المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : عن الزمان والمكان والشخصية في أعمال الأديب الراحل عبد الرحمن منيف: مدن تعيش خلف سراب


سويري
21/11/2005, 02:39 PM
عن الزمان والمكان والشخصية في أعمال الأديب الراحل عبد الرحمن منيف: مدن تعيش خلف سراب الصحراء يحولها النفط والقمع الي وحش جديد



ابراهيم درويش
عبدالرحمن منيف (1933 ـ 2004) الاديب العربي المعروف كان مشغولا في اعماله الروائية بتثوير الرواية، ويبحث عن ثوار روائيين قادرين علي مواجهة الاستكانة والعجز العربي، فهو الذي وصف نفسه بالثائر الروائي انشغل بموضوعين شكلا المدماك لكل رواياته وهما القمع والنفط، وعبرهما عمل علي تشكيل مدن وقراءة اماكن وحيوات شخوص، لم يكن فيها مشغولا بالتأنق اللفظي او بناء شعرية خاصة عن المكان بقدر ما اراد ان يقدم رؤية عن الطريقة التي يتشكل فيها المكان بفعل الاستغلال والاكتشاف وعلاقته بالفرد الذي قد يكون عامل هدم او بناء.
وفي داخل هذا الفهم كان منيف يقرأ التغييرات النفسية والظاهرية التي تحدث علي المكان، والتحول المثير في العلاقة القريبة بالمكان الي غربة عنه.
منيف الذي كتب رواياته فيما بعد الهزيمة العربية والانكسار العربي كان مشغولا بالهموم السياسية والثورية التي تفرعت عنها، فقد قال مرة نحن بحاجة الي ثوار روائيين لديهم تطلعات، لديهم صيغ واساليب في التعبير، ولديهم هموم يشركون الاخرين فيها ، وهذا لا يعني بالضرورة الدخول في اطار المباشرة السياسية ولكن رصد وتوثيق العصر الذي يعيش فيه الكاتب، وبداية من الاشجار واغتيال مرزوق حتي روايته الاخيرة ذات النفس الملحمي ارض السواد عن بغداد العثمانية كان يصور اثار السياسة علي العربي واثار الطبيعة علي نفسيته، علاقته بالمكان، حس الانتماء والاقتلاع الذي يولده مكان ما، والشعور بالغربة والاغتراب عن هذه الارض التي تتغير ولكن الانسان يأبي التغيير. غير ان منيف المثقف ايضا لم يكن غافلا عن الاثار التي تركتها الحداثة القاسية التي جاءت الي وطننا العربي ولم تخلف وراءها الا الاستغلال والسجون والفقر والتفرقة. ومثل الجانب السياسي في حياة منيف كان الجانب الروائي يؤمن بقدرة الرواية علي التغيير.
البطل الروائي الفردي لديه التزام نحو مجتمعه وواقعه ولكنه ليس كل شيء ففي اعمال منيف ابطال يلعبون ادوارا مهمة في التغيير. المكان في مدن الملح في اجزائها الخمسة، يصبح عاملا مهما يتداخل في حيوات الشخوص والزمان، يصبح المكان المصهر او البوتقة التي تنصهر فيها كل الشخصيات التي تتعاقب كمياه النهر الجاري بحيث لا يتوقف الواحد منها اكثر مما يحتمله المشهد او الحالة فاسحا المجال لكي يأتي الاخر البديل المكمل ويواصل المشوار ـ الحياة. تتنوع شخصيات منيف في اعماله الروائية فهو وان قدم صورا عن الشخصية الانتهازية والاجنبية، الا انه يفسح المجال امام عدد من الاصوات لتكمل الالتحام الذي يبدو ضرورويا في بناء واحكام البناء الروائي امام شخصيات شعبية، ولا يغفل صوت المرأة، المثقف والشعبي والمرأة والاجنبي نماذج من الوجوه التي عاشت في عالم منيف الروائي، في محاولته لبناء صلة وتواصل بينها وبين المكان والزمان.
توزع انتاج منيف الروائي بين الواقعي النقدي الي الرومانسي والتأصيلي التراثي، وفي كل هذا الانتاج ظل منيف يجرب في الاشكال الروائية التي يظل الواقعي من اقرب الاشكال الادبية له، ولكنه ظل يبتكر ويطعم اساليبه السردية بالمثل والاشعار الشعبية بل ان استخدامه للهجة العامية يضفي نوعا من التوتر والجمالية علي نصه، وبدا هذا واضحا في تقديمه اللهجة الشعبية الجميلة في توترها وغنائيتها في عمله الاخير ارض السواد .
علي خلاف كتاب الرواية العرب الذين اتخذوا من مكان محدد في الجغرافيا العربية عاملا مميزا ولكنه قابل للتطبيق علي اجزاء اخري منه، كان منيف يقدم اماكن ليست محددة ولكنها تجمع العديد من الصفات المحددة والممثلة للواقع العربي، ولهذا السبب جاءت مدنه ممثلة للواقع العربي دون ان تكون محددة بمكان حقيقي معروف، موران والطيبة ووادي العيون وحران والعوالي والجسر وعساف هي اسماء اماكن والقاريء لديه القدرة علي وعي صورة المكان وربطه باي واقع عربي، هذا لا يعني ان منيف لم يكن شغوفا برسم المكان وتحديد ملامحه فتضاريسه واجزاؤه واضحة لان المكان يظل خزانا لافكار ومشاعر الشخصية، حيث يولد معها ويتشكل بتشكلها ولديه قابلية علي الزوال كما في مدن الملح التي يقترح عنوانها وجودا مؤقتا قابلا في اي لحظة للانتهاء والتلاشي، وهذا الوجود قائم علي الطفرة. لا محدودية المكان لا تجعل من مسرح الاحداث ارضا غامضة فتنازية فاسماء الروايات تدل علي مكانيتها. المكان في بناء منيف الروائي مرتبط بالانسان والزمان فقيام مدينة او مكان ونهايته متصل بهذه الثلاثية التي تبدو هامة في سرد الكاتب يروح ويجي الثاني يا ابو عزيز، وتنبني المدينة الجديدة، وكأنه ناقصنا مدن، وتقوم مدن ملح، وترتفع وتكبر اذا جاءها الماء فش ولا كأنها كانت .
كل اعمال منيف تبدأ بمكان وتنتهي به وبدأت موران تتنصت وتتلفت وتترقب.... من جديد ، انه وادي العيون.. ، فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الارض او سقطت من السماء .
في بناء منيف لعالمه الروائي لم يكن المكان عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه ، وللامكنة بعد اخر يتحكم فيها وهو الزمن، وهو الذي يترك اثره الاخر علي الشخصيات الروائية في عالم منيف، ان اكثر ما تخشاه شخصيات منيف هو الزمن، الحكيم صبحي ان اكثر ما اخشاه هو الزمن ، انا وموران وهذا الزمن ، وعلي الرغم من مركزية الزمن في رواياته الا انه من الصعوبة بمكان تحديد الفترة التاريخية التي تجري فيها احداث الرواية، ويتجاهل منيف تحديد الزمن، ويتركه فضاءا فسيحا، وهو يشير الي بعض التواريخ والاحداث مثل احداث عام 1948، واحداث ايران وثورة مصدق، وحكم الاتراك والحربين العالميتين. في الوقت الذي يجد فيه القارئ صعوبة في تحديد ازمنة الرواية، الا ان الكاتب يجد الحرية الكاملة في التلاعب فيها، اختصاره وتكثيف حياة شخص او تجربة تمتد علي اربعة وعشرين عاما الاشجار واغتيال مرزوق الي بضع ساعات تستعاد في رحلة قطار. تحفل روايات وعوالم منيف بالعديد من الشخصيات، منها المثقفة ومنها الشعبية، ولكنها تشترك في حالة الاغتراب التي يعاني منها الانسان العربي، الانسان الضائع، والمثقلة بمشاعر الذنب، وهي محطمة متآكلة فقدت الامل بحدوث تغيير.
في روايات منيف قليلة هي الاماكن الاليفة والجميلة، التي يعيش فيها الابطال في انسجام وتواؤم، وحتي هذه الاماكن التي كانت تحط بها القوافل ظلت مهددة. وفي غالب الاحيان فالمكان بطبيعته اليف حتي في ظروفه القاسية الا ان الظروف التي جمعت الابطال به هي التي شوهت طابع العلاقة، وهذا باد في معظم الاماكن التي برزت في مدن الملح ، الحدرة، وحران التي حولها النفط والامريكان. وهناك صلة عضوية بين براءة المكان الذي يعيش خلف سراب الصحراء العنيدة والقاتلة، وبين وصول الالات العتيدة التي لم تغير البيوت وطابع الارض كما حلم في ذلك الحكيم صبحي المحملجي، بل غيرت نفسيات الناس بحيث صارت صيرورة الزمن الذي عاشوا فيه قاتمة وغريبة، بعضهم تهمش وانعزل والبعض الاخر اخذ يطارد خياله واشباح الماضي التي لم يتخل عنها، فيما فقد الاخر عقله، وصار موضعا للشبهة.
صالح الرشدان مثلا في الاخدود الذي ظل حريصا علي البقاء قريبا من السوق القديم الذي كان يشير الي انفتاح المدينة علي العالم/ عالم القوافل شعر بالوحدة والنبذ، تفرق من حوله الناس، وهو الذي كان سيد الزمن، والمكان يأمر وينهي، وعندما مات ابنه، لم يشاركوه الفقد، بل اتهموه بالسرقة، وعندما سار حاملا النعش الابيض الصغير بين يديه، كان وحيدا و يثير السخرية اكثر مما يثير الشفقة، يا جماعة، صالح سارق له سرقة، مثل الحرامي يهرول ولا بد ينكفي علي وجهه وتبين سرقته ... ولكن صالح لا يلتفت ويسير لا يرفع وجهه، لا يسمع، ويمسك بجثة الصغير، بحقد اكبر، وكأنه يريد ان يستمد منها مزيدا من الصلابة والقوة .
علاقات الابطال مع المكان في بعض المرات تأتي نتاجا للاختلاف والصور الجاهزة، كما في مواجهة الامريكي مع الصحراء، التي بدت لهم كالجحيم وبدوا فيها كحيوانات محاصرة بالنيران يتراكضون في كل الاتجاهات ويصرخون ويتعاركون، فالصحراء تبدو ملعونة في رؤي القادمين الاجانب. حتي الحكيم الذي آمن عندما حل في موران، ان البشر هم الذين يخلقون الامكنة، بدا يعيد النظر في رؤيته، عندما اخذ يجول في اجواء هذه المدينة التي تحولت الي مسخ، والي عالم منفر يذرع المدينة الان لا يري في وهج الشمس الا كتلا سوداء صماء عاتية، وهذه الكتل تناصبه العداء لدرجة انه تمني لو انه لم يأت اليها . ان النظرة الشاكة في التطور والتحولات التي حدثت سريعا علي مجمتع الصحراء هي ادانة واضحة لعمليات التحديث التي حلت في المجتمع البدوي الذي نقل فجأة الي مجتمع نفطي. انها المدينة الجديدة التي قامت علي انقاض مدن الصحراء، مدن التآلف والانتظار، لم يعد فيها مكان للحياة الجماعية، وادي العيون لم يعد في ايام الخصب يخترع الحكايات والاحتفالات ليطيل اقامة القوافل، فالمشاعر الانسانية والجماعية في مدن الملح الجديدة الطالعة لم تعد موجودة. في اجواء كهذه يشعر الابطال بالسلبية ويفكرون بالرحيل الي مرافئ جديدة نسيت كل الجسور التي تصلني بالعالم، بشاطيء السلامة، لم يبق امامي الا ان اشرب، انا مجرد انسان عادي، مضطهد ، هكذا يقول بطل الاشجار واغتيال مرزوق ، بل يسائل كل اليقينيات التي شب عليها مثل فكرة الوطن الذي يختصر الانسان في جو كهذا الي مجرد انسان يتيه في الشوارع يبحث عن عمل ووراءه المخبرون .
وعندما يقرر الرحيل، يقر في نفسه انه لن يعود، سيغادر الوطن وينسي الاشعار التي تعلمها في المدرسة والحنين والمشاوير والقمر في الصحراء، فيما يقرر بطل حين تركنا الجسر التوقف عن القراءة والتفكير، بل ان البطل المثقف في هذه الحالة يألف الهزيمة، ويتلذذ بها. منيف في تصويره لاشكالية المثقف العربي في اي مكان لا يريد ادامة حس الهزيمة والهوان بل يريد منه ان يتمرد علي واقعه، ولهذا يفتح لهم منيف الباب امام التكفير احيانا عن اخطاء الماضي والعودة للذات، كما في حالة رجب اسماعيل شرق المتوسط والياس نخلة الاشجار واغتيال مرزوق . مقابل شخصية المثقف المهزوم والبطل الشعبي، تحفل اعمال منيف بالشخصيات التي تجسد السلطة الامير فنر ، السلطان خريبط ، و حماد المطوع الذي يشكل ويؤكد بما يرمز اليه من سطوة الامن والعيون علي حماية السلطة التي تعيش داخل قصورها، وتشعر بعزلة خاصة لولا الامن والرجل الاجنبي هاملتون مثلا (مدن الملح) الذي جاء برومانسية المستعمر واراد مزجها ببساطة البداوة من اجل تثبيت الاستعمار والسيطرة علي دفة الاقتصاد دون الالتفات الي حياة الناس العاديين.
وهناك شخصية الانتهازي الحالم مثل المستعمر التي ساهمت في بناء المجتمع النفطي ولكنها لم تتورع عن استغلال كل الوسائل لصالحها تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة ، وهناك المرأة التي عكست شكل القمع او صوره المفروضة عليها في المجتمع، وهي ان لم تلعب دورا ثانويا ولم تبرز في عملين مهمين النهايات و حين تركنا الجسر ، فقد كان وجودها ضروريا، ولعبت دور المحرك في الكثير من الاحداث، سواء كزوجة، ربة بيت، خليلة في القصر، او زوجة رجل انتهازي لم تتورع عن اهتبال اية فرصة لإرواء شبقها ومع ذلك ظلت وفية لاطفالها.
ان قراءة منيف ضمن معادلة الزمان والمكان والشخصية تظهر دوره الريادي في تشكيل وتطوير الرواية العربية الحديثة، وكيف حاول الاستفادة من تقنيات السرد الغربي واشكاله، والعودة الي التراث العربي، واذا اخذنا خماسية مدن الملح فهي وان كانت عن صدمة الحداثة، ونشوء المجتمعات الاستهلاكية التي لم تتخل عن بداوتها، تظل عملا ملحميا، وظف له منيف التراث الشعري والمخزون التراثي البدوي، وقام من خلال هذا المزج برصد تحولات منطقة في العالم العربي، تغيرت بفعل ثنائية القمع والنفط.
وهذه القراءة التي يقترحها الباحث والناقد الفلسطيني، نبيه القاسم تختلف عن القراءات السابقة لاعمال منيف والتي استندت علي تحليل الموضوعات التي شغلت الكاتب، ولم تنتبه الا بقدر للجوانب الفنية والسردية وتطور الشخصيات والاحداث فيها.
والقراءة الجديدة هي موضوع كتاب القاسم الصادر حديثا في فلسطين الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف: المكان ـ الزمان ـ الشخصية ، والكتاب في الاصل اطروحة دكتوراه تقدم بها لجامعة تل ابيب واشرف عليها الباحث المتخصص بالادب العربي ساسون سوميخ. ونبيه القاسم ليس باحثا اكاديميا فقط، بل هو ناقد رصد تطور الحركة الادبية في فلسطين المحتلة ويتابعها منذ اكثر من ثلاثة عقود دراسات في القصة المحلية ، دراسات في الادب الفلسطيني المحلي ، في الرواية الفلسطينية ، واصدر عددا من المجموعات القصصية ابتسمي يا قدس ، و آه يا زمن ، اضافة لعدد من الابحاث التاريخية والكتب التعليمية.
ناقد من اسرة القدس العربي
الكتاب:
الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف
المكان ـ الزمان ـ الشخصية
نبيه القاسم
دار الهدي للطباعة والنشر
كفر فرع/ 2005


القدس العربى
21/11/2005

مطعون
29/11/2005, 05:31 AM
رحم الله على عبدالرحمن منيف ، لم أكن اعرف أنه قد توفي ... اذكر اني قرأت له منذ زمن روايته مدن الملح...

صقرالشمال
01/12/2005, 09:00 PM
رحمه الله تعالى

الحزين
22/12/2005, 11:19 AM
كنت دائما أسأل نفسي: لماذا أحببت روايات منيف أكثر من غيره ؟

و الجواب ببساطة يقع في أمرين:
أولا - المواضيع التي يتناولها منيف في معظم رواياته (الظلم، الكبت ، ضياع الهوية ...)
ثانيا - الأسلوب الروائي، من حيث سهولة اللغة و سلاسة الخطاب بحيث أنك تحس بأن منيف يتحدث إليك مهما كانت الفئة العمرية التي تنتمي إليها.


يقول صاحب المقال بأن آخر رواية كتبها منيف كانت أرض السواد، و لكني أذكر في مقابلة أجريت معه على الجزيرة \ العربية قال بأنه يعمل على رواية جديدة و أن موضوعها سيكون مفاجأة ... فهل يا ترى استطاع منيف أن يكمل هذا العمل أم لا ؟

سويري
25/01/2006, 12:49 AM
في الذكري الثانية لرحيل الروائي العربي عبد الرحمن منيف: نصان غير منشورين:


الرواية بديلا عن التاريخ.. والمكان العربي واحد في القمع.. ووصيته لا تصدقوا التواريخ الرسمية
تحل اليوم الذكري الثانية لوفاة عبد الرحمن منيف 24/1/2004 كاتب مدن الملح وموثق تاريخ الحداثة المشوهة في الصحراء العربية، عبد الرحمن منيف الكاتب الذي كتب خماسية مدن الملح، التي تعتبر من اجمل واطول الروايات العربية، وهو الذي جاء الي الكتابة متأخرا ساهم في رصد مداميك الرواية العربية التي كانت تتشكل وتتطور علي يد المبدع العربي الحي نجيب محفوظ. واسهام عبد الرحمن منيف انه قدم التاريخ كشهادة عن الواقع المر، والرواية كبديل عن الواقع المشوه في صحراء فقدت وهجها ووديانها وتلالها وحل بها الغرباء. واعمال منيف ساءلت المصير العربي المر، خاصة سؤال الهزيمة، فسؤال النهضة الكبير الذي طرحه النهضويون العرب لماذا تخلفنا عن الركب وتقدم غيرنا، صار لماذا انهزمنا لماذا هزمنا أول مرة وكانت لدينا جيوش.. وكانوا هم عصابات؟ ولماذا هزمنا ثاني مرة وكانت لدينا جيوش وعصابات.. وليس لديهم إلا جيوش؟)، كما صرخ منصور في رواية الاشجار واغتيال مرزوق . كان عبد الرحمن منيف المشغول بمصير الانسان العربي، مهتما اكثر بفكرة التعذيب والسجن، وكيف تحول العالم العربي او شرق المتوسط الي سجن كبير، فبين الصحراء التي تعبر عن انطلاق الروح الي السجن الذي صارته بفعل اكتشاف النفط، رسم عبدالرحمن منيف اقانيم الواقع العربي المتمثلة بالسجن والتعذيب/ الارهاب، والبطالة والتقلقل
ومن خلال هذه الاقانيم قام منيف المراقب، والمثقف باكتشاف حقيقة الزمن العربي ومساءلتها، وكان بهذه المثابة الرواي/ الشاهد علي عالمنا العربي. وكان منيف ايضا تجسيدا في حياته وذاكرته وسيرته الشخصية للوطن العربي الحلم، الذي لم يولد، ، وقتلته السياسة، فهو مولود في عمان الاردنية، لاب سعودي وام عراقية، وعاش مترحلا في الفضاء العربي بين العراق ومات في سورية، وكتب سيرة مدينته الاولي التي تظل من اجمل ما كتب عن المدن العربية، عمان العاصمة الاردنية. وحمل في تكوينه الشخصي، والفكري تمردا انعكس في كتاباته، فهو جاء الي الكتابة ناضجا ومتكملا، وكأن سنواته السابقة كانت تحضيرا لانطلاق او انفجار الروائي فيه، فبعد الاشجار واغتيال مرزوق جاءت (قصة حب مجوسية) وأعقبتها روايته (شرق المتوسط)، وهي الراوية التي ابدعها منيف في ايام معدودات، ولكن وجعها وصداها كان يعيش معه لسنوات طويلة، فالكتابة عند منيف، ومتابعتها هي تدفق، وانثيال، وهي تماه مع الحدث والشخوص، ولهذا فكل عمل من اعماله يحمل ذلك التدفق الثر، والانسياب الجميل. وتتابعت اعمال منيف الروائية، التي صارت تولد مثل الحلم، رغم انها تحمل كوابيس واشواق السجناء والمحرومين من الحرية، حيث جاءت معالجته للنكبة الفلسطينية في رواية (حين تركنا الجسر) وهي العمل الذي احتفل فيه الكاتب بالمبني الروائي وحرفية السرد. وبعد انجازه هذه الاعمال تقدم لنا منيف بمشروعه الملحمي عن المدن التي تذوب او تذوب الصحراء، الزمن الطارئ، الذي يولد بفعل الطفرة النفطية مدن الملح وظل المشروع هذا اساسيا في مبني الرواية العربية بعد ثلاثية نجيب محفوظ عن القاهرة الخالدة. وهو ان لم يصل توتره الروائي الذي اقامه في الثلاثية، في عمله الاخير ارض السواد عن بغداد العثمانية، الا انه يظل من اكثر الكتاب العرب انتشارا، ومشروعيته الكتابية تنبع من اخلاصه لمهنته ككاتب، وصورته التي لم تتشوه في عقل القارئ بالسياسة او مواقفها، فقد ظل مخلصا لمداه العربي، ولهذا سيظل منيف الكاتب العربي الذي جسد فكرة العروبة، ليس كايديولوجيا او جغرافيا ولكن كحلم اكثر من اي كاتب عربي.
كان منيف يري ان السرد الروائي ما هو الا صيغة من صيغ اكتشاف العالم ومعرفته بشكل أفضل من أجل التعامل معه ضمن قوانينه الحقيقية وأيضا لكي نراه دون عمليات تجميل.
ومن هنا فالقاريء لاعماله يشعر بحس المكان فيها ولكن لا يعرف ماهية الجغرافيا، فهو لم يحدد الامكنة لانه كان يري ان الشرط العربي المعاصر، القمع، والسجن وغياب الحرية هي مظاهر عامة تجتاح وتتسيد العالم العربي. عاش منيف الهزائم العربية، ولم يفقد امله في ولادة عالم عربي جديد، عالم تحترم فيه كرامة الانسان، ولكنه مات وحلمه لم يتحقق، فما حققه في الرواية او حاول الوصول اليه دراميا ظل عصيا علي التحقيق في حياته، ولكن الكتابة التي تصل احيانا درجة النبوءة، قد تكون العربة التي تجرنا نحو تحقيق او انجاز هذا الحلم الذي دعا اليه منيف وحاول تبصره في اعماله.
لم يكن منيف بقادر علي بناء حلمه العربي الكبير، بدون ثقافة واسعة، وانفتاح علي المعرفة، ولهذا كان لديه تلك القدرة الساحرة علي السرد والحكاية، مات وفمه ملآن بالحكايات الكثيرة ولا نعرف كيف سيكون رد منيف علي المآل الذي صارت اليه بغداد، المدينة التي تموت يوميا، وتحترق وباحتراقها تموت ادوات المعرفة، وتختفي جوهرة من مدن الحلم العربي، ولهذا السبب كثيرا ما حذر من الايمان بالرواية الرسمية للتاريخ، وبهذه المثابة تمثل اعماله رؤية مختلفة عن التاريخ الذي بنته دول القمع وانظمته وحولت البلاد الي سجن كبير يقول أين هو التاريخ؟ أري ركاما من الأكاذيب والافتراءات، ولا أري شيئا غير ذلك! ليست هناك وقائع صحيحة بالمرّة. وأيّة واقعة ترونها الآن مكتوبة بخط أنيق، علي صفحات مصقولة، يجب أن تفترضوا سلفا أنّها كاذبة! أو علي أقل تعديل يجب أن تشكوا بصحتها. ابحثوا في عقول الذين ينزوون في المقاهي لا يكلمون أحدا، وإنما يُراقبون المواكب التي تمرّ، وترتسم علي شفاههم ابتسامات حزينة، ابحثوا هناك لعلكم تجدون بداية لتاريخ حقيقي .
ويقول في مقام اخر انه توجه للرواية ليس كوسيلة للهروب وإنما كوسيلة للمواجهة، فقد كان للهزيمة تأثير في روحي لا يمكن أن أنساه، عالم بهذا الاتساع وبهذه الإمكانيات وأيضاً بهذا الكم الهائل من الشعارات والضجيج يهوي ويتساقط ليس خلال ستة أيام، وإنما خلال ساعات. وقلت في نفسي: هناك خلل كبير في الحياة العربية ولا بد من اكتشاف هذا الخلل وفضحه، وتبين لي أنني من خلال هذه الوسيلة أستطيع التعرف علي الأماكن والأشياء أكثر مما أتعرف عليها من خلال خطب الزعماء والقادة أو من خلال برامج الأحزاب السياسية وشعاراتها، مما ساعد علي اقامة علاقة خاصة بيني وبين الرواية.... منيف سلب من جوازه السفر السعودي ولكنه تمسك حتي النهاية بعروبته وايمانه بالعربي الجميل الذي عاش ازمنة قبيحة ستذوب كما ذابت موران ...
ابراهيم درويش


نصان غير منشورين

خصت زوجة الراحل السيد سعاد قوادري المنيف، القدس العربي بهذين النصين غير المنشورين للكاتب الراحل، وقالت في رسالتها أمام ما يحيط المنطقة من ترد وأمام هذه الهجمة الشرسة علي الأمة العربية وخاصة ما يجري في العراق الركن الأساسي لهذه الأمة وجد عبد الرحمن مع بعض الأصدقاء أن علي عاتق مثقفي ومفكري الأمة مسؤولية ضخمة لا تحتمل التأجيل فكان ضرورة وضع أفكار مبدأية للنهوض بعمل قد يجعل هذه المنطقة تقف علي المسار الأفضل وكانت فكرته طرح ما سماه (حوار موضوعي من أجل تجديد العمل السياسي) علي أن ينشر علي صفحات جريدة السفير ليكون بيد كافة مثقفي الأمة لبدء الحوار والاشتراك بمناقشة كل الأفكار علناً وايضاً علي صفحات الجريدة المذكورة وكان ذلك قبل أشهر من وفاته ولم يكتمل ما أراد ولكن إيفاء له ننشر هذه الورقة التي كان يأمل أن تتطور في طرحها مع اشتراك المثقفين والسياسيين المخضرمين والجيل الجديد في همومه وتطلعاته.

(1)
حوار موضوعي من أجل تجديد العمل السياسي:
المرحلة الراهنة تقتضي التحالف الوطني بين أوسع القوي
بناء علي برنامج وطني واستبعاد التناقضات الثانوية

وصل العمل السياسي العربي الراهن، فكرأً وممارسة، إلي نهايات سلبية، تتمثل في التراجع الكامل علي كافة المستويات؛ وفي العزوف الواسع من قبل الجماهير عن القوي السياسية؛ وفي التبعية المتخلفة للفكر المعولم بحيث أصبحت المسافة كبيرة بين الجماهير والفكر الذي يروج له، وتحول العمل السياسي إلي ردات فعل عاطفية ومؤقتة، الأمر الذي جعل الوضع هشاً، والمشاركة محدودة، والمجتمع عرضة لغزوات فكرية وعلمية؛ وزاد الحال سوء الاضطراب الفكري الذي يميز المثقفين في هذه المرحلة، بحيث أصبحوا بفكرهم وعلاقاتهم أداة إعاقة أمام الجماهير، وسبباً إضافياً في الاضطراب السائد خاصة وأن الأحزاب السياسية، التي كانت طليعة الفكر والعمل خلال فترات طويلة سابقة، تحولت الي هياكل شكلية ليس لها الفعالية والتأثير اللذان كانا لها سابقاً.
في مواجهة هذا الوضع العربي، وفي محاولة لتجديد العمل الفكري والسياسي العربي، لا بد من وقفة موضوعية تجري خلالها عملية نقد ذاتي للمرحلة السابقة، والبدء بحوار جريء يتناول نواقص العمل والممارسة من أجل تجاوز النواقص وأخطاء المرحلة الماضية، والبدء في تجديد الفكر والعمل السياسيين، وجذب أوسع الجماهير إلي المشاركة في العمل العام، وإرساء هذا العمل علي أسس واضحة وقوية، بحيث تبدو واضحة المهمات الوطنية المشتركة، ووجود مكان ومساهمة، ضمن القواسم الجامعة، لكثير من القوي التي تبدو متنافرة في المرحلة الحالية.
إن الحقيقة الفكرية، وبالتالي الممارسة العملية، ليست حكراً لقوة أو في جهة واحدة، وإنما هي موزعة وغير كاملة، مما أقام سدوداً بين القوي السياسية وجعلها تدخل فيما بينها في معارك مجانية، الأمر الذي استنفد القوي، وتغلب التناقض الثانوي علي التناقض الرئيسي، ما جعل التباعد والعداء من السمات الرئيسية لطبيعة العلاقات السائدة راهناً.
وضع مثل هذا، ومن أجل تجاوزه أيضاً، يتطلب أن يبدأ حوار واسع بين القوي السياسية، وبين المراكز الفكرية، وأن يدلي كل فريق بوجهة نظره سواء بالنسبة للمرحلة السابقة، أو ما يجب أن يُعمل لمواجهة أعباء المرحلة القادمة؛ وأن يستمع كل فريق للفريق الآخر لاستخلاص العبرة ولاكتشاف القواسم المشتركة التي تشكل أرضية صلبة للعمل المشترك ضمن رؤية واحدة أو متقاربة، لا من أجل أن يجبّ فكر الفكر الآخر، أو يعتبر نفسه المالك الوحيد للحقيقة.
علي الفكر السياسي أن يكتشف المشترك أو المتقارب بين الأفكار المطروحة، وتلك التي يمكن تطويرها نحو ذلك.
لأن المرحلة الراهنة تقتضي: التحالف الوطني بين أوسع القوي اعتماداً علي برنامج وطني طويل الأمد، أي أن الهدف التأكيد علي المشترك، واستبعاد التناقضات الثانوية، وبالتالي فإن إقامة الجبهات الوطنية الفعلية، وتعزيز التحالف الوطني يفوقان بأهميتهما الانغلاق الحزبي وادعاء الحقيقة.
ومن سمات المرحلة أيضاً ضرورة الاعتراف بالآخر واشراكه فعلياً في اتخاذ القرارات المصيرية، كل ذلك في جو ديمقراطي حقيقي يتم من خلاله الاعتراف المتبادل والرغبة في التعاون، وإمكانية تبادل السلطة، علاوة علي حرية التعبير للجميع، والإقرار أن المرحلة الراهنة هي مرحلة تحالف وطني واسع مما يقتضي مساهمة أوسع القوي لإنجاز مهمات المرحلة.
لقد تغلب علي المرحلة السابقة محاولة احتكار الحقيقة، وبالتالي العمل السياسي، وعدم الاعتراف بالآخر او ضرورة إشراكه، مما أدي إلي انغلاق القوي، والعداء فيما بينها، وكانت النتيجة ان الضحية الأولي لهذا الفكر والسلوك سد الطريق في وجه الديمقراطية، إذ تجمدت بالكامل، أو تحولت إلي مظهر شكلي، ولم يعد من السهل الاعتراف بإمكانية تبادل السلطة، أو إمكانية إشراك القوي السياسية الأخري، باتخاذ القرار، وهذا أدي إلي الخسارات المتلاحقة والمستمرة للجميع، كما أدي إلي العزلة بين الجماهير والقوي السياسية عموماً.
لقد سادت خلال الفترات السابقة فرضيات خاطئة، خاصة فيما يتعلق بالثوابت بالنسبة للأحزاب والقوي السياسية، إذ يلجأ كل حزب سياسي إلي مجموعة من الأفكار والمواقف المنسوبة للطرف الآخر دون معرفة مؤكدة ودون حوار مباشر لتبين حقيقة فكر وموقف هذا الآخر، وهكذا سادت لغة غير مفهومة وقابلة للتغير باستمرار، ولذلك فإن الحوار بين هذه القوي يشكل البداية الفعلية للفهم المتبادل واكتشاف القواسم المشتركة، ودون هذا الحوار الواسع الخصب سيبقي سوء التفاهم هو الغالب، وستلحق الخسارات بجميع القوي، حتي تلك التي تحتكر السلطة الآن.
هذا الحوار يجب أن ينصب علي الأمور الجوهرية، ويجب أن يكون شاملاً وصريحاً، بحيث لا يُستبعد أحد، ولا يحجر علي أي فكر أو رأي، كل ذلك بهدف تمحيص الافكار كلها، واكتشاف الشيء المشترك، أو تلك التي يمكن تطويرها من خلال التبني.
هذا الحوار، في حال التزام الموضوعية والهدوء، يهدف أول ما يهدف، إلي خلق مناخ جديد يمكن من الوصول إلي صيغة جديدة ومختلفة للعمل السياسي، أي أن هدفه الحقيقي ليس تجريح الآخر أو إدانة طرف وتبرئة آخر، وإنما قراءة المرحلة السابقة بعيون مفتوحة، وبرغبة تجاوز الأخطاء التي شابتها، ومن أجل بناء فكر ومؤسسات سياسية قادرة علي مواجهة أعباء المرحلة القادمة.
هذا الهدف يتطلب تحديد مفردات الحوار الذي يجب أن يجري، بدءاً من شعارات المرحلة السابقة لدي معظم القوي السياسية، وتشخيص نواقصها وسلبياتها، أو عدم إمكانية تطبيقها في الواقع، مروراً بالمحطات العربية الكبري، خاصة الهزائم التي حلت بالامة وتحديد أسبابها وكيفية استخلاص الدروس منها.
وهنا تبرز القضية الفلسطينية كأولوية أولي، وضرورة دراستها مجدداً، اعتماداً علي معلومات موضوعية وصحيحة، وبالتالي وضع برنامج، فكري وعملي، لمواجهة ما يترتب بشأنها من مواقف والتزامات.
إن القضية الفلسطينية بمقدار ما يمكن أن تكون رافعة للوضع العربي بمجموعه، في حال وضع استراتيجية صحيحة بشأنها، فإنها يمكن أن تغرق المنطقة العربية بأسرها في حال اتخاذ مواقف خاطئة أو انتهازية. كما يمكن للطرف أو الأطراف الأخري المعنية بهذه القضية، من الذكاء والقدرة والتأثير، بحيث تستثمر لحسابها الأخطاء التي تقع والنواقص التي تشوب المواقف العربية، خاصة وقد ظهرت في السنوات الأخيرة فجوات لدي عدد غير قليل من المثقفين يدعو إلي القبول بإسرائيل وضرورة التعايش معها ضمن موازين القوي الراهنة.
كما أن الشعارين اللذين أعطيا الأولوية طوال المراحل السابقة، وهما الوحدة العربية والاشتراكية، لا بد من إعادة نظر جذرية بخصوص هذين الشعارين، لا من أجل إسقاطها أو تجاوزها، وإنما من أجل إعطائها صيغاً عملية، وإن كانت متواضعة في البداية، أي بكلمات أخري دراسة التجارب التي طبقت ونجحت في أماكن أخري، ومحاولة الاقتداء بها، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المنطقة والتجاذبات التي تجتاحها، مما يقتضي بدايات متدرجة لكن نامية من أجل الوصول إلي صيغ أكثر تطوراً مما نراه الآن.
هذا فيما يتعلق بشعار الوحدة، أما شعار الاشتراكية فلا بد أن نتملي طويلاً تجارب الدول الاشتراكية والأسباب التي أدت إلي انهيارها، وكيف يتم الوصول إلي صيغة جديدة تؤمن حداً مناسباً ومتطوراً للعدل الاجتماعي، دون إخافة الرأسمالية الوطنية أو هروبها، علماً بأن لها دوراً إيجابياً إذا أحسن تحديده وضبطه، وإذا أشركت في اتخاذ القرارات، وأعطيت ضمانات تجعلها متحمسة للمساهمة في بناء الاقتصاد الوطني.
إن التطرف، اليميني واليساري، القومي والأممي، الذي طبع العمل السياسي خلال الفترات الماضية، ساهم في زيادة الانقسام والفرقة، وأدي إلي سوء فهم جعل لقاء القوي أو حوارها فيما بينها أمراً بالغ الصعوبة وغير مرغوب فيه، علماً بأن حواراً إيجابياً لو جري بين هذه القوي دون تطرف أو تعصب، لأمكن اكتشاف أرض مشتركة أو متقاربة تتيح التعايش وتسمح باللقاء، لكن هذه الفرص فاتت وتشبث كل فريق بمواقفه ووجهة نظره مما أدي إلي خسارة الجميع.
يجب الآن معرفة حدود وسقف العمل القومي، أي يجب أن يكون منسجماً ومتناغماً مع الحاجات القطرية وليس الواحد نقيض الآخر، بحيث توضع برامج ومهمات تتناسب مع طبيعة المرحلة وتلبية الحاجات القطرية والقومية معاً، وهذا يدعو إلي دراسة التجارب السابقة ومعرفة الأسباب الكامنة وراء فشلها.
ويمكن أن يقال الأمر ذاته حول الاشتراكية، والتطرف اليساري الذي ميّز الكثيرين من دعاتها والمبشرين بها، ثم الارتداد عن هذا الشعار كلياً أو عملياً، من قبل الجمهرة الكبري من الدعاة والجماهير في آن واحد، مما يستدعي رد الاعتبار لجوهر هذا الشعار، وإن أخذ اسماً آخر أو صيغة مختلفة عن السابق. كأن يتم استبدال شعار الاشتراكية بالعدل الاجتماعي، وإشراك القوي المنتجة، واعتماد الديمقراطية لمعالجة الأخطاء التي قد تقع أثناء العمل والتطبيق.
وبمقدار ضرورة وأهمية التوقف عند المواقف والشعارات في المراحل الماضية، لا بد من دراسة متأنية ومدققة لما حصل في العالم بدءاً من منتصف القرن العشرين وحتي الآن، بما في ذلك العولمة والحداثة والديمقراطية وغيرها من الأفكار والشعارات التي تملأ العالم، خاصة بعد ثورة الاتصالات، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتحول العالم إلي نظام القطب الواحد.
دراسة من هذا النوع تعني الانفتاح علي العالم ومحاورته، والاعتراف بالهوة الكبيرة، والفاجعة، بيننا وبين العالم المتقدم، وبذل كل الجهود، ضمن خطة واضحة ومحكمة للحاق به.
وهذا يعني ضمن الأولويات والخيارات الرئيسية: اصلاح نظام التعليم واستقلال الجامعات، وإقامة مراكز الأبحاث المتخصصة، وتوسيع قاعدة المجتمع المدني، والإصرار علي حرية التعبير والتنظيم، واعتماد الديمقراطية مفتاحاً لهذا الاصلاح وحجر الزاوية فيه.
ان ورشة حوار كبري ومستمرة يمكن أن تشكل الأرضية الضرورية من أجل تجديد الفكر السياسي العربي، وتالياً العمل السياسي العربي، والحوار النزيه والجاد وحده يمكن أن يفتح الآفاق ويشكل البداية الفعلية لانطلاقة جديدة.
عبد الرحمن منيف
دمشق اواخر 2003

(2)
إجابة علي سؤال لم يوجه لأحد:
أحلم؟ يمكن أن تقولوا إنه الحلم.. كثيرا ما غيرت
الأحلام الواقع خاصة إذا كان الحالمون رجالاً أقوياء

لا شيء في مكانه الطبيعي أو الصحيح، ولا شيء يستند إلي قاعدة أو منطق ؛ إن الاشياء في حالة من التداخل والاختلاط والتناقض تصل حدود الفوضي المطلقة.. أو تشبه المآسي الإغريقية العابثة والقدرية، هل هي حالة فريدة وهل هي مرحلة طارئة لا بد أن تنتهي مثلما حصل لشعوب أخري كثيرة؟
يمكن الافتراض أن هموم الأمة العربية، خاصة في هذه المرحلة، من أكثر هموم العصر كثافة ومأساوية، أو إن الأمرين معاً، وقد يكون هذا أحد عناصر المأساة، خاصة في هذه الفترة من عمر البشرية.
لقد عانت شعوب كثيرة من الاستعمار والاستغلال والاضطهاد، وعانت شعوب أخري من التجزئة والانقسام، لكن لو حاولنا المقارنة بين واقع الأمة العربية، في هذه المرحلة وواقع أية أمة أخري نجد الفرق كبيراً جداً.
أية أمة أخري علي وجه الكرة الارضية تعاني من هذه الهجمة العنصرية البربرية المتمثلة بإسرائيل؛ جنوب افريقيا؟ ولكن جنوب افريقيا لا تزال تحمل علي أرضها ذلك الشعب الذي يصارع أقلية مستغلة ولا بد أن يقهرها ويتغلب عليها يوماً ما لكي ينهي الاستغلال والاضطهاد.
أما إسرائيل فإنها شيء آخر، شيء خاص، وهذه الخصوصية تعطي المشكلة حجم المأساة وتجعلها مختلفة عن أية حالة أخري.
أية أمة أخري تمتلك هذا المقدار الكبير من الملوك المتوجين وغير المتوجين. والذين يملكون كل شيء ولا تملك شعوبهم أي شيء؟في إفريقيا؟ في جنوب اسيا؟
إن أية مقارنة بين ملوك وممالك تلك البلاد وما نراه هنا تظهر الفرق الكبير.. هناك الممالك والملوك إلي الزوال والانقراض... وهنا الملوك والممالك ينبتون كل يوم ويتضاعفون عدداً وثروة.
أية أمة أخري تمتلك هذا المقدار الهائل من الثروة ولا تعرف سوي الاستجداء والركوع والتوسل؟في امريكا؟
ولكن في تلك البلاد، رغم الاستغلال والقهر، فإن الشعوب قادرة، بعض الأحيان علي أن تنتزع رؤوس ملوكها الأثرياء كما تنتزع الأحذية وحتي ملوك تلك البلاد قادرون علي التمتع بثرواتهم بشكل أفضل آلاف المرات من أولئك الذين يحملون معهم قربهم وإبلهم ويذهبون إلي أوروبا كل صيف لكي يفركوا أصابع أرجلهم ويتثاءبون ثم يذهبون إلي الجوامع والمواخير، ولا يعرفون هل يضاجعون هنا أو أن يصلّوا هناك!
هناك آلاف القضايا التي لا يمكن فيها المقارنة.. إن العرب أمة من نوع خاص. هل هي عنصرية؟ هل هو الحقد؟ هل هو التشاؤم؟
لقد وصلت جميع الشعوب إلي مشارف القرن العشرين، حتي شعب التيبت في أقصي جبال الهيمالايا يعرف الكثير الكثير عن هموم وشجون العصر، والعرب، رغم أنهم في مفترق الشعارات أو في نصف الأرض كما يقال فإنهم لا يعرفون إلا القليل القليل عن العصر الذي يعيشون فيه.
إن شيئاً ما فقد توازنه في الطبيعة، أصبح غير حكيم وغير ممكن. وإلا كيف نفسر ما يجري تحت أبصارنا وحولنا؟كيف نفسر الجنون والسادية والتسليم الكلي للأعداء؟ إن ****** والقطط وجميع جنس الحيوان ترفض أن تكون ذليلة بهذا المقدار. وهي تعض اليد التي ترميها بحجر. فما بالنا نحب الذل ونقبّل اليد التي تصفعنا؟
ما بال الناس وقد كشفوا عن مؤخراتهم. مثل السعادين. وأخذوا يفاخرون الآخرين بهذا المنظر ويضحكون مع الآخرين ببلاهة؟
ما بال الفقراء قد استكانوا إلي هذه الدرجة ولم يعودوا قادرين علي البكاء إلا خفية وتحت جنح الظلام؟
ما بال المحاربين يرمون أنفسهم بالنار بعد أن يئسوا من كل شيء ويرون كل ما حولهم يحترق ويتدمر ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً؟
ما بال الملوك والحكام لا يكفون لحظة واحدة عن الصراخ بالكلمات الكبيرة ويتحدون شعوبهم في كل وقت، ويخافون من كلمات صغيرة يحملها سفير دولة مجهولة؟
الفقر والذل والحاجة والموت اليومي والاستجداء والصراخ والبكاء والتناسل.. وأخيراً الموت الكلي ولا أحد يرفع صوته، لا أحد ينادي أو يقول كفي؟
ليست هناك أمة مثل العرب..يجب أن نعترف ونسلم.. ويجب أن يكون الاعتراف بصوت عالٍ وأمام جميع كهنة العالم.. ويجب أن يكون التسليم أكيداً وراسخاً لأنه بداية سلوك الطريق الآخر. أما المكابرة والعناد، أما اتباع طريقة النعام، أما الادعاء الرخيص المزور فإنه يقودنا إلي مزيد من المهانة والذل والانتظار.. إنه طريق هزيمتنا الحقيقية..
ألم نهزم بعد؟ نعم لم نهزم.. قد يهزم جيل، قد يهزم قادة، قد يهزم ملوك أما الناس فإنهم لا يستطيعون أن يهزموا.. نعم لا يستطيعون. حتي لو أرادوا.. تفاؤل؟
لا.. إنها طبيعة الحياة، قانونها.. اتجاهها، ولا يمكن أن تغير الحياة طبيعتها أو قوانينها أو اتجاهها من أجل مجموعة من القردة الممسوخين.. نعم لا يمكن أن تغير الحياة، حتي لو دفعوا لها جميع أموال النفط وجميع معادن الأرض.. إنها مستقلة وبمعزل عن إرادة هؤلاء..
تفاؤل أيضاً؟ يمكن أن يسمي هذا الشيء، أي شيء.. لكن الاسم الحقيقي يبقي هو الاسم الوحيدإنه صراخ في ليل عميق.
هكذا يمكن أن يلخص الوضع كله، ولا شيء غير ذلك.. إنه أولاً ليل.. وإنه ثانياً طويل.. وإنه أخيراً صراخ، لكن كل ليل مهما كان طويلاً لا بد أن ينتهي، وكل صراخ مهما كان خافتاً، يمكن أن يسمعه في النهاية أحد ويستجيب له.
هل هي لحظة غضب، توتر، تشاؤم؟ الإثنان، وأكاد أري جميع ما حولي ينفجر أكاد ألمس الصبح بيدي، الآهات التي تغطي الأرض العربية تنزلق بسرعة نحو المراحيض.. وأكاد أسمع أصوات الأجنة في بطون الأمهات يتنادين بأسماء وكلمات أكثر وضوحاً وأشد قوة من كل الصراخ الذي يملأ الأجواء العربية في الوقت الحاضر.. وأكاد أري جماجم جميع الملوك وقد انسلخ عنها اللحم وأصبحت جافة لفرط ما مر عليها من الزمن.. أكاد أري كل ذلك بعيني.
أحلم؟ يمكن أن تقولوا إنه الحلم.. ولكن كثيراً من الأحلام هي التي غيرت الواقع. خاصة إذا كان الحالمون رجالاً أقوياء. يستطيعون أن يترجموا الحلم إلي فعل..
ساعة غضب
عبد الرحمن منيف


بطاقة وسيرة:

ولد عبد الرحمن منيف في عام 1933 في عمّان، لأبٍ من نجد وأم عراقية. أنهي دراسته الثانوية في العاصمة الأردنية، ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد عام 1952. وبعد عامين من انتقاله إلي العراق، طرد منيف منها في عام 1955، مع عدد كبير من الطلاب العرب، بعد توقيع (حلف بغداد); فواصلَ دراسته في جامعة القاهرة.
تابع عبد الرحمن منيف دراسته العليا منذ عام 1958 في جامعة بلغراد، وحصل منها في عام 1961 علي درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، وفي اختصاص اقتصاديات النفط، وعمل بعدها في مجال النفط بسورية.
في عام 1973، انتقل منيف ليقيم في بيروت حيث عمل في الصحافة اللبنانية، وبدأ الكتابة الروائية بعمله الشهير (الأشجار واغتيال مرزوق). في عام 1975، أقام في العراق، وتولي تحرير مجلة (النفط والتنمية) حتي عام 1981، الذي غادر فيه العراق إلي فرنسا حيث تفرغ للكتابة الروائية. وفي عام 1986، عاد منيف مرة أخري إلي دمشق، حيث توفي هناك. صدر لعبد الرحمن منيف عدد من الروايات: (الأشجار واغتيال مرزوق) (1973)، (قصة حب مجوسية) (1974)، (شرق المتوسط) (1975)، (حين تركنا الجسر) (1979)، (النهايات) (1977)، (سباق المسافات الطويلة) (1979)، (عالم بلا خرائط) كتبت بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا، (1982) (خماسية مدن الملح): (التيه) (1984)، (الأخدود) (1985)، (تقاسيم الليل والنهار) (1989)، (المنبت) (1989)، (بادية الظلمات) (1989)، و(الآن هنا) أو (شرق المتوسط مرة أخري) (1991)، (لوعة الغياب) (1989)، (أرض السواد) (1999). كما صدرت لمنيف مؤلفات في فن الرواية، ومؤلفات أخري في الاقتصاد والسياسة.
حاز علي جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للرواية عام 1989 وعلي جائزة القاهرة للإبداع الروائي التي منحت للمرّة الأولي عام 1998 .
7

القدس العربى
24/1/2005