المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : تأملات فـي المثقف والمؤسسة الثقافية فـي عمان بقلم :حسين العبري


سويري
07/12/2005, 03:37 PM
تأملات فـي المثقف والمؤسسة الثقافية فـي عمان
حسين العبري

لِنقرَ بداية ان التكلم عن هذا الموضوع هو غاية فـي الصعوبة والتعقيد، فهناك من يُدخل هذا الموضوع فـي دائرة المواضيع المسكوت عنها؛ فإنه لا يُعرف بعد ما هي ردة فعل المؤسسة من جانب، ولا ردة فعل المثقفين من جانب آخر، على الاشكاليات التي تتضمنها، والعواقب المُتأتية منها. وبناء على علاقة الصمت هذه من كلا الطرفين، فإن هناك تأويلات عدة قد تبزغ فـي عين المتأمل فـي العلاقة الجدلية بين المثقف والمؤسسة، لكنّها جميعا غير مُؤكدة ولا مُثبتة ولا من طريقٍ لمعرفة صحتها من خطئها. فهل تعترف المؤسسة فعلا بوجود طبقة يمكن ان تُسمى طبقةً مثقفةً ؟ ام انها تعتبر ضمنا انه لا وجود لطبقة مثقفين حقيقية داخل البلاد؟ وانهم - ان وجدوا- فهم غير مجدين على اقل تقدير او مضرين؟ فلماذا اذن تتشبث المؤسسة باسمها؟ ولماذا تتخذ من البعد الثقافـي سمة و بعدا لها؟ انه لن يفوتنا هنا ان نُقرّ بأن شرعية المؤسسة الثقافية لا بد ان تكون مستندة على وجود طبقة مثقفة، وبالتالي تكون داعمة لها ومساندة لقضاياها، او تكون مستندة على امل وجود هذه الطبقة المثقفة، وبالتالي تكون المؤسسة ذات رؤيا فـي الوسائل والافكار التي ستتأسس عليها هذه الطبقة فـي المستقبل. فـي المقابل، فإن الطبقة المثقفة - ان كانت موجودة- هي الاخرى فـي حالة صمت. هناك من سيدافع بشكل جدي وعادل فـي ان الصمت هذا هو انجع الحلول ان كانت الآراء سوف يُتصدى لها بالقطع وبالقص وبالحذف من قبل الرقيب. ان الصمت هذا بدوره قد يؤدي لتهويل امكانات المثقف المتوهمة عن طريق تشجيع عقدة الاضطهاد داخله. عقدة الاضطهاد هذه امر لا غبار عليه كدافع من دوافع المثقف ، وفـي البلاد العربية بأسرها، لكنها تُدخل المتأمل فـي ضبابية مُؤكَدة ؛ فهل المثقف صامت لانه لا يرغب فـي ان يقول؟ ام لانه لا يقدر على القول؟ وان هذا السؤال بحد ذاته اصعب من ان تُعرفَ الاجابة عليه فـي ظل الظروف الراهنة. ان وجود هذا الصمت يجعل من عملية كيل الاتهامات، لكلا الطرفين من كلا الطرفين، امرا سهلا؛ فلا المؤسسة تريد فعلا ان تحدد ماذا تريد من المثقف، وكيف يمكن ان تسانده، وما هي الامور التي ربما اُوكلت عليه، ولا المثقف قادر على تحديد ما هو بالضبط، وماذا يريد، وماذا يقدر ان يفعل. وفـي الما بين، لا يعرف المتأملُ من يخدم من او ماذا، ولماذا، وكيف. ولا اخالني مُتوهما ان قلتُ ان الجمهور المتأمل لهذا النزاع لا يسعه احيانا - وقد يكون محقا - الا ان يُودع كل هذا النزاع والاشكالات والقضايا فـي سلة واحدة، ويضع على هذه السلة عنوانا واحدا: امور فائضة عن الحاجة. وهنا بالضبط تكمن خطورة الموقف فـي هذه الاشكالية المزدوجة التي يمارسها الطرفان فـي الامور المتعلقة بالثقافة. فالمؤسسة الثقافية تتخذ طريقها لوحدها؛ فتقيم المؤتمرات الدولية بصمت مذهل، وبسرية غير معقولة (من مثل المؤتمر الثقافـي الذي نظمته بلدية مسقط فـي مهرجان مسقط عام 2005، الذي وُضِعت، او جاءت ملابساته بطريقة تجعل من الصعب على الجمهور المثقف حضور فعالياته رغم مدى اهميته، وعمق المحاور المطروحة فيه، بينما جاءت فعالية اخرى فـي المهرجان ذاته - الحفل الغنائي الذي احيته فنانة قديرة على الشاطئ - او جُعلت تكون، فـي افضل الملابسات واكثرها قدرة على الاغراء)، وهذه المؤتمرات ستضاف الى رصيد ما قامت المؤسسة به من غير ان تُؤتيَ اُكلَها حقيقة بتصعيد حركة الثقافة الحقة داخل البلد. وتتخذ المؤسسة طريقها وحيدة فيما يخص الامور التي تهتم بها، من غير ما مراعاة حقيقية للوضع الثقافـي، وربما من غير ما المام تام بالمواقف الثقافية الناشئة والمُعاصرة. فـي المقابل، لا يقيم المثقف بالا للمؤسسة الثقافية، ولا يعترف بدورها، ولا يحاول ان يكون سندا لها فيما يمكن ان تقوم به من اعمال ايجابية وادوار فاعلة. ويتخذ بالتالي طريقه وحيدا مصابا بعقدة الاضطهاد، ومُجللا ذاته بأهمية مُتوهمة ومُضاعفة.

انه من الملاحظ ان هناك فئتين فقط من المثقفين تقوم بدور الكتابة (المخاتلة). وكلمة المخاتلة الموضوعة بين قوسين هنا تعني انه لا يُستنفذ كامل الجهد فـي قول ما يُراد ان يُقال، و يُقال ما يُقال اما بعيدا جدا عن الموضوعات الشائكة، والتي هي مهمة جدا لبناء صرح ثقافـي فـي عمان، او يُقال ما يراد بكلماتٍ والفاظٍ غير ذات تحديد، كلماتٍ تحاول قدر الامكان ان تجعل الامر المناقش لا يمت بصلة الى الآن الزماني والمكاني. فلربما تُكلم عن التاريخ لكن ليس تاريخنا، ولربما تُكلم عن المؤسسات ولكن ليس عن مؤسساتنا: انه نوع من الكتابة المطلقة، غير المقيدة بالراهن الزماني والمكاني، التي تتخذ كافة السبل لكي تستبعد عنها تهمة ان تُفكر بصفتي الآن وهنا. وهاتان الفئتان هما فئة الادباء وفئة الصحفيين. ان محدودية الكتابة بهاتين الفئتين (وهذا ما يمكننا ان نراه فعليا ويوميا من خلال تصفح جرائدنا العربية اليومية الثلاث) يدخلنا فـي اشكاليات معينة خاصة بكل فريق. فلو كان العالم الثقافـي حيزا فراغيا، فإن الدخول الى هذا الحيز يكون عبر طرق كثيرة، ولكل طريقة دخول مواصفاتها وحدودها وامكاناتها. والدخول الى عالم الثقافة عبر طريق الادب او طريق الصحافة يُدخل فـي اشكاليات معينة من مثل اشكالية اللغة. ان المفكر، مثلا، يريد ان يقول ما يدور فـي راسه من افكار بكلمات اقل ما يمكن، وادق ما يمكن، وان المفكر العلمي، تحديدا، سوف لن يقول كلمة زائدة هنا او هناك لانه يؤمن عادةً بفضيلتي الوضوح والدقة. بينما كلا الفئتين، الصحفيون والادباء، ينظرون ويتعاملون مع اللغة بشكل خصوصي. فالصحفيون لا يبدو انهم يقيمون وزنا للغة: ان الكلمات لديهم اعتباطية مجانية مسرفة فـي الهلهلة والمط ولا تدل على معانٍ محددة ودقيقة، بل تَفترشُ الكلمة وتُلبسُها غير لَبوسها. فـي المقابل، فإن الادباء عادة ما ينطلقون من قداسة الكلمة واهميتها بحيث تغدو الفكرة المطروحة احيانا وكأنها شيء ثانوي فـي السياق مع الشيء الرئيسي الذي هو الكلمات بذاتها واللغة بذاتها. وعند كلا الطرفين فإن الكتابة عادةً ما تكون وليدة قسر واكراه لا حاجة و ضرورة. بينما تقف العديد من الفئات التي يمكن ان تشارك فـي الثقافة صامتةَ، ولكأن المشهد الاجمالي، والامر برمته، ليس مما تهتم به. فلا من مثقف سياسي خبير بأمور السياسة، ولا من مثقف اقتصادي خبير بأمور الاقتصاد، ولا من مفكري تاريخ خبراء بأمور التاريخ العماني ولا ولا .. يَظهرون على الساحة ويكتبون. اَوَ يكون هذا سببه انه ليس من مثقفين فـي هذه المجالات قادرين فعلا على الكتابة اوتوجد فـي جعبهم اشياء قد تكون مثمرة؟ ان هذا اللبس ليس لبسا سهلا ولا يجب ان يستهان به. فإن كانوا غير موجودين حقا فنحن فـي ازمة حقيقية، وان كانوا موجودين لكنهم لا يكتبون فنحن فـي ازمة حقيقية. وطبعا لا يجب ان نكون واهمين فـي امر وجود عدد كبير من المثقفين المتخصصين فـي امور مختلفة كالفلسفة والعلوم الطبيعية والفكر الديني والسياسي والاقتصادي؛ فإن هذه الامور لا يُتحصلُ عليها بين عشية وضحاها، وانْ ينتقل المجتمع من مجتمع تشمله الامية الى مجتمع يكون عدد مثقفيه كبيرا لهو امرٌ عظيم يحتاج الى وقت وجهد كبيرين، مع هذا فلا يجب ان ندعَ الظن يقودنا انه ليس من وجود لهؤلاء المثقفين، ولا لبوادر وجودهم؛ فإن التحصيل العلمي، والقراءة، والاطلاع على الامم وتجاربها، والدخول فـي معمعة الحياة الكونية اليومية، كل هذه تجعل الذهن بتفتق بالاسئلة، وبالبحث عن اجوبة لهذه الاسئلة ،الامر الذي يدفع العقول الجيدة للتأمل وللبحث وللقراءة، اي لتطوير ثقافتها الذاتية. هذا عن مسألة وجود المثقف او عدم وجوده، فإن سلمنا بوجوده فلماذا لا يميط اللثام عن وجهه؟ وينقاد لغريزة الكتابة المجدية التي هي فـي صميم الثقافة او التثقف؟

ان الثقافة، شئنا ام ابينا، تتحرك وتتطور فـي العلانية بالكتابة، وفـي السرية بين جنبات الجماجم، لكن مشروعا وطنيا ينقص لتحريك الراكد ولتعجيل اُكُلِ هذه الثقافة وتفعيلها. وما عاد من المجدي ترك الامر برمته للحركة العشوائية للتاريخ. وهذا دور المؤسسة، وان نظرنا للأمر على هذا النحو، فالمؤسسة غير فاعلة ان لم يكن هناك مثقفون، وغير فاعلة ان لم تستولد مثقفين وتعززهم وتمنحهم حقوقهم المشروعة. وقولا من مثل: ان البلد لا تتوفر على مثقفين اكفاء انما هو منقصة للمؤسسة وللأفراد على حد سواء. فإن كانوا غير متوفرين فأين هي خطة توفيرهم، وان كانوا متوفرين فلماذا هم صامتون؟

مع هذا فإن الضغط الذي يُمارس على المثقف او الذي يحسه المثقف احيانا قد لا يكون بسبب المؤسسة الثقافية لوحدها بل قد تكون المؤسسة الثقافية ذاتها واقعة تحت نفس الضغط. ان ثمة قوى اخرى فـي المعادلة الثقافية لا يجب ان يُغفل عنها؛ فالواقع الاجتماعي والمؤسسة الدينية المتزمتة بشكلها العام والافكار الموروثة والمتداولة والتقاليد كل هذه تقسر المؤسسة احيانا على افعال بعينها، وامور بعينها، الامر الذي لا يجب ان يغفل المثقف عنه حين يُوجّه تهمه باتجاه المؤسسة. وهذا بدوره لا يجعل المثقف ضحية المؤسسة بل يجعل كلا من المؤسسة والمثقف ضحية الضغط القادم من مؤسسات اخرى، هذا بدوره يجعل من المؤسسة والمثقف ليسا فـي جانب واحد فحسب بل وواقفين ضد اشياء معينة وافكار معينة تريد ان تحبط دور المثقف والثقافة. وهنا ربما يكون الدور على المثقف فـي محاولة حلحلة القوى هذه وتحطيمها من الداخل وبعثرتها فـي سبيل التقدم ان كان لَيؤذن له باختراق حاجز الصمت العتيد.


جريدة عمان (شرفات)
7/12/2005

البسيوي
07/12/2005, 07:58 PM
لا أتفق أن هناك غموضا أو لبسا فيما يريده المثقف من المؤسسة الثقافية أو ما تريده المؤسسة الثقافية من المثقف .. فقواعد اللعبة أصبحت واضحة منذ عام 1982 عندما أجهض مشروع إتحاد الكتّاب والأدباء العمانيين الذي دعا إليه يومها الإستاذ أحمد الفلاحي والذي وبرغم كل الجهد الذي لا يزال يبذل فإن ولادة طبيعية لمشروع كهذا تبدو أقرب إلى الحلم !!

المثقفون - وبحسب الدكتور حسين العبري - يريدون "مثقف سياسي خبير بأمور السياسة، ومثقف اقتصادي خبير بأمور الاقتصاد، ومفكري تاريخ خبراء بأمور التاريخ العماني يَظهرون على الساحة ويكتبون" والمؤسسة الثقافية تريد تغييب المثقف وإبعاده عن واقعه السياسي والإقتصادي والتاريخي وإحتكار كل ما يجب أن يقال في السياسة وكل ما يجب أن يعلن في الإقتصاد وكل ما يجب أن يذكر في التاريخ !!

وحتى إعلان آخر يجب أن تبقى العلاقة بين المثقف والمؤسسة الثقافية في حدود مسابقة الشعر والقصة والخاطرة !!

كنت هنا
08/12/2005, 03:08 AM
اعتقد ااننا امام الهاوية مباشرة ... حين تقام امسيتين خلال الشعر الماضي من جهتين احداهما وزارة الثقافة - كما تدعي - برعاية المعالي والوكلاء وغيرهم وبالمقابل تقام امسية في نفس الليلة ( حفلة غنائية ) من جهة بعيدة وهي السياحة ونتفاجأ ان امسية الجهة المعنية بالثقافة كانت حفلة غنائية ساهرة لمطربات غير متحققات الا شكل واغواء ومطربين لا اعرف من اين أتوا بهم _ طبعا تحت مناسبة العيد الوطني - هذه مفارقة اخرى .... الحفل الفني الذي اقامته السياحة عبارة عن فنانة ملتزمة تغني القصيدة باشكالها وتلحنها وتبث فينا روح الفن وهي جاهدة وهبه ويذهب اليها كل المثقفين .... فأيهما تلتزم بنشر الثقافة وتطوير الذائقة والوعي المطربة شمس أم جاهدة ... الثقافة ام السياحة
من هنا نقول اننا فسخنا عقودنا مع الثقافة وتركناها لكراسيهم المذهبة

الحارثية
10/12/2005, 09:03 AM
اعتقد ان الدكتور حسين ذكر نقاط هي بالفعل تلمس عمق الواقع..

تأزم الامور ان لم يلقى اهتماما لربما (عقدة الاضطهاد) -حسب ما اسماها الدكتور- قد تخلق تصادما غير متوقع ولكنه بكل بساطة رد فعل طبيعي... (هدوء ما قبل العاصفة)... كان هذا مستبعدا في السابق ولكن الان نحن مع جيل يرفض ان يسمى باي مسمى يقصيه عن المعرفه كأن يقال انه جيل غير مثقف والذي يعد مرادف لقول انه جيل جاهل...

وقول (كنت هنا) يوضح الكثير من التخبط.... ان الامر تجاوز المعقول ولم تعد الادوار واضحه فمرة تكون فعاليات لوزارة الثقافة ومرة بلدية مسقط والان وزارة السياحة وغدا لا نعلم...


وما يحصل الان من سلبيات فاحت رائحته من العلامات البارزة لوضعية السدادة...

الحزين
16/12/2005, 08:14 AM
لا أتفق أن هناك غموضا أو لبسا فيما يريده المثقف من المؤسسة الثقافية أو ما تريده المؤسسة الثقافية من المثقف .. فقواعد اللعبة أصبحت واضحة منذ عام 1982 عندما أجهض مشروع إتحاد الكتّاب والأدباء العمانيين الذي دعا إليه يومها الإستاذ أحمد الفلاحي والذي وبرغم كل الجهد الذي لا يزال يبذل فإن ولادة طبيعية لمشروع كهذا تبدو أقرب إلى الحلم !!

المثقفون - وبحسب الدكتور حسين العبري - يريدون "مثقف سياسي خبير بأمور السياسة، ومثقف اقتصادي خبير بأمور الاقتصاد، ومفكري تاريخ خبراء بأمور التاريخ العماني يَظهرون على الساحة ويكتبون" والمؤسسة الثقافية تريد تغييب المثقف وإبعاده عن واقعه السياسي والإقتصادي والتاريخي وإحتكار كل ما يجب أن يقال في السياسة وكل ما يجب أن يعلن في الإقتصاد وكل ما يجب أن يذكر في التاريخ !!

وحتى إعلان آخر يجب أن تبقى العلاقة بين المثقف والمؤسسة الثقافية في حدود مسابقة الشعر والقصة والخاطرة !!

كيف أزيد على ما قلت ؟!

واقع الثقافة - وليس المثقف فقط - هي بحاجة إلى إعادة نظر. فلو فرضنا - جدلا - بأن المؤسسة المسؤولة عن الثقافة قد أخذت على عاتقها مسؤولية "خلق المثقفين" فإننا نتسائل: أين هي البنية الأساسية لهذا المشروع ؟
ثم لو فرضنا - جدلا أيضا - بأن المؤسسة المسؤولة عن الثقافة قد أخذت على عاتقها مسؤولية الاستفادة من المثقف - في كل المجالات - فإننا أيضا نتسائل: لماذا تردم كل المحاولات لإنشاء مؤسسات ثقافية تجمع المثقفين و توحد جهودهم لخلق و نشر الثقافة بين أبناء البلد ؟