سويري
07/12/2005, 11:02 AM
كان في رمضان .. ليث الكندي
يوسف البادي
كاتب وفنان تشكيلي
حكايات ليث .. برنامج عرضته الفضائية العمانية في فترة شهر رمضان المبارك . الرغبة المقصودة من إظهار موهبة ليث الكندي فكرة حميدة في حد ذاتها ، لإعطاء صورة مشرقة للمواهب التي يمتلكها ذوو الاحتياجات الخاصة .
ووجد البرنامج شعبية بين أوساط المشاهدين ، هذه الشعبية هي التي بعثتني لأكتب هذا الرأي بعد أن رأيت البرنامج ، وذلك الذي دفعني للسؤال ... هل كان ذلك لنجاحه كعرض برامجي متكامل ونجاحه في إظهار ليث كشخصية مؤثره ؟ أم لأن ليث كان بطله ولهذا سيكون نجاحه لأن الموهبة التي كان يمتلكها ليث هي ما فرضت هذا النجاح وحسب .
وحتى لا أطيل المقدمة عليكم .. فإني سأبدأ الحديث عن لحن المقدمة والنهاية للبرنامج والذي كان عبارة عن موشح أندلسي ، وظهر لنا أنه من ألحان ( خميس الشرجي ) !! ، بالرغم من شهرة هذا اللحن كتراث موسيقي ، والذي تغنى به الكثير من الفنانين ومنهم ( فيروز ) في أغنيتها ( جادك الغيث ) . ووجود هذا اللحن يعطي انطباعا بأن البرنامج سيكون مرتبطاً بذلك العصر ، .. ومع هذا التوقع والتصور .. يبدأ البرنامج بأن يظهر طفل عماني بعمامة وخنجر ويرافقه ديكور من البيئة العمانية ليروي لنا حكايات بلهجة عمانية تحوي مواعظ وحكما مع تضمينه مشاهد تمثيلية .
أتساءل .. ترى ماهو الارتباط بين اللحن ومحتوى البرنامج ، خصوصا أن البرنامج جاء عمانيا بحتا في كل جوانبه ؟! .. بالرغم من إمكانية الاستفادة من الموروث الشعبي لأغاني الأطفال في عمان ، وبتوظيفها ستعطي بالتأكيد طابعا من الوحدة المتكامله مع بيئة البرنامج ككل ، مضيفة ارتباطها المباشر ببطل البرنامج الرئيس لشخصية ليث كطفل . كذلك ولأن من أهداف هذا البرنامج تعريف العالم بهويتنا العمانية كما عبر عنه ذلك الكاتب صالح الفهدي ( معد وكاتب البرنامج ) في برنامج رمسه عند حديثه عن البرنامج ... فإذا كان كذلك .. الم تكن الاستعانة بمثل هذه الفنون الشعبية العمانية أَولْى ؟ .. خاصة وأن غيرنا صاروا يستخدمون تراثنا الغنائي كتراث خاص بهم !! .
وكان من الممكن أيضاً أن تكون المقدمة والنهاية عبارة عن لحن ونشيد يلقى من قبل مجموعة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بتلقائيتهم وبإظهار صورتهم وهم ينشدونه .
* * * *
أيضا ... نجد أن التراث الفني المعماري في عمان استخدم بطريقة لا تليق بوجود شخصية طفل معها ، وذلك لاستخدام قطع ديكورية وضعت في غير محلها ومناسبتها .. فقد كان يمثل خشونة واصطناعا بالمقارنة مع الرقة والبراءة التي يمتلكها ليث ، ليس لأن أدوات الديكور ذات خشونه .. لكن جو البرنامج الطفولي جعلها كذلك ، حيث لم يتواصل مع روحانية البراءة الطفولية في البرنامج ..والديكور ليس من مهماته أن يهيمن على المكان .. فوظيفته الرئيسية أولا الربط بينه وبين الموضوع المطروح مع إظهار المذيع أو مقدم البرنامج أو غيره ، لكنه هنا نجده قد استولى على وجود ليث بحيث أنه شتت النظر عنه في البرنامج .
* * * *
ليث الكندي .. الطفل الكفيف ، كان مبعداً عن طفولته ...
وأول هذا الابتعاد كان في النص المكتوب له ، بحيث أن ما كان يقوله ليث لم يكن مناسباً لمثل سنه ووضعه الإنساني ، فمثلاً .. في الحلقة المخصصة عن صفة ( البشاشة ) كان ليث يذكر بأنه كان يفرح عندما ( يرى !! ) إنسانا في وجهه بشاشة .. ، وكان من الأولى بالتأكيد أن تراعى هذه الشخصية بالوضع الإنساني لها حتى يشعر المشاهد بأنه يستمع لطفل كفيف وكيف يشعر بالأشياء بإحساسه الداخلي ، وفي مثل هذه الأحيان تتبين مهارة وصول الكاتب لعقلية أخرى وليس لعقلية طفل وحسب .
والتلقائية المفترض أن تكون حاضرة في البرنامج كانت مغيبة الى حد بعيد فيه ، وذلك في شكل ظهور ليث الذي لم يكن يتحمل ذلك التكلف الواضح فيه ، فالعمامة التي يلبسها لا تحمل معها الطفوله الجميلة لليث مع تلقائية تقديمه ، وفي عمان عموما فإن الأطفال لا يلبسون العمامة إلا ماندر ، ويستبدل عوضا عنها بـالكمه ، وينطبق ذلك على لبس ليث للخنجر .
التلقائية أيضاً ستكون أيضاً أكثر قبولاً لو أن ليث كان يلقي قصصه من أماكن مختلفة كبستان نخيل او حديقه أو على الشاطئ ، بدلا من الاكتفاء بوجوده بين جدران الأستديو الذي امتلأ باصطناع متكلف في ديكوراته كما قلت سابقاً .
* * * *
أما عن المشاهد التمثيلية التي تخللت إلقاء ليث للقصص ... فبالإضافة إلى أن التمثيل جاء مصطنعا .. فإن نص الحوار جاء خطابياً ولا يحمل تشويقاً في حدثه ، أضف إلى ذلك أن ما يقال وما تنتهي به المشاهد لم يكن مقنعاً ، ولنا أن نسترجع كمثال الحلقة التي كانت تتحدث عن صفة ( التسامح ) فقد انتهى المشهد بموعظة من صديق لصديقه بأن قال له ( بأن اسمه ( محمد ) وكان من الأفضل أن يحافظ و يحترم الاسم المسمى به ) . وبالتأكيد لا أظن أن هذه العبارة قد أعطت نصحاً وموعظة لعموميتها وضعفها أمام تبرير أن التسامح يجب أن يكون بيننا .
ولا يمكن التبرير هنا بالقول بأن فترة المشهد القصيرة لا تعطي مجالاً للعمل أكثر في الفعل الدرامي للخروج بنتيجة أفضل . فقد أصبحنا نرى في الآونة الأخيرة مشاهد تتخلل البرامج التلفزيونية قد لا تتعدى الدقيقة تحمل معها المفاجأة والموعظة القوية للمشاهد .
* * * *
إذن .. فإذا كان الأمر كذلك ؟ ونحن أمام شخصية رائعة نريد إبرازها للجمهور ..فهل أعطيت حقها في الظهور وإبراز موهبتها في تلقايتها الرائعه ؟؟ ، فالجمهور الذي تدعوه كل الفضائيات العربية ليرى أجمل وأرقى ما عندها كان يمكن أن يلتفت لهذه الشخصية لموهبتها في اليوم الأول أو الثالث .. أو اكثر .... ولكن هل سيستمر بقية الشهر في رغبته لمعرفة المزيد مع برنامج يكرر وتيرته كل يوم . فالمشاهد وقد عرف موهبة ليث منذ البداية وما يريد البرنامج توصيله من فكره فإنه سيكتفي ببضع حلقات للعلم بالشيء . فكان من الممكن أن يكون عنصر التشويق وتبديل المنظر بكل مافيه عنصراً سيجعل من العناصر المحيطة بليث تقوي ظهوره ووجوده . لأن الأمر بدون ذلك ولمدة شهر سينقلب الى الرغبة في عرض ليث كإنسان كفيف لا أكثر .
جريدة الوطن
23/11/2005
يوسف البادي
كاتب وفنان تشكيلي
حكايات ليث .. برنامج عرضته الفضائية العمانية في فترة شهر رمضان المبارك . الرغبة المقصودة من إظهار موهبة ليث الكندي فكرة حميدة في حد ذاتها ، لإعطاء صورة مشرقة للمواهب التي يمتلكها ذوو الاحتياجات الخاصة .
ووجد البرنامج شعبية بين أوساط المشاهدين ، هذه الشعبية هي التي بعثتني لأكتب هذا الرأي بعد أن رأيت البرنامج ، وذلك الذي دفعني للسؤال ... هل كان ذلك لنجاحه كعرض برامجي متكامل ونجاحه في إظهار ليث كشخصية مؤثره ؟ أم لأن ليث كان بطله ولهذا سيكون نجاحه لأن الموهبة التي كان يمتلكها ليث هي ما فرضت هذا النجاح وحسب .
وحتى لا أطيل المقدمة عليكم .. فإني سأبدأ الحديث عن لحن المقدمة والنهاية للبرنامج والذي كان عبارة عن موشح أندلسي ، وظهر لنا أنه من ألحان ( خميس الشرجي ) !! ، بالرغم من شهرة هذا اللحن كتراث موسيقي ، والذي تغنى به الكثير من الفنانين ومنهم ( فيروز ) في أغنيتها ( جادك الغيث ) . ووجود هذا اللحن يعطي انطباعا بأن البرنامج سيكون مرتبطاً بذلك العصر ، .. ومع هذا التوقع والتصور .. يبدأ البرنامج بأن يظهر طفل عماني بعمامة وخنجر ويرافقه ديكور من البيئة العمانية ليروي لنا حكايات بلهجة عمانية تحوي مواعظ وحكما مع تضمينه مشاهد تمثيلية .
أتساءل .. ترى ماهو الارتباط بين اللحن ومحتوى البرنامج ، خصوصا أن البرنامج جاء عمانيا بحتا في كل جوانبه ؟! .. بالرغم من إمكانية الاستفادة من الموروث الشعبي لأغاني الأطفال في عمان ، وبتوظيفها ستعطي بالتأكيد طابعا من الوحدة المتكامله مع بيئة البرنامج ككل ، مضيفة ارتباطها المباشر ببطل البرنامج الرئيس لشخصية ليث كطفل . كذلك ولأن من أهداف هذا البرنامج تعريف العالم بهويتنا العمانية كما عبر عنه ذلك الكاتب صالح الفهدي ( معد وكاتب البرنامج ) في برنامج رمسه عند حديثه عن البرنامج ... فإذا كان كذلك .. الم تكن الاستعانة بمثل هذه الفنون الشعبية العمانية أَولْى ؟ .. خاصة وأن غيرنا صاروا يستخدمون تراثنا الغنائي كتراث خاص بهم !! .
وكان من الممكن أيضاً أن تكون المقدمة والنهاية عبارة عن لحن ونشيد يلقى من قبل مجموعة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بتلقائيتهم وبإظهار صورتهم وهم ينشدونه .
* * * *
أيضا ... نجد أن التراث الفني المعماري في عمان استخدم بطريقة لا تليق بوجود شخصية طفل معها ، وذلك لاستخدام قطع ديكورية وضعت في غير محلها ومناسبتها .. فقد كان يمثل خشونة واصطناعا بالمقارنة مع الرقة والبراءة التي يمتلكها ليث ، ليس لأن أدوات الديكور ذات خشونه .. لكن جو البرنامج الطفولي جعلها كذلك ، حيث لم يتواصل مع روحانية البراءة الطفولية في البرنامج ..والديكور ليس من مهماته أن يهيمن على المكان .. فوظيفته الرئيسية أولا الربط بينه وبين الموضوع المطروح مع إظهار المذيع أو مقدم البرنامج أو غيره ، لكنه هنا نجده قد استولى على وجود ليث بحيث أنه شتت النظر عنه في البرنامج .
* * * *
ليث الكندي .. الطفل الكفيف ، كان مبعداً عن طفولته ...
وأول هذا الابتعاد كان في النص المكتوب له ، بحيث أن ما كان يقوله ليث لم يكن مناسباً لمثل سنه ووضعه الإنساني ، فمثلاً .. في الحلقة المخصصة عن صفة ( البشاشة ) كان ليث يذكر بأنه كان يفرح عندما ( يرى !! ) إنسانا في وجهه بشاشة .. ، وكان من الأولى بالتأكيد أن تراعى هذه الشخصية بالوضع الإنساني لها حتى يشعر المشاهد بأنه يستمع لطفل كفيف وكيف يشعر بالأشياء بإحساسه الداخلي ، وفي مثل هذه الأحيان تتبين مهارة وصول الكاتب لعقلية أخرى وليس لعقلية طفل وحسب .
والتلقائية المفترض أن تكون حاضرة في البرنامج كانت مغيبة الى حد بعيد فيه ، وذلك في شكل ظهور ليث الذي لم يكن يتحمل ذلك التكلف الواضح فيه ، فالعمامة التي يلبسها لا تحمل معها الطفوله الجميلة لليث مع تلقائية تقديمه ، وفي عمان عموما فإن الأطفال لا يلبسون العمامة إلا ماندر ، ويستبدل عوضا عنها بـالكمه ، وينطبق ذلك على لبس ليث للخنجر .
التلقائية أيضاً ستكون أيضاً أكثر قبولاً لو أن ليث كان يلقي قصصه من أماكن مختلفة كبستان نخيل او حديقه أو على الشاطئ ، بدلا من الاكتفاء بوجوده بين جدران الأستديو الذي امتلأ باصطناع متكلف في ديكوراته كما قلت سابقاً .
* * * *
أما عن المشاهد التمثيلية التي تخللت إلقاء ليث للقصص ... فبالإضافة إلى أن التمثيل جاء مصطنعا .. فإن نص الحوار جاء خطابياً ولا يحمل تشويقاً في حدثه ، أضف إلى ذلك أن ما يقال وما تنتهي به المشاهد لم يكن مقنعاً ، ولنا أن نسترجع كمثال الحلقة التي كانت تتحدث عن صفة ( التسامح ) فقد انتهى المشهد بموعظة من صديق لصديقه بأن قال له ( بأن اسمه ( محمد ) وكان من الأفضل أن يحافظ و يحترم الاسم المسمى به ) . وبالتأكيد لا أظن أن هذه العبارة قد أعطت نصحاً وموعظة لعموميتها وضعفها أمام تبرير أن التسامح يجب أن يكون بيننا .
ولا يمكن التبرير هنا بالقول بأن فترة المشهد القصيرة لا تعطي مجالاً للعمل أكثر في الفعل الدرامي للخروج بنتيجة أفضل . فقد أصبحنا نرى في الآونة الأخيرة مشاهد تتخلل البرامج التلفزيونية قد لا تتعدى الدقيقة تحمل معها المفاجأة والموعظة القوية للمشاهد .
* * * *
إذن .. فإذا كان الأمر كذلك ؟ ونحن أمام شخصية رائعة نريد إبرازها للجمهور ..فهل أعطيت حقها في الظهور وإبراز موهبتها في تلقايتها الرائعه ؟؟ ، فالجمهور الذي تدعوه كل الفضائيات العربية ليرى أجمل وأرقى ما عندها كان يمكن أن يلتفت لهذه الشخصية لموهبتها في اليوم الأول أو الثالث .. أو اكثر .... ولكن هل سيستمر بقية الشهر في رغبته لمعرفة المزيد مع برنامج يكرر وتيرته كل يوم . فالمشاهد وقد عرف موهبة ليث منذ البداية وما يريد البرنامج توصيله من فكره فإنه سيكتفي ببضع حلقات للعلم بالشيء . فكان من الممكن أن يكون عنصر التشويق وتبديل المنظر بكل مافيه عنصراً سيجعل من العناصر المحيطة بليث تقوي ظهوره ووجوده . لأن الأمر بدون ذلك ولمدة شهر سينقلب الى الرغبة في عرض ليث كإنسان كفيف لا أكثر .
جريدة الوطن
23/11/2005