سويري
14/11/2005, 02:47 PM
عندما تبنى الاستراتيجيات على أرقام مضللة...
د.عبيد الشقصي
تفشل بعض السياسات والخطط المستقبلية سواء كانت تنموية أو عسكرية أو اقتصادية لأنها لم تأخذ بالدراسات والاحصائيات المتصلة بالموضوع على محمل الجد أو أنها لا تقتنع تماما بأهمية ذلك.
هذا الفشل يصبح مبررا لأن السياسات والخطط الموضوعة لم تبن على مقدمات منطقية تقود بشكل استقرائي إلى تعميمات أو استراتيجيات ولا على تعميمات سابقة تقود بشكل استنباطي إلى تفاصيل تخص هذه السياسات. وربما اتخذت من الأهواء والرغبات والمصالح الفردية قاعدة أساسية لرسم تلك الخطط التي سرعان ما تصطدم بالواقع المغاير فيحل عليها الفشل. ولكن إذا كان الأمر كذلك، إلى ماذا نعزي فشل بعض الخطط والسياسات التي تأخذ فعلا بالأسس الاستقرائية والاستنتاجية وبالدراسات والأرقام؟ فلا يبدو حينها عند العامة وجود ما يضمن نجاح الخطط التي تقوم على الدراسات والأرقام من تلك التي تعتمد على الأهواء والرغبات وربما القاسم المشترك بينهما هو عامل الصدفة. فهذه تنجح مرة وربما تفشل مرات أخرى. وطالما الأمر كذلك، فليس هناك ضرورة لإهدار المزيد من الأموال وبذل المزيد من الجهد والوقت وتجنيد فرق كثيرة لتنفيذ تعداد للسكان والمساكن، وآخر للزراعة والثروة الحيوانية، وثالث للصيد والثروات البحرية، ورابع للسياحة وخامس لاحتياجات السوق من الكوادر البشرية.
قبل سنوات قليلة، تكاثرت كالمشروم في مختلف مناطق السلطنة المعاهد المتخصصة في النجارة والطبخ والميكانيكا وغيرها لتقديم برامج تعليمية وفق نظام NVQالذي سبق وأن أثبتت التجربة فشله في دولة مصدره بريطانيا وأصبح الأمر كذلك في السلطنة. لم تكن هناك رؤية واضحة لجر الشباب لهذه المنظومة التعليمية التي يمكن أن تكون ناجحة لو تم تطويع البرامج بشكل يتواءم مع طبيعة الوضع في السلطنة. الرؤية المباشرة هي محاولة إيجاد منافذ تعليمية للشباب الذي لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي بعد المرحلة الثانوية. وربما الرؤية الخفية هو تحقيق مكاسب خاصة والاستفادة من الدعم الحكومي بغض النظر عن جودة التعليم الذى يتم تقديمه بواسطة الكثير من هذه المعاهد . هذا نموذج لم يشأ أن يستفيد من الدراسات والأرقام بشكل يساهم في خدمة المجتمع قبل خدمة الفرد. ولكن هناك النموذج المقابل الذي لا يبتعد كثيرا عن ما روجت له أمريكا قبيل غزوها للعراق. فحسب الزعم الأمريكي، اعتمدت في غزوها للعراق على معلومات استخباراتية موثوقة مفادها أن العراقيين سيستقبلون الفلول الأمريكية بالورود والزغاريد، وأن غالبيتهم يؤيدون الخلاص من قبضة الرئيس المخلوع صدام حسين. وقعت الحرب وسقطت بغداد ولكن لم يستقبل العراقيون الأمريكيين بالورود والتضحية بصدام لا تعني التضحية بالوطن فلا تزال أعمال المقاومة تنغص على الأمريكيين نشوة مختلقة بانتصار الحرية والديمقراطية. هذا النموذج وللأسف الشديد يمكن ان يتبع في المجال العسكري كما هو في المجال التنموي والتعليمي والصحي والسياحي. فأين تكمن المشكلة إذن؟ هل تكمن في استخدام المعلومات والأرقام والمؤشرات أم في المنهجية التي ولدت هذه الأرقام والمؤشرات؟ قبل سنوات بسيطة أوجدت جامعة السلطان قابوس برنامج دبلوم في مجال المحاسبة. البرنامج جاء بناء على مؤشرات وأرقام أفادت بأن نسبة كبيرة من الوظائف التي يشغلها الوافدون خاصة في القطاع الخاص هم من الذين يعملون في هذا المجال. وانتصارا لسياسة تعمين الوظائف ورفد القطاع الخاص بكوادر محلية مؤهلة، جاء البرنامج ليحقق هذا الغرض. لكن النتيجة كانت عكسية. ففرص العمل المنتظرة لم تكن كما رصدتها الأرقام الأولية وبات معظم الملتحقين بالبرنامج الذي لم يكتب له الاستمرارية والنجاح يدورون عن فرصة وهمية. المشكلة لم تكن في الأرقام أو الإحصائيات وإنما في التوصيف والدلالات المرتبطة بالأرقام. إذ تبين بعد ذلك أنه يتم التحايل على القانون عند الرغبة في الحصول على تراخيص لاستجلاب مزيد الايدي العاملة الوافدة لشغل وظيفة سائق أو مزارع أو نحوه من خلال تسجيلهم رسميا على أنهم محاسبون. وهكذا يبدو أن المشكلة لا تكمن في الأرقام وإنما في الدلالات التي تحملها والتي يمكن أن تضلل واضعي الخطط والإستراتيجيات. وعلى نفس المنوال، عندما تقدم مؤسسات القطاع الخاص مؤشرات وأرقاما تفيد بوجود حاجة ماسة لكوادر محلية مؤهلة في مجالات تخصصية مثل تقنية المعلومات والبرمجيات وغيرها وتقوم مؤسسات التعليم تبعا لذلك بتغير برامجها التعليمية لتشمل هذه التخصصات فإن الفشل الذي ربما يصاحب ذلك قد يعود إلى دلالات الأرقام من الحاجة الفعلية للسوق المحلية. إن الرقم بمفرده لا يحمل أية دلالة على الإطلاق ما لم يتصل بقرينة معينة. فما دلالة قولنا واحدا أو اثنين أو مليونا أو مليارا؟ بالطبع لا شيء. ولكن عندما نقول أن السوق المحلي يمكن أن يستوعب في السنوات العشر القادمة أكثر من 500 محاسب ونتفاجأ بأن من تم تسجيلهم كمحاسبين من الوافدين هم في الأصل يشغلون وظائف أخرى فذلك يعني نفس الرقم ولكن بدلالتين مختلفتين لا يمكن بناء خطة واحدة عليهما. عافى الله هذا الوطن العزيز من أرقام مضللة او في غير محلها قد يسوقها البعض لخدمة مصلحة خاصة صغيرة ولكنها تضر على المستوى العام بشكل او بآخر.
المصدر جريدة عمان
14/11/2005
د.عبيد الشقصي
تفشل بعض السياسات والخطط المستقبلية سواء كانت تنموية أو عسكرية أو اقتصادية لأنها لم تأخذ بالدراسات والاحصائيات المتصلة بالموضوع على محمل الجد أو أنها لا تقتنع تماما بأهمية ذلك.
هذا الفشل يصبح مبررا لأن السياسات والخطط الموضوعة لم تبن على مقدمات منطقية تقود بشكل استقرائي إلى تعميمات أو استراتيجيات ولا على تعميمات سابقة تقود بشكل استنباطي إلى تفاصيل تخص هذه السياسات. وربما اتخذت من الأهواء والرغبات والمصالح الفردية قاعدة أساسية لرسم تلك الخطط التي سرعان ما تصطدم بالواقع المغاير فيحل عليها الفشل. ولكن إذا كان الأمر كذلك، إلى ماذا نعزي فشل بعض الخطط والسياسات التي تأخذ فعلا بالأسس الاستقرائية والاستنتاجية وبالدراسات والأرقام؟ فلا يبدو حينها عند العامة وجود ما يضمن نجاح الخطط التي تقوم على الدراسات والأرقام من تلك التي تعتمد على الأهواء والرغبات وربما القاسم المشترك بينهما هو عامل الصدفة. فهذه تنجح مرة وربما تفشل مرات أخرى. وطالما الأمر كذلك، فليس هناك ضرورة لإهدار المزيد من الأموال وبذل المزيد من الجهد والوقت وتجنيد فرق كثيرة لتنفيذ تعداد للسكان والمساكن، وآخر للزراعة والثروة الحيوانية، وثالث للصيد والثروات البحرية، ورابع للسياحة وخامس لاحتياجات السوق من الكوادر البشرية.
قبل سنوات قليلة، تكاثرت كالمشروم في مختلف مناطق السلطنة المعاهد المتخصصة في النجارة والطبخ والميكانيكا وغيرها لتقديم برامج تعليمية وفق نظام NVQالذي سبق وأن أثبتت التجربة فشله في دولة مصدره بريطانيا وأصبح الأمر كذلك في السلطنة. لم تكن هناك رؤية واضحة لجر الشباب لهذه المنظومة التعليمية التي يمكن أن تكون ناجحة لو تم تطويع البرامج بشكل يتواءم مع طبيعة الوضع في السلطنة. الرؤية المباشرة هي محاولة إيجاد منافذ تعليمية للشباب الذي لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي بعد المرحلة الثانوية. وربما الرؤية الخفية هو تحقيق مكاسب خاصة والاستفادة من الدعم الحكومي بغض النظر عن جودة التعليم الذى يتم تقديمه بواسطة الكثير من هذه المعاهد . هذا نموذج لم يشأ أن يستفيد من الدراسات والأرقام بشكل يساهم في خدمة المجتمع قبل خدمة الفرد. ولكن هناك النموذج المقابل الذي لا يبتعد كثيرا عن ما روجت له أمريكا قبيل غزوها للعراق. فحسب الزعم الأمريكي، اعتمدت في غزوها للعراق على معلومات استخباراتية موثوقة مفادها أن العراقيين سيستقبلون الفلول الأمريكية بالورود والزغاريد، وأن غالبيتهم يؤيدون الخلاص من قبضة الرئيس المخلوع صدام حسين. وقعت الحرب وسقطت بغداد ولكن لم يستقبل العراقيون الأمريكيين بالورود والتضحية بصدام لا تعني التضحية بالوطن فلا تزال أعمال المقاومة تنغص على الأمريكيين نشوة مختلقة بانتصار الحرية والديمقراطية. هذا النموذج وللأسف الشديد يمكن ان يتبع في المجال العسكري كما هو في المجال التنموي والتعليمي والصحي والسياحي. فأين تكمن المشكلة إذن؟ هل تكمن في استخدام المعلومات والأرقام والمؤشرات أم في المنهجية التي ولدت هذه الأرقام والمؤشرات؟ قبل سنوات بسيطة أوجدت جامعة السلطان قابوس برنامج دبلوم في مجال المحاسبة. البرنامج جاء بناء على مؤشرات وأرقام أفادت بأن نسبة كبيرة من الوظائف التي يشغلها الوافدون خاصة في القطاع الخاص هم من الذين يعملون في هذا المجال. وانتصارا لسياسة تعمين الوظائف ورفد القطاع الخاص بكوادر محلية مؤهلة، جاء البرنامج ليحقق هذا الغرض. لكن النتيجة كانت عكسية. ففرص العمل المنتظرة لم تكن كما رصدتها الأرقام الأولية وبات معظم الملتحقين بالبرنامج الذي لم يكتب له الاستمرارية والنجاح يدورون عن فرصة وهمية. المشكلة لم تكن في الأرقام أو الإحصائيات وإنما في التوصيف والدلالات المرتبطة بالأرقام. إذ تبين بعد ذلك أنه يتم التحايل على القانون عند الرغبة في الحصول على تراخيص لاستجلاب مزيد الايدي العاملة الوافدة لشغل وظيفة سائق أو مزارع أو نحوه من خلال تسجيلهم رسميا على أنهم محاسبون. وهكذا يبدو أن المشكلة لا تكمن في الأرقام وإنما في الدلالات التي تحملها والتي يمكن أن تضلل واضعي الخطط والإستراتيجيات. وعلى نفس المنوال، عندما تقدم مؤسسات القطاع الخاص مؤشرات وأرقاما تفيد بوجود حاجة ماسة لكوادر محلية مؤهلة في مجالات تخصصية مثل تقنية المعلومات والبرمجيات وغيرها وتقوم مؤسسات التعليم تبعا لذلك بتغير برامجها التعليمية لتشمل هذه التخصصات فإن الفشل الذي ربما يصاحب ذلك قد يعود إلى دلالات الأرقام من الحاجة الفعلية للسوق المحلية. إن الرقم بمفرده لا يحمل أية دلالة على الإطلاق ما لم يتصل بقرينة معينة. فما دلالة قولنا واحدا أو اثنين أو مليونا أو مليارا؟ بالطبع لا شيء. ولكن عندما نقول أن السوق المحلي يمكن أن يستوعب في السنوات العشر القادمة أكثر من 500 محاسب ونتفاجأ بأن من تم تسجيلهم كمحاسبين من الوافدين هم في الأصل يشغلون وظائف أخرى فذلك يعني نفس الرقم ولكن بدلالتين مختلفتين لا يمكن بناء خطة واحدة عليهما. عافى الله هذا الوطن العزيز من أرقام مضللة او في غير محلها قد يسوقها البعض لخدمة مصلحة خاصة صغيرة ولكنها تضر على المستوى العام بشكل او بآخر.
المصدر جريدة عمان
14/11/2005