سويري
16/11/2005, 09:41 AM
واقع الجريمة وإتجاهاتها في الوطن العربي:
السرقة تمثل خمس الجرائم والسرقات في السعودية وهي اكثر منها في دول مماثلة ذات دخــل عـــالٍ
معدلات القتل بدوافعه المختلفة تزيد في الارياف وتقل في المدن.. وتزايد تعاطي المخدرات في المناطق الحضرية
عرض: أيمن الهاشمي
يبحث كتاب واقع الجريمة وإتجاهاتها في الوطن العربي بالتحليل الإحصائي والإجتماعي والقانوني ظاهرة الجريمة في المجتمع العربي خلال عقد التسعينيات وإستشراف آفاق تطور إتجاهات الجريمة عربيا في القرن الحادي والعشرين. وقد تضمنت الدراسة تسعة فصول مقسمة الي بابين، الأول: نظري وضم أربعة فصول، كرس الأول منها الي الإطار النظري مركزا علي مشكلة الدراسة، أهميتها، أهدافها، مجالاتها، فرضياتها، الوسائل الإحصائية المستخدمة، وتحديد المفاهيم والمصطلحات. واستعرض الثاني ابرز الدراسات السابقة ذات العلاقة بمنهج وأهداف هذه الدراسة. أما الفصل الثالث فقد عني ببحث خصائص المجتمع العربي ومقوماته البشرية والبيئية وابرز التحديات التي تواجهه. واهتم الفصل الرابع بمراجعة أهم النظريات التفسيرية للجريمة مصنفا إياها الي: نظريات فردية: بايولوجية ونظريات اجتماعية ـ موضوعية فضلا عن النظرية التكاملية في تفسير الجريمة، التي اعتمدتها الدراسة في تقصي أثر المتغيرات وتفسير الجريمة علي مستوي الوطن العربي.
أما الباب الثاني فقد تضمن خمسة فصول عنيت بالجانب الإحصائي التطبيقي. اشتمل الفصل الخامس علي التعريف بالإحصاء الجنائي وأهميته ومصادره وما يؤخذ عليه وخاصة ما يتصل بالجرائم المظلمة، والمساعي المبذولة لإيجاد إحصاء جنائي عربي موحد، وواقع الإحصاء الجنائي العربي. أما الفصل السادس فقد عرض لواقع الجريمة في الوطن العربي طبقا لخمس زوايا نظر. تناول المنظور الأول الجريمة بوصفها عددا مجردا، والمنظور الثاني ربط بين التباين الزمني والمكاني للجريمة. وفي المنظور الثالث تم احتساب الجريمة نسبة الي كل مئة ألف من السكان. في حين ركز المنظور الرابع علي جريمة السرقة، وسلط المنظور الخامس الضوء علي جريمة القتل.
أما الفصل السابع فقد حلل الجريمة إحصائيا، مبتدءا بتحديد المتغيرات التفسيرية والعلاقة بينها من جهة وبينها والجريمة من جهة أخري. كذلك سلط الضوء علي نتائج تحليل العامل البيئي الذي مر بمرحلتين، الأولي بتكتيل المتغيرات التفسيرية مع بعضها، والثانية بالتعامل معها منفردة مقابل الجريمة كمتغير معتمد.
و قد أفرد لجرائم المخدرات الفصل الثامن وذلك لأهمية تأثيراتها علي المجتمع العربي في الوقت الراهن والمستقبل. وبناء علي ذلك عرضت بيانات جرائم المخدرات، ثم استعرض التوزيع المكاني لأنواع المخدرات، والنمط المكاني لمجموع الضبطيات، ثم تحليل جرائم المخدرات، ولخص واقع المخدرات في بعض الأقطار العربية. وجاء الفصل التاسع ليستعرض نتائج التحليل طبقا لزوايا النظر المعتمدة ومناقشة فرضيات الدراسة منتهيا بمجموعة من المقترحات والتوصيات.
إتجاهات الجريمة في الوطن العربي
المعلوم أن الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة قدم الإنسان نفسه، وقد تعاظم الاهتمام بها في النصف الثاني من القرن العشرين، توافقا مع التوجهات العلمية في دراسة المجتمع وتحليل مشاكله الناجمة عن الحروب والتصنيع وتسارع عملية التحضر، والتخطيط للسيطرة عليها آنيا (علاج) ومستقبلا (وقاية). وقد أدي هذا الاهتمام الي بروز التخطيط الاجتماعي والسياسات الجنائية. وهذه دراسة كان هدفها استقصاء واقع الجريمة علي مستوي الوطن العربي واتجاهاتها خلال العقد الأخير من القرن العشرين. وقد اتسمت، عن غيرها من الأبحاث، بثلاثة سمات رئيسية، الأولي، اعتمادها المقياس الكبير (الوطن العربي بمعظم أقطاره)، الثانية، اتباعها المنهج الكمي في الوصف والتحليل حيث اعتمدت اكثر من طريقـــــــة إحصائية واحدة، أما السمة الثالثة فتعود الي طبيعة البيانات المستخدمة في التحليل، التي نظمت علي أساس مكاني (الأقطار)، واشتقت من مصادرها الرئيسية (المجموعة الإحصائية السنوية للجرائم المسجلة في الأقطار العربية الصادرة عن وزارات الداخلية ودوائر الشرطة العربية). ركزت الدراسة علي عرض واقع، وتحليل الجريمة بصيغة العدد المجرد والنسبة إلي كل مائة ألف نسمة من السكان لمجموع العام للجرائم، جرائم السرقة، جرائم القتل العمد، جرائم المخدرات.
وقد تمت معالجة موضوع المخدرات بطريقة خاصة لأهمية تأثيراتها علي المجتمع في الوقت الراهن وفي المستقبل المنظور، حيث جري تحليل كمية ضبطيات المخدرات نسبة الي الذكور في سن (15 ـ 59) أي فئة الشباب لكونها الأكثر إستهدافا من جرائم المخدرات.
العلاقة بين الجريمة ومؤشرات التنمية البشرية:
ولتفسير التباين المكاني لواقع الجريمة بين أقطار الوطن العربي، وتمشيا مع التوجهات العلمية العالمية الحديثة، فقد تم الاعتماد علي أدلة التنمية البشرية بمؤشراتها المتنوعة، إضافة الي متغيرات أخري، بلغ مجموعها جميعا (14) متغيرا، وقد نظر الي طبيعة العلاقة بينها من جهة، وبينها مجتمعة مع الجريمة من جهة أخـــــــري، كذلك نظر الي علاقاتها كمتغيرات منفردة مع الجريمة (المجموع الكلي للجرائم، ثم تحديدا السرقة، القتل، المخدرات، كعدد مجرد وكنسبة الي السكان).
وقد أشارت نتائج التحليل الإحصائي الي وجود تباين واضح بين الأقطار العربية قيد الدرس في المعدل السنوي لعدد الجرائم المسجلة فيها، حيث سجلت مصر أعلي درجة في تسلسلها من حيث معدل مجموع الجرائم، في حين كانت عمان في الطرف الأخير بأقل معدل بين الأقطار العربية. وهذا يعني ان الجريمة متباينة مكانيا في منطقة الدراسة.
الجريمة العربية بين النمطية والتوطن:
وفضلا عن وجود التباين المكاني للجريمة، فقد تفاوتت الأقطار العربية في درجة تذبذب حدوث الجريمة زمانيا. فهناك أقطار تذبذبت فيها معدلات الجرائم من سنة الي أخري، واقطار تقاربت فيها هذه المعدلات خلال السنوات، مما يعني ان الجريمة فيها قد أخذت شكلا منتظما (نمطا). وقد يعود هذا التباين الزمني (في عدد الجرائم المسجلة سنويا) الي حالة عدم الاستقرار (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) التي تشهدها المنطقة. فمجتمعات منطقة الدراسة في طور التحول بسبب من عمليات الهجرة والتنمية وتسارع التحضر. وعلي ضوء قياس التباين الزمني المستخدم للمقارنة بين الجزء والكل تأشرت الجرائم التي عدت متوطنة، وحددت أماكن توطنها، وبالربط بين درجة توطن الجريمة واتجاهها فقد أشرت الأنماط المكانية الآتية في أقطار كان التباين الزمني لحدوث الجريمة فيها أقل من التباين العام علي مستوي منطقة الدراسة (أي توطنت الجريمة فيها)، مع ميل للزيادة، وهي: الإمارات، السعودية، مصر. أما في البحرين، العراق، وعمان، فقد كان التباين الزمني للجريمة فيها أقل من التباين العام، ولكن لم يتضح اتجاه للجريمة فيها. في حين كانت الجريمة في كل من: الأردن، السودان، ولبنان غير متوطنة، ولكنها تتجه الي التوطن، حيث فاق التباين الزمني في هذه الأقطار نظيره التباين العام، غير أن تسجيلات الجريمة تتجه الي الزيادة والتفاقم مالم يتم السيطرة عليها. وظلت الجريمة في كل من تونس، الجزائر، سورية، الكويت، واليمن غير متوطنة وليس لها اتجاه واضح. أما في قطر وليبيا فان التباين الزمني لحدوث الجريمة كبير مع ميل واضح للتناقص، مما يعني أن الجرائم في هذين القطرين غير متوطنة.
السرقة تشكل خمس مجموع الجرائم العربية:
وقد مثلت جرائم السرقة خمس مجموع الجرائم المرتكبة في الوطن العربي خلال مدة الدراسة، بمعني ان الجرائم الواقعة ضد الأموال تفوق مثيلاتها ضد الأشخاص والمخدرات. ومن المتابعة الرقمية لتوزيع أنماط الجرائم، يلاحظ ان ثمة تفاوت بين الأقطار في النسب المئوية للسرقات من المجموع الكلي للجرائم. كما أن هناك أقطارا اتسمت بمستوي اقتصادي مرتفع سجلت نسبة مئوية عالية للسرقات (السعودية 39.58%، وليبيا 45.726%) وأخري اتسمت بارتفاع مستواها المعيشي إلا ان النسبة المئوية لجرائم السرقة فيها جاءت منخفضة (قطر 3.559% والإمارات 9.11%).
العلاقة بين التوزيع المكاني ودرجة التنمية البشرية
وقد ارتبط التوزيع المكاني لجرائم السرقة مع تباين درجة التنمية البشرية عكسيا، وتؤكد هذه النتيجة ما توصلت إليه دراسات سابقة في أن فرص السرقة في البلدان الأقل نموا أكثر منها في البلدان الأكثر نموا، وذلك بسبب الافتقار الي مقاييس الأمن، فضلا عن الظروف الاقتصادية الدافعة باتجاه السرقة. كما لوحظ ان نسبة جرائم القتل تتناقص مع ارتفاع نسبة العاملين في القطاع الصناعي وتزداد بزيادة نسبة سكان الريف. وهذا يتفق مع النظريات الاقتصادية التي ربطت بين علاقات الإنتاج وأنواع الجرائم، وأوضحت ان جرائم العنف والقتل تكثر في الريف بينما تنتشر جرائم الاحتيال والسرقة في المدن.
جرائم المخدرات إرتباط طردي مع درجة التحضر عربيا
أما جرائم المخدرات، فقد أوضح التحليل أن أعداد هذه الجرائم لا تتناسب مع الحجم السكاني، فهناك أقطار ذات حجم سكاني كبير ولكن نسب جرائم المخدرات فيها منخفضة، والعكس صحيح. كما كان لهذه الجريمة علاقة طردية مع مستوي التنمية البشرية، حيث تفاقم تعاطي المخدرات في المجتمعات الحضرية اكثر من المجتمعات الريفية. اختبرت الدراسة عددا من الفرضيات البحثية، فبالنسبة الي الفرضية الأولي المتضمنة إن الأقطار العربية تتباين في اتجاهات الجريمة ودرجة توطنها، توصلت الدراسة الي وجود تباين زمني للجرائم في أقطار منطقة الدراسة واتجـــاهات توطنها، وبذلك فقد تم التحقق من صحة الفرضية.
معدلات الجرائم عموما لاترتبط بالتحضر
وقد ركزت الفرضية الثانية في هذه الدراسة علي العلاقة الطردية بين مستوي التحضر والجريمة في الوطن العربي من ناحية الكم والنوع. وعند اعتماد نسبة سكان الريف من مجموع السكان كمؤشر عكسي عن درجة التحضر، كانت العلاقة ضعيفة مع أعداد الجريمة، (0.38 من المجموع). وهذا يعني ان معدلات الجريمة لا ترتبط بدرجة كافية مع زيادة التحضر. وبذلك تعذر إثبات صحة الفرضية الثانية القائلة بوجود علاقة بين التحضر والجريمة علي مستوي الوطن العربي.
المجتمع الحضري العربي مازال متريفا
أما في الجانب النوعي فقد كانت هناك علاقة موجبة ضعيفة بين نسبة سكان الريف مع معدل جرائم القتل (0.43 )، ومع معدل عدد جرائم السرقة (0.42 )، ومع معدل عدد جرائم المخدرات (0.25). وعلي الرغم من ضعف هذه العلاقة، إلا أن متغير نسبة سكان الريف قد انضوي تحت خانة عدد من العناصر التي تشكلت بالتحليل العاملي. أما نسبة الجريمة الي السكان فلم ترتبط بمتغير الريف الا من خلال نسبة المخدرات الي السكان وبعلاقة عكسية. تعني النتيجة أعلاه، أن المجتمع العربي، رغم ارتفاع نسب التحضر في العديد من أقطاره، إلا أن مدنه متريفة بدرجات متباينة، وان ريف بعض أقطاره متحضر، لذا فالجريمة لم ترتبط بقوة ببيئة واحدة (الحضرية، أو الريفية). فالمجتمع الحضري في منطقة الدراسة لازال يحمل الكثير من خصائص المجتمع الريفي وملامحه الاجتماعية.
إرتباط طردي بين الذكورة والجريمة
وفيما يخص علاقة الجريمة بالتركيب النوعي للسكان، فقد اعتــــــــمد مؤشران عن التركيــــب النوعي (التركيب الجنسي Sex ratio )، هما: النسبة المئوية للذكور في المجتمع، ونسبة النوع في الحضر. لم تكن العلاقة البسيطة الثنائية قوية بين المؤشرين أعلاه والجريمة، إلا أن المتغير قد سجل علاقة قوية مع تركيبة بعض العناصر التي شكلها التحليل العاملي، مثل: نسبة السرقات الي السكان، ونسبة جرائم القتل العمد الي السكان. يعني هذا احتمالية ارتفاع نسبة جريمتي القتل والسرقة الي السكان حيثما تزداد نسبة الذكور في المجتمع.
الجريمة علاقة عكسية مع معدلات التنمية عدا المخدرات
وعن علاقة مستوي التنمية البشرية بالجريمة كما ونوعا (الفرضية الرابعة) فقد سجل دليل التنمية البشرية علاقة عكسية مع: معدل عدد جرائم القتل العمد (ـ0.88)، نسبة القتل الي السكان (ـ0.51)، و(-0.59) مع معدل عدد السرقات. (وكانت ضعيفة مع مجموع الجرائم ـ 0.42). وكان تحميل هذا المتغير عاليا مع عدد من العناصر التي أنتجها التحليل العاملي، مثل: (-0.954) مع عنصر مجموع الجرائم، (-0.957) مع عنصر عدد السرقات، (-0.971) مع عنصر عدد جرائم القتل العمد، و(-0.949) مع نسبة المخدرات الي السكان. تعني العلاقة أعلاه ان الجرائم تتناقص حيثما ترتفع درجة التنمية البشرية، وبما أن نسبة المخدرات الي السكان كانت بعلاقة سالبة مع العنصر، فيعني هذا أنها تزداد بارتفاع درجة التنمية البشرية في الدولة
يشتق دليل التنمية البشرية كمعدل ثلاث أدلة، أولها دليل التعليم. تم اعتماد درجات هذا الدليل في التحليل، وقد ورد ضمن تكوينات العناصر جميعها عدا عنصر نسبة السرقات الي السكان. وكانت العلاقة عكسية مؤكدة النتيجة السابقة. فالمستوي التعليمي له تأثيره علي الجريمة عموما ليخفضها، إلا انه لم يكن كذلك مع نسبة المخدرات الي السكان، وقد كانت علاقته ضعيفة مع السرقات. لم تختلف النتيجة مع دليل العمر المتوقع، فالعلاقة عكسية مع أعداد الجرائم، وموجبة مع نسبة المخدرات الي السكان. ويتكرر الحال مع دليل الناتج المحلي. يعني هذا، ان هناك تكاملا بين عناصر التنمية البشرية، وأنها تؤدي الدور نفسه في تفسير الجريمة وانتشارها.
تباين الأنماط المكانية للجريمة عربيا
وبصدد الفرضية الخامسة المعنية بنمطية الجريمة في منطقة الدراسة واختلافها طبقا لوحدة قياس الجريمة ونوعها، ونتيجة التباين الكبير في مستويات التنمية البشرية بين الأقطار العربية، ولارتباط بعض الجرائم بالمستويات الدنيا من التنمية البشرية، وارتباط نسب المخدرات الي السكان بالمستويات العليا من التنمية البشرية، لذا فان الأنماط المكانية للجريمة قد اختلفت كثيرا عن بعضها. فنمط أعداد الجرائم تتشابه بدرجة كبيرة نسبيا، أما التوزيعات المكانية التي شكلتها نسب الجريمة الي السكان فلم تتشابه، لذا لم تشكل نمطا. كذلك لم تتشابه أنماط النسب المئوية لأنواع الجرائم مع بعضها نتيجة التباين في الحجم السكاني وأنواع الجرائم السائدة والمسجلة في القطر. مما يعني ان النمط مرهون بوحدة قياس الجريمة ونوعها. ويعني هذا ان الفرضيتين الخامسة والسادسة قد تحقق صدقهما.
توصيات الدراسة
خلصت الدراسة إلي جملة من التوصيات للحد من الجريمة علي نطاق الوطن العربي ومنها: توسيع العمل في مشاريع التنمية الاجتماعية ووضع البرامج والخطط لتحسين المستوي التعليمي والصحي والاقتصادي لسكان الأقطــــار العربية كافة.
1 ـ العناية بتطوير الريف العربي والعمل علي رفع مستوي الخدمات الصحية والتعليمية والتربوية فيه. وتعزيز المشاريع التنموية الكفيلة بخلق مستوي اقتصادي اجتماعي يوفر استقرار سكان الريف ويحد من نزيف هجرتهم نحو المدن. وفي الوقت ذاته يشجع علي الهجرة المعاكسة التي تخفف من ظاهرة الاكتظاظ السكاني في المدن بوصفها أحد العوامل المسببة للمشاكل في المدينة (الجريمة، أزمة السكن، تدني كفاءة الخدمات المجتمعية، انتشار المناطق الهامشية، وغيرها).
2 ـ ترسيخ وتعزيز القيم الدينية من خلال المؤسسات التربوية والإعلامية، لما لها من دور إيجابي في السيطرة علي سلوك الأفراد وتنمية عوامل الضبط الاجتماعي.
3 ـ تنمية وتطوير برامج الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة بحيث تمتد لتشمل الظروف الموضوعية التي تنتج الجريمة مثل الفقر والبطالة والأمية، مما يقتضي التنسيق بين أجهزة العدالة الجنائية والمؤسسات الأخري ذات العلاقة والعمل علي تحسين أدائها بما يضمن للفرد العربي حياة آمنة اجتماعياً الأمر الذي يخفف من فرص انحرافه.
4 ـ نظراً للتفاوت الكبير في توزيع الثروة بين أقطار الوطن العربي والتي تشكل عاملا مهما في تنامي معدلات الجريمة في الاقطار الأكثر فقرا من غيرها، لذلك فإن الدراسة توصي بالعمل علي تخفيف حدة هذا التفاوت عن طريق إيجاد سبل للتعاون الاقتصادي والاجتماعي تكفل لتلك الاقطار ضمان نوع من الاستقرار الاقتصادي يعمل علي تحقيق خفض جرائم التعدي علي الممتلكات (السرقة).
5 ـ الاهتمام بالأسرة العربية كونها الخلية الاجتماعية الأساسية التي يتشرب أبنائها فيها بقيم المجتمع الأصيلة وتنمية الوازع الذاتي الذي يحصن الفرد ضد الانحراف والجريمة، من خلال المنظمات الجماهيرية المختصة والمؤسسات المعنية، وخاصة وسائل الإعلام.
6 ـ العناية بفئة الشباب بوصفها عماد المستقبل وعنوانه، من خلال توفير فرص العمل المناسب للحد من البطالة، وكذلك إعداد برامج متكاملة لاستثمار أوقات فراغهم بما يؤمن تحصينهم ضد أنماط السلوك المنحرف، وخاصة المخدرات.
7 ـ إيجاد صيغ عمل مشتركة بين الاقطار العربية لتوحيد الأساليب الإحصائية وطرق تسجيل الجرائم، تسمح بإجراء المقارنات اللازمة في البحوث الأمبريقية التي تهدف إلي تفسير الواقعة الإجرامية وإيجاد الحلول اللازمة لها. علي أن تتبني الجهات ذات العلاقة إعداد وتدريب كوادر متخصصة للاضطلاع بهذه المهمة.
8 ـ تفعيل دور مراكز البحوث الجنائية في الأقطار العربية والعمل علي ربطها بشبكات الاتصال الحديثة ليتسني لهذه الدول قاعدة من البيانات تمكنها من رصد الجرائم وتحديد أسبابها.
9 ـ اعتماد صيغة عربية موحدة لتحديد فئات وأنماط الأفعال التي تعد محرمة لكي تتوحد التصانيف الإحصائية وتسهل عمل الباحثين في الجريمة.
10 ـ تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للعاملين في أجهزة العدالة الجنائية لكي يتسني لهذه الأجهزة أن تحظي بأداء أفضل من قبل العاملين فيما يتعلق بالسيطرة علي الجريمة وتسجيل المعلومات الخاصة بشأنها بوصفها الخطوة الأولي لتحديد مسار الجريمة وتشخيص أسبابها وصولاً إلي مرحلة اجتثاثها.
11 ـ البحث الجاد عن الأسباب الكامنة وراء تردد بعض المواطنين عن الإبلاغ بالجرائم الواقعة عليهم مما يجعلها بعيدة عن متناول أجهزة العدالة الجنائية تسجيلاً وتحقيقاً وبما يؤدي الي معالجة موضوع (الأرقام المظلمة).
12 ـ ضرورة البحث عن بدائل للعقوبات الحالية، وخاصة السالبة للحرية، بعد أن أثبت الواقع الميداني ومختلف الأبحاث والدراسات الميدانية وأدبيات الأجرام عدم جدواها في الردع والإصلاح، خاصة بعد تصاعد أعداد المجرمين العائدين الذين لم تردعهم العقوبة السالبة للحرية، ودعوة الباحثين والمختصين في القانون والإجتماع، إلي التفكير الجاد بعقوبات وإجراءات أكثر ملائمة وردعا وبما يحفظ أمن المجتمع العربي ويكرس الإصلاح الإجتماعي.
ہ استاذ في جامعة بغداد
عنوان الكتاب:
واقع الجريمة وإتجاهاتها في الوطن العربي
أكرم عبدالرزاق المشهداني
الرياض ـ 2005
القدس العربى
16/11/2005
السرقة تمثل خمس الجرائم والسرقات في السعودية وهي اكثر منها في دول مماثلة ذات دخــل عـــالٍ
معدلات القتل بدوافعه المختلفة تزيد في الارياف وتقل في المدن.. وتزايد تعاطي المخدرات في المناطق الحضرية
عرض: أيمن الهاشمي
يبحث كتاب واقع الجريمة وإتجاهاتها في الوطن العربي بالتحليل الإحصائي والإجتماعي والقانوني ظاهرة الجريمة في المجتمع العربي خلال عقد التسعينيات وإستشراف آفاق تطور إتجاهات الجريمة عربيا في القرن الحادي والعشرين. وقد تضمنت الدراسة تسعة فصول مقسمة الي بابين، الأول: نظري وضم أربعة فصول، كرس الأول منها الي الإطار النظري مركزا علي مشكلة الدراسة، أهميتها، أهدافها، مجالاتها، فرضياتها، الوسائل الإحصائية المستخدمة، وتحديد المفاهيم والمصطلحات. واستعرض الثاني ابرز الدراسات السابقة ذات العلاقة بمنهج وأهداف هذه الدراسة. أما الفصل الثالث فقد عني ببحث خصائص المجتمع العربي ومقوماته البشرية والبيئية وابرز التحديات التي تواجهه. واهتم الفصل الرابع بمراجعة أهم النظريات التفسيرية للجريمة مصنفا إياها الي: نظريات فردية: بايولوجية ونظريات اجتماعية ـ موضوعية فضلا عن النظرية التكاملية في تفسير الجريمة، التي اعتمدتها الدراسة في تقصي أثر المتغيرات وتفسير الجريمة علي مستوي الوطن العربي.
أما الباب الثاني فقد تضمن خمسة فصول عنيت بالجانب الإحصائي التطبيقي. اشتمل الفصل الخامس علي التعريف بالإحصاء الجنائي وأهميته ومصادره وما يؤخذ عليه وخاصة ما يتصل بالجرائم المظلمة، والمساعي المبذولة لإيجاد إحصاء جنائي عربي موحد، وواقع الإحصاء الجنائي العربي. أما الفصل السادس فقد عرض لواقع الجريمة في الوطن العربي طبقا لخمس زوايا نظر. تناول المنظور الأول الجريمة بوصفها عددا مجردا، والمنظور الثاني ربط بين التباين الزمني والمكاني للجريمة. وفي المنظور الثالث تم احتساب الجريمة نسبة الي كل مئة ألف من السكان. في حين ركز المنظور الرابع علي جريمة السرقة، وسلط المنظور الخامس الضوء علي جريمة القتل.
أما الفصل السابع فقد حلل الجريمة إحصائيا، مبتدءا بتحديد المتغيرات التفسيرية والعلاقة بينها من جهة وبينها والجريمة من جهة أخري. كذلك سلط الضوء علي نتائج تحليل العامل البيئي الذي مر بمرحلتين، الأولي بتكتيل المتغيرات التفسيرية مع بعضها، والثانية بالتعامل معها منفردة مقابل الجريمة كمتغير معتمد.
و قد أفرد لجرائم المخدرات الفصل الثامن وذلك لأهمية تأثيراتها علي المجتمع العربي في الوقت الراهن والمستقبل. وبناء علي ذلك عرضت بيانات جرائم المخدرات، ثم استعرض التوزيع المكاني لأنواع المخدرات، والنمط المكاني لمجموع الضبطيات، ثم تحليل جرائم المخدرات، ولخص واقع المخدرات في بعض الأقطار العربية. وجاء الفصل التاسع ليستعرض نتائج التحليل طبقا لزوايا النظر المعتمدة ومناقشة فرضيات الدراسة منتهيا بمجموعة من المقترحات والتوصيات.
إتجاهات الجريمة في الوطن العربي
المعلوم أن الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة قدم الإنسان نفسه، وقد تعاظم الاهتمام بها في النصف الثاني من القرن العشرين، توافقا مع التوجهات العلمية في دراسة المجتمع وتحليل مشاكله الناجمة عن الحروب والتصنيع وتسارع عملية التحضر، والتخطيط للسيطرة عليها آنيا (علاج) ومستقبلا (وقاية). وقد أدي هذا الاهتمام الي بروز التخطيط الاجتماعي والسياسات الجنائية. وهذه دراسة كان هدفها استقصاء واقع الجريمة علي مستوي الوطن العربي واتجاهاتها خلال العقد الأخير من القرن العشرين. وقد اتسمت، عن غيرها من الأبحاث، بثلاثة سمات رئيسية، الأولي، اعتمادها المقياس الكبير (الوطن العربي بمعظم أقطاره)، الثانية، اتباعها المنهج الكمي في الوصف والتحليل حيث اعتمدت اكثر من طريقـــــــة إحصائية واحدة، أما السمة الثالثة فتعود الي طبيعة البيانات المستخدمة في التحليل، التي نظمت علي أساس مكاني (الأقطار)، واشتقت من مصادرها الرئيسية (المجموعة الإحصائية السنوية للجرائم المسجلة في الأقطار العربية الصادرة عن وزارات الداخلية ودوائر الشرطة العربية). ركزت الدراسة علي عرض واقع، وتحليل الجريمة بصيغة العدد المجرد والنسبة إلي كل مائة ألف نسمة من السكان لمجموع العام للجرائم، جرائم السرقة، جرائم القتل العمد، جرائم المخدرات.
وقد تمت معالجة موضوع المخدرات بطريقة خاصة لأهمية تأثيراتها علي المجتمع في الوقت الراهن وفي المستقبل المنظور، حيث جري تحليل كمية ضبطيات المخدرات نسبة الي الذكور في سن (15 ـ 59) أي فئة الشباب لكونها الأكثر إستهدافا من جرائم المخدرات.
العلاقة بين الجريمة ومؤشرات التنمية البشرية:
ولتفسير التباين المكاني لواقع الجريمة بين أقطار الوطن العربي، وتمشيا مع التوجهات العلمية العالمية الحديثة، فقد تم الاعتماد علي أدلة التنمية البشرية بمؤشراتها المتنوعة، إضافة الي متغيرات أخري، بلغ مجموعها جميعا (14) متغيرا، وقد نظر الي طبيعة العلاقة بينها من جهة، وبينها مجتمعة مع الجريمة من جهة أخـــــــري، كذلك نظر الي علاقاتها كمتغيرات منفردة مع الجريمة (المجموع الكلي للجرائم، ثم تحديدا السرقة، القتل، المخدرات، كعدد مجرد وكنسبة الي السكان).
وقد أشارت نتائج التحليل الإحصائي الي وجود تباين واضح بين الأقطار العربية قيد الدرس في المعدل السنوي لعدد الجرائم المسجلة فيها، حيث سجلت مصر أعلي درجة في تسلسلها من حيث معدل مجموع الجرائم، في حين كانت عمان في الطرف الأخير بأقل معدل بين الأقطار العربية. وهذا يعني ان الجريمة متباينة مكانيا في منطقة الدراسة.
الجريمة العربية بين النمطية والتوطن:
وفضلا عن وجود التباين المكاني للجريمة، فقد تفاوتت الأقطار العربية في درجة تذبذب حدوث الجريمة زمانيا. فهناك أقطار تذبذبت فيها معدلات الجرائم من سنة الي أخري، واقطار تقاربت فيها هذه المعدلات خلال السنوات، مما يعني ان الجريمة فيها قد أخذت شكلا منتظما (نمطا). وقد يعود هذا التباين الزمني (في عدد الجرائم المسجلة سنويا) الي حالة عدم الاستقرار (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) التي تشهدها المنطقة. فمجتمعات منطقة الدراسة في طور التحول بسبب من عمليات الهجرة والتنمية وتسارع التحضر. وعلي ضوء قياس التباين الزمني المستخدم للمقارنة بين الجزء والكل تأشرت الجرائم التي عدت متوطنة، وحددت أماكن توطنها، وبالربط بين درجة توطن الجريمة واتجاهها فقد أشرت الأنماط المكانية الآتية في أقطار كان التباين الزمني لحدوث الجريمة فيها أقل من التباين العام علي مستوي منطقة الدراسة (أي توطنت الجريمة فيها)، مع ميل للزيادة، وهي: الإمارات، السعودية، مصر. أما في البحرين، العراق، وعمان، فقد كان التباين الزمني للجريمة فيها أقل من التباين العام، ولكن لم يتضح اتجاه للجريمة فيها. في حين كانت الجريمة في كل من: الأردن، السودان، ولبنان غير متوطنة، ولكنها تتجه الي التوطن، حيث فاق التباين الزمني في هذه الأقطار نظيره التباين العام، غير أن تسجيلات الجريمة تتجه الي الزيادة والتفاقم مالم يتم السيطرة عليها. وظلت الجريمة في كل من تونس، الجزائر، سورية، الكويت، واليمن غير متوطنة وليس لها اتجاه واضح. أما في قطر وليبيا فان التباين الزمني لحدوث الجريمة كبير مع ميل واضح للتناقص، مما يعني أن الجرائم في هذين القطرين غير متوطنة.
السرقة تشكل خمس مجموع الجرائم العربية:
وقد مثلت جرائم السرقة خمس مجموع الجرائم المرتكبة في الوطن العربي خلال مدة الدراسة، بمعني ان الجرائم الواقعة ضد الأموال تفوق مثيلاتها ضد الأشخاص والمخدرات. ومن المتابعة الرقمية لتوزيع أنماط الجرائم، يلاحظ ان ثمة تفاوت بين الأقطار في النسب المئوية للسرقات من المجموع الكلي للجرائم. كما أن هناك أقطارا اتسمت بمستوي اقتصادي مرتفع سجلت نسبة مئوية عالية للسرقات (السعودية 39.58%، وليبيا 45.726%) وأخري اتسمت بارتفاع مستواها المعيشي إلا ان النسبة المئوية لجرائم السرقة فيها جاءت منخفضة (قطر 3.559% والإمارات 9.11%).
العلاقة بين التوزيع المكاني ودرجة التنمية البشرية
وقد ارتبط التوزيع المكاني لجرائم السرقة مع تباين درجة التنمية البشرية عكسيا، وتؤكد هذه النتيجة ما توصلت إليه دراسات سابقة في أن فرص السرقة في البلدان الأقل نموا أكثر منها في البلدان الأكثر نموا، وذلك بسبب الافتقار الي مقاييس الأمن، فضلا عن الظروف الاقتصادية الدافعة باتجاه السرقة. كما لوحظ ان نسبة جرائم القتل تتناقص مع ارتفاع نسبة العاملين في القطاع الصناعي وتزداد بزيادة نسبة سكان الريف. وهذا يتفق مع النظريات الاقتصادية التي ربطت بين علاقات الإنتاج وأنواع الجرائم، وأوضحت ان جرائم العنف والقتل تكثر في الريف بينما تنتشر جرائم الاحتيال والسرقة في المدن.
جرائم المخدرات إرتباط طردي مع درجة التحضر عربيا
أما جرائم المخدرات، فقد أوضح التحليل أن أعداد هذه الجرائم لا تتناسب مع الحجم السكاني، فهناك أقطار ذات حجم سكاني كبير ولكن نسب جرائم المخدرات فيها منخفضة، والعكس صحيح. كما كان لهذه الجريمة علاقة طردية مع مستوي التنمية البشرية، حيث تفاقم تعاطي المخدرات في المجتمعات الحضرية اكثر من المجتمعات الريفية. اختبرت الدراسة عددا من الفرضيات البحثية، فبالنسبة الي الفرضية الأولي المتضمنة إن الأقطار العربية تتباين في اتجاهات الجريمة ودرجة توطنها، توصلت الدراسة الي وجود تباين زمني للجرائم في أقطار منطقة الدراسة واتجـــاهات توطنها، وبذلك فقد تم التحقق من صحة الفرضية.
معدلات الجرائم عموما لاترتبط بالتحضر
وقد ركزت الفرضية الثانية في هذه الدراسة علي العلاقة الطردية بين مستوي التحضر والجريمة في الوطن العربي من ناحية الكم والنوع. وعند اعتماد نسبة سكان الريف من مجموع السكان كمؤشر عكسي عن درجة التحضر، كانت العلاقة ضعيفة مع أعداد الجريمة، (0.38 من المجموع). وهذا يعني ان معدلات الجريمة لا ترتبط بدرجة كافية مع زيادة التحضر. وبذلك تعذر إثبات صحة الفرضية الثانية القائلة بوجود علاقة بين التحضر والجريمة علي مستوي الوطن العربي.
المجتمع الحضري العربي مازال متريفا
أما في الجانب النوعي فقد كانت هناك علاقة موجبة ضعيفة بين نسبة سكان الريف مع معدل جرائم القتل (0.43 )، ومع معدل عدد جرائم السرقة (0.42 )، ومع معدل عدد جرائم المخدرات (0.25). وعلي الرغم من ضعف هذه العلاقة، إلا أن متغير نسبة سكان الريف قد انضوي تحت خانة عدد من العناصر التي تشكلت بالتحليل العاملي. أما نسبة الجريمة الي السكان فلم ترتبط بمتغير الريف الا من خلال نسبة المخدرات الي السكان وبعلاقة عكسية. تعني النتيجة أعلاه، أن المجتمع العربي، رغم ارتفاع نسب التحضر في العديد من أقطاره، إلا أن مدنه متريفة بدرجات متباينة، وان ريف بعض أقطاره متحضر، لذا فالجريمة لم ترتبط بقوة ببيئة واحدة (الحضرية، أو الريفية). فالمجتمع الحضري في منطقة الدراسة لازال يحمل الكثير من خصائص المجتمع الريفي وملامحه الاجتماعية.
إرتباط طردي بين الذكورة والجريمة
وفيما يخص علاقة الجريمة بالتركيب النوعي للسكان، فقد اعتــــــــمد مؤشران عن التركيــــب النوعي (التركيب الجنسي Sex ratio )، هما: النسبة المئوية للذكور في المجتمع، ونسبة النوع في الحضر. لم تكن العلاقة البسيطة الثنائية قوية بين المؤشرين أعلاه والجريمة، إلا أن المتغير قد سجل علاقة قوية مع تركيبة بعض العناصر التي شكلها التحليل العاملي، مثل: نسبة السرقات الي السكان، ونسبة جرائم القتل العمد الي السكان. يعني هذا احتمالية ارتفاع نسبة جريمتي القتل والسرقة الي السكان حيثما تزداد نسبة الذكور في المجتمع.
الجريمة علاقة عكسية مع معدلات التنمية عدا المخدرات
وعن علاقة مستوي التنمية البشرية بالجريمة كما ونوعا (الفرضية الرابعة) فقد سجل دليل التنمية البشرية علاقة عكسية مع: معدل عدد جرائم القتل العمد (ـ0.88)، نسبة القتل الي السكان (ـ0.51)، و(-0.59) مع معدل عدد السرقات. (وكانت ضعيفة مع مجموع الجرائم ـ 0.42). وكان تحميل هذا المتغير عاليا مع عدد من العناصر التي أنتجها التحليل العاملي، مثل: (-0.954) مع عنصر مجموع الجرائم، (-0.957) مع عنصر عدد السرقات، (-0.971) مع عنصر عدد جرائم القتل العمد، و(-0.949) مع نسبة المخدرات الي السكان. تعني العلاقة أعلاه ان الجرائم تتناقص حيثما ترتفع درجة التنمية البشرية، وبما أن نسبة المخدرات الي السكان كانت بعلاقة سالبة مع العنصر، فيعني هذا أنها تزداد بارتفاع درجة التنمية البشرية في الدولة
يشتق دليل التنمية البشرية كمعدل ثلاث أدلة، أولها دليل التعليم. تم اعتماد درجات هذا الدليل في التحليل، وقد ورد ضمن تكوينات العناصر جميعها عدا عنصر نسبة السرقات الي السكان. وكانت العلاقة عكسية مؤكدة النتيجة السابقة. فالمستوي التعليمي له تأثيره علي الجريمة عموما ليخفضها، إلا انه لم يكن كذلك مع نسبة المخدرات الي السكان، وقد كانت علاقته ضعيفة مع السرقات. لم تختلف النتيجة مع دليل العمر المتوقع، فالعلاقة عكسية مع أعداد الجرائم، وموجبة مع نسبة المخدرات الي السكان. ويتكرر الحال مع دليل الناتج المحلي. يعني هذا، ان هناك تكاملا بين عناصر التنمية البشرية، وأنها تؤدي الدور نفسه في تفسير الجريمة وانتشارها.
تباين الأنماط المكانية للجريمة عربيا
وبصدد الفرضية الخامسة المعنية بنمطية الجريمة في منطقة الدراسة واختلافها طبقا لوحدة قياس الجريمة ونوعها، ونتيجة التباين الكبير في مستويات التنمية البشرية بين الأقطار العربية، ولارتباط بعض الجرائم بالمستويات الدنيا من التنمية البشرية، وارتباط نسب المخدرات الي السكان بالمستويات العليا من التنمية البشرية، لذا فان الأنماط المكانية للجريمة قد اختلفت كثيرا عن بعضها. فنمط أعداد الجرائم تتشابه بدرجة كبيرة نسبيا، أما التوزيعات المكانية التي شكلتها نسب الجريمة الي السكان فلم تتشابه، لذا لم تشكل نمطا. كذلك لم تتشابه أنماط النسب المئوية لأنواع الجرائم مع بعضها نتيجة التباين في الحجم السكاني وأنواع الجرائم السائدة والمسجلة في القطر. مما يعني ان النمط مرهون بوحدة قياس الجريمة ونوعها. ويعني هذا ان الفرضيتين الخامسة والسادسة قد تحقق صدقهما.
توصيات الدراسة
خلصت الدراسة إلي جملة من التوصيات للحد من الجريمة علي نطاق الوطن العربي ومنها: توسيع العمل في مشاريع التنمية الاجتماعية ووضع البرامج والخطط لتحسين المستوي التعليمي والصحي والاقتصادي لسكان الأقطــــار العربية كافة.
1 ـ العناية بتطوير الريف العربي والعمل علي رفع مستوي الخدمات الصحية والتعليمية والتربوية فيه. وتعزيز المشاريع التنموية الكفيلة بخلق مستوي اقتصادي اجتماعي يوفر استقرار سكان الريف ويحد من نزيف هجرتهم نحو المدن. وفي الوقت ذاته يشجع علي الهجرة المعاكسة التي تخفف من ظاهرة الاكتظاظ السكاني في المدن بوصفها أحد العوامل المسببة للمشاكل في المدينة (الجريمة، أزمة السكن، تدني كفاءة الخدمات المجتمعية، انتشار المناطق الهامشية، وغيرها).
2 ـ ترسيخ وتعزيز القيم الدينية من خلال المؤسسات التربوية والإعلامية، لما لها من دور إيجابي في السيطرة علي سلوك الأفراد وتنمية عوامل الضبط الاجتماعي.
3 ـ تنمية وتطوير برامج الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة بحيث تمتد لتشمل الظروف الموضوعية التي تنتج الجريمة مثل الفقر والبطالة والأمية، مما يقتضي التنسيق بين أجهزة العدالة الجنائية والمؤسسات الأخري ذات العلاقة والعمل علي تحسين أدائها بما يضمن للفرد العربي حياة آمنة اجتماعياً الأمر الذي يخفف من فرص انحرافه.
4 ـ نظراً للتفاوت الكبير في توزيع الثروة بين أقطار الوطن العربي والتي تشكل عاملا مهما في تنامي معدلات الجريمة في الاقطار الأكثر فقرا من غيرها، لذلك فإن الدراسة توصي بالعمل علي تخفيف حدة هذا التفاوت عن طريق إيجاد سبل للتعاون الاقتصادي والاجتماعي تكفل لتلك الاقطار ضمان نوع من الاستقرار الاقتصادي يعمل علي تحقيق خفض جرائم التعدي علي الممتلكات (السرقة).
5 ـ الاهتمام بالأسرة العربية كونها الخلية الاجتماعية الأساسية التي يتشرب أبنائها فيها بقيم المجتمع الأصيلة وتنمية الوازع الذاتي الذي يحصن الفرد ضد الانحراف والجريمة، من خلال المنظمات الجماهيرية المختصة والمؤسسات المعنية، وخاصة وسائل الإعلام.
6 ـ العناية بفئة الشباب بوصفها عماد المستقبل وعنوانه، من خلال توفير فرص العمل المناسب للحد من البطالة، وكذلك إعداد برامج متكاملة لاستثمار أوقات فراغهم بما يؤمن تحصينهم ضد أنماط السلوك المنحرف، وخاصة المخدرات.
7 ـ إيجاد صيغ عمل مشتركة بين الاقطار العربية لتوحيد الأساليب الإحصائية وطرق تسجيل الجرائم، تسمح بإجراء المقارنات اللازمة في البحوث الأمبريقية التي تهدف إلي تفسير الواقعة الإجرامية وإيجاد الحلول اللازمة لها. علي أن تتبني الجهات ذات العلاقة إعداد وتدريب كوادر متخصصة للاضطلاع بهذه المهمة.
8 ـ تفعيل دور مراكز البحوث الجنائية في الأقطار العربية والعمل علي ربطها بشبكات الاتصال الحديثة ليتسني لهذه الدول قاعدة من البيانات تمكنها من رصد الجرائم وتحديد أسبابها.
9 ـ اعتماد صيغة عربية موحدة لتحديد فئات وأنماط الأفعال التي تعد محرمة لكي تتوحد التصانيف الإحصائية وتسهل عمل الباحثين في الجريمة.
10 ـ تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للعاملين في أجهزة العدالة الجنائية لكي يتسني لهذه الأجهزة أن تحظي بأداء أفضل من قبل العاملين فيما يتعلق بالسيطرة علي الجريمة وتسجيل المعلومات الخاصة بشأنها بوصفها الخطوة الأولي لتحديد مسار الجريمة وتشخيص أسبابها وصولاً إلي مرحلة اجتثاثها.
11 ـ البحث الجاد عن الأسباب الكامنة وراء تردد بعض المواطنين عن الإبلاغ بالجرائم الواقعة عليهم مما يجعلها بعيدة عن متناول أجهزة العدالة الجنائية تسجيلاً وتحقيقاً وبما يؤدي الي معالجة موضوع (الأرقام المظلمة).
12 ـ ضرورة البحث عن بدائل للعقوبات الحالية، وخاصة السالبة للحرية، بعد أن أثبت الواقع الميداني ومختلف الأبحاث والدراسات الميدانية وأدبيات الأجرام عدم جدواها في الردع والإصلاح، خاصة بعد تصاعد أعداد المجرمين العائدين الذين لم تردعهم العقوبة السالبة للحرية، ودعوة الباحثين والمختصين في القانون والإجتماع، إلي التفكير الجاد بعقوبات وإجراءات أكثر ملائمة وردعا وبما يحفظ أمن المجتمع العربي ويكرس الإصلاح الإجتماعي.
ہ استاذ في جامعة بغداد
عنوان الكتاب:
واقع الجريمة وإتجاهاتها في الوطن العربي
أكرم عبدالرزاق المشهداني
الرياض ـ 2005
القدس العربى
16/11/2005