سويري
22/11/2005, 10:32 AM
مصطفي العقاد والتطرف بشقيه: الأصولي الديني والليبرالي العربي الجديد
عبدالسلام بنعيسي
مات المخرج السينمائي السوري مصطفي العقاد في التفجيرات الإرهابية التي ضربت العاصمة الأردنية عمان. كان ضحية من ضمن ضحايا كثيرين سقطوا نتيجة لعنف أعمي يجتاح المنطقة العربية ويعصف بها. ولقد هب الكثيرون بأقلامهم لنعي مصطفي العقاد، وُكتبت العديد من المقالات في الصحف وفي مواقع الأنترنت، وتليت علي شاشات الفضائيات. ومن بين المقالات التي لفتت الانتباه في هذا الصدد، تلك المقالات الصادرة بلغة عربية، عن جهات مستعربة، ولكنها لا تخفي عداءها للعروبة والإسلام، بل تجهر بذلك، وتستلذ بكل المشاكل والمآسي التي يعيشها العالم العربي، وتنظر نظرة تحقيرية وعنصرية إلي الثقافة العربية، وتتهمها بالهمجية، والتخلف، والتعصب، والتطرف، والنزوع صوب القتل والتدمير والإرهاب.
أصحاب هذه الأقلام أيضا سعوا لإبداء تأثرهم لسقوط المخرج السينمائي مصطفي العقاد ضحية للإرهاب في عمان، علما بأنهم لا يبدون أي تأثر أو تعاطف صوب ضحايا المذابح والمجازر التي يرتكبها بالجملة، الأمريكيون في العراق، والإسرائيليون في فلسطين، وإنما نجدهم يبررون تلك المجازر ويدافعون عليها، ويشمتون ويتشفون بخسة في ضحاياها.
وتترك مقالات هؤلاء الانطباع بأنها تحاول توظيف استشهاد مصطفي العقاد، بتلك الطريقة المأساوية التي نتألم لها، لصالح طرحهم الداعي للانبطاح للمشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، ويستشف من مقالاتهم، وكأن الرجل كان من طينتهم، وأنه يقاسمهم نفس المشاعر والأحاسيس الكارهة للعروبة والحاقدة علي الإسلام.
وللحقيقة وللتاريخ، فإن الرجل لم يكن من المتنكرين لهويتهم العربية، ولم يكن من الذين يرفضون الحديث عن الماضي الذي كانت فيه للعرب أمجاد كبيرة، علي أساس أن كل حديث من هذا الصنف يجب أن يرفض، كما يقول بذلك الليبراليون العرب الجدد، لأنه حسب زعمهم يدعو إلي التقوقع علي الذات، ويحض علي الكراهية، وإذا جري حديث ما عن الماضي العربي، يتعين أن يكون حديثا لا تبدو فيها إلا سوءات العرب، ونواقصهم، وعيوبهم، وأن يقع تجنب الإشارة إلي أي شيء إيجابي في ماضيهم، وكأن تاريخهم لم يكن إلا سلبيات في سلبيات.
لقد كانت مادة أفلام العقاد علي العكس من ذلك، مستمدة من ماضي العرب القريب والبعيد، فلقد أخرج كما هو معلوم فيلما عن الثائر الليبي عمر المختار، وبين من خلاله للجمهور كيف قاوم هذا البطل الاستعمار الإيطالي وتصدي له وكبده بإمكانيات محدودة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.. وفي فيلم الرسالة، تناول باحترام وتقدير، حياة الرسول محمد صلي الله عليه وسلم، ولقد توفي الرجل، وهو يبحث عمن يمول له فيلم صلاح الدين الأيوبي .
يقول مصطفي العقاد: إن حرصي علي تقديم هذا الفيلم ينطلق من مشكلة موجودة، تحديدا بالنسبة لقضية القدس، ونحن في الفيلم نؤرخ لها تاريخا عربيا واسلاميا.. ويضيف قائلا: إن صلاح الدين وحَّد وغزا، وحمي الأديان ولم يفرق بين مسلمين ومسيحيين، أما الصليبيون فقد هدموا الكنائس، وقتلوا الرهبان، ووصلوا إلي بيزنطة وأحرقوها، ولما دخلوا القدس ذبحوا المسلمين والمسيحيين واليهود ، فالرجل يريد إعادة كتابة التاريخ بعين متفتحة، ونقدية، وغير متحيزة، ولا منبهرة، أو شاعرة بالنقص والدونية تجاه الآخرين. إن له كلمته التي يريد الإدلاء بها انطلاقا من موقعه كعربي ومسلم، كلمة تقدم قراءة للتاريخ غير تلك التي يريد لنا الغرب وأزلامه، ممن يحملون الصفة العربية وهي بريئة منهم، أن نتجرعها، ونسلم بها ولا نقبل غيرها.
ويشرح العقاد الفكرة قائلا: أريد أن أقدم رجلا منا بشهامته ونبله وأخلاقه التي يعرفها عنه الغرب أكثر مما نعرفها نحن.. مشيرا إلي أن سيرة صلاح الدين هي الإسقاط المعاصر للأحداث التي تجري علي الساحة اليوم، وفي زمنه كانت فلسطين محتلة، كما هي عليه الآن، لكن هو جاء و(نظف) ووحَّد وغزا أخلاقيا.. ، مؤكدا علي أنني أريد تقديم صلاح الدين لتثبيت عروبة القدس . فالعقاد له قضية تتمثل في تحرير الأرض العربية التي ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، ويريد المساهمة بعمله الفني في تحريرها من مغتصبيها، بخلاف الذين يريدون أن ينسبوه ظلما وبهتانا إليهم، رغم أنهم من دعاة التفريط في الأرض، ومن مؤيدي الاحتلال، والداعين للقبول به والتعايش معه.
وفي موضوع الإرهاب الذي يكاد الليبراليون العرب الجدد أن يجعلوه سلوكا مرتبطا بالعربي وبهويته وثقافته بشكل فطري، وصار مثل سيف ديموقليس مسلطا فوق رؤوسنا، كيف يتناوله وينظر إليه العقاد؟ فبالنسبة له الغرب والأمريكان يتحدثون عن الإرهاب الديني، وما دام الأمر كذلك، فإنني أريد أن أقول لهم: وهل هناك أكثر من الحروب الصليبية التي كانت مثالا للإرهاب الديني والتي لم نجد رغم حدوثها من يتهم المسيحية بالإرهاب.. ، فالرجل يميز بين الأديان وبين السياسات، فكما يصف الحروب الصليبية بكونها مثالا للإرهاب الديني، فإنه يرفض أن يقترن ذلك بالمسيحية، كما لا ينبغي، استنتاجا من كلامه، ربط ما يرتكبه الإسلاميون المتشددون من أعمل إرهابية بالإسلام، سيرا علي عادة الليبراليين العرب الجدد.
إذا كانت الإساءة للعرب والمسلمين تحولت إلي وسيلة ناجعة يتعيش بها بعض العرب من أعداء العرب، فإن مصطفي العقاد حازم وقاطع في هذا الباب، فمن قلب أمريكا حيث يشتغل، وفي وسط جحافل المعادين للعروبة والإسلام، وبشكل لا تردد، ولا لبس فيه، ومن منطلق المقتنع بما يؤمن، يصرح العقاد قائلا: أنا من رابع المستحيلات أن أقبل أن يوضع اسمي علي فيلم أشك ـ مجرد شك ـ في احتوائه علي أي شيء يسئ لأمتي العربية.. ، رغم أن حكام الأمة العربية وأغنياءها جاروا عليه، ولم يوفروا له الإمكانيات المادية اللازمة لإنتاج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي، هؤلاء الحكام الذين ينفقون الملايين من الدولارات علي الغانيات في الليالي الحمراء بعواصم الغرب.
لا يشعر العقاد بأي مركب نقص تجاه الغرب، إنه يدعو العربي والمسلم إلي الافتخار بدينه وأصله، ويقول بشكل واضح في هذا السياق: أتمني من كل عربي ومسلم أن يتمسك بأخلاقياته لأن الغرب ليس أفضل منا بشيء وأتمني أن نتخلص من مركبات النقص المتفشية في مجتمعاتنا ، ويعلن بصراحة عن قرفه وازدرائه من بعض العرب الذين يخجلون من هويتهم العربية، وينزعونها عنهم توددا وتزلفا للغرب ولمنافعه، إنه يقول بغضب واضح: أشمئز من بعض العرب الذين يأتون إلي أمريكا ويغيرون أسماءهم العربية ويتنكرون للغتهم العربية فقط لتسهيل أعمالهم .
أكثر من هذا فإن العقاد يعلن عن انتمائه للخط النضالي الذي مضي وسار فيه الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر، فببلاغة الشعراء يقول: التاريخ العربي المعاصر ليس به أي شيء مشرف عدا عبد الناصر الذي أعطاه الكرامة والعزة التي لم يرها بعده كعربي.. ويفيدنا بأن له فيلما وثائقيا مع حسنين هيكل عن عبدالناصر، وأن المدة الزمنية لهذا الفيلم تستغرق 7 ساعات، ويتساءل ببراءة الأطفال، لما لم تفكر أي فضائية عربية في بث هذا الفيلم؟ وكما هو معروف، فإن أغلب ساعات بث برامج هذه الفضائيات محشوة بأغاني الفيديو كليب الهابطة، والأفلام الخليعة، والمسلسلات التافهة، وسباقات الهجن، وليس فيها متسع من الوقت لتقديم فيلم وثائقي عن عبدالناصر، فالوقت موجود فقط للتهجم عليه، وعلي فترة حكمه، ووسمها بأقذع النعوت، كما يفعل ذلك الليبراليون العرب الجدد..
رحم الله مصطفي العقاد، لقد عاش فنانا كبيرا، وإذا كان من المؤكد أنه سيظل، رغم أنف التطرف الديني الذي وضع حدا لحياته، شامخا ومرفوع الرأس ومحترما وحيا في قلوب الجماهير التي تمتعت بأعماله الفنية وعشقتها، فإن التطرف الليبرالي العربي الجديد الذي أراد السطو علي تاريخ هذا الرجل وقرصنته، واستغلال الظروف التي توفي فيها لتلبيسه ثوبا إديولوجيا كان العقاد ينظر بازدراء واشمئزاز لمن يلبسه.. هذا التطرف، لا يختلف كثيرا عن التطرف الأصولي فيما يخص التعامل مع مصطفي العقاد.
فكل واحد منهما يريد قتله بالطريقة التي تناسبه، الأول بشكل مادي عبر تفجير إرهابي، والثاني بشكل رمزي بتحويله إلي نقيض لما كان عليه طوال حياته، ولما ظل يناضل من أجله ويعتز به. العقاد أكبر منهما معا، لأنه سيظل خالدا، بأعماله الفنية الرائعة، وبمواقفه المنحازة لنضالات وتطلعات المسحوقين من أبناء أمته.
كاتب من المغرب
القدس العربى
22/11/2005
عبدالسلام بنعيسي
مات المخرج السينمائي السوري مصطفي العقاد في التفجيرات الإرهابية التي ضربت العاصمة الأردنية عمان. كان ضحية من ضمن ضحايا كثيرين سقطوا نتيجة لعنف أعمي يجتاح المنطقة العربية ويعصف بها. ولقد هب الكثيرون بأقلامهم لنعي مصطفي العقاد، وُكتبت العديد من المقالات في الصحف وفي مواقع الأنترنت، وتليت علي شاشات الفضائيات. ومن بين المقالات التي لفتت الانتباه في هذا الصدد، تلك المقالات الصادرة بلغة عربية، عن جهات مستعربة، ولكنها لا تخفي عداءها للعروبة والإسلام، بل تجهر بذلك، وتستلذ بكل المشاكل والمآسي التي يعيشها العالم العربي، وتنظر نظرة تحقيرية وعنصرية إلي الثقافة العربية، وتتهمها بالهمجية، والتخلف، والتعصب، والتطرف، والنزوع صوب القتل والتدمير والإرهاب.
أصحاب هذه الأقلام أيضا سعوا لإبداء تأثرهم لسقوط المخرج السينمائي مصطفي العقاد ضحية للإرهاب في عمان، علما بأنهم لا يبدون أي تأثر أو تعاطف صوب ضحايا المذابح والمجازر التي يرتكبها بالجملة، الأمريكيون في العراق، والإسرائيليون في فلسطين، وإنما نجدهم يبررون تلك المجازر ويدافعون عليها، ويشمتون ويتشفون بخسة في ضحاياها.
وتترك مقالات هؤلاء الانطباع بأنها تحاول توظيف استشهاد مصطفي العقاد، بتلك الطريقة المأساوية التي نتألم لها، لصالح طرحهم الداعي للانبطاح للمشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، ويستشف من مقالاتهم، وكأن الرجل كان من طينتهم، وأنه يقاسمهم نفس المشاعر والأحاسيس الكارهة للعروبة والحاقدة علي الإسلام.
وللحقيقة وللتاريخ، فإن الرجل لم يكن من المتنكرين لهويتهم العربية، ولم يكن من الذين يرفضون الحديث عن الماضي الذي كانت فيه للعرب أمجاد كبيرة، علي أساس أن كل حديث من هذا الصنف يجب أن يرفض، كما يقول بذلك الليبراليون العرب الجدد، لأنه حسب زعمهم يدعو إلي التقوقع علي الذات، ويحض علي الكراهية، وإذا جري حديث ما عن الماضي العربي، يتعين أن يكون حديثا لا تبدو فيها إلا سوءات العرب، ونواقصهم، وعيوبهم، وأن يقع تجنب الإشارة إلي أي شيء إيجابي في ماضيهم، وكأن تاريخهم لم يكن إلا سلبيات في سلبيات.
لقد كانت مادة أفلام العقاد علي العكس من ذلك، مستمدة من ماضي العرب القريب والبعيد، فلقد أخرج كما هو معلوم فيلما عن الثائر الليبي عمر المختار، وبين من خلاله للجمهور كيف قاوم هذا البطل الاستعمار الإيطالي وتصدي له وكبده بإمكانيات محدودة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.. وفي فيلم الرسالة، تناول باحترام وتقدير، حياة الرسول محمد صلي الله عليه وسلم، ولقد توفي الرجل، وهو يبحث عمن يمول له فيلم صلاح الدين الأيوبي .
يقول مصطفي العقاد: إن حرصي علي تقديم هذا الفيلم ينطلق من مشكلة موجودة، تحديدا بالنسبة لقضية القدس، ونحن في الفيلم نؤرخ لها تاريخا عربيا واسلاميا.. ويضيف قائلا: إن صلاح الدين وحَّد وغزا، وحمي الأديان ولم يفرق بين مسلمين ومسيحيين، أما الصليبيون فقد هدموا الكنائس، وقتلوا الرهبان، ووصلوا إلي بيزنطة وأحرقوها، ولما دخلوا القدس ذبحوا المسلمين والمسيحيين واليهود ، فالرجل يريد إعادة كتابة التاريخ بعين متفتحة، ونقدية، وغير متحيزة، ولا منبهرة، أو شاعرة بالنقص والدونية تجاه الآخرين. إن له كلمته التي يريد الإدلاء بها انطلاقا من موقعه كعربي ومسلم، كلمة تقدم قراءة للتاريخ غير تلك التي يريد لنا الغرب وأزلامه، ممن يحملون الصفة العربية وهي بريئة منهم، أن نتجرعها، ونسلم بها ولا نقبل غيرها.
ويشرح العقاد الفكرة قائلا: أريد أن أقدم رجلا منا بشهامته ونبله وأخلاقه التي يعرفها عنه الغرب أكثر مما نعرفها نحن.. مشيرا إلي أن سيرة صلاح الدين هي الإسقاط المعاصر للأحداث التي تجري علي الساحة اليوم، وفي زمنه كانت فلسطين محتلة، كما هي عليه الآن، لكن هو جاء و(نظف) ووحَّد وغزا أخلاقيا.. ، مؤكدا علي أنني أريد تقديم صلاح الدين لتثبيت عروبة القدس . فالعقاد له قضية تتمثل في تحرير الأرض العربية التي ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، ويريد المساهمة بعمله الفني في تحريرها من مغتصبيها، بخلاف الذين يريدون أن ينسبوه ظلما وبهتانا إليهم، رغم أنهم من دعاة التفريط في الأرض، ومن مؤيدي الاحتلال، والداعين للقبول به والتعايش معه.
وفي موضوع الإرهاب الذي يكاد الليبراليون العرب الجدد أن يجعلوه سلوكا مرتبطا بالعربي وبهويته وثقافته بشكل فطري، وصار مثل سيف ديموقليس مسلطا فوق رؤوسنا، كيف يتناوله وينظر إليه العقاد؟ فبالنسبة له الغرب والأمريكان يتحدثون عن الإرهاب الديني، وما دام الأمر كذلك، فإنني أريد أن أقول لهم: وهل هناك أكثر من الحروب الصليبية التي كانت مثالا للإرهاب الديني والتي لم نجد رغم حدوثها من يتهم المسيحية بالإرهاب.. ، فالرجل يميز بين الأديان وبين السياسات، فكما يصف الحروب الصليبية بكونها مثالا للإرهاب الديني، فإنه يرفض أن يقترن ذلك بالمسيحية، كما لا ينبغي، استنتاجا من كلامه، ربط ما يرتكبه الإسلاميون المتشددون من أعمل إرهابية بالإسلام، سيرا علي عادة الليبراليين العرب الجدد.
إذا كانت الإساءة للعرب والمسلمين تحولت إلي وسيلة ناجعة يتعيش بها بعض العرب من أعداء العرب، فإن مصطفي العقاد حازم وقاطع في هذا الباب، فمن قلب أمريكا حيث يشتغل، وفي وسط جحافل المعادين للعروبة والإسلام، وبشكل لا تردد، ولا لبس فيه، ومن منطلق المقتنع بما يؤمن، يصرح العقاد قائلا: أنا من رابع المستحيلات أن أقبل أن يوضع اسمي علي فيلم أشك ـ مجرد شك ـ في احتوائه علي أي شيء يسئ لأمتي العربية.. ، رغم أن حكام الأمة العربية وأغنياءها جاروا عليه، ولم يوفروا له الإمكانيات المادية اللازمة لإنتاج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي، هؤلاء الحكام الذين ينفقون الملايين من الدولارات علي الغانيات في الليالي الحمراء بعواصم الغرب.
لا يشعر العقاد بأي مركب نقص تجاه الغرب، إنه يدعو العربي والمسلم إلي الافتخار بدينه وأصله، ويقول بشكل واضح في هذا السياق: أتمني من كل عربي ومسلم أن يتمسك بأخلاقياته لأن الغرب ليس أفضل منا بشيء وأتمني أن نتخلص من مركبات النقص المتفشية في مجتمعاتنا ، ويعلن بصراحة عن قرفه وازدرائه من بعض العرب الذين يخجلون من هويتهم العربية، وينزعونها عنهم توددا وتزلفا للغرب ولمنافعه، إنه يقول بغضب واضح: أشمئز من بعض العرب الذين يأتون إلي أمريكا ويغيرون أسماءهم العربية ويتنكرون للغتهم العربية فقط لتسهيل أعمالهم .
أكثر من هذا فإن العقاد يعلن عن انتمائه للخط النضالي الذي مضي وسار فيه الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر، فببلاغة الشعراء يقول: التاريخ العربي المعاصر ليس به أي شيء مشرف عدا عبد الناصر الذي أعطاه الكرامة والعزة التي لم يرها بعده كعربي.. ويفيدنا بأن له فيلما وثائقيا مع حسنين هيكل عن عبدالناصر، وأن المدة الزمنية لهذا الفيلم تستغرق 7 ساعات، ويتساءل ببراءة الأطفال، لما لم تفكر أي فضائية عربية في بث هذا الفيلم؟ وكما هو معروف، فإن أغلب ساعات بث برامج هذه الفضائيات محشوة بأغاني الفيديو كليب الهابطة، والأفلام الخليعة، والمسلسلات التافهة، وسباقات الهجن، وليس فيها متسع من الوقت لتقديم فيلم وثائقي عن عبدالناصر، فالوقت موجود فقط للتهجم عليه، وعلي فترة حكمه، ووسمها بأقذع النعوت، كما يفعل ذلك الليبراليون العرب الجدد..
رحم الله مصطفي العقاد، لقد عاش فنانا كبيرا، وإذا كان من المؤكد أنه سيظل، رغم أنف التطرف الديني الذي وضع حدا لحياته، شامخا ومرفوع الرأس ومحترما وحيا في قلوب الجماهير التي تمتعت بأعماله الفنية وعشقتها، فإن التطرف الليبرالي العربي الجديد الذي أراد السطو علي تاريخ هذا الرجل وقرصنته، واستغلال الظروف التي توفي فيها لتلبيسه ثوبا إديولوجيا كان العقاد ينظر بازدراء واشمئزاز لمن يلبسه.. هذا التطرف، لا يختلف كثيرا عن التطرف الأصولي فيما يخص التعامل مع مصطفي العقاد.
فكل واحد منهما يريد قتله بالطريقة التي تناسبه، الأول بشكل مادي عبر تفجير إرهابي، والثاني بشكل رمزي بتحويله إلي نقيض لما كان عليه طوال حياته، ولما ظل يناضل من أجله ويعتز به. العقاد أكبر منهما معا، لأنه سيظل خالدا، بأعماله الفنية الرائعة، وبمواقفه المنحازة لنضالات وتطلعات المسحوقين من أبناء أمته.
كاتب من المغرب
القدس العربى
22/11/2005