أبوسعيد
12/12/2005, 09:15 PM
الأخطار الأخلاقية للقنوات الفضائية
فهد بن عبد العزيز الشويرخ
للآداب والأخلاق صلة وثيقة بعقيدة الأمة ومبادئها، بل هي التجسيد العملي لقيمها... فهي عنوان التمسك بالعقيدة ودليل الالتزام بالمبادئ والمثل(1)، وللأخلاق مكانة رفيعة ومنزلة عالية في شريعة الإسلام، ولقد تظافرت نصوص الشرع في الحديث عن الأخلاق فحثت، وحضت، ورغبت، في محاسن الأخلاق(2). يقول النبي: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(3) ولذا فإن المسلم يحرص على أن يتحلى بهذه الأخلاق التي متى ما كان للمسلم نصيب وافر منها فهذا يعني أنه حصل على فضل عظيم وأجر كبير. وخصال الأخلاق الحميدة كثيرة ومتنوعة من أهمها فيما يتصل بموضعنا: العفة، والشرف، والغيرة، والحياء، والفضيلة، وهذه الأخلاق عند المسلمين أما عند غير المسلمين، فلا مكان لهذه الأخلاق؛ فالمادية التي سرت في جميع مظاهر حياتهم جعلت هدفهم الأعلى، وغايتهم الأسمى الحصول على حوائجهم الدنيوية من غذاء، وكساء، وإشباع حسي؛ فصار حالهم مثل ما قال الله عنهم والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ( 12 ) {محمد: 12} وإن وجد عندهم شيء من الأخلاق فوجود مرتبط بما تحققه من أرباح ومكاسب مادية، وبناء على هذا فالقيم الأخلاقية التي لا تحقق لهم مكاسب مادية لا مكان لها عندهم كالعفة، والشرف، والحياء... بل إن الأخلاق المضادة هي المسيطرة عليهم(4) كالدياثة، والمجون، والخلاعة، وقلة الحياء؛ ولذا فإن من العسير أن تجد الأخلاق لها مكاناً في عالم يقيس كل شيء بمعيار مادي(5) فلا تمييز ولا تفريق بين خير وشر، وطيب وخبيث، وحسن وقبيح ولا غرابة في هذا فليس بعد الكفر ذنب.
مساوئ الانفتاح:
في عصور مضت كان بين المسلمين والكافرين حواجز وحدود تحمي المسلمين من التأثر مما يوجد عند الكافرين من أخلاق سيئة، وعادات قبيحة، لكن عندما حطمت الحواجز، وانهارت الحدود بين المسلمين والكافرين فيما يسمى بالانفتاح الثقافي تأثر كثير من المسلمين بما عند الكافرين من أخلاق سيئة، وعادات قبيحة، وتولى نقل هذه الأخلاق والعادات للمسلمين عبر القنوات الفضائية. وعندما تنتشر هذه الأخلاق بينهم، ويتأثرون بها، وتكون واقعاً في حياتهم؛ فهذا يعني القضاء عليهم. ولا يخفى أن أعداء الإسلام والمسلمين يسعون بكل ما أوتوا من قوة للسيطرة عليهم عبر وسائل شتى، منها: نشر الأخلاق السيئة بينهم كما جاء في البروتوكول الثالث عشر من برتوكولات حكماء صهيون "يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان لتسهل سيطرتنا"(6) فهناك علاقة وطيدة بين انهيار الأخلاق، والغرق في الشهوات، وبين القضاء على قوة الأمة، والسيطرة على مقدراتها.
يقول الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ***فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
قد يقول قائل: إن وجود أخطار أخلاقية للقنوات الفضائية مقتصر على القنوات الأجنبية أما العربية فسالمة منها، وإن وجد منها أخطار فأخطارها قليلة، والجواب: أننا لا نبالغ إذا قلنا إن خطر القنوات الفضائية العربية يماثل خطر القنوات الفضائية الأجنبية إن لم يكن أكثر من بعض الوجوه، فهي نسخة مكررة من القنوات الفضائية الأجنبية، ولكن بلغة عربية ولولا أن أسماء مالكيها تثبت أنهم عرب أباً عن جد لقلت: إن هذه القنوات العربية قنوات أجنبية هدفها إفساد العباد والبلاد، وتكمن خطورة تلك القنوات الفضائية العربية في أن بعض من تحفظ على إدخال القنوات الفضائية الأجنبية؛ لعلمه بأخطارها أدخل القنوات الفضائية العربية لاعتقاده أن خطرها محدود مع أن فيها السم الزعاف، فالطابع الترفيهي يستولي على النصيب الأكبر من بثها بكل ما يتضمنه من ميل إلى إثارة الغرائز، وإفساد الأخلاق، والقضاء على الحياء، والدعوة إلى الرذيلة، وارتكاب الفاحشة، والأخطار الأخلاقية للقنوات الفضائية متعددة ومتنوعة ومن أهمها ما يلي:
الخطر الأول: قتل غيرة الرجال:
أوجب الإسلام على الرجال أن يحافظوا على أعراض نسائهم لدرجة أن من يقتل مدافعاً عن عرض أهله يعتبر شهيداً(7).
فعن سعيد بن زيد - رضي الله عنه -قال: قال رسول الله: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد"(8) فدل هذا الحديث على أن من دافع عن ماله، أو أهله، أو دينه إذا أريد على شيء منها فأتى القتل عليه كان مأجوراً فيه نائلاً به منازل الشهداء(9)، وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الرجل إذا أريد ماله، أو دمه، أو أهله، فله دفع القاصد ومقاتلته، وينبغي أن يدفع بالأحسن فالأحسن فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة، فقاتله فأتى القتل على نفسه فدمه هدر ولا شيء على الدافع(10) دين عظيم يحض على حفظ الأعراض ولو أدى ذلك إلى قتل النفس دونها حتى إن من قتل دون أهله، أي: في الدفاع عن بضع حليلته أو قريبته فهو شهيد(11) فكريم العرض يهون عليه أن تصاب الأجسام، وتسيل الدماء؛ لتحفظ الأعراض. إنه يبذل الغالي والنفيس للدفاع عن عرضه كما أنه يقدم ثروته، ويبذل ماله؛ ليصون عرضه.
إن كل امرئ عاقل، بل كل شهم فاضل لا يرضى إلا أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد، ويسعى ثم يسعى ليبقى عرضه حرماً مصوناً لا يرتع فيه اللامزون، ولا يجوس حماه العابثون،(12) وحفظ الأعراض يكون بالغيرة على المحارم، والغيرة هي ما ركبه الله في العبد من قوة روحية تحمي المحارم والشرف والعفاف من كل مجرم وغادر، والغيرة في الإسلام خلق محمود وجهاد مشروع(13) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -عن النبي أنه قال: "إن الله يغار وإن المؤمن يغار وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه"(14) فالغيرة خلق فاضل اتصف بها رجال خير القرون صحابة رسول الله - رضوان الله عليهم -، قال سعد بن عبادة - رضي الله عنه -: "لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فقال النبي : "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني"(15). وهاهي أسماء بنت الصديق - رضي الله عنها -كانت تعلف فرس زوجها الزبير - رضي الله عنه -فيمر بها رسول الله مع نفر من الصحابة - رضي الله عنهم -فينيخ لها الدابة لتركب فتقول رضي الله عنها: "فاستحيت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس"(16) ويقول: "دخلت الجنة أو أتيت الجنة فأبصرت قصراً فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فلم ليمنعي إلا علمي بغيرتك" (17) لقد كانت الغيرة خلقاً لازماً لهم حتى بلغ من شدة غيرة سعد بن عبادة - رضي الله عنه -: "أنه ما تزوج امرأة قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ رجل أن يتزوجها من شدة غيرته".(18) وضد الغيرة الدياثة وعكس الغيور الديوث، والدياثة ليست طبعاً للمسلمين وليست خلقاً للمؤمنين وإنما هي من سجايا الكافرين، والديوث هو الذي يقر السوء في أهله ولا غيرة له عليهم لهذا كان عقابه شديداً يقول النبي { في ذلك: "ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث"(19) ويقول: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر"(20) ويقول: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث"(21) فالديوث يقر السوء على أهله والغيور يبعدهم عنه وعن أسبابه ومقدماته ووسائله.
إن من أسوأ الأضرار الأخلاقية لمشاهدة القنوات الفضائية أنها قتلت الغيرة في نفوس كثير من الرجال لما يعرض فيها من مناظر العري والتفسخ إضافة إلى المشاهد التي تمقت الغيرة وتنفر منها وتجعل الرجل الغيور مثاراً للسخرية والاستهزاء والضحك.
لقد بدأنا نرى صوراً مؤلمة لمظاهر ضعف الغيرة عند رجالنا ومقارنة بين واقع نسائنا في حجابهن ولباسهن واحتكاكهن بالرجال وذهابهن للأماكن العامة قبل وجود هذه القنوات وبعد وجودها توضح لنا ما فعلته تلك القنوات بالغيرة عند الرجال فهي إما أضعفتها أو قتلتها، والمتأمل في واقعنا اليوم يجد صوراً كثيرة تنبئ عن ضعف في الغيرة عند طوائف من الرجال فمن تلك الصور ما يلي(22):
1- السماح للنساء بالتردد على الأسواق لحاجة ودونما حاجة متبرجات متشبعات بالفتنة ومخاطبة الأجانب لهن.
2- ما يطلبه بعض السفهاء من زوجاتهم أن يلبسن الجلباب المزركش أو العباءة الجذابة ذات الأكمام الواسعة ثم يستعرض بها أمام الناس لينظر إليها كل ساقط وشريف.
3- إدخال الخدم من الرجال في البيوت وبين النساء وترك المرأة تذهب وتجيء مع السائق وحيدين.
4- إدخال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية لبيوتهم التي تبث كل منكر وتقضي على كل فضيلة ليشاهدها الصغار والكبار والذكور والإناث.
5- رضى البعض أن تذهب زوجته أو يذهب بها إلى طبيب رجال مع وجود الطبيبة المرأة.
6- تخلي بعض الرجال عن قوامتهم على النساء التي جعلها الله - تعالى - لهم، يقول - عز وجل -: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على" بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا 34 {النساء: 34}، ويقول { النبي: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(23) وهذا أدى إلى عدم اهتمامهم وعدم مبالاتهم فيما يخص محارمهم فلا غيرة على النساء داخل البيت ولا خارجه فلها أن تفعل ما تشاء ولها أن تذهب لأي مكان دون حسيب أو رقيب لا يردعها رادع.
من حياء أو مسئولية فلم يعد هناك ضابط من عرف ولا قيد من شرع لتصرفاتها.
إن هذه الظاهرة التي بدأت تغزو مجتمعنا وتهدد كيانه تحتاج منا إلى وقفة صادقة لأن العاقبة وخيمة إن لم نتداركها قبل فوات الأوان فربما يأتي اليوم الذي لا يستطيع فيه الولي حماية أبنائه وبناته من الأخطار التي تتهددهم في كل مكان.
الخطر الثاني: هتك حياء النساء:
"فالحياء تغير يعتري النفس الإنسانية من خوف ما يعاب به، وأصل الحياء من الحياة... ولذلك قيل في الحياء هو ماء الوجه، والحياء شرعاً هو خلق سني يبعث على ترك الأمور القبيحة فيحول بين الإنسان وإرتكاب المعاصي"(24) يقول النبي: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فأصنع ما شئت"(25) فالحياء هو المانع بين العبد وفعل المعايب وارتكاب القبائح يقول الشاعر:
ورب قبيحةٍ ما حال بيني ***وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الدواء لها ولكن ***إذا ذهب الحياء فلا دواء
ويقول عنتره:
وأغض طرفي أن بدت لي جارتي ***حتى يواري جارتي مأواها
الحياء له منزلة عظيمة في دين الإسلام فهو خلق الإسلام يقول النبي : "إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء"(26) وهو من شعب الإيمان يقول - عليه الصلاة والسلام -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"(27) وربنا عز وجل يحب الحياء يقول : "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر"(28) وهو مادة الخير ولا يأتي إلا بخير يقول عليه الصلاة والسلام: "الحياء خير كله"(29) ويقول: "الحياء لا يأتي إلا بخير"(30) والحياء من مستلزمات الإيمان، مر { على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال عليه الصلاة والسلام: "دعه فإن الحياء من الإيمان"(31) ولما كان خلق الحياء بهذه الصفة وله هذه الفضائل فقد اتصف به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال: "إن موسى كان حيياً ستيراً..."(32) وقد اتصف بالحياء نبينا محمد يقول أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: "كان النبي أشد حياءً من العذراء في خدرها"(33) كما أن الصحابة - رضوان الله عليهم - اتصفوا بهذا الخلق يقول عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: "أصدقكم حياء عثمان"(34).وكان الرسول يستحي منه، يقول - عليه الصلاة والسلام -: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"(35).
إذا كان الحياء في الرجال جميل فهو في النساء أجمل؛ لأنه لها استر وأكمل يقول الله - عز وجل -: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء 25 {القصص: 25}، "وهذا يدل على كريم عنصرها وخلقها الحسن فإن الحياء من الأخلاق الحسنة وخصوصاً في النساء"(36)، ولذا فإن البكر تستحي أن تصرح برضاها في الزواج فعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله إن البكر تستحي فقال - عليه الصلاة والسلام -: "رضاها صمتها"(37) ومن أسوأ الأضرار الأخلاقية للقنوات الفضائية على النساء أنها نزعت الحياء منهن بما تعرض عبر أفلامها، وبرامجها، وحواراتها، ولقاءاتها، من نساء سافرات عن وجوههن، متبرجات بزينتهن، كاشفات لأجسادهن ومواضع الفتنة فيهن، نازعات للحياء، داعيات بلسان الحال إلى نبذ الحياء.
إن من مظاهر نزع الحياء التي بدأنا نلمسها على نسائنا بعد وجود القنوات الفضائية ما يلي:
1- التساهل بالحجاب:
يقول الله - عز و جل -: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى" أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما 59 {الأحزاب: 59}، "والجلباب ثوب أو عباءة تطرحه المرأة على بدنها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها لتعرف بالتقوى، وبالعفة، والشرف، فلا تؤذى من قبل المنافقين والمفسدين"(38)، وهذا الجلباب الذي كان يستر المرأة ويحميها تساهلت به بعض النساء فغطاء الوجه الذي يستر وجه المرأة أصبح خفيفاً يظهر ملامح الوجه كما وجد به فتحات كبيرة (النقاب) تفتن، ومن نزعت الحياء كله وقلت مخافتها من ربها نزعت غطاء الوجه، وأصبحت سافرة عن وجهها لا تبالي بمعصيتها لربها وفتنتها لعباده، أما العباءة التي كانت تستر جسدها أن يظهر للأجانب فقد تساهلن بها هي الأخرى فأصبحت تلبس على الكتفين، واستبدلت بالكاب، كما أصبحت زينة في نفسها وظهر لها أنواع متعددة من مزركشة، ومزخرفة، وأصبح لها أسماء أجنبية وأخرى عربية الجامع بينها أنها لا تستر وإنما تشعل الفتنة، وأصبحت بحاجة إلى عباءة أخرى لتسترها.
2- لبس العاري من اللباس:
ارتدت نساؤنا بعد وجود القنوات الفضائية أنواعاً من الألبسة التي في ظاهرها أنها ساترة وهي في الواقع عارية، وقد وصف النبي أحد أصناف أهل النار من هذه الأمة بقوله: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"(39) "فالكاسيت العاريات هن اللاتي يسترن بعض أجسادهن ويكشفن بعضها الآخر؛ إظهاراً للزينة المحرمة ورغبة في الفتنة المظلمة إذ يلبسن الملابس الشفافة التي تنم عن اللون وتفتن العين، أو القصيرة التي تحسر عن الأطراف وتكشف السيقان"(40) أو المفتوحة التي تكشف النحور، والصدور، والظهور، والبطون، أو الضيقة التي تبرز حجم الأعضاء والعورات كالبنطال وغيره، فهذه الملابس وغيرها لم يعرف بعضها ولم يكثر ارتداء بعضها الآخر إلا بعد وجود القنوات الفضائية.
3- الخلوة بالرجال الأجانب والاختلاط بهم.
فيما مضى كان هناك سداً منيعاً وحصناً شديداً بين المرأة والرجل فلا مجال للالتقاء بينهما إذا كانا أجنبيين عن بعض؛ لكن القنوات الفضائية التي جعلت الاختلاط بالرجال والخلوة بهم تقدم وحضارة خلخل هذا الأمر عند بعض النساء، وأصبحت المرأة تخلو بالرجل الأجنبي عنها خطيباً كان، أو طبيباً، أو سائقاً، وتختلط به في أماكن العمل وغيرها ناسية أو متناسية قوله: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان"(41)، وقوله: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت"(42).
4- الخضوع بالقول:
يقول الله - عز وجل -: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا 32 "{الأحزاب: 32} يأمر المولى عز وجل نساء النبي بعدم الخضوع بالقول وهن أطهر النساء ولذا فإن من عداهن من النساء أحوج لهذا التوجيه والتحذير؛ لأن المرأة إذا كان في نبرتها ذلك الخضوع اللين أثارت شهوة الرجال، وحركت غرائزهم، وطمع مرضى القلوب بها.
لقد كانت النساء إلى عهد قريب قبل وجود القنوات الفضائية لا تسمع لأصواتهن نبرة لينة عند محادثتهن الرجال أما بعد وجود القنوات الفضائية التي تظهر النساء وهن يتحدثن مع الرجال الأجانب عنهن في لحن، وإيماء، وهذر، ودعابة، ومزاح، وهزل، فقد سُمع لأصواتهن خضوع في القول ولين في الكلام.
5- الحديث فيما يستحيا منه:
ظاهرة انتشرت في كثير من المجالس النسائية بعد وجود القنوات الفضائية وهي تتلخص في تناول المواضيع المتعلقة بالأمور الخاصة كالتي تحدث بين الزوجين وما شابهها وقد حذر النبي - عليه الصلاة والسلام - من هذا الأمر فقال: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها"(43) فكيف بعد هذا التحذير يطيب للزوجة أن تتفكه مع جليساتها في نشر الأسرار الزوجية؟! وكيف تسمح المرأة لنفسها أن تتحدث مع غيرها في مثل هذه الأمور حتى أصبحت تتحدث عند الكل بل استثناء فلا تراعي ولا تحترم وجود نساء كبيرات أو فتيات غير متزوجات وأحياناً تقال في حضرة بنات صغيرات في السن وهذه ظاهرة تحمل في طياتها مساوئ وعواقب(44) يقول الله – عزوجل -: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا 36" {الإسراء: 36} ويقول - سبحانه -: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد 18 "{ق: 18}.
الخطر الثالث: إثارة غرائز الجنسين:
قال الله - عز وجل -: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا 32 "{الإسراء: 32} يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: "أي لا تقربوا منه والنهي عن قربان الزنى أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"(45)، ومن أسباب الزنى إطلاق العنان للبصر لرؤية ومشاهدة ما حرم الله ولذا أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهن يقول - سبحانه وتعالى -: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون 30 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون 31 " {النور: 30، 31} قال جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل: "سر تقديم غض البصر على حفظ الفرج هو أن النظر بريد الزنا ورائد الفجور"(46) بل إن النظر قد يكون زنى ولذا صح أن الرسول قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر"(47)، قال ابن القيم - رحمه الله -: "فبدأ بزنى العين لأنه أصل زنى اليد، والرجل، والقلب، والفرج... وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر وأن ذلك زناها"(48) وإذا زنت العين بالنظر إلى ما حرم الله فإن ذلك هو الخطوة الأولى لزنى الفرج وخصوصاً إذا كان هذا الشيء المرئي مما يثير الغرائز ويحرك الشهوات وهذا هو الذي يشاهد في القنوات الفضائية، فالبغايا، والفاجرات، وأشباه العاريات هن اللائي يشاهدن في مناظر تخزي ومشاهد تؤلم كل غيور فالعبث، والميوعة، والولوغ في حماة الرذيلة، وقتل الفضيلة، هو الغالب على تلك المناظر والمشاهدين لها من الرجال والنساء عموماً والشباب والمراهقين خصوصاً سوف يتأثرون؛ لأنهم بشر من جسد وروح، جسد فيه عواطف وغرائز إن بقيت بعيدة عن المثير لها خمدت وسكنت، وإن تعرضت للمثير تحركت وانطلقت تبحث عن مخرج فإن لم تجد مخرجاً شرعياً بحثت عن مخرج غير شرعي، وهذا ما وقع فيه من يشاهد القنوات الفضائية من الشباب والمراهقين من الجنسين وما نسمعه عن حوادث في هذا الجانب دليل على ذلك خصوصاً أن هذه الحوادث زادت كماً وكيفاً بعد وجود القنوات الفضائية.
ولقد ثبت عملياً وجود علاقة بين الأفلام العاطفية ذات القصص الغرامية ووجود الانحرافات الأخلاقية ففي دراسة أجريت على (252) من البنات المنحرفات وكلهن في سن (14-16) سنه صرح 25% منهن بارتكاب فاحشة الزنا مع بعض الرجال عقب مشاهدتهن فيلماً لقصة حب عاطفية(49).
يقول الدكتور (بلومر): "إن الأفلام تثير الرغبة الجنسية في معظم موضوعاتها، كما أن المراهقات من الفتيات يتعلمن الآداب الجنسية الضارة من الأفلام"(50) يقول شاب مسجون: "قضيتي فعل الفاحشة مع امرأة ومحكوم علي بالسجن أربع سنوات مع الجلد والسبب يعود إلى مشاهدة القنوات الفضائية"(51)، وفي تحقيق أجري مع عدد من المساجين بتهمة الخطف والاغتصاب كان من ضمن إجاباتهم: "أن القنوات الفضائية من أسباب الوقوع في القضايا التي تخل بالآداب والسلوك"(52) ولماذا لا تكون كذلك؟ وهي تعرض ما يثير فتصيب منه مقتلاً، فالنظر أصل كافة الحوادث التي تصيب الإنسان فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة الإرادة فتقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع... قال الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر ***ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها ***كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه ***في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته ***لا مرحباً بسرور عاد بالضرر(56)
نعم لقد عاد هذا النظر للقنوات الفضائية الغرائزية بالضرر على من يشاهدها، تقول إحدى الفتيات: "إني أشعر بالعاطفة الجنسية الجامحة تخترق أحشائي كما يخترق الرصاص جسم الإنسان ويقتله كلما شاهدت فيلماً عاطفياً أو قرأت قصة غرامية تثور عاطفتي وغرائزي"(54).
لقد تعدى أثر القنوات الفضائية مجرد إقامة علاقات محرمة شرعاً بين كل جنس ومثله وأصبح هناك علاقات محرمة شرعاً بين أفراد الجنس الواحد وهذا خروج عن الفطرة السوية وعن مقتضى الطبيعة البشرية وهو ما يسمى بالتعبير العصري بالشذوذ الجنسي وهذا النوع يبدأ أولاً باسم الإعجاب يصاحبه، أفعال، وحركات، وأقوال وإيحاءات تشمئز منها النفوس السليمة والعقول السوية وتنتهي بإقامة علاقات كاملة محرمة بين أفراد الجنس الواحد وهذا النوع من الشذوذ كثيراً ما يصدر من المراهقين والمراهقات.
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته والنظرة تفعل بالقلب ما يفعل السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه ولقد أحرقت هذه القنوات الفضائية أخلاق الكثيرين وخصوصاً أن أغلب ما يعرض فيها يشكل دعوة صريحة لكل مشاهد لها ذكراً كان أم أنثى لارتكاب الفاحشة مع نفس جنسه أو مع غير جنسه، وبهذا يتبين لنا خطورة النظر لهذه القنوات الفضائية.
لقد فطن الشيطان إلى خطورة إطلاق النظر في محارم الله، وأن ذلك سبب من أسباب إغواء بني آدم فخاطب جنده وشياطينه "دونكم ثغر العين فإن منه تنالون بغيتكم فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر"(55).
فليتنبه لهذا الآباء والأمهات وليعالجوا هذا الأمر قبل وقوع الفأس في الرأس وعند ذاك لا ينفع ندم ولا غيره والعاقل من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.
هذا والله أسأل أن يحمي وأن يحفظ أعراضنا وأعراض المسلمين إنه جواد كريم سميع مجيب.
نصيحة ثمينة وغالية:
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -في الخطبة الثانية التي ألقاها يوم الجمعة الموافق 25 - 3 - 1417ه.يقول : "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"(56). وهذه الرعاية تشمل الرعاية الكبرى والرعاية الصغرى وتشمل رعاية الرجل في أهله لقول النبي {: "الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته"(57)، وعلى هذا فمن مات وقد خلف في بيته شيئاً من صحون الاستقبال (الدش) وهو يشاهد أهله يطلعون إلى ما فيه من المنكرات فإنه قد مات وهو غاش لرعيته معرض نفسه للعقوبة العظيمة التي جاء بها الحديث.
ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا (الدش) الذي ركبه الإنسان قبل موته فإن عليه وزرها بعد موته وإن طال الزمن وكثرت المعاصي فاحذر أخي المسلم احذر أن تخلف بعدك ما يكون إثماً عليك في قبرك وما كان عندك من هذه (الدشوش) فإن الواجب عليك أن تكسره (تحطمه)، لأنه لا يمكن بيعه لأنك إذا بعته سلطت المشتري على استعماله في معصية الله وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، ولا تمكن هبته لأنك إن وهبته فأنت معين على الإثم والعدوان، ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت إلا بتكسير هذه الآلة (الدش) التي حصل فيها من الشر والبلاء ما هو معلوم اليوم للعام والخاص.
احذر يا أخي أن يفاجئك الموت وفي بيتك هذه الآلة المدمرة احذر، احذر، إن إثمها ستبوء به وسوف يجري عليك بعد موتك نسأل الله السلامة والعافية. وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم وأن يتولانا بعنايته ويحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(58).
فهد بن عبد العزيز الشويرخ
للآداب والأخلاق صلة وثيقة بعقيدة الأمة ومبادئها، بل هي التجسيد العملي لقيمها... فهي عنوان التمسك بالعقيدة ودليل الالتزام بالمبادئ والمثل(1)، وللأخلاق مكانة رفيعة ومنزلة عالية في شريعة الإسلام، ولقد تظافرت نصوص الشرع في الحديث عن الأخلاق فحثت، وحضت، ورغبت، في محاسن الأخلاق(2). يقول النبي: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(3) ولذا فإن المسلم يحرص على أن يتحلى بهذه الأخلاق التي متى ما كان للمسلم نصيب وافر منها فهذا يعني أنه حصل على فضل عظيم وأجر كبير. وخصال الأخلاق الحميدة كثيرة ومتنوعة من أهمها فيما يتصل بموضعنا: العفة، والشرف، والغيرة، والحياء، والفضيلة، وهذه الأخلاق عند المسلمين أما عند غير المسلمين، فلا مكان لهذه الأخلاق؛ فالمادية التي سرت في جميع مظاهر حياتهم جعلت هدفهم الأعلى، وغايتهم الأسمى الحصول على حوائجهم الدنيوية من غذاء، وكساء، وإشباع حسي؛ فصار حالهم مثل ما قال الله عنهم والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ( 12 ) {محمد: 12} وإن وجد عندهم شيء من الأخلاق فوجود مرتبط بما تحققه من أرباح ومكاسب مادية، وبناء على هذا فالقيم الأخلاقية التي لا تحقق لهم مكاسب مادية لا مكان لها عندهم كالعفة، والشرف، والحياء... بل إن الأخلاق المضادة هي المسيطرة عليهم(4) كالدياثة، والمجون، والخلاعة، وقلة الحياء؛ ولذا فإن من العسير أن تجد الأخلاق لها مكاناً في عالم يقيس كل شيء بمعيار مادي(5) فلا تمييز ولا تفريق بين خير وشر، وطيب وخبيث، وحسن وقبيح ولا غرابة في هذا فليس بعد الكفر ذنب.
مساوئ الانفتاح:
في عصور مضت كان بين المسلمين والكافرين حواجز وحدود تحمي المسلمين من التأثر مما يوجد عند الكافرين من أخلاق سيئة، وعادات قبيحة، لكن عندما حطمت الحواجز، وانهارت الحدود بين المسلمين والكافرين فيما يسمى بالانفتاح الثقافي تأثر كثير من المسلمين بما عند الكافرين من أخلاق سيئة، وعادات قبيحة، وتولى نقل هذه الأخلاق والعادات للمسلمين عبر القنوات الفضائية. وعندما تنتشر هذه الأخلاق بينهم، ويتأثرون بها، وتكون واقعاً في حياتهم؛ فهذا يعني القضاء عليهم. ولا يخفى أن أعداء الإسلام والمسلمين يسعون بكل ما أوتوا من قوة للسيطرة عليهم عبر وسائل شتى، منها: نشر الأخلاق السيئة بينهم كما جاء في البروتوكول الثالث عشر من برتوكولات حكماء صهيون "يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان لتسهل سيطرتنا"(6) فهناك علاقة وطيدة بين انهيار الأخلاق، والغرق في الشهوات، وبين القضاء على قوة الأمة، والسيطرة على مقدراتها.
يقول الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ***فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
قد يقول قائل: إن وجود أخطار أخلاقية للقنوات الفضائية مقتصر على القنوات الأجنبية أما العربية فسالمة منها، وإن وجد منها أخطار فأخطارها قليلة، والجواب: أننا لا نبالغ إذا قلنا إن خطر القنوات الفضائية العربية يماثل خطر القنوات الفضائية الأجنبية إن لم يكن أكثر من بعض الوجوه، فهي نسخة مكررة من القنوات الفضائية الأجنبية، ولكن بلغة عربية ولولا أن أسماء مالكيها تثبت أنهم عرب أباً عن جد لقلت: إن هذه القنوات العربية قنوات أجنبية هدفها إفساد العباد والبلاد، وتكمن خطورة تلك القنوات الفضائية العربية في أن بعض من تحفظ على إدخال القنوات الفضائية الأجنبية؛ لعلمه بأخطارها أدخل القنوات الفضائية العربية لاعتقاده أن خطرها محدود مع أن فيها السم الزعاف، فالطابع الترفيهي يستولي على النصيب الأكبر من بثها بكل ما يتضمنه من ميل إلى إثارة الغرائز، وإفساد الأخلاق، والقضاء على الحياء، والدعوة إلى الرذيلة، وارتكاب الفاحشة، والأخطار الأخلاقية للقنوات الفضائية متعددة ومتنوعة ومن أهمها ما يلي:
الخطر الأول: قتل غيرة الرجال:
أوجب الإسلام على الرجال أن يحافظوا على أعراض نسائهم لدرجة أن من يقتل مدافعاً عن عرض أهله يعتبر شهيداً(7).
فعن سعيد بن زيد - رضي الله عنه -قال: قال رسول الله: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد"(8) فدل هذا الحديث على أن من دافع عن ماله، أو أهله، أو دينه إذا أريد على شيء منها فأتى القتل عليه كان مأجوراً فيه نائلاً به منازل الشهداء(9)، وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الرجل إذا أريد ماله، أو دمه، أو أهله، فله دفع القاصد ومقاتلته، وينبغي أن يدفع بالأحسن فالأحسن فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة، فقاتله فأتى القتل على نفسه فدمه هدر ولا شيء على الدافع(10) دين عظيم يحض على حفظ الأعراض ولو أدى ذلك إلى قتل النفس دونها حتى إن من قتل دون أهله، أي: في الدفاع عن بضع حليلته أو قريبته فهو شهيد(11) فكريم العرض يهون عليه أن تصاب الأجسام، وتسيل الدماء؛ لتحفظ الأعراض. إنه يبذل الغالي والنفيس للدفاع عن عرضه كما أنه يقدم ثروته، ويبذل ماله؛ ليصون عرضه.
إن كل امرئ عاقل، بل كل شهم فاضل لا يرضى إلا أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد، ويسعى ثم يسعى ليبقى عرضه حرماً مصوناً لا يرتع فيه اللامزون، ولا يجوس حماه العابثون،(12) وحفظ الأعراض يكون بالغيرة على المحارم، والغيرة هي ما ركبه الله في العبد من قوة روحية تحمي المحارم والشرف والعفاف من كل مجرم وغادر، والغيرة في الإسلام خلق محمود وجهاد مشروع(13) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -عن النبي أنه قال: "إن الله يغار وإن المؤمن يغار وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه"(14) فالغيرة خلق فاضل اتصف بها رجال خير القرون صحابة رسول الله - رضوان الله عليهم -، قال سعد بن عبادة - رضي الله عنه -: "لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فقال النبي : "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني"(15). وهاهي أسماء بنت الصديق - رضي الله عنها -كانت تعلف فرس زوجها الزبير - رضي الله عنه -فيمر بها رسول الله مع نفر من الصحابة - رضي الله عنهم -فينيخ لها الدابة لتركب فتقول رضي الله عنها: "فاستحيت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس"(16) ويقول: "دخلت الجنة أو أتيت الجنة فأبصرت قصراً فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فلم ليمنعي إلا علمي بغيرتك" (17) لقد كانت الغيرة خلقاً لازماً لهم حتى بلغ من شدة غيرة سعد بن عبادة - رضي الله عنه -: "أنه ما تزوج امرأة قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ رجل أن يتزوجها من شدة غيرته".(18) وضد الغيرة الدياثة وعكس الغيور الديوث، والدياثة ليست طبعاً للمسلمين وليست خلقاً للمؤمنين وإنما هي من سجايا الكافرين، والديوث هو الذي يقر السوء في أهله ولا غيرة له عليهم لهذا كان عقابه شديداً يقول النبي { في ذلك: "ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث"(19) ويقول: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر"(20) ويقول: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث"(21) فالديوث يقر السوء على أهله والغيور يبعدهم عنه وعن أسبابه ومقدماته ووسائله.
إن من أسوأ الأضرار الأخلاقية لمشاهدة القنوات الفضائية أنها قتلت الغيرة في نفوس كثير من الرجال لما يعرض فيها من مناظر العري والتفسخ إضافة إلى المشاهد التي تمقت الغيرة وتنفر منها وتجعل الرجل الغيور مثاراً للسخرية والاستهزاء والضحك.
لقد بدأنا نرى صوراً مؤلمة لمظاهر ضعف الغيرة عند رجالنا ومقارنة بين واقع نسائنا في حجابهن ولباسهن واحتكاكهن بالرجال وذهابهن للأماكن العامة قبل وجود هذه القنوات وبعد وجودها توضح لنا ما فعلته تلك القنوات بالغيرة عند الرجال فهي إما أضعفتها أو قتلتها، والمتأمل في واقعنا اليوم يجد صوراً كثيرة تنبئ عن ضعف في الغيرة عند طوائف من الرجال فمن تلك الصور ما يلي(22):
1- السماح للنساء بالتردد على الأسواق لحاجة ودونما حاجة متبرجات متشبعات بالفتنة ومخاطبة الأجانب لهن.
2- ما يطلبه بعض السفهاء من زوجاتهم أن يلبسن الجلباب المزركش أو العباءة الجذابة ذات الأكمام الواسعة ثم يستعرض بها أمام الناس لينظر إليها كل ساقط وشريف.
3- إدخال الخدم من الرجال في البيوت وبين النساء وترك المرأة تذهب وتجيء مع السائق وحيدين.
4- إدخال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية لبيوتهم التي تبث كل منكر وتقضي على كل فضيلة ليشاهدها الصغار والكبار والذكور والإناث.
5- رضى البعض أن تذهب زوجته أو يذهب بها إلى طبيب رجال مع وجود الطبيبة المرأة.
6- تخلي بعض الرجال عن قوامتهم على النساء التي جعلها الله - تعالى - لهم، يقول - عز وجل -: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على" بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا 34 {النساء: 34}، ويقول { النبي: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(23) وهذا أدى إلى عدم اهتمامهم وعدم مبالاتهم فيما يخص محارمهم فلا غيرة على النساء داخل البيت ولا خارجه فلها أن تفعل ما تشاء ولها أن تذهب لأي مكان دون حسيب أو رقيب لا يردعها رادع.
من حياء أو مسئولية فلم يعد هناك ضابط من عرف ولا قيد من شرع لتصرفاتها.
إن هذه الظاهرة التي بدأت تغزو مجتمعنا وتهدد كيانه تحتاج منا إلى وقفة صادقة لأن العاقبة وخيمة إن لم نتداركها قبل فوات الأوان فربما يأتي اليوم الذي لا يستطيع فيه الولي حماية أبنائه وبناته من الأخطار التي تتهددهم في كل مكان.
الخطر الثاني: هتك حياء النساء:
"فالحياء تغير يعتري النفس الإنسانية من خوف ما يعاب به، وأصل الحياء من الحياة... ولذلك قيل في الحياء هو ماء الوجه، والحياء شرعاً هو خلق سني يبعث على ترك الأمور القبيحة فيحول بين الإنسان وإرتكاب المعاصي"(24) يقول النبي: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فأصنع ما شئت"(25) فالحياء هو المانع بين العبد وفعل المعايب وارتكاب القبائح يقول الشاعر:
ورب قبيحةٍ ما حال بيني ***وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الدواء لها ولكن ***إذا ذهب الحياء فلا دواء
ويقول عنتره:
وأغض طرفي أن بدت لي جارتي ***حتى يواري جارتي مأواها
الحياء له منزلة عظيمة في دين الإسلام فهو خلق الإسلام يقول النبي : "إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء"(26) وهو من شعب الإيمان يقول - عليه الصلاة والسلام -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"(27) وربنا عز وجل يحب الحياء يقول : "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر"(28) وهو مادة الخير ولا يأتي إلا بخير يقول عليه الصلاة والسلام: "الحياء خير كله"(29) ويقول: "الحياء لا يأتي إلا بخير"(30) والحياء من مستلزمات الإيمان، مر { على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال عليه الصلاة والسلام: "دعه فإن الحياء من الإيمان"(31) ولما كان خلق الحياء بهذه الصفة وله هذه الفضائل فقد اتصف به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال: "إن موسى كان حيياً ستيراً..."(32) وقد اتصف بالحياء نبينا محمد يقول أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: "كان النبي أشد حياءً من العذراء في خدرها"(33) كما أن الصحابة - رضوان الله عليهم - اتصفوا بهذا الخلق يقول عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: "أصدقكم حياء عثمان"(34).وكان الرسول يستحي منه، يقول - عليه الصلاة والسلام -: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"(35).
إذا كان الحياء في الرجال جميل فهو في النساء أجمل؛ لأنه لها استر وأكمل يقول الله - عز وجل -: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء 25 {القصص: 25}، "وهذا يدل على كريم عنصرها وخلقها الحسن فإن الحياء من الأخلاق الحسنة وخصوصاً في النساء"(36)، ولذا فإن البكر تستحي أن تصرح برضاها في الزواج فعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله إن البكر تستحي فقال - عليه الصلاة والسلام -: "رضاها صمتها"(37) ومن أسوأ الأضرار الأخلاقية للقنوات الفضائية على النساء أنها نزعت الحياء منهن بما تعرض عبر أفلامها، وبرامجها، وحواراتها، ولقاءاتها، من نساء سافرات عن وجوههن، متبرجات بزينتهن، كاشفات لأجسادهن ومواضع الفتنة فيهن، نازعات للحياء، داعيات بلسان الحال إلى نبذ الحياء.
إن من مظاهر نزع الحياء التي بدأنا نلمسها على نسائنا بعد وجود القنوات الفضائية ما يلي:
1- التساهل بالحجاب:
يقول الله - عز و جل -: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى" أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما 59 {الأحزاب: 59}، "والجلباب ثوب أو عباءة تطرحه المرأة على بدنها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها لتعرف بالتقوى، وبالعفة، والشرف، فلا تؤذى من قبل المنافقين والمفسدين"(38)، وهذا الجلباب الذي كان يستر المرأة ويحميها تساهلت به بعض النساء فغطاء الوجه الذي يستر وجه المرأة أصبح خفيفاً يظهر ملامح الوجه كما وجد به فتحات كبيرة (النقاب) تفتن، ومن نزعت الحياء كله وقلت مخافتها من ربها نزعت غطاء الوجه، وأصبحت سافرة عن وجهها لا تبالي بمعصيتها لربها وفتنتها لعباده، أما العباءة التي كانت تستر جسدها أن يظهر للأجانب فقد تساهلن بها هي الأخرى فأصبحت تلبس على الكتفين، واستبدلت بالكاب، كما أصبحت زينة في نفسها وظهر لها أنواع متعددة من مزركشة، ومزخرفة، وأصبح لها أسماء أجنبية وأخرى عربية الجامع بينها أنها لا تستر وإنما تشعل الفتنة، وأصبحت بحاجة إلى عباءة أخرى لتسترها.
2- لبس العاري من اللباس:
ارتدت نساؤنا بعد وجود القنوات الفضائية أنواعاً من الألبسة التي في ظاهرها أنها ساترة وهي في الواقع عارية، وقد وصف النبي أحد أصناف أهل النار من هذه الأمة بقوله: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"(39) "فالكاسيت العاريات هن اللاتي يسترن بعض أجسادهن ويكشفن بعضها الآخر؛ إظهاراً للزينة المحرمة ورغبة في الفتنة المظلمة إذ يلبسن الملابس الشفافة التي تنم عن اللون وتفتن العين، أو القصيرة التي تحسر عن الأطراف وتكشف السيقان"(40) أو المفتوحة التي تكشف النحور، والصدور، والظهور، والبطون، أو الضيقة التي تبرز حجم الأعضاء والعورات كالبنطال وغيره، فهذه الملابس وغيرها لم يعرف بعضها ولم يكثر ارتداء بعضها الآخر إلا بعد وجود القنوات الفضائية.
3- الخلوة بالرجال الأجانب والاختلاط بهم.
فيما مضى كان هناك سداً منيعاً وحصناً شديداً بين المرأة والرجل فلا مجال للالتقاء بينهما إذا كانا أجنبيين عن بعض؛ لكن القنوات الفضائية التي جعلت الاختلاط بالرجال والخلوة بهم تقدم وحضارة خلخل هذا الأمر عند بعض النساء، وأصبحت المرأة تخلو بالرجل الأجنبي عنها خطيباً كان، أو طبيباً، أو سائقاً، وتختلط به في أماكن العمل وغيرها ناسية أو متناسية قوله: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان"(41)، وقوله: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت"(42).
4- الخضوع بالقول:
يقول الله - عز وجل -: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا 32 "{الأحزاب: 32} يأمر المولى عز وجل نساء النبي بعدم الخضوع بالقول وهن أطهر النساء ولذا فإن من عداهن من النساء أحوج لهذا التوجيه والتحذير؛ لأن المرأة إذا كان في نبرتها ذلك الخضوع اللين أثارت شهوة الرجال، وحركت غرائزهم، وطمع مرضى القلوب بها.
لقد كانت النساء إلى عهد قريب قبل وجود القنوات الفضائية لا تسمع لأصواتهن نبرة لينة عند محادثتهن الرجال أما بعد وجود القنوات الفضائية التي تظهر النساء وهن يتحدثن مع الرجال الأجانب عنهن في لحن، وإيماء، وهذر، ودعابة، ومزاح، وهزل، فقد سُمع لأصواتهن خضوع في القول ولين في الكلام.
5- الحديث فيما يستحيا منه:
ظاهرة انتشرت في كثير من المجالس النسائية بعد وجود القنوات الفضائية وهي تتلخص في تناول المواضيع المتعلقة بالأمور الخاصة كالتي تحدث بين الزوجين وما شابهها وقد حذر النبي - عليه الصلاة والسلام - من هذا الأمر فقال: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها"(43) فكيف بعد هذا التحذير يطيب للزوجة أن تتفكه مع جليساتها في نشر الأسرار الزوجية؟! وكيف تسمح المرأة لنفسها أن تتحدث مع غيرها في مثل هذه الأمور حتى أصبحت تتحدث عند الكل بل استثناء فلا تراعي ولا تحترم وجود نساء كبيرات أو فتيات غير متزوجات وأحياناً تقال في حضرة بنات صغيرات في السن وهذه ظاهرة تحمل في طياتها مساوئ وعواقب(44) يقول الله – عزوجل -: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا 36" {الإسراء: 36} ويقول - سبحانه -: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد 18 "{ق: 18}.
الخطر الثالث: إثارة غرائز الجنسين:
قال الله - عز وجل -: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا 32 "{الإسراء: 32} يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: "أي لا تقربوا منه والنهي عن قربان الزنى أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"(45)، ومن أسباب الزنى إطلاق العنان للبصر لرؤية ومشاهدة ما حرم الله ولذا أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهن يقول - سبحانه وتعالى -: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون 30 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون 31 " {النور: 30، 31} قال جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل: "سر تقديم غض البصر على حفظ الفرج هو أن النظر بريد الزنا ورائد الفجور"(46) بل إن النظر قد يكون زنى ولذا صح أن الرسول قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر"(47)، قال ابن القيم - رحمه الله -: "فبدأ بزنى العين لأنه أصل زنى اليد، والرجل، والقلب، والفرج... وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر وأن ذلك زناها"(48) وإذا زنت العين بالنظر إلى ما حرم الله فإن ذلك هو الخطوة الأولى لزنى الفرج وخصوصاً إذا كان هذا الشيء المرئي مما يثير الغرائز ويحرك الشهوات وهذا هو الذي يشاهد في القنوات الفضائية، فالبغايا، والفاجرات، وأشباه العاريات هن اللائي يشاهدن في مناظر تخزي ومشاهد تؤلم كل غيور فالعبث، والميوعة، والولوغ في حماة الرذيلة، وقتل الفضيلة، هو الغالب على تلك المناظر والمشاهدين لها من الرجال والنساء عموماً والشباب والمراهقين خصوصاً سوف يتأثرون؛ لأنهم بشر من جسد وروح، جسد فيه عواطف وغرائز إن بقيت بعيدة عن المثير لها خمدت وسكنت، وإن تعرضت للمثير تحركت وانطلقت تبحث عن مخرج فإن لم تجد مخرجاً شرعياً بحثت عن مخرج غير شرعي، وهذا ما وقع فيه من يشاهد القنوات الفضائية من الشباب والمراهقين من الجنسين وما نسمعه عن حوادث في هذا الجانب دليل على ذلك خصوصاً أن هذه الحوادث زادت كماً وكيفاً بعد وجود القنوات الفضائية.
ولقد ثبت عملياً وجود علاقة بين الأفلام العاطفية ذات القصص الغرامية ووجود الانحرافات الأخلاقية ففي دراسة أجريت على (252) من البنات المنحرفات وكلهن في سن (14-16) سنه صرح 25% منهن بارتكاب فاحشة الزنا مع بعض الرجال عقب مشاهدتهن فيلماً لقصة حب عاطفية(49).
يقول الدكتور (بلومر): "إن الأفلام تثير الرغبة الجنسية في معظم موضوعاتها، كما أن المراهقات من الفتيات يتعلمن الآداب الجنسية الضارة من الأفلام"(50) يقول شاب مسجون: "قضيتي فعل الفاحشة مع امرأة ومحكوم علي بالسجن أربع سنوات مع الجلد والسبب يعود إلى مشاهدة القنوات الفضائية"(51)، وفي تحقيق أجري مع عدد من المساجين بتهمة الخطف والاغتصاب كان من ضمن إجاباتهم: "أن القنوات الفضائية من أسباب الوقوع في القضايا التي تخل بالآداب والسلوك"(52) ولماذا لا تكون كذلك؟ وهي تعرض ما يثير فتصيب منه مقتلاً، فالنظر أصل كافة الحوادث التي تصيب الإنسان فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة الإرادة فتقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع... قال الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر ***ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها ***كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه ***في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته ***لا مرحباً بسرور عاد بالضرر(56)
نعم لقد عاد هذا النظر للقنوات الفضائية الغرائزية بالضرر على من يشاهدها، تقول إحدى الفتيات: "إني أشعر بالعاطفة الجنسية الجامحة تخترق أحشائي كما يخترق الرصاص جسم الإنسان ويقتله كلما شاهدت فيلماً عاطفياً أو قرأت قصة غرامية تثور عاطفتي وغرائزي"(54).
لقد تعدى أثر القنوات الفضائية مجرد إقامة علاقات محرمة شرعاً بين كل جنس ومثله وأصبح هناك علاقات محرمة شرعاً بين أفراد الجنس الواحد وهذا خروج عن الفطرة السوية وعن مقتضى الطبيعة البشرية وهو ما يسمى بالتعبير العصري بالشذوذ الجنسي وهذا النوع يبدأ أولاً باسم الإعجاب يصاحبه، أفعال، وحركات، وأقوال وإيحاءات تشمئز منها النفوس السليمة والعقول السوية وتنتهي بإقامة علاقات كاملة محرمة بين أفراد الجنس الواحد وهذا النوع من الشذوذ كثيراً ما يصدر من المراهقين والمراهقات.
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته والنظرة تفعل بالقلب ما يفعل السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه ولقد أحرقت هذه القنوات الفضائية أخلاق الكثيرين وخصوصاً أن أغلب ما يعرض فيها يشكل دعوة صريحة لكل مشاهد لها ذكراً كان أم أنثى لارتكاب الفاحشة مع نفس جنسه أو مع غير جنسه، وبهذا يتبين لنا خطورة النظر لهذه القنوات الفضائية.
لقد فطن الشيطان إلى خطورة إطلاق النظر في محارم الله، وأن ذلك سبب من أسباب إغواء بني آدم فخاطب جنده وشياطينه "دونكم ثغر العين فإن منه تنالون بغيتكم فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر"(55).
فليتنبه لهذا الآباء والأمهات وليعالجوا هذا الأمر قبل وقوع الفأس في الرأس وعند ذاك لا ينفع ندم ولا غيره والعاقل من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.
هذا والله أسأل أن يحمي وأن يحفظ أعراضنا وأعراض المسلمين إنه جواد كريم سميع مجيب.
نصيحة ثمينة وغالية:
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -في الخطبة الثانية التي ألقاها يوم الجمعة الموافق 25 - 3 - 1417ه.يقول : "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"(56). وهذه الرعاية تشمل الرعاية الكبرى والرعاية الصغرى وتشمل رعاية الرجل في أهله لقول النبي {: "الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته"(57)، وعلى هذا فمن مات وقد خلف في بيته شيئاً من صحون الاستقبال (الدش) وهو يشاهد أهله يطلعون إلى ما فيه من المنكرات فإنه قد مات وهو غاش لرعيته معرض نفسه للعقوبة العظيمة التي جاء بها الحديث.
ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا (الدش) الذي ركبه الإنسان قبل موته فإن عليه وزرها بعد موته وإن طال الزمن وكثرت المعاصي فاحذر أخي المسلم احذر أن تخلف بعدك ما يكون إثماً عليك في قبرك وما كان عندك من هذه (الدشوش) فإن الواجب عليك أن تكسره (تحطمه)، لأنه لا يمكن بيعه لأنك إذا بعته سلطت المشتري على استعماله في معصية الله وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، ولا تمكن هبته لأنك إن وهبته فأنت معين على الإثم والعدوان، ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت إلا بتكسير هذه الآلة (الدش) التي حصل فيها من الشر والبلاء ما هو معلوم اليوم للعام والخاص.
احذر يا أخي أن يفاجئك الموت وفي بيتك هذه الآلة المدمرة احذر، احذر، إن إثمها ستبوء به وسوف يجري عليك بعد موتك نسأل الله السلامة والعافية. وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم وأن يتولانا بعنايته ويحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(58).