اللامنتمي
24/10/2005, 10:34 PM
رمزية الحجاب اثيرت في النقاش الذي دار في فرنسا العام الماضي اثناء وبعد قرار الحكومة الفرنسية منع الرموز الدينية في مدارس الدولة العلمانية، وتحديدا الحجاب، وتحول الحجاب وصور الناشطات المسلمات في شوارع العاصمة الفرنسية الي رمز للمقاومة والتمرد والكفاح، وصار الحجاب مثلما كان في بعض السياقات العربية اثناء الكفاح من اجل التحرر من الاستعمار صورة عن الهوية الوطنية. وعلي خلاف المنظور السابق الذي برز في اطار الصراع بين السفور والحجاب في بدايات القرن العشرين، فالحجاب في معانيه المختلفة وفي اطار فكرة العولمة وثقافة ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة صار يرمز، علي الاقل في ممارساته واشكاله الي شعار للحرية والتعبير عن الهوية الوطنية بدلا من ان يكون تعبيرا عن سجن المرأة في خيمة كبيرة متحركة كصورة عن تقاليد المجتمع البطريركي. وهذا المجتمع البطريركي بحسب الراحل هشام شرابي لم يتخل عن تقاليده القديمة، ففي ظل تقدم الحداثة اعاد انتاج نفسه وابقي علي البني القامعة للمرأة ولكنه اعطاها بعدا حداثيا ومعاصرا. وعليه يمنح الحجاب بما هو قطعة قماش او موسلين رؤية عن واقع المرأة في دول العالم الثالث وفي ادبيات هذا العالم، اضافة لصورتها في ادبيات الاستشراق والخطاب الامبريالي.
ومن هنا فان مدارس الخطاب النقدي المعاصر، في مجمله وتفرعاته تعطي الحجاب اكثر من بعد واكثر من قراءة، فهو ابعد عن كونه تلك القطعة من القماش التي تغطي عورة المرأة من رأسها لاخمص قدميها العباءة ، الجلباب او الحايك ، البرقع ، او ذلك الذي يكتفي بغطاء الرأس، المنديل او الحجاب بمفهومه المعاصر الذي جاء مع الخطاب الاحيائي المعاصر، او النقاب والذي ايضا اقترن بخطاب احيائي اكثر حرفية وتشددا، فقد تمت قولبة الحجاب في المفاهيم والنظريات الادبية المعاصرة في اكثر من اطار، فهو في خطاب ما بعد الاستعمار، قناع وصورة عن الهوية الوطنية والقومية اي الكفاح ضد الاستعمار، كما برز في رؤية فرانز فانون لحجاب المرأة الجزائرية في سياق الثورة ضد الاستعمار الفرنسي.
وفي قراءة غايتري سبيفاك التي تعتبر واحدة من الاصوات النقدية في نظريات مابعد الاستعمار، فان عنف الامبريالية جعل من المرأة المحجبة جوهر الكفاح الوطني، وعليه جعل الحجاب في موضع التجاذب الثنائي بين الاستعمار وايديولوجية الكفاح الوطني والجنس والهوية، وفي داخل هذه الثنائية الاستعمار ومقاومته، بمعني الكفاح الوطني تضيع حرية المرأة. ان تحليل حجاب المرأة في ظل الخطاب الاستعماري والخطاب الناقد له يقدم اكثر من وجه وصورة تتموضع فيها حرية المرأة بناء علي اشكال القمع الفردي، الابوي والقمع الاستعماري او عنف الممارسة ضد المرأة والشعوب، غيتاري سبيفاك قامت من خلال هذه الاشكال القامعة لهوية المرأة وصورتها بتشكيل مفهومها عن المرأة التابعة للرجل، المرأة التي تتشكل صورتها بحسب هوية الرجل. وتقترح القراءات المتعددة للحجاب وتمظهراته في الادب، الرواية بشكل خاص انه لا توجد هوية واحدة يرسمها الحجاب، بالنسبة للمرأة فهو وان اعتبر علامة علي القمع سجن بحسب المرنيسي، فهو ايضا علامة علي التحرر والحراك الاجتماعي، يحرر المرأة من النظرة او التحديق ويعطيها القدرة علي التفاوض مع الفضاء المحيط بها والمطالبة بالحقوق الاخري التي حرمت منها، الحجاب بهذا المعني يصبح علامة علي السلطة للمرأة الجديدة، فهو يحررها من قيود المفروضة عليها في المجتمع البطريركي، ولكنه اي الحجاب في لحظة اخري، اي تحليل اخر، يصبح الفضاء الوحيد المفروض علي المرأة ومن خلاله وضمن ظروفه تحاول المرأة التعبير عن ابداعيتها الخاصة وعن خيالها واحلامها، تماما كما تشي بعض الاصوات الادبية التي تظهر من السعودية هذه الايام، في هذا السياق يعتبر الحجاب المحور الذي تهرب اليه المرأة للتعبير عن توقها وابداعها المنقوص منه في ظل ذكورية طاغية وصورة عنها تخرج من داخل هذه الذكورية.
ان القراءات او المفاهيم التي تمنحها الخطابات النقدية المعاصرة علي تعددها تقدم مساحة لرؤية المرأة من خلال القناع او القناع من خلالها وعليه فان دعوات الكاتبة الغربية او الناشطات النسويات الغربيات لنزع الحجاب عن المرأة الشرقية ستعتبر في بعض الدوائر محاولة من هذه الجماعات لاستبعادها ضمن المفهوم الاستشراقي عن الاخر . للحجاب اكثر من وجه وقراءة فحجاب الناشطة الاسلامية هو رسالة سياسية ورمز محمل بالايديولوجية اكثر من كونه تعبيرا عن حريتها، وعليه تقدم كاتبة جزائرية مقارنة فيها الكثير من النوستالجيا عن الحايك الابيض الذي لبسته المرأة الجزائرية عبر الاجيال والحايك الاسود الذي ساد مع سيادة تيار الاسلام السياسي.
في الخطاب النقدي الذي يستند علي التحليل النفسي يكتسب الحجاب طابعا دياليكتيا، حيث يحاول الرجل باعتباره مركز هذه الرؤية باخفاء المرأة اي تغييب جسدها، ومن هنا يتحول الحجاب الي سلطة تكشف عن علاقات الستر/ الخفاء، فهو يقوم باخفاء الحقيقة التي تعطي الرجل القدرة علي فرض مفاهيمه الخاصة، الذكورية الشهوانية او السياسية علي المرأة. الحجاب ضمن هذا الخطاب ليس قناعا يخفي هوية المرأة، يحجبها اي يقمعها او يحررها من المستعمر بل هو ايضا مرآة يقوم الرجل بعكس رؤاه النرجسية عن المرأة عليها.
وعندما يقوم الرجل بحرمان المرأة من وجهها فانه يقوم بتحويلها الي ستارة فارغة بيضاء او سوداء بحسب الحجاب يعكس من خلالها تمثيلاته للمرأة.
وكما اشرنا سابقا فالحجاب يمنح المرأة والرجل اكثر من استراتيجية للتفاوض علي مكان في الفضاء الاجتماعي او فضاء السلطة، اضافة لحماية او كشف الجسد، ومثل كل الاستراتيجيات ففي الفضاء الابداعي الذكوري عن المرأة والانثوي ـ الانثوي بعض هذه الاستراتيجيات تتساقط وتنتهي بالهزيمة كما في حالة بطلات روايات نوال السعداوي اذ ينتهي معظمهن للسجن، مما يعني انتصار الذكر، ولكن نوال السعداوي ترفض مثل هذا التحليل اذ تتحدث دائما عن الانتصار، انتصار البطلة في امرأة تحت درجة الصفر او موت معالي الوزير ، او الحجاب . ومع ذلك تظل هنالك اشكالية بشأن الطريقة التي حلل او تعامل فيها الادب مع الاهتمامات النظرية التي تحيط بالحجاب، واهم هذه المشاكل تلك المتعلقة بحيادية الرجل/ الذكر حتي في حالة قدرته علي شرح المواقف الذكورية من المرأة. وفي بعض الاحيان تتحول المرأة الي آخر يتم فيه موضعة جسد المرأة علي انه محل للرغبة والقرف في وقت واحد، ويتم فيه تحديد الطبيعة الجنسية/ الانتاجية عند المرأة كتمثيل او تمظهر عن هويتها كفرد في الجماعة الانسانية، وكممثل ايضا عن الجماعة/ الامة. وتظهر القراءات للاعمال الروائية التي كتبها رجال عن المرأة، محاولة لتقدم صورة عادية ومقبولة عن الحجاب الذي يظهر في نفس الوقت علي انه ضرورة. ويبدو ان هذا متعلق بمخاوف الرجل من المرأة غير المتحجبة وما تمثله له من تهديد. وجاء تمثيل المرأة في الاعمال الذكورية عبر مفهوم ايجابي يهدف لعزل المرأة وتقييدها في الهامش المجتمع/ السلطة والتجارة. مقارنة مع الذكر، قدمت الانثي وجوها متعددة للحجاب. ففي داخل القراءة او التمثيل النصي والسردي للحجاب نعثر علي رمز للحجاب، كسجن، او فضاء للممارسة الروحية، مثل الحريم تقوم فيه المرأة بالتوافق والتكيف مع الواقع الذي تعيش فيه، واقع الحجاب، والخفاء عن العالم. وهناك وجه اخر للحجاب، وهو وجه يتعامل بحذر معه ورفض مبطن كما هو حال الحجاب في روايات آسيا جبار اخت شهرزاد و فنتازيا حيث كانت الكاتبة الجزائرية واعية لتعامل فرانز فانون مع الحجاب باعتباره رمزا للعفاف والطهارة الوطنية، وسلاح ضد الاستعمار، ولهذا تعاملت مع الرمز، باعتباره ممارسة مثيرة للضيق، ورجعية، وفي نفس الوقت كتعبير عن العودة الي التقاليد الوطنية. وتعكس الروايات والنصوص الادبية للمرأة عن الحجاب هذا الحس الحذر، فعوضا عن التعامل معه باعتباره ممارسة مميزة وتدعو للاحترام، تقوم الكتابة الانثوية، بالحديث عن الحاجة او الضرورة التي استدعته في السياق الاجتماعي والديني، مع الاخذ بعين الاعتبار رمزية الحجاب في التعبير عن التسيد الاستعماري والادب المقاوم له.
ان مصير او مصائر المرأة المحجبة تظهر رهنا لسرديات الرجل/ الذكر ومن هنا فتواريخ المرأة دائما مشوهة وعرضة للقولبة، وتدور في داخل الخطاب الاستعماري، والخطاب الذكوري المتسيد للمرأة ، ومن هنا فهناك خطورة في ظل الصعود الامبريالي الامريكي ان تتم اعادة كتابة تواريخ المرأة التابعة، بحسب سبيفاك، اي ان يتم تمثيلها بدون اعطائها فرصة لتمثيل نفسها. وكمثال في هذا الاتجاه، المرأة الافغانية تقف الان بين خطابين، خطاب دعائي سياسي اعلامي ولد داخل المنظومات الاعلامية الغربية والسياسية، وخطاب ديني/ قبلي الطابع جاء عبر طالبان. وفي كلا الخطابين تبدو المرأة صامتة او اجبرت علي الصمت. ولكن قراءة الاعمال الادبية التي قدمها الرجال والنساء عن الحجاب تظل رمزية، فالناشطات الانثويات العربيات، خاصة الرافضات لفكرة الحجاب، يرفضن التركيز عليه كموضوع للخطاب والنقاش، مما يعني ان الرمز/ الحجاب اخذ حجما كبيرا من النقاش، ولان هناك الكثير من القضايا التي تمس حياة المرأة، مثل التعليم، والحريات الفردية، ودورها في الفضاء العام.
امر اخر، يتعلق بالحجاب، ويرتبط بالقراءة الاثنوغرافية لتجليات ورمزيات الحجاب، قراءة معاكسة لفكرة لبس الحجاب، فاذا كان قرار فتاة او امرأة العودة للحجاب يشير لتحول جذري في حياتها، فان نزع الحجاب يظل في داخل الخطاب الاثنوغرافي الاكثر تأثيرا، وفي الكثير من المظاهر الطقسية فان نزع القناع/ الحجاب هو الاهم اكثر من لبسه، لان نزع القناع يعري الروح ويكشف عن الحقيقة، وهو ما يشير اليه رمز الحجاب في اطار الكشف/ الستر. وفي قصة لانياس نين بعنوان حاجة تقوم فتاة مسلمة بنزع الحجاب، والمظهريات المتعلقة به لكي تكتشف قوتها وسلطتها بعيدا عن سلطة الرجل.
يتحول الحجاب في داخل الخطاب النظري الي مركز للفتنازيا الغربية/ الاستعمارية، ومحل للايديولوجيا الوطنية (التقليدية والثورية)، وكمحل للخطاب عن الهوية النسوية نفسها.
ويعثر القاريء او الباحث علي عدد من المستويات والاستراتيجيات عن الحجاب، فهناك الخطاب الاستعماري، في القرن التاسع عشر، كما في سالومي لاوسكار وايلد وروديارد كبيلينغ وقصصه القصيرة عن الهند. وتظهر التمثيلات الروائية الاستعمارية، الحجاب باعتباره ستارا عن الرغبة الشرقية وصورة عن المرأة كضحية للتقاليد الشرقية المتخلفة.
وبعيدا عن هذه القولبات يبدو الحجاب في الكتابات العربية ـ الاسلامية مرتبطا في الكفاح ضد الاستعمار، وقضايا الهوية الوطنية، ويبرز هذا في سياق قراءة لاعمال نجيب محفوظ واكثر توسعا في اعمال اهداف سويف، خاصة خرائط الحب ، حيث اصبح الحجاب محلا للقولبة، ويظهر الحجاب، كموضوع ورمز في السياق المصري ومركزية الدين، والسياسة والاقتصاد، ويكشف عن العلاقات بين الطبقات وحرية الاختيار. في السعودية مثلا تظهر الروايات والاعمال الادبية التي كتبتها سعوديات مركزية الكتابة في التعبير عن الاكتفاء الذاتي وقيود الحجاب او العباءة. وعلي خلاف الكتابة الادبية المحلية، فان كتابات حنان الشيخ، وكتابات السيرلانكي باندولا تشاندراتان مثل رواية سراب حيث لم يحم الحجاب زوجة سعيد من الاغتصاب، والقتل. وتكشف ايضا عن لون اخر من الحياة في ظل الحجب او القيد. ان الحجاب وخلعه، يحمل في طياته عددا من التمثيلات، والتي تتعلق بالسياق الاجتماعي وفضاء الممارسة. والحجاب، كرمز، يحجب المرأة ويبعدها عن الرجل، او يستخدم في ابقائها علي الهامش او يحررها من النظرة الرجولية، ليس مقصورا علي المرأة العربية والمسلمة، بل هناك تمثيلات مشابهة له في ادبيات شبه القارة الهندية، وفي دياناتها. اصبح الحجاب في بداية الالفية الثانية موضوعا للنقاش، وكتعبير عن المقاومة اكثر من اي يوم مضي، ومن هنا فالكتابات الادبية والنصوص تساعد علي فهم مركزية الحجاب او قطعة الموسلين في الوضع الراهن. وفي النهاية يظهر النقاش صورة اوضح عن وضع المرأة في ادبيات ما بعد الاستعمار. كما ان البحث في الحجاب يكشف عن حجم الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة، كما يكشف، اي البحث، عن ديناميات السلطة والعنف، واشكال العلاقة بين الطبقة والعنصرية، والعنصرية الجنسية التي يمارسها الرجل ضد المرأة.
الحجاب، باعتباره موضوعا عن الهوية وعلاقته بادبيات ما بعد الاستعمار، هو موضوع الكتاب الصادر عن دار بلوتو في لندن تحت عنوان المرأة في قناع الموسلين حيث تلاعبت الكاتبة دافني غريس، بعنوان رواية الكسندر دوماس، الرجل ذو القناع الحديدي ، ويقدم الكتاب قراءة كرونرولوجية جغرافية لمفهوم الحجاب، في ادبيات عربية واسلامية وغير اسلامية، ويبدأ بتحليل النظرة الاستعمارية للحجاب في القرن التاسع عشر وحتي بدايات القرن العشرين، والكتابات العربية والاسلامية، التي وزعت علي ثلاث مناطق جغرافية مصر، وفلسطين والجزيرة العربية وشمال افريقيا، حيث تقدم كتابات كل منطقة رؤية مختلفة وجديدة عن فكرةالحجاب.
ابراهيم درويش - القدس العربي
ومن هنا فان مدارس الخطاب النقدي المعاصر، في مجمله وتفرعاته تعطي الحجاب اكثر من بعد واكثر من قراءة، فهو ابعد عن كونه تلك القطعة من القماش التي تغطي عورة المرأة من رأسها لاخمص قدميها العباءة ، الجلباب او الحايك ، البرقع ، او ذلك الذي يكتفي بغطاء الرأس، المنديل او الحجاب بمفهومه المعاصر الذي جاء مع الخطاب الاحيائي المعاصر، او النقاب والذي ايضا اقترن بخطاب احيائي اكثر حرفية وتشددا، فقد تمت قولبة الحجاب في المفاهيم والنظريات الادبية المعاصرة في اكثر من اطار، فهو في خطاب ما بعد الاستعمار، قناع وصورة عن الهوية الوطنية والقومية اي الكفاح ضد الاستعمار، كما برز في رؤية فرانز فانون لحجاب المرأة الجزائرية في سياق الثورة ضد الاستعمار الفرنسي.
وفي قراءة غايتري سبيفاك التي تعتبر واحدة من الاصوات النقدية في نظريات مابعد الاستعمار، فان عنف الامبريالية جعل من المرأة المحجبة جوهر الكفاح الوطني، وعليه جعل الحجاب في موضع التجاذب الثنائي بين الاستعمار وايديولوجية الكفاح الوطني والجنس والهوية، وفي داخل هذه الثنائية الاستعمار ومقاومته، بمعني الكفاح الوطني تضيع حرية المرأة. ان تحليل حجاب المرأة في ظل الخطاب الاستعماري والخطاب الناقد له يقدم اكثر من وجه وصورة تتموضع فيها حرية المرأة بناء علي اشكال القمع الفردي، الابوي والقمع الاستعماري او عنف الممارسة ضد المرأة والشعوب، غيتاري سبيفاك قامت من خلال هذه الاشكال القامعة لهوية المرأة وصورتها بتشكيل مفهومها عن المرأة التابعة للرجل، المرأة التي تتشكل صورتها بحسب هوية الرجل. وتقترح القراءات المتعددة للحجاب وتمظهراته في الادب، الرواية بشكل خاص انه لا توجد هوية واحدة يرسمها الحجاب، بالنسبة للمرأة فهو وان اعتبر علامة علي القمع سجن بحسب المرنيسي، فهو ايضا علامة علي التحرر والحراك الاجتماعي، يحرر المرأة من النظرة او التحديق ويعطيها القدرة علي التفاوض مع الفضاء المحيط بها والمطالبة بالحقوق الاخري التي حرمت منها، الحجاب بهذا المعني يصبح علامة علي السلطة للمرأة الجديدة، فهو يحررها من قيود المفروضة عليها في المجتمع البطريركي، ولكنه اي الحجاب في لحظة اخري، اي تحليل اخر، يصبح الفضاء الوحيد المفروض علي المرأة ومن خلاله وضمن ظروفه تحاول المرأة التعبير عن ابداعيتها الخاصة وعن خيالها واحلامها، تماما كما تشي بعض الاصوات الادبية التي تظهر من السعودية هذه الايام، في هذا السياق يعتبر الحجاب المحور الذي تهرب اليه المرأة للتعبير عن توقها وابداعها المنقوص منه في ظل ذكورية طاغية وصورة عنها تخرج من داخل هذه الذكورية.
ان القراءات او المفاهيم التي تمنحها الخطابات النقدية المعاصرة علي تعددها تقدم مساحة لرؤية المرأة من خلال القناع او القناع من خلالها وعليه فان دعوات الكاتبة الغربية او الناشطات النسويات الغربيات لنزع الحجاب عن المرأة الشرقية ستعتبر في بعض الدوائر محاولة من هذه الجماعات لاستبعادها ضمن المفهوم الاستشراقي عن الاخر . للحجاب اكثر من وجه وقراءة فحجاب الناشطة الاسلامية هو رسالة سياسية ورمز محمل بالايديولوجية اكثر من كونه تعبيرا عن حريتها، وعليه تقدم كاتبة جزائرية مقارنة فيها الكثير من النوستالجيا عن الحايك الابيض الذي لبسته المرأة الجزائرية عبر الاجيال والحايك الاسود الذي ساد مع سيادة تيار الاسلام السياسي.
في الخطاب النقدي الذي يستند علي التحليل النفسي يكتسب الحجاب طابعا دياليكتيا، حيث يحاول الرجل باعتباره مركز هذه الرؤية باخفاء المرأة اي تغييب جسدها، ومن هنا يتحول الحجاب الي سلطة تكشف عن علاقات الستر/ الخفاء، فهو يقوم باخفاء الحقيقة التي تعطي الرجل القدرة علي فرض مفاهيمه الخاصة، الذكورية الشهوانية او السياسية علي المرأة. الحجاب ضمن هذا الخطاب ليس قناعا يخفي هوية المرأة، يحجبها اي يقمعها او يحررها من المستعمر بل هو ايضا مرآة يقوم الرجل بعكس رؤاه النرجسية عن المرأة عليها.
وعندما يقوم الرجل بحرمان المرأة من وجهها فانه يقوم بتحويلها الي ستارة فارغة بيضاء او سوداء بحسب الحجاب يعكس من خلالها تمثيلاته للمرأة.
وكما اشرنا سابقا فالحجاب يمنح المرأة والرجل اكثر من استراتيجية للتفاوض علي مكان في الفضاء الاجتماعي او فضاء السلطة، اضافة لحماية او كشف الجسد، ومثل كل الاستراتيجيات ففي الفضاء الابداعي الذكوري عن المرأة والانثوي ـ الانثوي بعض هذه الاستراتيجيات تتساقط وتنتهي بالهزيمة كما في حالة بطلات روايات نوال السعداوي اذ ينتهي معظمهن للسجن، مما يعني انتصار الذكر، ولكن نوال السعداوي ترفض مثل هذا التحليل اذ تتحدث دائما عن الانتصار، انتصار البطلة في امرأة تحت درجة الصفر او موت معالي الوزير ، او الحجاب . ومع ذلك تظل هنالك اشكالية بشأن الطريقة التي حلل او تعامل فيها الادب مع الاهتمامات النظرية التي تحيط بالحجاب، واهم هذه المشاكل تلك المتعلقة بحيادية الرجل/ الذكر حتي في حالة قدرته علي شرح المواقف الذكورية من المرأة. وفي بعض الاحيان تتحول المرأة الي آخر يتم فيه موضعة جسد المرأة علي انه محل للرغبة والقرف في وقت واحد، ويتم فيه تحديد الطبيعة الجنسية/ الانتاجية عند المرأة كتمثيل او تمظهر عن هويتها كفرد في الجماعة الانسانية، وكممثل ايضا عن الجماعة/ الامة. وتظهر القراءات للاعمال الروائية التي كتبها رجال عن المرأة، محاولة لتقدم صورة عادية ومقبولة عن الحجاب الذي يظهر في نفس الوقت علي انه ضرورة. ويبدو ان هذا متعلق بمخاوف الرجل من المرأة غير المتحجبة وما تمثله له من تهديد. وجاء تمثيل المرأة في الاعمال الذكورية عبر مفهوم ايجابي يهدف لعزل المرأة وتقييدها في الهامش المجتمع/ السلطة والتجارة. مقارنة مع الذكر، قدمت الانثي وجوها متعددة للحجاب. ففي داخل القراءة او التمثيل النصي والسردي للحجاب نعثر علي رمز للحجاب، كسجن، او فضاء للممارسة الروحية، مثل الحريم تقوم فيه المرأة بالتوافق والتكيف مع الواقع الذي تعيش فيه، واقع الحجاب، والخفاء عن العالم. وهناك وجه اخر للحجاب، وهو وجه يتعامل بحذر معه ورفض مبطن كما هو حال الحجاب في روايات آسيا جبار اخت شهرزاد و فنتازيا حيث كانت الكاتبة الجزائرية واعية لتعامل فرانز فانون مع الحجاب باعتباره رمزا للعفاف والطهارة الوطنية، وسلاح ضد الاستعمار، ولهذا تعاملت مع الرمز، باعتباره ممارسة مثيرة للضيق، ورجعية، وفي نفس الوقت كتعبير عن العودة الي التقاليد الوطنية. وتعكس الروايات والنصوص الادبية للمرأة عن الحجاب هذا الحس الحذر، فعوضا عن التعامل معه باعتباره ممارسة مميزة وتدعو للاحترام، تقوم الكتابة الانثوية، بالحديث عن الحاجة او الضرورة التي استدعته في السياق الاجتماعي والديني، مع الاخذ بعين الاعتبار رمزية الحجاب في التعبير عن التسيد الاستعماري والادب المقاوم له.
ان مصير او مصائر المرأة المحجبة تظهر رهنا لسرديات الرجل/ الذكر ومن هنا فتواريخ المرأة دائما مشوهة وعرضة للقولبة، وتدور في داخل الخطاب الاستعماري، والخطاب الذكوري المتسيد للمرأة ، ومن هنا فهناك خطورة في ظل الصعود الامبريالي الامريكي ان تتم اعادة كتابة تواريخ المرأة التابعة، بحسب سبيفاك، اي ان يتم تمثيلها بدون اعطائها فرصة لتمثيل نفسها. وكمثال في هذا الاتجاه، المرأة الافغانية تقف الان بين خطابين، خطاب دعائي سياسي اعلامي ولد داخل المنظومات الاعلامية الغربية والسياسية، وخطاب ديني/ قبلي الطابع جاء عبر طالبان. وفي كلا الخطابين تبدو المرأة صامتة او اجبرت علي الصمت. ولكن قراءة الاعمال الادبية التي قدمها الرجال والنساء عن الحجاب تظل رمزية، فالناشطات الانثويات العربيات، خاصة الرافضات لفكرة الحجاب، يرفضن التركيز عليه كموضوع للخطاب والنقاش، مما يعني ان الرمز/ الحجاب اخذ حجما كبيرا من النقاش، ولان هناك الكثير من القضايا التي تمس حياة المرأة، مثل التعليم، والحريات الفردية، ودورها في الفضاء العام.
امر اخر، يتعلق بالحجاب، ويرتبط بالقراءة الاثنوغرافية لتجليات ورمزيات الحجاب، قراءة معاكسة لفكرة لبس الحجاب، فاذا كان قرار فتاة او امرأة العودة للحجاب يشير لتحول جذري في حياتها، فان نزع الحجاب يظل في داخل الخطاب الاثنوغرافي الاكثر تأثيرا، وفي الكثير من المظاهر الطقسية فان نزع القناع/ الحجاب هو الاهم اكثر من لبسه، لان نزع القناع يعري الروح ويكشف عن الحقيقة، وهو ما يشير اليه رمز الحجاب في اطار الكشف/ الستر. وفي قصة لانياس نين بعنوان حاجة تقوم فتاة مسلمة بنزع الحجاب، والمظهريات المتعلقة به لكي تكتشف قوتها وسلطتها بعيدا عن سلطة الرجل.
يتحول الحجاب في داخل الخطاب النظري الي مركز للفتنازيا الغربية/ الاستعمارية، ومحل للايديولوجيا الوطنية (التقليدية والثورية)، وكمحل للخطاب عن الهوية النسوية نفسها.
ويعثر القاريء او الباحث علي عدد من المستويات والاستراتيجيات عن الحجاب، فهناك الخطاب الاستعماري، في القرن التاسع عشر، كما في سالومي لاوسكار وايلد وروديارد كبيلينغ وقصصه القصيرة عن الهند. وتظهر التمثيلات الروائية الاستعمارية، الحجاب باعتباره ستارا عن الرغبة الشرقية وصورة عن المرأة كضحية للتقاليد الشرقية المتخلفة.
وبعيدا عن هذه القولبات يبدو الحجاب في الكتابات العربية ـ الاسلامية مرتبطا في الكفاح ضد الاستعمار، وقضايا الهوية الوطنية، ويبرز هذا في سياق قراءة لاعمال نجيب محفوظ واكثر توسعا في اعمال اهداف سويف، خاصة خرائط الحب ، حيث اصبح الحجاب محلا للقولبة، ويظهر الحجاب، كموضوع ورمز في السياق المصري ومركزية الدين، والسياسة والاقتصاد، ويكشف عن العلاقات بين الطبقات وحرية الاختيار. في السعودية مثلا تظهر الروايات والاعمال الادبية التي كتبتها سعوديات مركزية الكتابة في التعبير عن الاكتفاء الذاتي وقيود الحجاب او العباءة. وعلي خلاف الكتابة الادبية المحلية، فان كتابات حنان الشيخ، وكتابات السيرلانكي باندولا تشاندراتان مثل رواية سراب حيث لم يحم الحجاب زوجة سعيد من الاغتصاب، والقتل. وتكشف ايضا عن لون اخر من الحياة في ظل الحجب او القيد. ان الحجاب وخلعه، يحمل في طياته عددا من التمثيلات، والتي تتعلق بالسياق الاجتماعي وفضاء الممارسة. والحجاب، كرمز، يحجب المرأة ويبعدها عن الرجل، او يستخدم في ابقائها علي الهامش او يحررها من النظرة الرجولية، ليس مقصورا علي المرأة العربية والمسلمة، بل هناك تمثيلات مشابهة له في ادبيات شبه القارة الهندية، وفي دياناتها. اصبح الحجاب في بداية الالفية الثانية موضوعا للنقاش، وكتعبير عن المقاومة اكثر من اي يوم مضي، ومن هنا فالكتابات الادبية والنصوص تساعد علي فهم مركزية الحجاب او قطعة الموسلين في الوضع الراهن. وفي النهاية يظهر النقاش صورة اوضح عن وضع المرأة في ادبيات ما بعد الاستعمار. كما ان البحث في الحجاب يكشف عن حجم الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة، كما يكشف، اي البحث، عن ديناميات السلطة والعنف، واشكال العلاقة بين الطبقة والعنصرية، والعنصرية الجنسية التي يمارسها الرجل ضد المرأة.
الحجاب، باعتباره موضوعا عن الهوية وعلاقته بادبيات ما بعد الاستعمار، هو موضوع الكتاب الصادر عن دار بلوتو في لندن تحت عنوان المرأة في قناع الموسلين حيث تلاعبت الكاتبة دافني غريس، بعنوان رواية الكسندر دوماس، الرجل ذو القناع الحديدي ، ويقدم الكتاب قراءة كرونرولوجية جغرافية لمفهوم الحجاب، في ادبيات عربية واسلامية وغير اسلامية، ويبدأ بتحليل النظرة الاستعمارية للحجاب في القرن التاسع عشر وحتي بدايات القرن العشرين، والكتابات العربية والاسلامية، التي وزعت علي ثلاث مناطق جغرافية مصر، وفلسطين والجزيرة العربية وشمال افريقيا، حيث تقدم كتابات كل منطقة رؤية مختلفة وجديدة عن فكرةالحجاب.
ابراهيم درويش - القدس العربي