المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : آمنة ربيع سالمين في حوار صريح


كنت هنا
01/12/2005, 03:52 PM
آمنة الربيع في حوار صريح تتساءل:
هل نحن بحاجة حقيقية للمسرح في مجتمعنا؟!!
شخصيات القصة العمانية متشابهة.. مذعورة ومترددة
حاورتها : بدرية الوهيبياستباحت فعل الكتابة والاقتراب من الوهج كما تفعل فراشة مهيأة للاحتراق والتلذذ بهذا الفعل، آمنة الربيع تُعد واحدة من أهم التجارب المسرحية الجادة والطليعية في السلطنة، تجربة فريدة تتسم بالعمق النوعي، والجرأة في تناول القضايا لثيمات البيئة الخليجية، ورفض بعض الواقع المعاش بأسلوب لا يخلو من النقد الاجتماعي.
لغة آمنة الربيع أشبه بدراما شعرية، وحواراتها مكثفة عميقة، وبعيدة عن الترهل والثرثرة، حتى أنك تذهل أمام التراكمات المعرفية لهذه الكاتبة، وكيفية استغلالها في خلق أسلوب ولغة متميزة وفريدة.
أصدرت عن دار الرؤيا للنشر مسرحيتها (الطعنة-1996م) ثم (الحبل-1997م) ثم عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر مسرحيتي: (الذين على يمين الملك، ومنتهى الحب.. منتهى القسوة-2000م) والتي حصلت على خمس جوائز أثناء عرضها في مهرجان المسرح العماني، وحصلت مسرحية (الجسر) عن جائزة المسرح في الجزائر، كما صدر لها مؤخرا (البنية السردية للقصة القصيرة في عمان-2005م) آمنة الربيع التي جعلت يقيني ثابتا أمام الفعل الثقافي الراهن وحدها الانثى التي آمنتُ بها وذهبت الى حديقتها لحظة القيامة، وفي مقارباتها النقدية التي كنا نطالعها أسبوعيا في شرفات، من منا لم يتساءل: ما الذي تريد آمنة الربيع ان تهيىء له في الفضاء النقدي الادبي والمسرحي؟..
* فعلا ما الذي تريدين ان تصلي اليه من خلال هذه المقاربات التي تلم بنظريات نقدية قديمة وحديثة وبأسلوب لا يخلو من التمهيد (لمقاربة) نظرية خاصة بك؟- الوصول الى نظرية خاصة بي أمر يحتاج الى وقت أطول يتجاوز المقاربات النقدية التي نُشرت في شرفات، لكن ولا شك أنني كنت أقوم بعملية التمهيد التي أشرتِ اليها. في واقع الامر، اذا تتبعنا رحلة النص الابداعي عبر التاريخ، نجده قد وقف في البدايات على المؤلف، وتساءل النقاد من هو المؤلف الذي يقع وراء النص، كما استقرت النظريات حول السياق ونظرية هيبوليت تين تشير الى ذلك، فالمهم برأيها هو المجتمع والعالم الذي بداخل النص، مع تأجيل النظر الى المؤلف. ولكن النقد الجديد حين جاء، أراد التركيز على القارئ، ومن هنا بدأت رؤيتي. حين أقرأ بعض الاعمال الابداعية أو أتأمل شكل لوحة تشكيلية ما، أو أستمع لموسيقى، غالبا ما أسأل عن شكل القارئ الذي نوجه اليه النص الادبي أو العمل الابداعي؟ وهذا بالضرورة يقتضي ان نبحث عن تاريخه وظروفه التي ساهم هو في تشكيلها وانتاجها؟ وهذا الامر يُعنيني بالدرجة الاولى، فأنا لا أركز كثيرا على المؤلف بقدر تركيزي على اللحظة الحرجة والمنعطف الذي ساهم في توليد العمل الادبي، لأنني عل اعتقاد بأن مناطق التوتر هي الاكثر مجلبة للبحث وربما أيضا للسعادة! وما كنت أسعى اليه من تلك المقاربات وما أود التأكيد عليه هو ان الاثر الادبي الحي لا يموت، قد يموت المؤلف، ولكن الاثر يبقى خالدا، وهذا الاثر لا يُبقي عليه الا القارئ، الذي من وظائفه البنيوية تعبئة الفراغات التي قد تكون متوفرة في النصوص، ويبقى السؤال حاضرا: هل القارئ الذي تتجه اليه النصوص هو قارئ حرّ وغير مقيد باشتراطات خارجية، هذا القارئ في بحثي غير موجود، وهو ان وجد فيُعد قارئا متعاليا، لا شكل له ولا اسم ولا هوية، وهذا مُحال، فمهما بلغ طموح النص الا أنه ينطلق من مكان وزمان، ويتجه الى قارئ كوني.

أزمة ثقافة مسرحية..

* يقول سماء عيسى: (مسرحنا الذي ما زلنا نتقاذفه ككرة مثقوبة بدأ يتساقط في الهشيم، وما ثمة شيىء يوقف هذا الفتور سوى الانصات الى صوت البدايات..) لو طبقنا هذا الكلام على مسرحنا العماني، ما هي البدايات التي تستحق ان نستوحيها وننصت لها، وهل تعتقدين ان مسرحنا بعد كل هذه السنوات منذ ما قبل السبعينات الى الآن قد بلغ رشده وما الذي ينقصه في رأيك؟
- بدايات المسرح في السلطنة معروفة، لكن البداية الفعلية انما بدأت مع مسرح الشباب، ثم الفرق الاهلية ومسرح الجامعة0 وكل تجربة من هذه التجارب، تنظر الى نفسها بمنظار أنها تُقدم مسرحا وثقافة، وأنها بما تقدمه من تجارب تتقدم وتتطور وتنمو وتسجل علامات مضيئة في الساحة، وهذا من منظورها يجعلها ترى نفسها فوق النقد!
أتفق مع الشاعر سماء عيسى في جزء بسيط من سؤاله، أما حكاية الانصات الى صوت البدايات فهذا كلام يقوله شاعر، بينما واقع الامر أننا ينبغي ان نجيب أولا عن هذا السؤال الوجودي والمصيري: هل نحن كمجتمع عماني حديث الولادة في حاجة فعلية وجوهرية الى المسرح في حياتنا؟ اذا نظرنا الى واقع الفعل الثقافي نجد أنه واقع لا يمنحني أنا شخصيا تفاؤلا كبيرا، هل لك ان تتصوري ان فرقة مسرحية تشتغل على النص لمدة شهر في بروفات ومعالجة للنص وكافة الادوات المتعلقة بالتمثيل والاخراج، ويوم العرض، تقدم عرضها ليومين أو ثلاثة؟! فهل هذا معقول؟ حتى الآن ليس لدينا تقاليد فنية في تعاطي الفرجة المسرحية، وتلك الازمة المفتعلة عن غياب النص المسرحي لا تزال تلاقي قبولا وعرضا، وهذا هراء واضح. أزمتنا الحقيقية هي أزمة ثقافة وغياب الوعي الحقيقي بأهمية الحراك الاجتماعي الصحيح، والشيء الذي لن ندركه في لحظته ونستفيد منه، فلن ندركه الاّ بأجيال.

البحث عن مناطق التوتر

* في مسرحياتك الاولى ركزت على فردية العنوان (الحلم-الطعنة-الحبل) بينما تغير اتجاهك الى العنوان الطويل (الذين على يمين الملك) و(منتهى الحب00منتهى القسوة) ما الذي تغير في أسلوب آمنة؟ كيف يتحول الكاتب من التكثيف (في العنوان) الى ما هو تكثيف في المعنى؟- المعنى حاضر حتى في العناوين الفردية، وأعترف لك، بأن العناوين الاولى كانت مباشرة لدرجة تثويرية. في العناوين الطويلة اشتغلت على المعنى والدلالة والتأويل، كأنني انتقلت من ساحة المعركة، الى ساحة أخرى، وهذا شأن ينبع من القراءة المكثفة لمجريات الواقع بكل تحولاته، فنحن على سبيل التشبيه نحيا في منعطف تاريخي بليد، وهذا واضح تماما، فشكل الكتابة المباشرة هي ردة فعل ثقافية لهذا المنعطف غير الاخلاقي، أما الكتابة الاخرى، فلعلّها تستشرف أو تنبىء بمآل ما، وعلى الاديب الذي لديه مشروع يؤرقه آناء الليل وأطراف النهار، ان يفهم بذلك ويعيه، والا تمرغ في الوحل. أشتغل على نصين مسرحيين، الاول قد كتبته في عام 1999م وأهملته لظروف اخراجية، والآن أعود اليه لاجدد في بعض الحوارات والاطروحات والمشاهد، وهو نص عنوانه ثلاث كلمات مأخوذة من القرآن الكريم، وهي ذات خطاب دلالي مهم، أما النص الثاني فيتكون من كلمة واحدة، وكلا النصين ينشدان المعنى، لانهما يغوصان في مناطق التوتر والحساسية والشد والجذب، وهذه هي مهمة الفن عموما وواقع الكتابة التي أطمح الى تحقيقها.
*(الموضوع) هو بطل في بعض مسرحياتك، هل هذا يلغي دور الشخصية في النص المسرحي، أم ان الشخصيات المسرحية هي التي تصنع بطلها؟- طبعا العملية تبادلية. القارئ أو المتفرج يعقد اتفاقا ضمنيا مع النص أو العرض، لا يوجد قارئ متعال، يوجد مثقف جيد أو قارئ جيد أو عادي، ولكن يوجد ناقد متخصص. ما الموضوع وما الشخصية! هذه تصنيفات اجرائية لا مكان لها عندي. أتعامل مع النص ككتلة واحدة، قد تجدين مواضعَ يكون فيها السرد أكثر وفرة من الفعل، أو العكس، ولكن يصعب فصلهما. والتعامل مع النص المسرحي كنص للقراءة، يختلف كلية وتمامية حين يتحول الى عرض حي.

مخدوعون نحن بالامل

* يقول سعدالله ونوس (اننا محكومون بالامل) هل تعتقدين بهذه المقولة، أم أننا (نحن مخدوعون بالامل) كما تقولين في لحظة كتابة ذات مرة؟- نعم نحن مخدوعون بالامل وبالحرية. ولكن علينا ان نناضل انسانيا وابداعيا؛ بمعنى، يجب ان لا نتوقف عن الحب والبحث، فحياتنا قصيرة جدا، فإما ان نكون، أو لا نكون. شخصيا لا أفكر في الرجوع للوراء، ولا أجيد التفكير بطريقة الناس السلبيين. أنا لا أجد نفسي الا في العمل.
* في كتابك (الحبل) والذي يتضمن مسرحيتين (الجسر) و(البئر) ما الرابط بين العنوان والمسرحيتين.. ما هي المضامين الرمزية لهذا الاستخدام؟
- هناك حادثة طريفة لهذا العنوان0 الربط أثناء الكتابة لم يكن حاضرا أبدا، فلم أخطط لان يخرج الكتاب بذلك العنوان الذي أستوقف الكثيرين. كنت أتحدث عن النصين معا مع احداهن، وكان النص لا زال في المطبعة، وبعد النقاش سألتني عن الاسم المقترح للكتاب، فأخبرتها أنني أجد مشكلة كبيرة بعض الاحيان في اختيار العناوين. في اليوم التالي أجدني أتصل بالرؤيا وأخبرتهم عن رغبتي في ربط البئر بجسر، أو العكس، وهكذا تم كل شيء. لكن سؤالك عن المضامين الرمزية له دلالته، فالذين قرأوا الكتاب يشعرون بأن المسألة لا تخلو من رمزية، والقارئ هو الذي أنتج هذه القراءة، لانه ابن مكان وزمان ولغة وثقافة تسكنه.
* هل هناك علاقة بين اهدائك في مسرحية الجسر للروائي عبد الرحمن منيف وبين روايته (حين تركنا الجسر)؟- العلاقة بسيطة جدا. حين قرأت النص ناقشت أستاذي ابراهيم السعافين في المحاضرة، وقلت له ان حين تركنا الجسر مناخها عمل مسرحي، وفي المسودة الاولى للمسرحية حين نشرتها كانت هناك على لسان الشخصيات حوارات وأفكار وأجواء مناخية مستوحاة من الرواية، لذلك للأمانة الادبية، وجهت الاهداء لعبد الرحمن منيف رحمه الله. وبالمناسبة؛ هذا النص من النصوص الاثيرة جدا الى قلبي، وأتذكر ان بعضا من القراء والنقاد والمخرجين قد ركزوا علي هذا الربط، من بين النصوص الاخرى التي صدرت مؤخرا، وأرجح سبب ذلك، ان ثيمة العمل مسرحيا قد طرحت أسئلتها ومشكلاتها ومواقفها في حركة تعبيرها عن الواقع العربي.

التراث مسألة معقدة

* في المسرحية الثانية (البئر) قال أحد النقاد: (ان مثل هذا العمل في حاجة ان يظهر فوق خشبة المسرح العماني، وان يُهيأ له مخرج قدير يستطيع ان يبرز قيمته الجمالية ويضيف اليه أبعادا فنية جديدة) ما هو مشروعك تجاه هذه المسرحية التي وظفتِ فيها التراث الشعبي والرقصات الشعبية، خاصة وأنها تمثل لك حال خاصة من خلال الاهداء؟- بداية أنا أختلف معك حول مسألة توظيف التراث؟ فماذا نقصد بتوظيف التراث؟ هل عندما يقوم الكاتب بإدخال الرقص الشعبي والفلكلور في النص؛ معنى ذلك أنه وظف التراث! أعتقد ان المسألة أعقد من ذلك بكثير. هذه مسألة تتوقف على شعورنا بالزمن الذي يحتضننا، كما وينشغل بمجموع ومخزون الذاكرة الجمعية التي نتحرك بها، فاللحظة الآنية ستنقضي وتمضي، فهل تدخل بذلك المعنى في الماضي أو في التراث. في هذه المسرحية بالذات كنت أسعى الى تأكيد المنطوق في يومنا وحاضرنا، فنساء المسرحية يرددن أغان تفيض بالحياة والقهر والخوف والموت، وهذه أبعاد ليست من التراث أو الماضي، بل هي لحظات آنية موحشة في العمق. وما يجعلني أختلف مع بعض المسرحيين في السلطنة، أنهم يجعلون من التراث زخرفة وديكور مُكملا أو لوحة حاملة للعرض المسرحي، وبرأيي ان تجاوز هذا الامر، بحاجة لفهم معنى كل حركة وكل رقصة بالوقوف على تاريخها. مثلا: لدينا في محافظة ظفار فن شعبي من أجمل الفنون هو رقصة الربوبة، وهذا الفن يجسد صراعا دراميا بين منطقين مختلفين، منطق الذكورة ومنطق الانوثة، ومقدار التجاذب والتنافر ما بين الخطابين تكشف عنه ضربات الرجال بأقدامهم على الارض والتواءتهم المتكررة صعودا وهبوطا، بينما حركة النساء تكشف عن الخُيلاء والكبرياء والاعتزاز بالنفس، واذا أمعنّا النظر والتفكير في المقولة المركزية لهذا الفن، سنكتشف بعدا اجتماعيا وثقافيا يتداخل فيه الابداعين: الواقع الاجتماعي، والفني المتخيل..
أما سؤالك عن مشروعي لهذه المسرحية، فقد سعت فرقة أوبار لاجازتها للعرض منذ سنة لتشارك بها في مهرجان المسرح العماني الاول، ولكنها رفضت، ولا بأس، لعلّها ترى النور مرة. تذكرت حديثا مطولا مع المخرج عوني كرومي في زيارة له منذ سنة للسلطنة، تحدثنا كثيرا حولها، ووعدني خيرا.

سلطة الرقابة

* يقول ميشيل فوكو: (السلطة في كل مكان) كيف تتجاوزين دور السلطة بمعناها الشمولي وليس الرقابي فقط؟ كيف تكتبين حريتك في وسط غابة من الرقابات والدوائر المتشابكة من الاعين والسلطات؟- هذا سؤال كبير، ولكنني سأكتفي بالقول: أنني لا أملك شيئا في هذه الحياة الا حرية عقلي وتفكيري وخياراتي الشخصية، ولن أسمح لاحد ان يُصادرها.
* يقول رولان بارت: (المؤلف يقيم ويسكن في النص).. الى أي مدى تسكنك مسرحياتك؟- ليس لدرجة كبيرة. هناك نصوص أحبها كثيرا، ونصوص أخرى حين انظر اليها بوعي الحاضر أُهملها، ولكني لا أرفضها، فهي كانت مرحلة، وقد سكنتني وسكنتها، وطلاق المؤلفة عن نصوصها، طلاق غير جائز ومرفوض جملة وتفصيلا. لا أخفيك بأن بعض النصوص تسكنني فترة من الزمن، كنص الجسر مثلا، والنصوص الاخيرة لا أزال أحاورها، لكنني على قناعة بأن الحل العملي للتجاوز هو الايمان بوجود قارئ ومخرج يستطيعان قراءة النص ويساعداني على التجاوز.

كيف نستغني عن المتفرج؟!!

* يخلط (اسلن) الانواع الادبية ويلغي بذلك الضلع الثالث في العملية المسرحية وهو (المتفرج) ويلغي فعل الحضور واحتفاليته وهي أساس المسرح... هذا التفكيك الرهيب للمسرح كمفهوم أدبي، كيف تتعاملين معه-ان كنتِ توافقين عليه أصلا-؟الغاء عنصر المتفرج من العملية المسرحية هو كلام عشوائي. بالاساس العمل المسرحي موجه كما ذكرنا لقارئ أو متفرج، وهو أحد العناصر الرئيسة للعملية فكيف يمكن ان نستغني عنه؟ حاليا يوجد ما يسمى بالمسرح التفاعلي، وهذا النوع من المسرح يعتمد بالدرجة الاولى على تفاعل المتفرج والشخصية مع العرض. وحتى تنجح هذه الممارسة التفاعلية ينبغي على المسرح ان يغادر المنصة التقليدية باتجاه الشوارع والحدائق والمزارات السياحية والكنائس والمساجد والقلاع والحصون. واذا ركزنا نجد ان العمل كله يعتمد على المتفرج الذي له مطلق الحرية في اختيار الوقت والزمن والمكان ليشاهد العرض فيه.

صراع الحداثة وما بعدها

* (ترفض الحداثة كل مشروع ماضوي وتحاول اضفاء الشرعية على رفضها لهذا المعنى وتستهين بالخيارات التي يقدمها الماضي والحاضر معا، بينما تفعل ما بعد الحداثة العكس، هي تحاول اقامة علاقة بينها وبين الماضي) هذا ما يقوله أحد المفكرين من خلال مناقشته لثلاثة عشر مقالا لكتّاب حول هذه المفاهيم-حسب هذا الاستنتاج هل أصبح الماضي بكل ترهلاته هو الخيار البديل للحداثة بمفهومها النظري المحدود في ظل غياب اشتراطات مجتمعية لا تتيح للمشروع الحداثي مجالا للتحقق؟فهمي للحداثة ينطلق من فهمي للتحديث في المجتمع، سواء العربي والخليجي بعمومه والمجتمع العماني على وجه خاص. على صعيد السؤال، ليست القضية ماض وحاضر فقط، انما كيف نفهم اللحظة والشروط التاريخية التي مررنا بها؟ للمفكر جوته عبارة مهمة تقول الذي لا يتعلم دروس الاربعة الآف سنة الاخيرة يبقى في العتمة! الحداثة بهذا المعنى ليست اختيارا والماضي كذلك، لاننا في رهان مفتوح بسبب ظروف المرحلة التي تضغط علينا وتشكل وجداننا ورؤيتنا وحساسيتنا للأشياء وللعالم من حولنا. سأهتم بجانب آخر في الحداثة وهو الجانب الخاص بالكتابة والسرد والابداع. أنا مع النص الذي يشاكس ويسأل ويدين ولا يكتفي بالوقوف عند الجوانب الرسمية أو المعلنة لانها لا تعني كل شيء، وكون الحداثة رهان مفتوح على أسئلة تتعلق بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل، فأنا معنية هنا بالدخول في تلك المناطق المعتمة. في مجتمعنا وعبر قراءة نقدية لبعض السرود، لا يوجد ما يسمى بقطيعة مع الماضي، الماضي يحضر بقوة وهذا لا يعني ان حضوره هو اختيار نهائي للمبدع، بل هو محاولة منه لارتياد آفاق بكر للكتابة الابداعية، وهذا هو التحدي الحقيقي للحداثة، أو هذا هو ما أقصده بالرهان المفتوح0 لقد توفر شيء من التمرد والبحث عن الانعتاق في بعض السرود الحديثة، وهي مغامرة قد نظن أنها جديدة تماما، ولكنها قد تواجدت في عصور ومؤلفات قديمة. الشاعر العماني جمعان بن ديوان النوبي، يؤرخ ويقول شعرا جميلا في بعض نصوصه الشعرية متسائلا ومعترضا على كثير من الاحوال، حتى أنه قال شعرا في مهمة الشاعر لا تخلو من توتر. حين اقرأ لبعض الذين يكتبون الشعر الآن في الساحة العمانية، فإن شعرهم لا يلامسني ولا يصيبني بتوتر، وهذا المثل أضربه لاشير الى ان الحداثة في جوهرها هي حساسية وطاقة دافعة لتغيير وللتمرد.
* كل الكتابات السيميولوجية حول المسرح تهتم بالمتفرج بوصفه صانع المعنى (معنى العرض المسرحي) لان المسرح وان قام على النص لا يتحقق الا من خلال العرض... هل تعتقدين ان العرض المسرحي غاية يسعى اليها الكاتب؟- طبعا من دون شك؛ فإذا لم يقدم النص على المنصة فعلى المؤلف ان يهدم سقف السماء قبل ان يشنق نفسه! كلنا يعرف ان العرض المسرحي يختلف تماما عن النص الادبي، النص المسرحي لم يكتب من أجل القراءة وحسب، بل لا بد من فرقة مسرحية مدربة وطموحة ومثقفة وفوق هذا كله، ان تكون فرقة جسورة، تأخذ النص وتعيد انتاجه على المنصة من جديد.
* في مسرحياتك تعبرين كثيرا عن (جوانية) المواطن العربي المقموع وكشف الحقائق وتعرية الواقع. واستحضر هنا مقولة سعدالله ونوس : (عندما نقدم عرضا ينبغي ان نُشحن لا ان نُفرغ).. معظم المسرحيات العربية تفرّغ احباطات هذا المواطن البسيط.. هل هذا (التفريغ) يفرّغ فعل التحريض المسرحي أم هو فعل هامشي غير مقصود في العمل الفني بشكل عام؟- كل كتابة ابداعية تنطوي على رؤية تحريضية، أو تستبطن في داخلها هذا الحس التحريضي، ولكن الطرح هنا نسبي، فهناك عروض يندم المتفرج على مشاهدتها، لانها لم تقدم له طرحا مغايرا، بمعنى لم تستفزه، وللأسف هذه النوعية من الاعمال هي الغالبة.

البنية السردية للقصة

* ماذا قدمت آمنة الربيع في كتابها الاخير (البنية السردية للقصة القصيرة) وما هي المعايير النقدية التي استندت اليها في تقييمها للتجربة القصصية في السلطنة؟- آمل طبعا ان أكون قد قدمت شيئا مفيدا، أما المعايير النقدية التي استندت عليها فقد ركزت على النص القصصي وأوليته الاهمية الكبرى. لم أتطرق لكل شيء في القصة القصيرة، لكنني أحسب نفسي بأنني قد قدمت شيئا، وأشير اليه بعجالة : في اعتقادي ان القصة القصيرة كجنس أدبي ستشكل حضورا في المستقبل وسيظهر عدد كبير من المهتمين بها، لان ايقاعها يتقاطع مع ايقاع التحولات والمتغيرات والخطابات. ولكن اذا شكلت القصة هذا الحضور وأخذت كل هذا الاهتمام، فماذا عن الرواية وماذا عن المسرح والسينما والاغنية؟ من النتائج الاخرى التي حصلت عليها هو شكل السارد وشكل القارئ في خطاب القصة القصيرة يكاد ان يكون متشابها، فالراوي غالبا عالم بكل شيء ومعرفته واسعة لكل ما يجري من حوله، وأشكال قرائه تتشابه مع أشكال الشخصيات التي تحدث عنها الى حد ما، شخصيات للأسف مستلبة ومترددة وخائفة ويسكنها ذعر كبير منطق العقلية الذكورية التي تنظم الحياة والقوانين! هناك شخصيات أخرى متمردة تشير الى قراء متمردين، لكنهم سلبيون.

قطيعة غير حقيقية

* هل هناك قطيعة حقيقية بين المثقف والمؤسسة.. وما هو المطلوب كي نستطيع تجسير هذه العلاقة وايجاد مناخ صحي قابل للتطبيق والفعل الثقافي الحقيقي؟
- القطيعة موجودة، ولكنها غير حقيقية تماما، فكل المثقفين يعملون في مؤسسات الدولة ويتقاضون راتبا نظير أدوارهم الوظيفية، والذين لا يتقاضون شيئا، فهم يعددون الايام ويمضون في الحياة بشكل أو بآخر، واذا قرأتِ التاريخ، ستجدين ان المثقف أو صاحب الرأي المختلف هو في محنة مع السلطة بكل أشكالها، لذا لا يصلح العطار ما أفسد الدهر، ولكن ينبغي التمييز ما بين المبدع وغير المبدع، وهذا التمييز غير موجود عندنا في السلطنة، لاننا كما ذكرت منذ قليل، (نُعدد أياما ونقبض راتبا)!
* نقترب من (مسقط عاصمة الثقافة العربية) ما هي الشروط التي يجب توافرها في خلق العواصم الثقافية؟ - أترك اجابة هذا السؤال للمسؤولين، فهم يعرفون ما لا نعرف، ويقدرون ونحن لا نقدر، لانه ببساطة كمثقفين ليس لدينا قضية ولا مشروع جماعي نلتفت حوله، قد أكون غير متفائلة كثيرا؛ ولكن هذا هو الواقع، وهذا الواقع لم تصنعه المؤسسة فقط، بل ساهم فيها الجميع، ولا أستثني مننّا أحدا.




مقتبس من شرفات

ابو عدي
02/12/2005, 12:26 AM
نعم للمثقفين
موضوع جميل جدا وممتع