الحارثية
16/10/2005, 12:28 PM
وجدانيات رمضانية
النوم تحت المرجل واشياء اخرى
هو رمضان كعادته حكاية طويلة تتجدد فصولها كل عام.. احداث كثيرة نعايشها تضمحل من الذاكرة فيما تبقى احداث اخرى راسخة نستعيد احداثها كلما هّل الهلال او لاحت تباشير الشهر الفضيل.. كانت حكاية رمضان بالنسبة لنا ونحن صغار مليئة بالطقوس والممارسات الجميلة، كنا ليلة مشاهدة الهلال نبارح المساجد بعد صلاة المغرب بالسرعة التي ضعنا في دقائق معدودة على اسطح منازلنا، وتتلاقى ابصارنا تبحث في جهات السماء عن وميض نجمة يسكن عندها الهلال، كان كل منا يحاول ان يكون له السبق في هذه المشاهدة والانفراد بالرؤية التبشيرية بمقدم الضيف الكريم التي نرفعها لاسرنا.. فنتلقى هدية البشارة ودعوة الصيام المباركة، وكم حاولنا تضليل بعضنا البعض بالادعاء ان الهلال سيظهر هذه الليلة في الجهة المقابلة، او نقسم انفسنا الى مجموعات.. كل مجموعة تلتزم جهة معينة لترقب الهلال وتكون له بالمرصاد في حال بزوغه.. ونطارده حتى لا يمارس لعبة الاختفاء من اعيننا بين سعف النخيل، او خلف سحابة عابرة او يتماهى في الشفق الاحمر المرادف للغروب.. كانت مطاردة بعضنا للهلال تبدأ قبل غروب الشمس، وتتواصل عندما نشاهد الهلال او نرفع راية الاستسلام على امل مشاهدته في الليلة التالية.
ويبدأ رمضان.. وتبدأ المساجد تضج بالمرتادين للصلاة او قراءة القرآن، كنا وباعتبار اعمارنا الصغيرة في اخر الصفوف نراقب المصلين ونتأفف ـ احيانا ـ من اطالة الامام للصلاة، فنتركه احيانا في ركوعه او سجوده، ونخرج من المسجد لنمارس شقواتنا الطفولية.كانت ليالي رمضان جميلة بالنسبة لنا، كنا نعهد فيها انواع من المأكولات لا نشم رائحتها ولا نعرف طعمها الا في الشهر الكريم، ولذلك فقد كنا ملازمين لأبائنا او امهاتنا الى مجالس القهوة المسائية لنحصل منها على اطايب الطعام وملاذات المائدة الرمضانية.. حتى ساعة السحور كنا نترصدها لنحصل على وجبة غير محسوبة، ونستكشف الطعام المخبى لوقت السحور.اما كبّ المرجل علينا ونحن نيام فتلك حادثة لا يمكن ان تتلاشى من اتون الذاكرة، والحكاية تقول: إن الصائمين ـ جميعهم صغارا وكبارا ـ سيبارحون نومهم ليلة الخامس عشر من رمضان ـ منتصف الشهر ـ وسيعبرون جميعا العقبة، وهناك سيجتمعون لاكل ما تشتهي انفسهم وتقر به اعينهم وينالون إحسانا كبيرا، قبل ان يعودوا الى فراشهم يحملون الحلوى لغير الصائمين، هؤلاء الذين سيتم وضع مرجل على كل منهم اثناء نومه، حتى لا يراه احد ويهم بسرقته ـ مثلا ـ!!.كنت وانا انظر الى المرجل الوحيد في منزلنا، وانظر الى اخواني وهم يتكومون في انحاء الغرف، اسأل ذاتي: ترى من سيكون نصيبه هذا المرجل ليغطى به؟!، ومن اين سيؤتى بباقي المراجل؟!.. كانت امي تقول لي: ان مرجل واحد يكفي ليغطيني انا واخوتي، ولنا ان نتصور حجم هذا المرجل وكبره، والقوة التي ستحمله لتلقي به على اجساد غير الصائمين!!.كانت الحادثة بكل ما فيها من الرمزية والاسطورة تترسخ في اعماقنا كحقيقة لا مفر منها، وكانت الحلوى المقدمة لنا بعدئذ اوضح مثال على صدق حكاية المرجل الذي ننام بداخله، وبرغم ان المرجل تلاشى الى حد ما من ذاكرة الجيل الذي اعقبنا، الا اننا صرنا نألف احضار الحلوى منتصف الشهر الكريم، وما زالت العقبة تتوارد في الاحاديث والحكايات المروية.غير ان الحكاية الاكبر تلك التي تروي لنا مع بداية صيامنا، وكوعيد سابق من محاولة (سرقة الرمضان) واكل معلبات في الخفاء نهارا، اذ ان من يقوم ذلك ستنكشف فعلته وينفضح امره صباح العيد، حينما يستيقظ وفي وجهه حبة حمراء بارزة تشير الى سرقته لصيامه.. ولذلك كنا نحاذر الاكل او الشرب حتى في امس حاجتنا إليه وفي شدة التعب والعطش والجوع كنا نتذكر امر هذه الحبة وكيف اننا سنكون اضحوكة امام الملاء في صباح العيد فنطرد فكرة الاكل والشرب... وفي المقابل كنا نتسابق صباح العيد لتفرس وجوه الجميع والبحث عن حبة سرقة الصيام، كنا في بعض الاحيان نرى مثل هذه الحبة في وجه احدهم ونشير الى انه سرق صيامه رغم كبره سنه.. ورغم تظاهره امامنا بالتقوى والصلاح.. اما الذين قدر لهم الاصابة باكثر من حبة على وجوههم فقد كانت دهشتنا حيالهم اكثر، إذ ان التفسير الوحيد الذي نملكه هو انهم سرقوا صيامهم على مدار ايام الشهر الفضيل..وتمضي ايام رمضان.. وفي ليلة التاسع والعشرين منه، نجد انفسنا مرة اخرى نتاسبق بعد صلاة المغرب الى اسطح المنازل ، نقذف ابصارنا جهة السماء بحثا عن هلال العيد، نجسد ذات الحكاية، ونمارس ذات الطقوس، ومنها نرسم حكاية جديدة تنسجها الذاكرة لتستعيدها في زمن آت.
يكتبها اليوم: خلفان الزيدي
النوم تحت المرجل واشياء اخرى
هو رمضان كعادته حكاية طويلة تتجدد فصولها كل عام.. احداث كثيرة نعايشها تضمحل من الذاكرة فيما تبقى احداث اخرى راسخة نستعيد احداثها كلما هّل الهلال او لاحت تباشير الشهر الفضيل.. كانت حكاية رمضان بالنسبة لنا ونحن صغار مليئة بالطقوس والممارسات الجميلة، كنا ليلة مشاهدة الهلال نبارح المساجد بعد صلاة المغرب بالسرعة التي ضعنا في دقائق معدودة على اسطح منازلنا، وتتلاقى ابصارنا تبحث في جهات السماء عن وميض نجمة يسكن عندها الهلال، كان كل منا يحاول ان يكون له السبق في هذه المشاهدة والانفراد بالرؤية التبشيرية بمقدم الضيف الكريم التي نرفعها لاسرنا.. فنتلقى هدية البشارة ودعوة الصيام المباركة، وكم حاولنا تضليل بعضنا البعض بالادعاء ان الهلال سيظهر هذه الليلة في الجهة المقابلة، او نقسم انفسنا الى مجموعات.. كل مجموعة تلتزم جهة معينة لترقب الهلال وتكون له بالمرصاد في حال بزوغه.. ونطارده حتى لا يمارس لعبة الاختفاء من اعيننا بين سعف النخيل، او خلف سحابة عابرة او يتماهى في الشفق الاحمر المرادف للغروب.. كانت مطاردة بعضنا للهلال تبدأ قبل غروب الشمس، وتتواصل عندما نشاهد الهلال او نرفع راية الاستسلام على امل مشاهدته في الليلة التالية.
ويبدأ رمضان.. وتبدأ المساجد تضج بالمرتادين للصلاة او قراءة القرآن، كنا وباعتبار اعمارنا الصغيرة في اخر الصفوف نراقب المصلين ونتأفف ـ احيانا ـ من اطالة الامام للصلاة، فنتركه احيانا في ركوعه او سجوده، ونخرج من المسجد لنمارس شقواتنا الطفولية.كانت ليالي رمضان جميلة بالنسبة لنا، كنا نعهد فيها انواع من المأكولات لا نشم رائحتها ولا نعرف طعمها الا في الشهر الكريم، ولذلك فقد كنا ملازمين لأبائنا او امهاتنا الى مجالس القهوة المسائية لنحصل منها على اطايب الطعام وملاذات المائدة الرمضانية.. حتى ساعة السحور كنا نترصدها لنحصل على وجبة غير محسوبة، ونستكشف الطعام المخبى لوقت السحور.اما كبّ المرجل علينا ونحن نيام فتلك حادثة لا يمكن ان تتلاشى من اتون الذاكرة، والحكاية تقول: إن الصائمين ـ جميعهم صغارا وكبارا ـ سيبارحون نومهم ليلة الخامس عشر من رمضان ـ منتصف الشهر ـ وسيعبرون جميعا العقبة، وهناك سيجتمعون لاكل ما تشتهي انفسهم وتقر به اعينهم وينالون إحسانا كبيرا، قبل ان يعودوا الى فراشهم يحملون الحلوى لغير الصائمين، هؤلاء الذين سيتم وضع مرجل على كل منهم اثناء نومه، حتى لا يراه احد ويهم بسرقته ـ مثلا ـ!!.كنت وانا انظر الى المرجل الوحيد في منزلنا، وانظر الى اخواني وهم يتكومون في انحاء الغرف، اسأل ذاتي: ترى من سيكون نصيبه هذا المرجل ليغطى به؟!، ومن اين سيؤتى بباقي المراجل؟!.. كانت امي تقول لي: ان مرجل واحد يكفي ليغطيني انا واخوتي، ولنا ان نتصور حجم هذا المرجل وكبره، والقوة التي ستحمله لتلقي به على اجساد غير الصائمين!!.كانت الحادثة بكل ما فيها من الرمزية والاسطورة تترسخ في اعماقنا كحقيقة لا مفر منها، وكانت الحلوى المقدمة لنا بعدئذ اوضح مثال على صدق حكاية المرجل الذي ننام بداخله، وبرغم ان المرجل تلاشى الى حد ما من ذاكرة الجيل الذي اعقبنا، الا اننا صرنا نألف احضار الحلوى منتصف الشهر الكريم، وما زالت العقبة تتوارد في الاحاديث والحكايات المروية.غير ان الحكاية الاكبر تلك التي تروي لنا مع بداية صيامنا، وكوعيد سابق من محاولة (سرقة الرمضان) واكل معلبات في الخفاء نهارا، اذ ان من يقوم ذلك ستنكشف فعلته وينفضح امره صباح العيد، حينما يستيقظ وفي وجهه حبة حمراء بارزة تشير الى سرقته لصيامه.. ولذلك كنا نحاذر الاكل او الشرب حتى في امس حاجتنا إليه وفي شدة التعب والعطش والجوع كنا نتذكر امر هذه الحبة وكيف اننا سنكون اضحوكة امام الملاء في صباح العيد فنطرد فكرة الاكل والشرب... وفي المقابل كنا نتسابق صباح العيد لتفرس وجوه الجميع والبحث عن حبة سرقة الصيام، كنا في بعض الاحيان نرى مثل هذه الحبة في وجه احدهم ونشير الى انه سرق صيامه رغم كبره سنه.. ورغم تظاهره امامنا بالتقوى والصلاح.. اما الذين قدر لهم الاصابة باكثر من حبة على وجوههم فقد كانت دهشتنا حيالهم اكثر، إذ ان التفسير الوحيد الذي نملكه هو انهم سرقوا صيامهم على مدار ايام الشهر الفضيل..وتمضي ايام رمضان.. وفي ليلة التاسع والعشرين منه، نجد انفسنا مرة اخرى نتاسبق بعد صلاة المغرب الى اسطح المنازل ، نقذف ابصارنا جهة السماء بحثا عن هلال العيد، نجسد ذات الحكاية، ونمارس ذات الطقوس، ومنها نرسم حكاية جديدة تنسجها الذاكرة لتستعيدها في زمن آت.
يكتبها اليوم: خلفان الزيدي