
24/12/2005, 11:23 AM
مقطع من بحر الصمت
ارفع عيني الى الصورة المعلقة يمين الجدار فأُصاب بما يشبه الذهول وأنا اكتشف قدرتي على قراءة ما بين سطور الفراغ واللامنتهى.. في زمن آخر، كنت اعرف عن صورتي الكثير، ولكن.. كل شيء تغير، تغير تماما..
أفكر فجأة في ابنتي.. لم تقل شيئا عندما جاءتني البارحة.. نظرتُ اليها.. يا الهي.. عيناها قالتا لي كثيرا.. عيناها ساحة مفتوحة للمبارزة، للادانة والقتال، مع اني أحسستُ بفرح عجيب وأنا أراها تدنو مني، كالحلم..
ابنتي الوحيدة.. عمري المتبقي.. فرحتي المؤجلة.. لكم رغبت في حضورها، وعندما جاءت، بقيت واقفا في مكاني، عاجزا عن فتح ذراعي وغبطتي.. بعد كل هذا العمر من الانكسار ومن الانتظار، تمنيت لو كنت استطيع ان أمد يديّ نحوها، لتداعب أناملي شعرها الناعم المسدل بعناد على كتفيها، تمنيت أن أحضنها كأي أب يحضن ابنته الوحيدة.. تمنيت لو كنت استطيع ان أسأل عن أحوالها كأب أب يسأل ابنته ببساطة لحب "واش راكي يا ابنتي"، لكني لم افعل..
فجأة، جاءت ابنتي، وفجأة فقدتُ صوتي وذراعي وكانت ترمقني بعينين ينطّ منهما حزن أدانني من أول وهلة، ورماني في عتاب العمر المكبل بالجنون وبالخطايا.. وكنت جامدا مكاني، على بعد لمسة منها..
ماذا كان عليّ ان افعل ساعتها، سوى الاذعان للصمت والتراجع قبالة عينين تدينان أبوتي وكل حقوقي الاخرى بوقاحة لا احتملها..
ابنتي هي الحقيقة العارية من الادعاء.. ابنتي هي المواجهة التي طالما خفتُ منها، طالما اجلت الخوض فيها.. مواجهة قاسية تدينني تماما، وترميني في شيخوختي الباردة والعاجزة.. من أنا بعد كل هذا العمر؟ من أنا بالضبط؟
أنا لا شيء.. أنا لا أحد، غير هذه المسافة من الشعور بالقرف داخل وحدتي.. مسافة مكتظة بالمآسي وبالذنوب..
ابنتي هي ذنبي الكبير الذي اقترفته في حق نفسي، وفي حق الاخرين.. جاءتني هذه الصغيرة لتعريني امام ذاكرتي، وتضعني قبالة الجدار كي تطلق النار عليّ، وعلى كل ما يشبهني، كما يفعل الثوار الصغار، الذين يكفّرون العالم ويصدقون حقهم الوحيد في الانتقام لكرامتهم المجروحة.. هل كنت والدها أم شخصا غريبا ومتطفلا حان وقت القضاء عليه؟ بدت لي الفكرة مثيرة للسخرية والابتسام، ولعلي ابتسمت حقا، فقد رمتني ابنتي بنظرة غاضبة، كأنها تريد ان تذكرني انني فقدت حقوقي المدنية كلها بمجرد دخولها عليّ كالدهشة، أو كاللعنة..
فجأة ارتبكتُ، وهربتُ من غضبها الى الصورة المعلقة على يمين الجدار حيث تصدمني حقيقتي الاخرى.. الصورة تدينني، تماما كما تدينني عينا ابنتي.. اهرب الى النافذة المطلة على الليل، وعلى المدينة الناعسة.. أهرب الى الليل وأجثو على ركبتي أمامه واصرخ..
آه أيها الليل آه.. لا تُضف الى انكساري انكسارا جديدا، ولا تعدني بالسكينة، والهدوء.. لا تعدني بشيء، فأنا لم أصدق النهار الخارج من الادانة والعقاب!
هل انتهيت؟ ابنتي تقول ذلك..
في عينيها قرأت نهايتي وبداية الاشياء..
كاني اسمعها وهي ترددها: "انتهيت يا سي السعيد!"
يداهمني الرعب فجأة.. الحرب مفتوحة اذن، وانا متعب كنخلة هرمة.. شعري الابيض لا يضفي على عمري وقارا، والتجاعيد في وجهي تنتقم مني..
يا للسخريةّ! أنا مدان، وصادف اني انتهيت، كما ينتهي الوقت من جلائه..
أنا وحيد، وابنتي ها هنا.. جاءت تعاقبني.. هل أملك الحق في ردعها؟ انظر اليها من جديد. عيناها تطلقان النار على كهولتي.. صمتها يحتقرني.. انتهيت اذن؟
عندما جاءتني، حلمت بها ترتمي بين احضاني كطاقة ورد.. حلمت أني أهمس في أذنها "أحبك يا صغيرتي، فسامحيني، اغفري لي كل الخطايا التي اقترفتها في حقك وفي حق الاخرين" لكن.. هل يمحو الاعتذار عمرا خاطئا؟
أنا أنتهيت.. لم أمت تماما.. مات ابني "الرشيد"، كما مات "عمر"، والاخرون.. سامحيني يا ابنتي،
تعالي نحوي.. فأنا وحيد خارج عنفوانك الغض.
تمنيت بقوة لو ألمح في عينيك نظرة دافئة تعيدني اليك أبا تائبا، وتعيدك اليّ عمرا ضائعا.. لكن! شيخوختي تأبى التنازل لنزوة كهذه.. لم أنس وضعيتي كرجل واقعي ومسؤول، بالرغم من عينيك ومن وحدتي.. هل تسمعين؟ أنا رجل مسؤول..
قبل أيام، زارني في بيتي على غير موعد، عضو اعلامي في الحزب، صديق قديم، وقال لي فجأة كأنه يواسيني "الحزن عدو لدود يجب محاربته، وحذفه تماما من مشاعرنا، فلا وقت للتراجع!" كأنه كان يتكهن بالآتي، أضاف متظاهرا بالجدية "يجب ان نتقدم مهما كانت الخسائر يا سي السعيد، وأنت اكثر من يعرف ذلك، لا وقت للتراجع!".
أعرف انه لا وقت للتراجع، واعرف اكثر انني أكثركم خسارة يا سي رضوان، منذ صار الوقت يتحامل عليّ.. لوقت؟ انه ذلك المغامر والمقامر، كعيني ابنتي.. كعمرها الصغير، كغضبها المثير، كفجيعتها في أخيها وفي أبيها وفي أحلامها..
انها ثائرة هذه الصغيرة.. لا تدري ان الثورة التي تنجب الاحلام الوردية والمطالب المقدسة هي نفسها التي تخلف وراءها اليتامى والأرامل والدموع..
ابنتي مجنونة.. لا تعي ان الحرب التي تريدها ضدي سوف تحرقها ايضا..
يطاردني الصمت والعمر يترنح قبالتي.. صوت يصيح في داخلي "قل الحقيقة يا سي السعيد، ودع القناع يسقط..اعترف!"
يا الهي.. أنا اعترف.. يا ابنتي، اقرئي بين سطور وجهي الحكاية كلها، منذ بداية التكوين وسفر الخروج!
* (بحر الصمت) رواية حازت على جائزة مالك حداد التي نظمتها في سنة 2001 الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي
خلفان الزيدي
24/12/2005, 11:32 AM
سعيد يومك يا طويل العمر !!!
سعيد يومك، و أنت تستفيق مبتهجا نحو نهارك الممتلئ بالأضواء و الصور الجميلة .. إذ تنحني خاضعا للأشياء التي تتشابك حولك .. تصافح الغرباء بوجه مبتهج .. الكوكا كولا على طاولتك، و أكياس الشيبس الصغيرة ..الحفلات الماجنة.. إعلانات التلفزيون ، و النساء العاريات .. و الراقصات اللائى يوقظن شهوتك المكبوتة ..
سعيد يومك المقدس .. حين تهب حياتك للغرباء باسم الحضارة، و حين تمنح شرفك المقدس للمحتلّ باسم سلام يفض بكارة نسائك ..
هـا أنت تهرول في كل الاتجاهات .. تجري نحو مقاصدك الجديدة .. تقيم أفراحك على نخب الرجل الأبيض .. والحضارة المغمسة في كؤوس البيرة والويسكي والشامبانيا البيضاء.. و اللّحم الأبيض الناعم !!
سعيد يومك المبجل .. فأنت تسود اليوم على كل هذا العبث المكتمل .. أنت المسالم .. الساكت عن الحق.. المدافع عن الباطل ليقال عنك " طويل العمر " فوق مساحة لم تعد تتسع لغير شكلك ..
سعيد يومك الباسم يا " طويل العمر "
فأنت لم تكن بحاجة إلى أكثر من هذا العمر كي تتجلى الحقيقة في الأماكن كلّها، و كي ترميك القضية في عزلة أبدية ..
هل كان عليك أن تصمت هكذا، لكي نفهم الحقيقة كلّها و لكي نعي أن صمتك هو الدور الذي أملته أمريكا عليك داخل مسرحية لم تعد تثير أحد منذ حوّلت قبلتك باتجاههم للصلاة على أنبيائهم في أعياد الميلاد المجيد.. لألا يقال عنك عربيا / إرهابيا / متطرفا .. فمن أنت يا طويل العمر؟ و أين موقعك من هذا الخراب الممتد على طول جغرافيتك الضيّقة ..؟ أنت الجالس على عرشك الموروث عن أبيك و جدك .. مطمئن بالك حين تستعرض جيشك العظيم في المناسبات المفتعلة، لتضمن بقاء سلطتك على رجال من الورق المقوى .. سعيد أنت حين تجلس مشاهدا نشرة الأخبار ، مكتفيا بالابتسام للمذيع الذي يبجلك، و يتابع خطواتك المقدسة.. يا طويل العمر ها هي النشرة تدينك اليوم، في عيون جيل غاضب و ثائر.. ها هي الدماء تسيل و تسيل قبالة صمتك ..فكم يلزم من الشهداء كي تنطق بالحقيقة؟ كم يلزم من الضحايا و من الأعوام كي تكف عن النظر الغبي في الأشياء بلا داع..
كم يلزمك من الحياة كي تعرف أن الموت يقترب منك، و أنك ستنتهي إلى نعش يشبه عرشك .. كم ؟ لم ترفع الحصار عن شعبك المطوق بالمخابرات و السجون و المنفى لأنك تخشى الشهادة، و لأن الدّم الذي يسيل في الشوارع الفلسطينية يعرّي عوراتك أمام عيون تدينك اليوم.. يا طويل العمر .. آه يا دمهم المقدّس .. هم الذين يدافعون عن كرامتك .. الشهداء/ القتلى .. والقنابل البشرية حين تنفجر في وجه الظلم لتحمي شرفك..
يا دمهم الغالي يا دمهم المرابط بنا، حين يغلبنا البكاء .. كيف نستطيع النظر إلى عيونهم حين تذهبون هكذا، و حين ننزوي في عجزنا المزمن، كي نصلي عليهم عن بعد .. و نحتمي بهم عن بعد .. و ننتمي إليهم عن بعد ..
آه يا طويل العمر .. كيف صدقت الوهم طوال عمرك؟ لم تفهم قط أن مجدك معجون بالفراغات المهولة،و من الشعارات الجوفاء، و الخطب العنترية ..
لم تع أنك لن تحتمي بالسلام ****** باسمنا .. فالشهداء وحدهم يملكون حق تقرير مصيرنا.. اليوم و المجد يبدأ من رام الله .. من غزة .. من جباليا .. من جيل ينتفض لأجلنا،كي نتحرر منك و من عرشك الورقي و جيوشك المعتادة على مطاردة البسطاء باسم الأمن القومي ذلك الأمن المنهار أمام شعب سيعرف أن البداية تبدأ من الثورة .. وأن الثورة تلغي كل الخطايا فوحدهم الشهداء يدخلون الجنة يا طويل العمر ..
خلفان الزيدي
24/12/2005, 11:35 AM
لكل الشهداء الأبرار
سامحونا ...نحن الذين سكتنا دهرا و نطقنا كفراً .. نحن الذين عبرنا الكلمات كلّها كي لا نقول شيئا .. كي لا نقف في الصفوف الأمامية خوفا من موتٍ يرافق خطانا ..
سامحونا ..اليوم، نستيقظ على دمكم الغزير .. نستيقظ على وجهكم الذي نعرفه جيداً..نعرف كم خناه في مسيرتنا الطويلة نحو الوهم الذي أسميناه سلاما، كي نغض من أبصارنا عندما تمر الدبابة الأمريكية أمام شارعنا التاريخي، و عندما تقصف الصواريخ قباب أحلامنا ليصنع الحكام منا ناقة صالح على هذه الأرض التعيسة ..
سامحونا ...أيها الطالعون من الصمت .. الصارخون بالشهادة .. أيها الغاضبون / الثائرون/ الرائعون ..
كيف استطعتم زلزلة تاريخنا المكتظ بالغموض و بالصواعق كيف ملأتم فراغاتنا باليقين ؟ كيف استطعتم استدراجنا إلى هذا المدى المفتوح على دمكم لنعرف حدود خياناتنا الطويلة، و ما اقترفناه في حقكم من الذنوب و من الآثام ، كيف؟
سامحونا...أيها الأطفال الأبطال الشهداء/الأبرار/ الأشجار/ الأنهار/ الأزهار..
سامحونا...لن يكفي الدهر كي يغسل خطايانا .. كي ينسى الحاضر شكلنا البائس .. صمتنا البائس..وجودنا البائس ..
لن تكفنا اللغة كي نعتذر لكم واحدا واحداً يا أحبابنا الموتى الأحياء كي ندفنكم كما يليق دفن الشهداء.
لا الكلام و السكوت .. لا الحياة و لا الممات .. لا الأمام و لا الوراء..
سامحونا... الآن بامكاننا الإعلان للقبيلة و للعشيرة أن الخنازير و القردة يحكموننا بالسلام المبجل و أننا لن ننتمي إلى الأرض كما ينتمون إليها لأن الدم وصل إلى الركبتين ولأن المدن التي لا تناهضك هي التي وقفت ضدك مرتين..مرة لأجل دمك و مرة لأجل تاريخك..
سامحونا ..لنموت أقل فجيعة لتعبركم أسماء أحلامنا البريئة التي صدقت طوق الحمامة و النجاة و استسلمت لغيلان الحضارة و التجارة و الدماء.
سامحونا ...هـاقد عجزنا عن العودة إلى النقطة الصفر عندما اكتشفنا أننا كنا الصفر المكرر في معادلة انتم أبطالها يا ليل الثورة و النخوة في زمن الدعارة و الخيانة.
سامحونا .. سامحونا .. سامحونا ..
ميلاد
25/12/2005, 11:08 PM
احتوتني اللغة حد الضياع ...
سأعود لأقرأ ...
ميلاد
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.