سويري
05/12/2005, 04:51 PM
]فارق توقيت
يكتبها اليوم: محمد المرجبي
القاهرة مدينة أحبها.. لذلك فقد فرحت لوصولي إليها بعد الظهر، فلا أريد أن أخسر هذا اليوم قبل أن يبدأ برنامج عملي المكثف جدا في اليوم التالي .. ولأن النهار قصير فقد تآكلت فترة العصر في الوصول إلى الفندق واستلام الغرفة وتغيير الملابس التي تليق بدعوة العشاء التي يجب أن ألبيها.. نظرت إلى الساعة فإذا هي الثامنة الموعد الرسمي.. توجهت مباشرة إلى المطعم المحدد..تفرست في الوجوه والملابس إن كان هناك ما يوحي بالرسمية فوجدتهم خليطا من هذا وذاك.. شعرت بضيق شديد لأنني وحيد، فكان لدي الاستعداد لبناء علاقة صداقة مع أي مخلوق.. لا أحد من الإعلاميين الأشقاء الذين أعرفهم .. عرفت أن الدعوة لتناول عشاء وليس حفلا، لذلك طلبت أكلا لسد فراغ المعدة وليس للاستمتاع به في فندق ضخم كهذا.. كانت أذني-دون إرادتي- مفتوحة على الطاولة المجاورة التي يتحدث فيها عبر الهاتف رجل أنيق يقول للطرف الآخر(أنا الدكتور سمير.. يا ليت تبلغ الدكتور مدحت إن لقاءنا حيكون الساعة تمانية في مصر الجديدة، وحكون هناك بعد نص ساعة).. نظرت إلى ساعتي فوجدتها الثامنة والربع..تساءلت ، بل وقلت في نفسي: ما هذه الحماقة؟! كيف يحدد موعدا على وقت قد انقضى؟!!..(ونا مالي!)..أشعرني العشاء بثقل زاد من عناء ذلك اليوم بسفره الطويل..إذا لا سهر الليلة إلا في الغرفة التي تطل شرفتها على النيل.. تأملت في مشهد أعرفه، شريط من الذكريات يبدأ من مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) ..فندق ضخم أعرفه عن قرب..كوبري (جسر) يخترق العجوزة والزمالك إلى المهندسين وآخر معروف بأسوده ينزل بك ميدان التحرير الشهير.. مأذنة .. مسلة.. برج القاهرة وزهرة اللوتس..كازينوهات عائمة تجمع الصخب والهدوء..دار الأوبرا وذكريات أخرى.. النيل- الذي انعكست عليه كل ألوان الليل- لا تكاد تعرف اتجاهه الا ببعض أغصان الأشجار المورقة المتجهة إلى البحر الأبيض- تمنيت لو أحملها رسائل إلى مدن المتوسط-.. مراكب صغيرة محملة بالفرح، تقف على صواريها طيور حاولت ألا تذكرني بزكامها .. ..تخيلت أغنية الجندول لعبد الوهاب..على الرصيف أشجار تشرب من النيل .. الله..ما أسعدنا عندما نشرب من النهر مباشرة..الرصيف مكتظ بالناس..رجل، امرأة،رجل وامرأة، امرأة ورجل،بائعو اللب والترمس، الحنطور، مجموعة مراهقين يغنون (العبيط أهوه) فيتخيل المار بقربهم أنه المعني..سيارات من كل حجم ونوع تحمل كل شيء .. تفاصيل كثيرة بداخلها تفاصيل..إبحار في ذكريات تبدأ من خريف 1982م انتهاء باللحظة التي أنا فيها..سقط شيء من يدي..انه النعاس..دخلت أطلب النوم عند الثانية عشرة والذي لبى لي رغبتي مباشرة لأستيقظ في الخامسة والنصف على صوت منبه الهاتف.. وقت جيد، يسع للصلاة والاستمتاع بالشروق و الاستعداد للنزول لاستلام بطاقة المهمة التي جئت من أجلها عند الثامنة..قمت بكل شيء على مهل وباستمتاع حتى أصبحت جاهزا.. سأستثمر النصف ساعة الباقية للتلذذ بالشروق على نفس الشرفة مع فنجان قهوة صنعته بنفسي .. سأرى كيف يزيح النور عن الأشياء غطاء الليل لتسفر عن نفسها.. ولكن ما زال الأفق مظلما!!.. هنا فقط تذكرت أنني أعيش على توقيت مسقط الذي يتقدم بساعتين.. فتذكرت مكالمة الدكتور سمير وأنني تناولت عشائي عند السادسة بدل الثامنة! وأنني نمت الساعة العاشرة بدل الثانية عشرة! وصحوت الثالثة والنصف بدل الخامسة والنصف!وصليت الليل بدل الفجر، وأنني كنت سأتوجه إلى مكتب التسجيل الساعة السادسة صباحا بدل الثامنة لأجد أبوابا موصدة ... يااااه..كل هذا إرهاق؟ أم هي الوحدة؟!..ضحكت على نفسي بنفسي إنها من اللحظات التي تمنيت فيها أحدا يضحك علي.. وانحرجت مني مشتهيا ونيسا يحرجني... سأكسب ساعتين كنت أحتاجهما البارحة، ولكن لا بأس سأكمل في الشرفة التي أحببتها كثيرا..قمت مباشرة بتأخير ساعتي من الثامنة إلى السادسة..لن ألدغ مرتين.. تذكرت قصصا كثيرة لمتورطين مع الوقت..منهم من توجه إلى عمله قبل الموعد.. ومنهم من زار بلدانا أو رجع منها ليحتاج(وقتا) حتى يتكيف مع (الوقت)..وتذكرت دعوة على العشاء في بلد أوروبي وكانت الساعة الثامنة عندما دهشت بأن في تلك الساعة لا زالت الشمس توزع ابتساماتها..وأولئك الذي يصومون ساعات طويلة في تلك البلدان ذات اليوم الطويل والليل القصير..كل ذلك بسبب فارق التوقيت...وبما أنني قد ربحت زمنا من فارق التوقيت فلا بأس أن أتمادى في تأملاتي مع فارق التوقيت الذي يتجاوز تقدم أو تأخر بضع ساعات إلى ما هو أعظم وأمر، ويصل إلى أمم وشعوب عاشت بتوقيت مختلف، أقصد متخلف، فبقيت مع توقيتها الغابر تعجز اليوم عن تقديم(عقارب) زمنها للأمام فبقيت هناك في زمن لا يكلف الآخرون أنفسهم للالتفات إليه..
فارق التوقيت أرهق قلوبا أتعبتها الصبابة والغرام لتقول للآخر: ليتنا التقينا في غير هذا الوقت..أو ليت أناّ لم نلتق........
بلغت الساعة حوالي الثامنة (حقيقة هذه المرة) ..عشت بهذا التوقيت وبالتزام دقيق لعدة أيام اختلست منها بعض الأوقات مع صداقات جديدة، تعمدت فيها ألا أنظر إلى الساعة، حتى حان يوم العودة الذي كان طويلا مضنيا مع التوقف في البحرين بين توقيتين، القادم منه والمتجه إليه.. ضبطت حركتي على المقارنة بين ساعتي وساعة المطار والفيصل بينهما تذكرة السفر التي يسجل فيها الوقت حسب التوقيت المحلي، حتى وصلت بيتي لأحظى بنومة هانئة، وأستقبل صباحا جديدا، عائدا إلى التزاماتي التي مارستها بكل ثقة حتى الظهر عندما اكتشفت أنني لدغت مرتين باعتمادي توقيت القاهرة وأنا في مسقط !!!.[/COLOR] جريدة عمان
5/12/2005
يكتبها اليوم: محمد المرجبي
القاهرة مدينة أحبها.. لذلك فقد فرحت لوصولي إليها بعد الظهر، فلا أريد أن أخسر هذا اليوم قبل أن يبدأ برنامج عملي المكثف جدا في اليوم التالي .. ولأن النهار قصير فقد تآكلت فترة العصر في الوصول إلى الفندق واستلام الغرفة وتغيير الملابس التي تليق بدعوة العشاء التي يجب أن ألبيها.. نظرت إلى الساعة فإذا هي الثامنة الموعد الرسمي.. توجهت مباشرة إلى المطعم المحدد..تفرست في الوجوه والملابس إن كان هناك ما يوحي بالرسمية فوجدتهم خليطا من هذا وذاك.. شعرت بضيق شديد لأنني وحيد، فكان لدي الاستعداد لبناء علاقة صداقة مع أي مخلوق.. لا أحد من الإعلاميين الأشقاء الذين أعرفهم .. عرفت أن الدعوة لتناول عشاء وليس حفلا، لذلك طلبت أكلا لسد فراغ المعدة وليس للاستمتاع به في فندق ضخم كهذا.. كانت أذني-دون إرادتي- مفتوحة على الطاولة المجاورة التي يتحدث فيها عبر الهاتف رجل أنيق يقول للطرف الآخر(أنا الدكتور سمير.. يا ليت تبلغ الدكتور مدحت إن لقاءنا حيكون الساعة تمانية في مصر الجديدة، وحكون هناك بعد نص ساعة).. نظرت إلى ساعتي فوجدتها الثامنة والربع..تساءلت ، بل وقلت في نفسي: ما هذه الحماقة؟! كيف يحدد موعدا على وقت قد انقضى؟!!..(ونا مالي!)..أشعرني العشاء بثقل زاد من عناء ذلك اليوم بسفره الطويل..إذا لا سهر الليلة إلا في الغرفة التي تطل شرفتها على النيل.. تأملت في مشهد أعرفه، شريط من الذكريات يبدأ من مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) ..فندق ضخم أعرفه عن قرب..كوبري (جسر) يخترق العجوزة والزمالك إلى المهندسين وآخر معروف بأسوده ينزل بك ميدان التحرير الشهير.. مأذنة .. مسلة.. برج القاهرة وزهرة اللوتس..كازينوهات عائمة تجمع الصخب والهدوء..دار الأوبرا وذكريات أخرى.. النيل- الذي انعكست عليه كل ألوان الليل- لا تكاد تعرف اتجاهه الا ببعض أغصان الأشجار المورقة المتجهة إلى البحر الأبيض- تمنيت لو أحملها رسائل إلى مدن المتوسط-.. مراكب صغيرة محملة بالفرح، تقف على صواريها طيور حاولت ألا تذكرني بزكامها .. ..تخيلت أغنية الجندول لعبد الوهاب..على الرصيف أشجار تشرب من النيل .. الله..ما أسعدنا عندما نشرب من النهر مباشرة..الرصيف مكتظ بالناس..رجل، امرأة،رجل وامرأة، امرأة ورجل،بائعو اللب والترمس، الحنطور، مجموعة مراهقين يغنون (العبيط أهوه) فيتخيل المار بقربهم أنه المعني..سيارات من كل حجم ونوع تحمل كل شيء .. تفاصيل كثيرة بداخلها تفاصيل..إبحار في ذكريات تبدأ من خريف 1982م انتهاء باللحظة التي أنا فيها..سقط شيء من يدي..انه النعاس..دخلت أطلب النوم عند الثانية عشرة والذي لبى لي رغبتي مباشرة لأستيقظ في الخامسة والنصف على صوت منبه الهاتف.. وقت جيد، يسع للصلاة والاستمتاع بالشروق و الاستعداد للنزول لاستلام بطاقة المهمة التي جئت من أجلها عند الثامنة..قمت بكل شيء على مهل وباستمتاع حتى أصبحت جاهزا.. سأستثمر النصف ساعة الباقية للتلذذ بالشروق على نفس الشرفة مع فنجان قهوة صنعته بنفسي .. سأرى كيف يزيح النور عن الأشياء غطاء الليل لتسفر عن نفسها.. ولكن ما زال الأفق مظلما!!.. هنا فقط تذكرت أنني أعيش على توقيت مسقط الذي يتقدم بساعتين.. فتذكرت مكالمة الدكتور سمير وأنني تناولت عشائي عند السادسة بدل الثامنة! وأنني نمت الساعة العاشرة بدل الثانية عشرة! وصحوت الثالثة والنصف بدل الخامسة والنصف!وصليت الليل بدل الفجر، وأنني كنت سأتوجه إلى مكتب التسجيل الساعة السادسة صباحا بدل الثامنة لأجد أبوابا موصدة ... يااااه..كل هذا إرهاق؟ أم هي الوحدة؟!..ضحكت على نفسي بنفسي إنها من اللحظات التي تمنيت فيها أحدا يضحك علي.. وانحرجت مني مشتهيا ونيسا يحرجني... سأكسب ساعتين كنت أحتاجهما البارحة، ولكن لا بأس سأكمل في الشرفة التي أحببتها كثيرا..قمت مباشرة بتأخير ساعتي من الثامنة إلى السادسة..لن ألدغ مرتين.. تذكرت قصصا كثيرة لمتورطين مع الوقت..منهم من توجه إلى عمله قبل الموعد.. ومنهم من زار بلدانا أو رجع منها ليحتاج(وقتا) حتى يتكيف مع (الوقت)..وتذكرت دعوة على العشاء في بلد أوروبي وكانت الساعة الثامنة عندما دهشت بأن في تلك الساعة لا زالت الشمس توزع ابتساماتها..وأولئك الذي يصومون ساعات طويلة في تلك البلدان ذات اليوم الطويل والليل القصير..كل ذلك بسبب فارق التوقيت...وبما أنني قد ربحت زمنا من فارق التوقيت فلا بأس أن أتمادى في تأملاتي مع فارق التوقيت الذي يتجاوز تقدم أو تأخر بضع ساعات إلى ما هو أعظم وأمر، ويصل إلى أمم وشعوب عاشت بتوقيت مختلف، أقصد متخلف، فبقيت مع توقيتها الغابر تعجز اليوم عن تقديم(عقارب) زمنها للأمام فبقيت هناك في زمن لا يكلف الآخرون أنفسهم للالتفات إليه..
فارق التوقيت أرهق قلوبا أتعبتها الصبابة والغرام لتقول للآخر: ليتنا التقينا في غير هذا الوقت..أو ليت أناّ لم نلتق........
بلغت الساعة حوالي الثامنة (حقيقة هذه المرة) ..عشت بهذا التوقيت وبالتزام دقيق لعدة أيام اختلست منها بعض الأوقات مع صداقات جديدة، تعمدت فيها ألا أنظر إلى الساعة، حتى حان يوم العودة الذي كان طويلا مضنيا مع التوقف في البحرين بين توقيتين، القادم منه والمتجه إليه.. ضبطت حركتي على المقارنة بين ساعتي وساعة المطار والفيصل بينهما تذكرة السفر التي يسجل فيها الوقت حسب التوقيت المحلي، حتى وصلت بيتي لأحظى بنومة هانئة، وأستقبل صباحا جديدا، عائدا إلى التزاماتي التي مارستها بكل ثقة حتى الظهر عندما اكتشفت أنني لدغت مرتين باعتمادي توقيت القاهرة وأنا في مسقط !!!.[/COLOR] جريدة عمان
5/12/2005