اللامنتمي
05/11/2005, 11:30 PM
لعل من بداهات القول ان صنع الله ابراهيم، خاصة في أعماله المبكرة، واحد من الروائيين العرب الكبار الذين دفعوا بالهاجس الجنسي وأزمة الجنس في المجتمع العربي، وعلاقتهما بـ السياسة ، هذا المُحَرَّم الصِّنو، الي الصدارة النصية فيما يخص أفراد الانتلجنتسيا وعموم القطاعات الاجتماعية والثقافية الأخري، بل ان الأولين، أي أعضاء النادي الفكري النخبوي، يكادون أن يكونوا أكثر استثارة ومدعاة للتفكر في اهتماماته من الآخرين، بحيث انهم يصبحون، في النص، أحد وجوه الأزمة وتجلياتها، وليس أحد حلولها.
وما يلفت الانتباه هنا هو أن هذا لم يتم، في حالة صنع الله ابراهيم، بطريقة التنظير ، أو الاثارة أو التحريض أو الوعظ أو الارشاد أو حتي التثوير التقليدي التي درج عليها كتّاب عرب، في الشعر وفي القص وفي الرواية، بل عبر طريقة أخري هي جعل الموضوع الجنسي المُحَرَّم جزءاً من طريقة السرد، أو السرد نفسه.
بمعني من المعاني، سأزعم اذاً، أن صنع الله ابراهيم أراد أن يكتب التابو نفسه، لا أن ينتقده أو ينقده أو يتأمل فيه من خارجه؛ بل أراد أن ينسجه في اللغة. ومعروف أن صنع الله ابراهيم، بعد خروجه من السجن في سياق تجربته السياسية أثناء الستينات الهادرة بمشروعات وطموحات كبيرة، أحبطَ القرّاء والنقاد و الرفاق بكتابة نص أصبح الآن من كلاسيكيات القصة الطويلة أو الرواية العربية القصيرة هو تلك الرائحة الذي موضوعه الجنس وليس السياسة حسب ظاهر الأمر، لكن بعيداً عن القشرة الخارجية الخادعة، يتمرأي الجنس في النص باعتباره موضوعة سياسية من الطراز الرفيع.
وفي نجمة أغسطس ، روايته شبه الأوتوبيوغرافية الأشهر والأهم حسب اجماع كثير من النقاد، يتعرض صنع الله ابراهيم لاخفاقات وانجازات المرحلة الناصرية من خلال استدعاء تجربة مباشرة محورها السجن وبناء السد العالي، فالرواية، في أول المطاف، مهداة الي ذكري شُهدي عطيَّه الشافعي، الرمز اليساري المصري المعروف، والذي لقي حتفه عظاماً مهشمة وآمالاً مهيضة تحت التعذيب في المعتقل ضمن خطة ضرب الشيوعيين بـ/ والاخوان المسلمين، والتي تكررت في غير بلد عربي (وفي استحقاقات عالم ما بعد 11 ايلول (سبتمبر) هناك اكثر من ارهاص في هرج ومرج الاصلاح السياسي المفروض من الخارج و المفترض من الداخل بأن هذه الخطة تنبعث الآن عبر ضرب العلمانيين والليبراليين والمتنورين بـ/ و الأصوليين ليتكرس للوضع القائم هناء البقاء والرقص علي انكسارات الخصوم)، وذلك حتي يبقي المشروع الناصري كما أريدَ له، وعلي الرغم من مآثره الجزيلة التي تتضح غيابياً أكثر وأكثر في الحقبة المظلمة الراهنة، علمانياً بعض الشيء لكن من دون فصل دستوري صريح بين صلاحيات المؤسسات السياسية والثقافية المختلفة، وحدوياً وقومياً بالتأكيد، واشتراكياً الي حدود جريئة من غير أن يكون حزبياً، ولكن مائع الهوية الأيديولوجية، هذا ضمن تعقيدات وخصائص أخري.
مهما يكن من أمر ليس هذا موضوع هذه المادة وان كانت الاحاطة بالخلفية ضرورة قرائية دوماً، بل يتعلق اجتهادي البسيط هنا بأنه في الرواية هذي ترتبط حالة الهاجس الجنسي بحالة الهاجس السياسي ارتباطاً وثيقاً، لدرجة أن التشوهات النفسية التي تتمخض عن الحالة الجنسية غير السوية تصبح معادلاً طبيعياً للتشوهات الاجتماعية الناجمة عن اخفاقات المشروع السياسي الثوري البديل، فالرواية في عمومها يمسك بخناق راويها هاجس الجنس وهاجس السياسة علي نحو متكافئ.
وبين الهاجسين الاستحواذيين هذين يعتمل الهاجس الابداعي ويتمرأي بوصفه مشروع تَسَامٍ (sublimation)، بالمعني الفرويدي للكلمة، أو احتمال انقاذ تتبدي فيه طاقات وامكانات بديلة للحرية المخنوقة في الحالة الجنسية والحالة السياسية اللتين مسخهما الواقع بالمقدار نفسه.
ويرسم الهاجس الجنسي لدي الراوي خطوطاً متماثلة تتمرأي فيها الوشائج الوطيدة بين الحيز الانساني (أو اللاانساني) في تجربة السجن، والحيز اللاانساني (أو الانساني ) في تجربة المجتمع السجين والسجّان نفسه.
اننا، اذاً، في نجمة أغسطس بصدد راوٍ يبحث توّاقاً عن الحرية خارج جدران الزنزانة، ولكن حظه أقل بكثير من عامر في هذا المسعي، اذ ان الاسترجاعات، أو الفلاشباكات ، السجنية في النص تكون في الغالب مسبوقة باستثارة اجتماعية من نوع ما في حاضر السرد، أي بعد الخروج من السجن.
كما أن حالة الخوف الأمني العميق من الآخر، والتي تصبغ النص كله من بدايته حتي نهايته، تماثلها حالة الفضول الجنسي الموغل بالآخر لدي شخصية الراوي المثقف، والسجين السياسي السابق. غير أن ملاحظاتي الأولية التالية ستحاول أن تحفل ببعض أوجه الهاجس الجنسي فحسب.
وأشكر هنا الأستاذ وليد حمارنه من قسم الأدب المقارن في جامعة غرب أونتاريو الكندية الذي يقرأ عنوان الرواية، نجمة أغسطس ، بأن فيه احالة الي وضوح نجوم السماء العربية في شهر اب (أغسطس) نظراً لحرارة المناخ في منطقتنا تلك من العالم. وهذا أمر يشجعني علي الاعتقاد، اذاً، بأن في العنوان هذا تكمن ثمة احالة توازي الحرارة الجنسية الانسانية بالحالة المناخية الطبيعية.
ولأنني شغوف بمفهوم اللقطات التأسيسية في السينما الكلاسيكية، أود اقتراح أن الصفحات الثلاث الأولي من الرواية تقدم هواجس راويها بصورة متينة. ويتم تأسيس تلك الهواجس وترسيخها بوصفها محركاً ثيماتياً بحلول الصفحة الخامسة عشر من النص، ذلك أننا نكون قد تعرفنا الي الراوي الذي استقل القطار لتوّه في بداية رحلة التعرف الي الذات عبر الاستكشاف الداخلي والخارجي، حيث ان القطار هنا هو المركبة المجازية للرحلة التي ستوصلنا عبر محطاتها الي فضاءات تتمدد في التاريخ والسياسة والثقافة، والأهم من ذلك أنها تتمدد في الانسان الذي هو نتاج حرج للغاية للتاريخ والسياسة والثقافة.
الراوي جالس في قمرته في القطار، اذاً، ثم أحسست بحركة علي باب الديوان فالتفت لأري رجلاً في سترة صفراء. نهضت واقفاً. واقترب الرجل مني ثم انحني علي المقعد دون أن يفوه بكلمة. وبثانية تحول الي فراش من طابقين. قال مشيراً الي باب صغير في الحائط: الغطاء هنا. واعتدل باسطاً قامته ثم قال: لو عزت حاجه اندهلي. قلت: حاضر يا فندم. تطلع الي مندهشاً قبل أن يغادر الديوان ويغلق الباب من خلفه (ص 12 من طبعة منشورات اتحاد الكتاب العرب الصادرة في دمشق في 1974، وأرقام صفحات بقية الاقتباسات الواردة في المادة هذي تعود الي تلك الطبعة).
ان من الواضح هنا أن الذاكرة المسكونة برعب تجربة السجن وأهوالها الكثيرة قد توجست شراً كبيراً من لون سترة عامل الخدمة في القطار، اذ يبدو أنها ذكّرت الراوي، بصورة لاواعية، بجلاديه وأزيائهم الرسمية، وجعلت، بالتالي، من عربة القطار المكيَّف زنزانة أخري في خُلاصة نفسية كثيفة لتماهي السجن، أي التجربة الاستاتيكية والمغلقة، مع المجتمع، أي التجربة المتحركة والمفتوحة (أو هكذا يفترض أن يكون الأمر علي الأقل فيما يخص الأخيرة). ولذلك فان الراوي يخاطب عامل الخدمة في القطار بطريقة تبجيلية وتوقيرية، أي طريقة معكوسة، من حيث أننا نتوقع الاحترام والتقدير أن يكونا صادرين من عامل الخدمة عوضاً عن راكب القطار الذي دفع ثمن التذكرة. كان الظرف السجني العسير، حيث السلطة تحتكر الألوان ودلالاتها، قد أجبر الراوي بالتأكيد علي استعمال عبارات من قبيل حاضر يا فندم في الحديث مع سجّانيه. وبذلك فان ما يبدو هنا أنه سخرية من العامل ليس الا ضرباً من الضرر المُصاحِب حسب المصطلح العسكري، حيث جاءت مفارقة تماثل دلالة سترة أحد أفراد الطبقة العاملة (عامل خدمة في قطار) بدلالة السترة البوليسية، أو العسكرية (في السجن)، باعتبارها مؤشراً علي وضع غير طبيعي من أساسه. انه الرعب اذاً حيث ليس عامل الخدمة هذا سجّاناً، بل علي العكس، فموقعه الطبقي يرشحه لتعاطف الراوي ذي التجربة السياسية اليسارية.
وبعد ذلك يواصل الراوي وصفه للأشياء والموجودات من حوله وتفاعلها معه بطريقة تشي لنا بما يستوقفه في محيطه، حيث اختلست النظر الي السيدة التي كان يتحدث معها (شاب).... (ص 13)، وحيث اصطدمت وأنا أمرُّ بفتاة أوروبية شقراء ترتدي سروالاً أسود. وأحسست علي ساقي بملمس جسمها اللين. وظللت أحس به وأنا أتقدم الي نهاية العربة وأعبرها الي عربة الطعام (ص 13).
ولا يغفل الراوي المولع بالتفاصيل حد الهوس أن يذكر لنا كذلك، وبأسف أكثر من مُبَطَّن، أنه لم يَرَ غير جانب من فخذ امرأة كانت تغير من وضع ساقها (ص 14)، وأعتقد أن المهم ملاحظة أن الراوي يبوح لنا قبيل نهاية الرواية في سياق تبريره لعدم رغبته في الذهاب الي الكونغو بأنه ثم ما تنساش النسوان. أنا عشت كتير من غير نسوان، ومقدرش أفضل كده علي طول (ص 372).
وعودة الي القطار، أو المركبة المجازية لرحلة الاستكشاف، يواصل الراوي سرده: وتخيلت أني أمر من جديد في الممر، وأن الزحام شديد. وعندما أصبحت خلف الشقراء ذات السروال الأسود لم أتمكن من الحركة. وانحنت هي الي الأمام تتأمل شيئاً في الطريق. فانحنيت فوقها لأري ما جذب اهتمامها. أشعلت سيجارة ثانية وأنا أحدق الي النافذة. ومررت بيدي علي ساقي. وفجأة انغمر الديوان بالضوء. وألفيتني أحدق الي رجل يتأملني من النافذة. فجذبت يدي بسرعة من فوق ساقي. وأدركت بعد لحظة أن قطارنا توقف بجوار قطار آخر. تحرك الرجل مبتعداً. وتبينت أن الحركة من قطارنا الذي استأنف سيره. فالتففت بالغطاء جيداً وتكومت علي نفسي (ص 16). لم يكن الرجل هذا الذي أطل بفضول عادي من نافذة القطار الآخر ينوي حقاً التلصص علي الراوي بصورة متعمدة، غير أن حذاقة السرد لدي صنع الله ابراهيم قد أقنعتنا بهاجس الخوف لدي شخصيته عبر تعريضها لهكذا مفارقة.
ان ما حدث هنا هو أن الراوي، وبعد أن كشفت عنه ذاكرته المسكونة بالخوف في مشهد عامل الخدمة في القطار، ظل يكشف عن بقية هواجسه و نقاط ضعفه ، فجاءت التوقفات والاشارات ذات الاستحواذات الجنسية الواضحة التي نستدل علي أن تلاحقها الفعلي في اللقطات والمشاهد المقتبسة أعلاه وانعكاسها في تخيلتُ... قد أدت الي تبلور رغبة جنسية غير متحققة في ركامات الحرام والحرمان.
هو عدم التحقق هذا ما يدفع به الي التلميح بالشروع في مداعبة جنسية ذاتية ربما كان لها أن تتوج بممارسة العادة السرية لولا أن الآخر ـ أي الرجل المسافر في القطار الثاني ـ قد اقتحم المشهد وقطع الاسترسال في مثال متطرف علي الرعب والاختراق الكامل للحياة الشخصية، حتي في جانبها الأكثر حميمية.
والحقيقة أن الراوي يلجأ الي تحسس الساق بطريقة تساوقية في نهاية الرواية أيضاً، وذلك علي اثر استرجاعه للمغامرة الأيروسية المثيرة مع المرأة اليونانية في الاسكندرية التي قصّها له خليل، والتي يشكك الراوي في امكانية حدوثها، أي أنه، بصورة ما، رأي أنها تجربة متخيلة فأراد هو أن يبدأ في عيشها خيالاً (ص 583).
وتحفل الرواية بأمثلة لا حصر لها علي رؤية الراوي للجنس واستحواذه عليه في كافة التفاصيل المحيطة به، وسأضرب هنا غيضاً من فيض الأمثلة التي يزخر بها النص: عدد مجلة الكواكب الذي يحتوي علي صورة لسعاد حسني كشفت عن جانب كبير من ثدييها (ص 18)؛ راقبت سيدة روسية ممتلئة تقترب من الباص ثم ترفع قدمها وتضعها فينبعج ردفها (ص 23)؛ وتمهلت بجوار فتاة أوروبية في بلو جين أزرق وبلوفر أخضر بلا أكمام أبرز استدارة كتفيها وضغط علي صدرها البارز القوي (ص 35)؛ سمعنا دقات متلاحقة فوق الدرج فتحولنا نرقب فتاة أوروبية تهبط في رشاقة وفستانها الواسع القصير يحلق حولها في كل درجة فيكشف عن فخذيها (ص 69)؛ وتهالكتْ علي مقعد أمامنا مادة ساقيها. واستقرت نظراتنا علي فخذيها الممتلئين (ص 72)؛ جلست في مواجهة القاعة أتأمل أفخاذ السائحات العارية (ص 136)؛ وانحدر بصري فوق ردائها القصير الي ساقيها المتناسقتين اللامعتين. وتابعت قطرة عرق انزلقت علي فخذها ثم ساقها التي خلت من الشَّعر (ص 170).
غير أن ما هو أهم من تعبير اللغة عن الهاجس الجنسي الاستحواذي من خلال السرد والوصف هو تحول الهاجس الجنسي الي هاجس لغوي في النص (ولا بأس أن أتذكر هنا أن رولان بارت في كتابه العتيد لذة النص قد أشار الي أن العرب أدركوا الأمر من زمان حين استخدموا مفردة المتن للاشارة الي النص والي الجسد معاً)؛ بمعني أن اللغة نفسها تصبح متورطة أو مُوَرَّطَة في الاستحواذ الغامر، وليس مجرد ناقلة له أو معبرة عنه. فعلي سبيل المثال، تتكرر مفردة ولوج سواء بصيغة الفعل أو الاسم المفرد أو الجمع أربعاً وعشرين مرة في الرواية، ومنها المقطع التالي: شعرت بدوار وجفاف في حلقي. ولجأت الي بقعة من الظل تكونت أمام محل حديث لبيع الملابس. ولمحت من الزجاج احدي البائعات فولجت المحل. ووقفت أمام فتاة سمراء ذات عينين واسعتين. تأملت عينيها فابتسمت لي بحذر. قالت: أي خدمة؟ (ص 44).
ان اللغة هنا، ومن خلال استعمال كلمة ولجت مسبوقة بِفاء السببيّة تؤسس علاقة واضحة بين المسبِّب، أي حقيقة أن البيع في المحل تقوم به فتاة سمراء ذات عينين واسعتين ، والنتيجة، أي ولوج المحل بناء علي ذلك السبب، وليس بناء علي الحاجة للتبضع خاصة في النسبة لشخص يعاني من دوار وجفاف في حلقه (وربما في أعضاء أخري من جسده أيضاً). ولذلك فان استخدام مرادفات مثل دلفتُ أو دخلتُ ما كان له أن يتوفر علي الحمولة الايحائية الجنسية الصارخة التي تزخر بها مفردة ولجتُ ، وذلك في تصاديها الاشتقاقي والجناسي مع مفردة أولجتُ التي لا يخفي علي أحد السياق المعياري لاستخدامها في العربية.
ويقترب استخدام مفردة ولوج بمشتقاتها مما قد يظن البعض أنه نوع من المجانية، أو حتي الركاكة اللغوية، في مشاهد متعددة من النص. غير أن الأمر ليس كذلك علي الاطلاق، فاستخدام المفردة في سياقات لا تبدو للوهلة الأولي أنها جنسية أو أيروسية يعني أنها تتجاوز وظيفة التزويق أو الايحاء من فوق، لتصبح مفردة رئيسة في القاموس اللغوي للتجربة بكاملها، وبالتالي انعكاساً لهاجسها.
غير أن العلاقة بين هاجس التجربة الجنسية وهاجس اللغة الابداعية الجديدة (حيث هاجس الابداع والفن هو أحد الهواجس الثلاثة الكبري في النص: الجنس؛ الحرية؛ الابداع، إذ ان الفن هو أرفع تعبير عن الحرية (ص 238) تجد لها ـ أي علاقة الهاجس الجنسي بالهاجس الابداعي ـ تمرئيات أخري في النص، فاللغة نفسها تصبح جمالية أيروسية كما في المثال التالي: نقلت بصري الي ساعديها العاريين من أول الكتف. وتأملت شعر ابطيها الذهبي. ومضيت أنصت الي صوتها. ولأول مرة لاحظت ما في مخارج الألفاظ ونهايات الجمل الروسية من ايقاع موسيقي. وكنت في البداية أشعر بها كقطع الصخر (ص 118).
وفي مثال آخر نشهد كيف أن اللغة تذهب في الأشياء عمودياً لتري في عملية هندسية وميكانيكية يتكون طرفاها من الأرض والآلة تجربة جنسية كاملة: ومضيت أرقب عدداً من العمال أحاطوا بحامل فوق عجلات تعلوها بكرة.. كانت هناك ماسورة عمودية تتدلي من البكرة وتنتهي بعمود يعمل في حركة متتالية صعوداً وهبوطاً وهو يتقدم الي أسفل ينطلق منه صوت أشبه بالحشرجة. وما لبثت أن سرت في الآلة كلها عدة اهتزازات سريعة ثم ارتعش العمود وتوقف عن الحركة تماماً. وظهر شيء من البلل عند التقاء العمود بالماسورة (ص 26).
وتبلغ الجنسنة اللغوية للفعل الميكانيكي طاقتها الوجودية والشعرية الأعلي في القسم الثاني من الرواية، والذي تنعدم فيه النقاط والفواصل، كما تنعدم المسافات بين الماضي والحاضر، وبين فعل الجنس وفعل الخلق، حيث يتجاور فعل الآلة بالأرض مع فعل الأعضاء البشرية ببعضها بعضاً ويتحد به في لوحة لغوية مذهلة: ولم أفهم حتي كررت أنها تتألم دائماً منذ كانت المرة الأولي قبل سنوات ولا بد من الرفق فالمادة الغنية الدافئة تفقد توهجها أمام التعنيف والهرولة وتلتف الصخرة بنقاب حجري صلب يمكن تحطيمه بالعنف ولكن لا يمكن ارغامها علي أن تعطي فهي تستسلم للحنان وتزداد اشعاعاً ولمعاناً وتلمست أصابعي سطوح الجسد العاري وثناياه حتي حركت رأسها في بطء وشعرت بشفتيها تلينان وأخذ جسدها يتلوي تحت أصابعي وانفرجت ساقاها وهناك كانت مبتلة أيضاً وتوقفت الآلة عن الحركة وسرت فيها رعشة خاطفة تكررت عدة مرات... (ص 222).
عبدالله حبيب - شاعر وناقد من عمان يقيم في امريكا
القدس العربي
وما يلفت الانتباه هنا هو أن هذا لم يتم، في حالة صنع الله ابراهيم، بطريقة التنظير ، أو الاثارة أو التحريض أو الوعظ أو الارشاد أو حتي التثوير التقليدي التي درج عليها كتّاب عرب، في الشعر وفي القص وفي الرواية، بل عبر طريقة أخري هي جعل الموضوع الجنسي المُحَرَّم جزءاً من طريقة السرد، أو السرد نفسه.
بمعني من المعاني، سأزعم اذاً، أن صنع الله ابراهيم أراد أن يكتب التابو نفسه، لا أن ينتقده أو ينقده أو يتأمل فيه من خارجه؛ بل أراد أن ينسجه في اللغة. ومعروف أن صنع الله ابراهيم، بعد خروجه من السجن في سياق تجربته السياسية أثناء الستينات الهادرة بمشروعات وطموحات كبيرة، أحبطَ القرّاء والنقاد و الرفاق بكتابة نص أصبح الآن من كلاسيكيات القصة الطويلة أو الرواية العربية القصيرة هو تلك الرائحة الذي موضوعه الجنس وليس السياسة حسب ظاهر الأمر، لكن بعيداً عن القشرة الخارجية الخادعة، يتمرأي الجنس في النص باعتباره موضوعة سياسية من الطراز الرفيع.
وفي نجمة أغسطس ، روايته شبه الأوتوبيوغرافية الأشهر والأهم حسب اجماع كثير من النقاد، يتعرض صنع الله ابراهيم لاخفاقات وانجازات المرحلة الناصرية من خلال استدعاء تجربة مباشرة محورها السجن وبناء السد العالي، فالرواية، في أول المطاف، مهداة الي ذكري شُهدي عطيَّه الشافعي، الرمز اليساري المصري المعروف، والذي لقي حتفه عظاماً مهشمة وآمالاً مهيضة تحت التعذيب في المعتقل ضمن خطة ضرب الشيوعيين بـ/ والاخوان المسلمين، والتي تكررت في غير بلد عربي (وفي استحقاقات عالم ما بعد 11 ايلول (سبتمبر) هناك اكثر من ارهاص في هرج ومرج الاصلاح السياسي المفروض من الخارج و المفترض من الداخل بأن هذه الخطة تنبعث الآن عبر ضرب العلمانيين والليبراليين والمتنورين بـ/ و الأصوليين ليتكرس للوضع القائم هناء البقاء والرقص علي انكسارات الخصوم)، وذلك حتي يبقي المشروع الناصري كما أريدَ له، وعلي الرغم من مآثره الجزيلة التي تتضح غيابياً أكثر وأكثر في الحقبة المظلمة الراهنة، علمانياً بعض الشيء لكن من دون فصل دستوري صريح بين صلاحيات المؤسسات السياسية والثقافية المختلفة، وحدوياً وقومياً بالتأكيد، واشتراكياً الي حدود جريئة من غير أن يكون حزبياً، ولكن مائع الهوية الأيديولوجية، هذا ضمن تعقيدات وخصائص أخري.
مهما يكن من أمر ليس هذا موضوع هذه المادة وان كانت الاحاطة بالخلفية ضرورة قرائية دوماً، بل يتعلق اجتهادي البسيط هنا بأنه في الرواية هذي ترتبط حالة الهاجس الجنسي بحالة الهاجس السياسي ارتباطاً وثيقاً، لدرجة أن التشوهات النفسية التي تتمخض عن الحالة الجنسية غير السوية تصبح معادلاً طبيعياً للتشوهات الاجتماعية الناجمة عن اخفاقات المشروع السياسي الثوري البديل، فالرواية في عمومها يمسك بخناق راويها هاجس الجنس وهاجس السياسة علي نحو متكافئ.
وبين الهاجسين الاستحواذيين هذين يعتمل الهاجس الابداعي ويتمرأي بوصفه مشروع تَسَامٍ (sublimation)، بالمعني الفرويدي للكلمة، أو احتمال انقاذ تتبدي فيه طاقات وامكانات بديلة للحرية المخنوقة في الحالة الجنسية والحالة السياسية اللتين مسخهما الواقع بالمقدار نفسه.
ويرسم الهاجس الجنسي لدي الراوي خطوطاً متماثلة تتمرأي فيها الوشائج الوطيدة بين الحيز الانساني (أو اللاانساني) في تجربة السجن، والحيز اللاانساني (أو الانساني ) في تجربة المجتمع السجين والسجّان نفسه.
اننا، اذاً، في نجمة أغسطس بصدد راوٍ يبحث توّاقاً عن الحرية خارج جدران الزنزانة، ولكن حظه أقل بكثير من عامر في هذا المسعي، اذ ان الاسترجاعات، أو الفلاشباكات ، السجنية في النص تكون في الغالب مسبوقة باستثارة اجتماعية من نوع ما في حاضر السرد، أي بعد الخروج من السجن.
كما أن حالة الخوف الأمني العميق من الآخر، والتي تصبغ النص كله من بدايته حتي نهايته، تماثلها حالة الفضول الجنسي الموغل بالآخر لدي شخصية الراوي المثقف، والسجين السياسي السابق. غير أن ملاحظاتي الأولية التالية ستحاول أن تحفل ببعض أوجه الهاجس الجنسي فحسب.
وأشكر هنا الأستاذ وليد حمارنه من قسم الأدب المقارن في جامعة غرب أونتاريو الكندية الذي يقرأ عنوان الرواية، نجمة أغسطس ، بأن فيه احالة الي وضوح نجوم السماء العربية في شهر اب (أغسطس) نظراً لحرارة المناخ في منطقتنا تلك من العالم. وهذا أمر يشجعني علي الاعتقاد، اذاً، بأن في العنوان هذا تكمن ثمة احالة توازي الحرارة الجنسية الانسانية بالحالة المناخية الطبيعية.
ولأنني شغوف بمفهوم اللقطات التأسيسية في السينما الكلاسيكية، أود اقتراح أن الصفحات الثلاث الأولي من الرواية تقدم هواجس راويها بصورة متينة. ويتم تأسيس تلك الهواجس وترسيخها بوصفها محركاً ثيماتياً بحلول الصفحة الخامسة عشر من النص، ذلك أننا نكون قد تعرفنا الي الراوي الذي استقل القطار لتوّه في بداية رحلة التعرف الي الذات عبر الاستكشاف الداخلي والخارجي، حيث ان القطار هنا هو المركبة المجازية للرحلة التي ستوصلنا عبر محطاتها الي فضاءات تتمدد في التاريخ والسياسة والثقافة، والأهم من ذلك أنها تتمدد في الانسان الذي هو نتاج حرج للغاية للتاريخ والسياسة والثقافة.
الراوي جالس في قمرته في القطار، اذاً، ثم أحسست بحركة علي باب الديوان فالتفت لأري رجلاً في سترة صفراء. نهضت واقفاً. واقترب الرجل مني ثم انحني علي المقعد دون أن يفوه بكلمة. وبثانية تحول الي فراش من طابقين. قال مشيراً الي باب صغير في الحائط: الغطاء هنا. واعتدل باسطاً قامته ثم قال: لو عزت حاجه اندهلي. قلت: حاضر يا فندم. تطلع الي مندهشاً قبل أن يغادر الديوان ويغلق الباب من خلفه (ص 12 من طبعة منشورات اتحاد الكتاب العرب الصادرة في دمشق في 1974، وأرقام صفحات بقية الاقتباسات الواردة في المادة هذي تعود الي تلك الطبعة).
ان من الواضح هنا أن الذاكرة المسكونة برعب تجربة السجن وأهوالها الكثيرة قد توجست شراً كبيراً من لون سترة عامل الخدمة في القطار، اذ يبدو أنها ذكّرت الراوي، بصورة لاواعية، بجلاديه وأزيائهم الرسمية، وجعلت، بالتالي، من عربة القطار المكيَّف زنزانة أخري في خُلاصة نفسية كثيفة لتماهي السجن، أي التجربة الاستاتيكية والمغلقة، مع المجتمع، أي التجربة المتحركة والمفتوحة (أو هكذا يفترض أن يكون الأمر علي الأقل فيما يخص الأخيرة). ولذلك فان الراوي يخاطب عامل الخدمة في القطار بطريقة تبجيلية وتوقيرية، أي طريقة معكوسة، من حيث أننا نتوقع الاحترام والتقدير أن يكونا صادرين من عامل الخدمة عوضاً عن راكب القطار الذي دفع ثمن التذكرة. كان الظرف السجني العسير، حيث السلطة تحتكر الألوان ودلالاتها، قد أجبر الراوي بالتأكيد علي استعمال عبارات من قبيل حاضر يا فندم في الحديث مع سجّانيه. وبذلك فان ما يبدو هنا أنه سخرية من العامل ليس الا ضرباً من الضرر المُصاحِب حسب المصطلح العسكري، حيث جاءت مفارقة تماثل دلالة سترة أحد أفراد الطبقة العاملة (عامل خدمة في قطار) بدلالة السترة البوليسية، أو العسكرية (في السجن)، باعتبارها مؤشراً علي وضع غير طبيعي من أساسه. انه الرعب اذاً حيث ليس عامل الخدمة هذا سجّاناً، بل علي العكس، فموقعه الطبقي يرشحه لتعاطف الراوي ذي التجربة السياسية اليسارية.
وبعد ذلك يواصل الراوي وصفه للأشياء والموجودات من حوله وتفاعلها معه بطريقة تشي لنا بما يستوقفه في محيطه، حيث اختلست النظر الي السيدة التي كان يتحدث معها (شاب).... (ص 13)، وحيث اصطدمت وأنا أمرُّ بفتاة أوروبية شقراء ترتدي سروالاً أسود. وأحسست علي ساقي بملمس جسمها اللين. وظللت أحس به وأنا أتقدم الي نهاية العربة وأعبرها الي عربة الطعام (ص 13).
ولا يغفل الراوي المولع بالتفاصيل حد الهوس أن يذكر لنا كذلك، وبأسف أكثر من مُبَطَّن، أنه لم يَرَ غير جانب من فخذ امرأة كانت تغير من وضع ساقها (ص 14)، وأعتقد أن المهم ملاحظة أن الراوي يبوح لنا قبيل نهاية الرواية في سياق تبريره لعدم رغبته في الذهاب الي الكونغو بأنه ثم ما تنساش النسوان. أنا عشت كتير من غير نسوان، ومقدرش أفضل كده علي طول (ص 372).
وعودة الي القطار، أو المركبة المجازية لرحلة الاستكشاف، يواصل الراوي سرده: وتخيلت أني أمر من جديد في الممر، وأن الزحام شديد. وعندما أصبحت خلف الشقراء ذات السروال الأسود لم أتمكن من الحركة. وانحنت هي الي الأمام تتأمل شيئاً في الطريق. فانحنيت فوقها لأري ما جذب اهتمامها. أشعلت سيجارة ثانية وأنا أحدق الي النافذة. ومررت بيدي علي ساقي. وفجأة انغمر الديوان بالضوء. وألفيتني أحدق الي رجل يتأملني من النافذة. فجذبت يدي بسرعة من فوق ساقي. وأدركت بعد لحظة أن قطارنا توقف بجوار قطار آخر. تحرك الرجل مبتعداً. وتبينت أن الحركة من قطارنا الذي استأنف سيره. فالتففت بالغطاء جيداً وتكومت علي نفسي (ص 16). لم يكن الرجل هذا الذي أطل بفضول عادي من نافذة القطار الآخر ينوي حقاً التلصص علي الراوي بصورة متعمدة، غير أن حذاقة السرد لدي صنع الله ابراهيم قد أقنعتنا بهاجس الخوف لدي شخصيته عبر تعريضها لهكذا مفارقة.
ان ما حدث هنا هو أن الراوي، وبعد أن كشفت عنه ذاكرته المسكونة بالخوف في مشهد عامل الخدمة في القطار، ظل يكشف عن بقية هواجسه و نقاط ضعفه ، فجاءت التوقفات والاشارات ذات الاستحواذات الجنسية الواضحة التي نستدل علي أن تلاحقها الفعلي في اللقطات والمشاهد المقتبسة أعلاه وانعكاسها في تخيلتُ... قد أدت الي تبلور رغبة جنسية غير متحققة في ركامات الحرام والحرمان.
هو عدم التحقق هذا ما يدفع به الي التلميح بالشروع في مداعبة جنسية ذاتية ربما كان لها أن تتوج بممارسة العادة السرية لولا أن الآخر ـ أي الرجل المسافر في القطار الثاني ـ قد اقتحم المشهد وقطع الاسترسال في مثال متطرف علي الرعب والاختراق الكامل للحياة الشخصية، حتي في جانبها الأكثر حميمية.
والحقيقة أن الراوي يلجأ الي تحسس الساق بطريقة تساوقية في نهاية الرواية أيضاً، وذلك علي اثر استرجاعه للمغامرة الأيروسية المثيرة مع المرأة اليونانية في الاسكندرية التي قصّها له خليل، والتي يشكك الراوي في امكانية حدوثها، أي أنه، بصورة ما، رأي أنها تجربة متخيلة فأراد هو أن يبدأ في عيشها خيالاً (ص 583).
وتحفل الرواية بأمثلة لا حصر لها علي رؤية الراوي للجنس واستحواذه عليه في كافة التفاصيل المحيطة به، وسأضرب هنا غيضاً من فيض الأمثلة التي يزخر بها النص: عدد مجلة الكواكب الذي يحتوي علي صورة لسعاد حسني كشفت عن جانب كبير من ثدييها (ص 18)؛ راقبت سيدة روسية ممتلئة تقترب من الباص ثم ترفع قدمها وتضعها فينبعج ردفها (ص 23)؛ وتمهلت بجوار فتاة أوروبية في بلو جين أزرق وبلوفر أخضر بلا أكمام أبرز استدارة كتفيها وضغط علي صدرها البارز القوي (ص 35)؛ سمعنا دقات متلاحقة فوق الدرج فتحولنا نرقب فتاة أوروبية تهبط في رشاقة وفستانها الواسع القصير يحلق حولها في كل درجة فيكشف عن فخذيها (ص 69)؛ وتهالكتْ علي مقعد أمامنا مادة ساقيها. واستقرت نظراتنا علي فخذيها الممتلئين (ص 72)؛ جلست في مواجهة القاعة أتأمل أفخاذ السائحات العارية (ص 136)؛ وانحدر بصري فوق ردائها القصير الي ساقيها المتناسقتين اللامعتين. وتابعت قطرة عرق انزلقت علي فخذها ثم ساقها التي خلت من الشَّعر (ص 170).
غير أن ما هو أهم من تعبير اللغة عن الهاجس الجنسي الاستحواذي من خلال السرد والوصف هو تحول الهاجس الجنسي الي هاجس لغوي في النص (ولا بأس أن أتذكر هنا أن رولان بارت في كتابه العتيد لذة النص قد أشار الي أن العرب أدركوا الأمر من زمان حين استخدموا مفردة المتن للاشارة الي النص والي الجسد معاً)؛ بمعني أن اللغة نفسها تصبح متورطة أو مُوَرَّطَة في الاستحواذ الغامر، وليس مجرد ناقلة له أو معبرة عنه. فعلي سبيل المثال، تتكرر مفردة ولوج سواء بصيغة الفعل أو الاسم المفرد أو الجمع أربعاً وعشرين مرة في الرواية، ومنها المقطع التالي: شعرت بدوار وجفاف في حلقي. ولجأت الي بقعة من الظل تكونت أمام محل حديث لبيع الملابس. ولمحت من الزجاج احدي البائعات فولجت المحل. ووقفت أمام فتاة سمراء ذات عينين واسعتين. تأملت عينيها فابتسمت لي بحذر. قالت: أي خدمة؟ (ص 44).
ان اللغة هنا، ومن خلال استعمال كلمة ولجت مسبوقة بِفاء السببيّة تؤسس علاقة واضحة بين المسبِّب، أي حقيقة أن البيع في المحل تقوم به فتاة سمراء ذات عينين واسعتين ، والنتيجة، أي ولوج المحل بناء علي ذلك السبب، وليس بناء علي الحاجة للتبضع خاصة في النسبة لشخص يعاني من دوار وجفاف في حلقه (وربما في أعضاء أخري من جسده أيضاً). ولذلك فان استخدام مرادفات مثل دلفتُ أو دخلتُ ما كان له أن يتوفر علي الحمولة الايحائية الجنسية الصارخة التي تزخر بها مفردة ولجتُ ، وذلك في تصاديها الاشتقاقي والجناسي مع مفردة أولجتُ التي لا يخفي علي أحد السياق المعياري لاستخدامها في العربية.
ويقترب استخدام مفردة ولوج بمشتقاتها مما قد يظن البعض أنه نوع من المجانية، أو حتي الركاكة اللغوية، في مشاهد متعددة من النص. غير أن الأمر ليس كذلك علي الاطلاق، فاستخدام المفردة في سياقات لا تبدو للوهلة الأولي أنها جنسية أو أيروسية يعني أنها تتجاوز وظيفة التزويق أو الايحاء من فوق، لتصبح مفردة رئيسة في القاموس اللغوي للتجربة بكاملها، وبالتالي انعكاساً لهاجسها.
غير أن العلاقة بين هاجس التجربة الجنسية وهاجس اللغة الابداعية الجديدة (حيث هاجس الابداع والفن هو أحد الهواجس الثلاثة الكبري في النص: الجنس؛ الحرية؛ الابداع، إذ ان الفن هو أرفع تعبير عن الحرية (ص 238) تجد لها ـ أي علاقة الهاجس الجنسي بالهاجس الابداعي ـ تمرئيات أخري في النص، فاللغة نفسها تصبح جمالية أيروسية كما في المثال التالي: نقلت بصري الي ساعديها العاريين من أول الكتف. وتأملت شعر ابطيها الذهبي. ومضيت أنصت الي صوتها. ولأول مرة لاحظت ما في مخارج الألفاظ ونهايات الجمل الروسية من ايقاع موسيقي. وكنت في البداية أشعر بها كقطع الصخر (ص 118).
وفي مثال آخر نشهد كيف أن اللغة تذهب في الأشياء عمودياً لتري في عملية هندسية وميكانيكية يتكون طرفاها من الأرض والآلة تجربة جنسية كاملة: ومضيت أرقب عدداً من العمال أحاطوا بحامل فوق عجلات تعلوها بكرة.. كانت هناك ماسورة عمودية تتدلي من البكرة وتنتهي بعمود يعمل في حركة متتالية صعوداً وهبوطاً وهو يتقدم الي أسفل ينطلق منه صوت أشبه بالحشرجة. وما لبثت أن سرت في الآلة كلها عدة اهتزازات سريعة ثم ارتعش العمود وتوقف عن الحركة تماماً. وظهر شيء من البلل عند التقاء العمود بالماسورة (ص 26).
وتبلغ الجنسنة اللغوية للفعل الميكانيكي طاقتها الوجودية والشعرية الأعلي في القسم الثاني من الرواية، والذي تنعدم فيه النقاط والفواصل، كما تنعدم المسافات بين الماضي والحاضر، وبين فعل الجنس وفعل الخلق، حيث يتجاور فعل الآلة بالأرض مع فعل الأعضاء البشرية ببعضها بعضاً ويتحد به في لوحة لغوية مذهلة: ولم أفهم حتي كررت أنها تتألم دائماً منذ كانت المرة الأولي قبل سنوات ولا بد من الرفق فالمادة الغنية الدافئة تفقد توهجها أمام التعنيف والهرولة وتلتف الصخرة بنقاب حجري صلب يمكن تحطيمه بالعنف ولكن لا يمكن ارغامها علي أن تعطي فهي تستسلم للحنان وتزداد اشعاعاً ولمعاناً وتلمست أصابعي سطوح الجسد العاري وثناياه حتي حركت رأسها في بطء وشعرت بشفتيها تلينان وأخذ جسدها يتلوي تحت أصابعي وانفرجت ساقاها وهناك كانت مبتلة أيضاً وتوقفت الآلة عن الحركة وسرت فيها رعشة خاطفة تكررت عدة مرات... (ص 222).
عبدالله حبيب - شاعر وناقد من عمان يقيم في امريكا
القدس العربي