أحمد بن مظفر
16/12/2005, 09:54 AM
إن الكتابة هي الوعاء الذي تحتفظ فيه كل أمة كل مرحلة من مراحلها الزمنية .. ولا يكاد يستغني عنها أي جيل .. والحقيقة أن الكتابة ما هي إلا تفاعل مع الزمن ومستجداته .. بحيث تدفع العقل إلى أن يقدح زناده ليصوغ ، وينظِّر ، ويجدد ، ويبتكر ..
ومع هذه الأهمية البالغة التي تؤثر تأثيرا بالغا في جوانب الحياة المختلفة إلا أن ثلة من الناس أغمضوا أعينهم عن واقعهم .. وغلَّفوا عقولهم لئلا يصله شيء من إفرازات الواقع ، واكتفوا بترداد ما كتبه الكاتبون مِن قبلِهِم !
وأخذوا يتغنون بالمقولة التي سيروها في الآفاق والتي تقول : " ما ترك الأول للآخِر " وبقول عنترة :
" هل غادر الشعراء من متردَّمِ "
ونسوا المقولة التي سارت بها الركبان واختلط بها الملوان وهي التي تقول : " كم ترك الأول وللآخِر "
وقول الشاعر :
قل لمن لا يرى المعاصرَ شيئا ... ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان جديدا ... وسيغدو هذا الجديد قديما
إن الله تعالى خلق الإنسان مفكرا وهو أبرز ما فيه ، لذا نوَّه الله تعالى به في غير ما آية " من مثل " أولم يتفكروا " وقوله تعالى : " وما يعقلها إلا العالِمون " لأن العقل أداة التفكير .
ونجد أصحاب العقول المتفتحة في كل جيل يضيقون ذرعا بأصحاب العقول المغلفة .. فهذا الإمام السالمي رحمه الله يقول : " وقد رغب عن ذلك ـ يعني أصول الفقه ـ كثير من أهل زماننا لجهلهم بما فيه من التحقيق وصعوبة ما فيه من التدقيق ، فقصارى متفقههم حفظ أقوال الفقهاء ، وغاية نباهة أحدهم رواية ما قاله النبهاء ، لا يدرون غث الأقوال من ثمينها ، ولا خفيفها من رزينها ، قد حبسوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق ، وليتهم لما وقعوا هنالك عرفوا منزلتهم بذلك ، ولم يدع أحدهم منزلة ابن عباس ويقول هلموا أيها الناس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب العلم وأهلوه ، وبقي الجهل وبنوه " .
ويقول ابن السبكي : " وأنا دائما أستهجن ممن يدعي التحقيق من العلماء إعادة ما ذكره الماضون إذا لم يُضم إلى الإعادة تنكيتا عليهم ، أو زيادة قيد أهملوه ، أو تحقيق تركوه ، أو نحو ذلك مما هو مرام المحققين "
ويحضرني في هذا الصدد أن رجلا حفظ صحيح البخاري فأُخبر عالم بذلك فقال : " زادت نسخة في البلد " مشيرا إلى أن الحفظ وحده مع عدم الفهم لا يجدي شيئا .
ولا يعني هذا أن يتنكر الإنسان للسابقين في مضمار الكتابة ، والمبرِّزين فيها بحيث يضرب بكلامهم عُرض الحائط ، بل عليه أن يقتبس من أنوارهم ليُفتح له ما فُتح لهم " وما كان عطاء ربك محظورا "
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ومن هذا الباب أن نعرف لأهل الفضل فضلهم .. وان لا نبخسهم حقهم .
كما قال الشاعر :
إذا أفادك إنسان بفائدة .... من العلوم فأكثر شكره أبدا
وقل فلان جزاه الله صالحة ... أفادنيها وألق الكِبر والحسدا
وقد كثر في زماننا هذا ظاهرة تبني المقالات .. حتى أن الواحد منهم لينقل عن غيره ولا ينسبه إلى صاحبه بل يورده على أنه من بنات أفكاره !
وفي الحديث " المتشبع بما لم يعط كلابسِ ثوبي زور "
وقد حفظ لنا التأريخ بعض أنماط التفكير التي تفتق الأذهان وتجعل العقول مفكرة منتجة ..
فهذا سقراط الذي اشتهر برجاحة العقل .. وفرط الذكاء كان يُعلِّم معاصريه طريقة التفكير بنمط سلوكي فريد ، بحيث كان يوجه إلى محاوريه الأسئلة طالبا منهم أن يشفوه من حيرته بالإجابة ، وعندما يشرع محاوروه في الإجابه يبدأ سقراط في توجيه الأسئلة لما أجابوا به بحيث يتوصل المحاور في نفسه إلى قناعة بزيف إجابته ، أو وقوع الخطأ فيها ، فيبحث عن إجابة أكثر دقة وهكذا إلى أن يتوصل بنفسه إلى الجواب المقنع !
وقد أخبر سقراط عن أمه أنها كانت " قابلة " أي تقوم بتوليد النساء في المدينة ، وأنه ورث هذه المهنة من أمه حيث إنه أصبح يولد الأفكار من رؤوس الناس ! .
فلننفض عن عقولنا غبار الكسل والخمول .. ولنكثر من القراءة قبل الكتابة لأن فاقد الشيء لا يعطيه .
ولك في النحلة أعظم آية لو تفكرت فيها .. فإنها تأكل طيبا وتخرج أطيب فلتكن كذلك ، والذباب يأكل خبيثا ويفرز ما هو أشد خبثا من الأمراض !
ولأمر ما كانت آية " اقرأ " أول ما نزل من كتاب الله .
ولأمر ما أُمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم وعلى آله ـ الاستزادة من العلم دون غيره " وقل رب زدني علما " فاسرح بفكرك واسبح بخيالك في هاتين الآيتين وفي غيرهما مما هو مسطور ومنظور ، وبالله التوفيق ،،،
ومع هذه الأهمية البالغة التي تؤثر تأثيرا بالغا في جوانب الحياة المختلفة إلا أن ثلة من الناس أغمضوا أعينهم عن واقعهم .. وغلَّفوا عقولهم لئلا يصله شيء من إفرازات الواقع ، واكتفوا بترداد ما كتبه الكاتبون مِن قبلِهِم !
وأخذوا يتغنون بالمقولة التي سيروها في الآفاق والتي تقول : " ما ترك الأول للآخِر " وبقول عنترة :
" هل غادر الشعراء من متردَّمِ "
ونسوا المقولة التي سارت بها الركبان واختلط بها الملوان وهي التي تقول : " كم ترك الأول وللآخِر "
وقول الشاعر :
قل لمن لا يرى المعاصرَ شيئا ... ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان جديدا ... وسيغدو هذا الجديد قديما
إن الله تعالى خلق الإنسان مفكرا وهو أبرز ما فيه ، لذا نوَّه الله تعالى به في غير ما آية " من مثل " أولم يتفكروا " وقوله تعالى : " وما يعقلها إلا العالِمون " لأن العقل أداة التفكير .
ونجد أصحاب العقول المتفتحة في كل جيل يضيقون ذرعا بأصحاب العقول المغلفة .. فهذا الإمام السالمي رحمه الله يقول : " وقد رغب عن ذلك ـ يعني أصول الفقه ـ كثير من أهل زماننا لجهلهم بما فيه من التحقيق وصعوبة ما فيه من التدقيق ، فقصارى متفقههم حفظ أقوال الفقهاء ، وغاية نباهة أحدهم رواية ما قاله النبهاء ، لا يدرون غث الأقوال من ثمينها ، ولا خفيفها من رزينها ، قد حبسوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق ، وليتهم لما وقعوا هنالك عرفوا منزلتهم بذلك ، ولم يدع أحدهم منزلة ابن عباس ويقول هلموا أيها الناس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب العلم وأهلوه ، وبقي الجهل وبنوه " .
ويقول ابن السبكي : " وأنا دائما أستهجن ممن يدعي التحقيق من العلماء إعادة ما ذكره الماضون إذا لم يُضم إلى الإعادة تنكيتا عليهم ، أو زيادة قيد أهملوه ، أو تحقيق تركوه ، أو نحو ذلك مما هو مرام المحققين "
ويحضرني في هذا الصدد أن رجلا حفظ صحيح البخاري فأُخبر عالم بذلك فقال : " زادت نسخة في البلد " مشيرا إلى أن الحفظ وحده مع عدم الفهم لا يجدي شيئا .
ولا يعني هذا أن يتنكر الإنسان للسابقين في مضمار الكتابة ، والمبرِّزين فيها بحيث يضرب بكلامهم عُرض الحائط ، بل عليه أن يقتبس من أنوارهم ليُفتح له ما فُتح لهم " وما كان عطاء ربك محظورا "
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ومن هذا الباب أن نعرف لأهل الفضل فضلهم .. وان لا نبخسهم حقهم .
كما قال الشاعر :
إذا أفادك إنسان بفائدة .... من العلوم فأكثر شكره أبدا
وقل فلان جزاه الله صالحة ... أفادنيها وألق الكِبر والحسدا
وقد كثر في زماننا هذا ظاهرة تبني المقالات .. حتى أن الواحد منهم لينقل عن غيره ولا ينسبه إلى صاحبه بل يورده على أنه من بنات أفكاره !
وفي الحديث " المتشبع بما لم يعط كلابسِ ثوبي زور "
وقد حفظ لنا التأريخ بعض أنماط التفكير التي تفتق الأذهان وتجعل العقول مفكرة منتجة ..
فهذا سقراط الذي اشتهر برجاحة العقل .. وفرط الذكاء كان يُعلِّم معاصريه طريقة التفكير بنمط سلوكي فريد ، بحيث كان يوجه إلى محاوريه الأسئلة طالبا منهم أن يشفوه من حيرته بالإجابة ، وعندما يشرع محاوروه في الإجابه يبدأ سقراط في توجيه الأسئلة لما أجابوا به بحيث يتوصل المحاور في نفسه إلى قناعة بزيف إجابته ، أو وقوع الخطأ فيها ، فيبحث عن إجابة أكثر دقة وهكذا إلى أن يتوصل بنفسه إلى الجواب المقنع !
وقد أخبر سقراط عن أمه أنها كانت " قابلة " أي تقوم بتوليد النساء في المدينة ، وأنه ورث هذه المهنة من أمه حيث إنه أصبح يولد الأفكار من رؤوس الناس ! .
فلننفض عن عقولنا غبار الكسل والخمول .. ولنكثر من القراءة قبل الكتابة لأن فاقد الشيء لا يعطيه .
ولك في النحلة أعظم آية لو تفكرت فيها .. فإنها تأكل طيبا وتخرج أطيب فلتكن كذلك ، والذباب يأكل خبيثا ويفرز ما هو أشد خبثا من الأمراض !
ولأمر ما كانت آية " اقرأ " أول ما نزل من كتاب الله .
ولأمر ما أُمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم وعلى آله ـ الاستزادة من العلم دون غيره " وقل رب زدني علما " فاسرح بفكرك واسبح بخيالك في هاتين الآيتين وفي غيرهما مما هو مسطور ومنظور ، وبالله التوفيق ،،،