ذاكرة المطر
06/12/2005, 12:10 PM
إن المسلَّمة التي لا تقبل الدحض هي أن الحرية هي سماد الإبداع، والإبداع
الذي لا يتنفس أوكسجين الحرية يصاب بالاختناق. ولعل الحديث عن الرقابة التي
تتربص بالإبداع حديث ذو شجون، حيث يحس المبدع العربي بهيمنة الرقابة وتعدد
أشكال السُلَط التي تعتبر الإبداع رجس من عمل الشيطان، بل وصل الحد بالمبدع
العربي إلى ظهور مكثف للرقباء داخله عند الشروع في عملية الإبداع الأمر الذي
يجعل معاناته مركبة ويؤثر على الصيرورة الطبيعية لولادة النص. وإذا كان
المبدع العربي قد يعمل على تخدير الرقابة الذاتية أو الإلتزام بمعاييرها
فإن المبدعين العرب يتفاوتون في نسبة حضور أوغياب رقابتهم الذاتية اتكاءاً
على رافعة الثقافة والخبرة الإبداعية ونوعية الرؤية الأيدلوجية التي ينطلقون
منها صوب الحياة والوجود. . . وإلخ. وإذا كانت الرقابة الذاتية مسألة اختيارية
للمبدع إلا أن القاسم المشترك للمبدعين أن ثمة رقابة خارجية متعددة المصادر
والأشكال تتربص بالإبداع. إن إطلالة سريعة على مسيرة الإبداع العربي وسأركز
على أنموذج المجال الشعري تعطي نماذج و دلائلَ واضحةً للعيان على فداحة حجم
التراكم الاستبدادي وتلفيق التهم الجاهزة للشعراء بل تم محوهم فيزيائياً
بعد تشويههم المعنوي ـ قصيدة هجاء قطعت رأس طرفة بن العبد، هجاء لسلطة اجتماعية
مصغرة أودت بحياة أشعر شعراء العربية أبي الطيب المتنبي،
قيود وغلغلة وسجن لأبي محجن وأبي فراس، نفيٌ للبارودي
ولشوقي، تشرُّد للنَّواب ودرويش وأحمد مطر والبياتي،
حواجز بشرية تحول دون دخول المصلين إلى جامع لندني للصلاة على
جثمان نزار قباني، اجتماع طارئ للكنيست الإسرائيلي الغاصب لمناقشة نص شعري
لمحمود درويش عنوانه عابرون في كلام عابر، تنغيص وتعكير لحياة بدر شاكر السياب
بتعسف سياسي ووظيفي وحتى جنازته كانت بالخفاء ولم يسر فيها إلا بضعة أشخاص،
مطاردة الزبيري من منفى إلى منفى وإيقاف دقات قلبه برصاصات حقيرة وهو في
مهمة التوسط لنشدان سلام المجتمع، العمى لم يشفع للبرودني من الزنزنة المتواصلة
.ولم يشفع لبشار بن برد من التنكيل به
هذه نماذج تضعها ثقافتنا الذاتية المتواضعة أما محاولة إلمام كامل ودقيق بالإجحاف
الذي تعرض له الشعراء العرب عبر الأحقاب فلن تقوم به إلا مؤسسة بحثية وبعقل
جمعي. إذن فسيوف الرقابة الخارجية كلها مسلطة على عنق الإبداع والمبدعين
وإذا كنت قد اتخذت الإبداع الشعري فقط للتدليل على فداحة إهانة المبدعين
من قبل مصادر الرقابة فلو تحدثنا أيضاً عن زملائهم في مسيرة الإبداع في مضمار
الفكر والرواية والغناء فستتسع القائمة، فمن كان يتوقع أن الفنان الكبير
والقدير مارسيل خليفة أن يقف في قفص الاتهام وهو الفنان الذي خدم قضية العرب
الكبرى ومن كان أن يتوقع أن يُكَفَّر المبدعون حتى في قبورهم وآخر أنموذجٍ
كان الروائي اليمني محمد عبدالولي. إن ذلك دليل ناصع على تسلط الرقابة وتشكيلها
كأنشوطة بحجم عنق المبدع في ظل هذا الوضع العربي المأزوم الذي دفع بأحد دعاة
التكفير إلى المباهاة في صحيفة واسعة الانتشار بأنه ( لديه القدرة على تكفير
الطير في السماء! ! .) وأصبحت الرقابة الخارجية تمتلك مقصاً ( أحد من
.سكين الجزار ) على حد تعبير المرحوم عبدالله البردوني
واسهاباً في تحديد مظاهر الرقابة الخارجية التي يتعرض لها النص الإبداعي العربي
راهناً وبعيداً عن عدسة تضخيم الفداحة التعسفية يمكن القول إن أشكال الرقابة
متعددة. فما إن يجعل المبدع نصه الإبداعي ملكية عامة في متناول القراء إن
وجد منبراً حراً لنشر إبداعه دون تدخل من قبل الناشر بالبتر أو الإلغاء فتجد
أن الرقباء يتسابقون على فحص النص وكل يمتلك معايير منهجه الرقابي الذي ما
.أنزل الله به من سلطان
يحشر الرقيب السياسي أنفه بين السطور ليشتم رائحة التمرد وعقوق السلطان والإبحار
ضد التيار ولدى الرقابة السياسية تهماً جاهزة مفصلة بمقاس المبدع كالإثارة
والتحريض والبلبلة وشق الصف ( في هذا المنعطف الخطير الذي تمر به الأمة والوطن
.المعطاء ) فيلمع سيف التخوين في يد الرقيب السياسي
ويأتي الرقيب الديني وبيده سيف التكفير بسبب التأويل الضيق جداً للنص الإبداعي
وما أكثر القافلة من المبدعين الذين أُلِّبَت عليهم العامة بتهمة الاستهتار
.بالعقيدة بل وصل الحد الآن لدرجة الإفتاء بالكفر دون استتابة
ثم يأتي دور الرقيب الاجتماعي الذي يجعل من السلطة الاجتماعية امتداداً للسلط
السابقة فيبتر أنامل القصيدة حتى لا تخدش حياء المجتمع الظاهر والمفعم بالرذيلة
.الباطنية
ويأتي دور السلطة المعرفية والإبداعية واللغوية والجمالية فالناقد المحنط
لا يريد من القصيدة إلا السباحة في بحر الخليل ويتلذذ بإيقاع حجول القافية
.في سيقانها
.والناقد الحداثي يريدها أن تكسر مفعول الجاذبية لتسير على الهواء
والناقد الحزبي يريد منها أن تكون الطريق التي تعبر عليها الجماهير إلى طريق
.الغد وإلا استحق الشاعر تهمة الهراء
والناقدالأجد يريد من جمرة الإبداع في القصيدة أن تشعل تبغ غليونه وتسند بأصابعها
.جمجمته بعد أن شعرت أصابعه بالإعياء وهي تسند وجهه على واجهة الجرائد والمجلات
إذن إن النص الإبداعي وهو يرى السيوف التي تريد أن توزع دمه بين قبائل الرقابة
يجد نفسه إما منزوياً إلى أقصى درجات الغموض والطلسمة أو مواجهاً حتى لو
.ركض المبدع هارباً من منفىً إلى آخر أو ساكناً مثل شاهدات القبور
من يكسر هذه القيود والأغلال التي تكبل النص الإبداعي وإلى متى يظل رأس المبدع
والإبداع مطلوبين؟
الذي لا يتنفس أوكسجين الحرية يصاب بالاختناق. ولعل الحديث عن الرقابة التي
تتربص بالإبداع حديث ذو شجون، حيث يحس المبدع العربي بهيمنة الرقابة وتعدد
أشكال السُلَط التي تعتبر الإبداع رجس من عمل الشيطان، بل وصل الحد بالمبدع
العربي إلى ظهور مكثف للرقباء داخله عند الشروع في عملية الإبداع الأمر الذي
يجعل معاناته مركبة ويؤثر على الصيرورة الطبيعية لولادة النص. وإذا كان
المبدع العربي قد يعمل على تخدير الرقابة الذاتية أو الإلتزام بمعاييرها
فإن المبدعين العرب يتفاوتون في نسبة حضور أوغياب رقابتهم الذاتية اتكاءاً
على رافعة الثقافة والخبرة الإبداعية ونوعية الرؤية الأيدلوجية التي ينطلقون
منها صوب الحياة والوجود. . . وإلخ. وإذا كانت الرقابة الذاتية مسألة اختيارية
للمبدع إلا أن القاسم المشترك للمبدعين أن ثمة رقابة خارجية متعددة المصادر
والأشكال تتربص بالإبداع. إن إطلالة سريعة على مسيرة الإبداع العربي وسأركز
على أنموذج المجال الشعري تعطي نماذج و دلائلَ واضحةً للعيان على فداحة حجم
التراكم الاستبدادي وتلفيق التهم الجاهزة للشعراء بل تم محوهم فيزيائياً
بعد تشويههم المعنوي ـ قصيدة هجاء قطعت رأس طرفة بن العبد، هجاء لسلطة اجتماعية
مصغرة أودت بحياة أشعر شعراء العربية أبي الطيب المتنبي،
قيود وغلغلة وسجن لأبي محجن وأبي فراس، نفيٌ للبارودي
ولشوقي، تشرُّد للنَّواب ودرويش وأحمد مطر والبياتي،
حواجز بشرية تحول دون دخول المصلين إلى جامع لندني للصلاة على
جثمان نزار قباني، اجتماع طارئ للكنيست الإسرائيلي الغاصب لمناقشة نص شعري
لمحمود درويش عنوانه عابرون في كلام عابر، تنغيص وتعكير لحياة بدر شاكر السياب
بتعسف سياسي ووظيفي وحتى جنازته كانت بالخفاء ولم يسر فيها إلا بضعة أشخاص،
مطاردة الزبيري من منفى إلى منفى وإيقاف دقات قلبه برصاصات حقيرة وهو في
مهمة التوسط لنشدان سلام المجتمع، العمى لم يشفع للبرودني من الزنزنة المتواصلة
.ولم يشفع لبشار بن برد من التنكيل به
هذه نماذج تضعها ثقافتنا الذاتية المتواضعة أما محاولة إلمام كامل ودقيق بالإجحاف
الذي تعرض له الشعراء العرب عبر الأحقاب فلن تقوم به إلا مؤسسة بحثية وبعقل
جمعي. إذن فسيوف الرقابة الخارجية كلها مسلطة على عنق الإبداع والمبدعين
وإذا كنت قد اتخذت الإبداع الشعري فقط للتدليل على فداحة إهانة المبدعين
من قبل مصادر الرقابة فلو تحدثنا أيضاً عن زملائهم في مسيرة الإبداع في مضمار
الفكر والرواية والغناء فستتسع القائمة، فمن كان يتوقع أن الفنان الكبير
والقدير مارسيل خليفة أن يقف في قفص الاتهام وهو الفنان الذي خدم قضية العرب
الكبرى ومن كان أن يتوقع أن يُكَفَّر المبدعون حتى في قبورهم وآخر أنموذجٍ
كان الروائي اليمني محمد عبدالولي. إن ذلك دليل ناصع على تسلط الرقابة وتشكيلها
كأنشوطة بحجم عنق المبدع في ظل هذا الوضع العربي المأزوم الذي دفع بأحد دعاة
التكفير إلى المباهاة في صحيفة واسعة الانتشار بأنه ( لديه القدرة على تكفير
الطير في السماء! ! .) وأصبحت الرقابة الخارجية تمتلك مقصاً ( أحد من
.سكين الجزار ) على حد تعبير المرحوم عبدالله البردوني
واسهاباً في تحديد مظاهر الرقابة الخارجية التي يتعرض لها النص الإبداعي العربي
راهناً وبعيداً عن عدسة تضخيم الفداحة التعسفية يمكن القول إن أشكال الرقابة
متعددة. فما إن يجعل المبدع نصه الإبداعي ملكية عامة في متناول القراء إن
وجد منبراً حراً لنشر إبداعه دون تدخل من قبل الناشر بالبتر أو الإلغاء فتجد
أن الرقباء يتسابقون على فحص النص وكل يمتلك معايير منهجه الرقابي الذي ما
.أنزل الله به من سلطان
يحشر الرقيب السياسي أنفه بين السطور ليشتم رائحة التمرد وعقوق السلطان والإبحار
ضد التيار ولدى الرقابة السياسية تهماً جاهزة مفصلة بمقاس المبدع كالإثارة
والتحريض والبلبلة وشق الصف ( في هذا المنعطف الخطير الذي تمر به الأمة والوطن
.المعطاء ) فيلمع سيف التخوين في يد الرقيب السياسي
ويأتي الرقيب الديني وبيده سيف التكفير بسبب التأويل الضيق جداً للنص الإبداعي
وما أكثر القافلة من المبدعين الذين أُلِّبَت عليهم العامة بتهمة الاستهتار
.بالعقيدة بل وصل الحد الآن لدرجة الإفتاء بالكفر دون استتابة
ثم يأتي دور الرقيب الاجتماعي الذي يجعل من السلطة الاجتماعية امتداداً للسلط
السابقة فيبتر أنامل القصيدة حتى لا تخدش حياء المجتمع الظاهر والمفعم بالرذيلة
.الباطنية
ويأتي دور السلطة المعرفية والإبداعية واللغوية والجمالية فالناقد المحنط
لا يريد من القصيدة إلا السباحة في بحر الخليل ويتلذذ بإيقاع حجول القافية
.في سيقانها
.والناقد الحداثي يريدها أن تكسر مفعول الجاذبية لتسير على الهواء
والناقد الحزبي يريد منها أن تكون الطريق التي تعبر عليها الجماهير إلى طريق
.الغد وإلا استحق الشاعر تهمة الهراء
والناقدالأجد يريد من جمرة الإبداع في القصيدة أن تشعل تبغ غليونه وتسند بأصابعها
.جمجمته بعد أن شعرت أصابعه بالإعياء وهي تسند وجهه على واجهة الجرائد والمجلات
إذن إن النص الإبداعي وهو يرى السيوف التي تريد أن توزع دمه بين قبائل الرقابة
يجد نفسه إما منزوياً إلى أقصى درجات الغموض والطلسمة أو مواجهاً حتى لو
.ركض المبدع هارباً من منفىً إلى آخر أو ساكناً مثل شاهدات القبور
من يكسر هذه القيود والأغلال التي تكبل النص الإبداعي وإلى متى يظل رأس المبدع
والإبداع مطلوبين؟