المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : مسارات الضوء والعتمة ـ فاطمة العبيداني


خلفان الزيدي
15/10/2005, 02:10 PM
نشر هذا النص في جريدة الوطن في مارس 2005، وهو للكاتبة فاطمة العبيداني، واجدني منشدا إليه، كونه يحوي فكرة عميقة تتعلق بالوجودية/ الابدية والبحث عن الذات... اضع هذا النص هنا على أمل معاودة قراءاته فيما بعد.


مسارات الضوء والعتمة

اليهم خلف اسوارهم، اليهم في أرواحهم، اليهم في التيه الأبيض، أن كل قلبي أسى عليكم، ان حزني عليكم عميق كنبته تزدادا بياضا كلما أوغلت في مساراتكم.. الى البشرى...
يمشي، الفلج يحاذي الممر الترابي، للماء صهيل التربة والقرية، وهو يفكر أنه غارق في الفكرة، أنه لا يستطيع الانفلات من الفكرة، وهي تلح عليه أينما اتجه وكيفما ارتحل، انها تطارده، في أحلامه تظهر، عند عودته من العمل، وعندما يتحدث مع زوجته، إن الفكرة تستعبده، وهو لا يقوى بأي شكل من الأشكال أن يجد السلام طالما أنها تباغته، وتشنق صفاء أيامه ولياليه..
هو يبحث عنها، إلا أنه يعلم أن هذا البحث بلا طائل، وأنه كلما اقترب من هدفه، تفتت الحقيقة لتنضح ضبابا هشا، يغرقه ويغرق فيه، انه يحاول ويحاول ويحاول دونما نهاية، كالدوامة.. رأسها في السماء وأجنحتها تنتشر في الفضاءات وصمت الأمكنة. كل الحكاية بدأت حينما مر من هناك، من أمام تلك النافذة، حينما واجه عجزه المطلق أمام المستحيل، كان يعلم حتى لحظتها أنه قادر على تحطيم حائط الاذهال بقبضته، جسده المتفتق قوة كان يوحي له بالممكن دائما، لكن كل شيء تهشم على يديها.. حينما رأى ما رأى..
كانت تمسكه بين يديها، تحتضنه، تمرغ وجهها بلطف في نضارة شعره الطفولي الكستنائي كالحلم، وكانت تقف أمام النافذة، ظهرها للفضاء الخارجي وقلبها للمحيط القلبي الصافي في روحها، كان الطفل باسما متقدا كشمعة تومض في ليل العتمة، وجه الطفل آية جمال تنطق بهاءً أذهله جمال الطفل وهو المارق من أمام دفة الدهشة حينها، ليفغر فاها مذهولاً حينما التفتت هي لثوان تتجه فيها بوجهها نحو خارج النافذة... تماما حيث كان هو..آآآآآآآآآه حيث كان هو.. مارا في الزمن واللحظة.. وحيث تجمدت حياته للأبد..
انه لا يذكر تحديدا ماأحسه، شيء أشبه بالرحيل المباغت من اللحظة، القدرة على الانفلات من القيد، أشبه بالطيران الحر نحو الأبدية، أنه يذكر وجهها الذي ملأ حياته بالحيرة، وجهها الطفولي الحالم، عيناها بنيتان حد الخضرة، أنفها صغير وعنيف، مستقيم كأنما هو نصل يتوجه الى هدفه مباشرة دون رحمة، كل ما فيها كان جميلا كزهرة برية ناعمة، إلا عيناها، عيناها كانتا قدرا ظالما، يقسم على من يراه بالاستسلام التام، لم ير في حياته رعبا قدر الرعب الذي تبثه عيناها، كأنما هما بلورتان تذوبان أسى، شيء أقرب للحنان الصافي أو للنعاس العذب، شيء أشبه باختلاجة زهرة آن يسقط ندى، أو ارتعاش البتلة آن يرف رذاذ المطر..........
انه المستحيل والمتناقض البعيد المتحقق في ذات اللحظة.. انها المعجزة... كل ما كان يراه حقيقيا قبل تلك اللحظة بدى مزيفا بعدها ، وكل ما كان يومئ برأسه على أنه صواب قبلها صار ضبابيا وغير صادق، كان قبلها يصحو، يمشي، وينام، وفي رأسه فكرة واضحة، ثابتة، أن هذا ما عليه أن يفعله، ولهذا فقد فعل هو حتى تلك اللحظة ما توجب عليه فعله، لقد استسلم للحياة كما تجب، لقد تعلم وتوظف، تزوج وأنجب أطفالا، وهو مجتهد في عمله وأب مكافح وطيب وبسيط، وهو يعيش كما ينبغي وحسب،،،، هذا ما كان عليه قبل اللحظة التي تماس فيها قلبه بالندى المطل من عينيها، بالحيرة التي تتلبسه كلما رآها، بالرعب والانتشاء الذي لا يعيه كلما اقترب من مدارات حياتها، بالاكتشاف أنه هو هذا وليس ذاك، بعد تلك اللحظة أصبح كائنا آخر، خارج الممكن من أجل أن يحيا وحسب، لقد فعل الكثير بعدها، الكثير مما لم يتوقع أنه قد يفعله، وهو للآن لا يعرف كيف يمكنه أن يتوقف، أنه لا يستطيع الاستسلام، ليس الآن، فهو لا يقوى أن يكون على هامش حياتها أو شيئاً عابرا كظل..انه يريد التحقق، التحقق ومن خلالها وحسب..
أنه يذكر الآن أول مرة واجهها، قلبا لقلب، روحا لروح، وفكرة لفكرة...
ـ لا أريد أن أتزوجك، اشرب قهوتك، وسلّم على عائلتك الطيبة، هذا آخر ما يمكنني قوله على طلبك.
ـ زوجك توفي منذ سنين، ما الذي تنتظرين، لقد مات...هذه حقيقة
ـ وحدهم يظنونه ميتا، أنا لم أر جثته، لم يكن ذاك المحترق هو، هو حي، حي..، في
مكان ما من هذا العالم.
ـ أنت تفنين حياتك في وهم.
ـ وأنت تريد وهما، أنا لن أكون لك، الفرق بين وهمك ووهمي أنه يمنحني السعادة، ويمنحك العذاب
ـ أنت لست سعيدة، يستحيل أن تكوني سعيدة
وقفت، طرف شالها يغطي نصف وجهها المتدفق نورا وتوردا، شف في عينيها وجد عنيف، أجابت في اقتضاب: السعادة هي ما أحصل عليه كلما اقترب مني هو، حقيقة كان أو ظلا.. وليس سواه، دعني، فانا لا أصلح لك زوجة، أنا بعيدة هناك، حيث هو، وحيث سألتقيه ذات يوم.
ـ سأقدم لك الحياة والسعادة على طبق من ذهب يا امرأة
نظرت في عينيه تماما ، باغتته بخضرة عينيها، لمح فرط حنانها وهي تقول له :
ـ أنا أود لك السعادة ... إلا أن حياتي كلها هنا.. حيثما استشعر مطلق سعادتي هذا الآن.. مع ابني، وفي حضن بيتي.. يظللني حلم بأن ألتقيه هو.. وأتحقق من جديد.. أنا أشعر أنه حي، أشعر بهذا في قلبي، وأعلم أن وجوده حقيقة..
كان كلما واجهته باستحالتها ينهار شغفا، انها تبدو كالمطلق، وهو لم يعد يريد الآن، غير ذاك المطلق..
في المرة التالية، فعل الكثير أيضا، اتجه الى أقاربها، تحدث أمامهم، كان يضع يده على قلبه ويغلق أبواب الرحمة داخله، وكان لا يرفع عينيه كي لا تباغته نظرة فاحصة فتخور قواه ويفضح الحقيقة بيده، لقد كذب، كذب كثيرا، قال الكثير أمام الكثير كي يجبرها على أن تنحني طلبا للستر، أثار أقاربها، روى الكثير مما لم يحدث، ولم يكن كي يجبرها على الخروج من بيت غريمه الذي تنتظره وحيدة مع طفلها ذي الخمس سنين،
حملوا حرائقهم ومضوا اليها بالعصي...
الا أنها وهي تحمر حزنا وبكاء، شف الوجد من عينيها مرة أخرى.. وظلت كالسنديان في بيتها.. لا قوة تحطم ذلك الشغف، ولا حريق.... فعل الكثير مما لم يتصور أو يتخيل، أنه يكاد يحترق، وهي ثابتة، وهو يعلم أنه خان ما كان، وما ينبغي، الا أنه يمضي دون عودة الى نهاية طريقه، تماما كما تمضي هي دون عودة نحو نهاية انتظارها.. نحو نهاية انعتاقها الأبدي في قلب روح من تنتظر...لقد كان كلاهما مؤمن..بالمستحيل....
بعدها أقنع اخوان زوجها ببيع الأرض المجاورة لبيتها له، واشترى اراضي الخضرة حولها لتخضر أيامه وليحيط بذاكرتها من كل الجهات، ليجعلها في مواجهة العزلة التي أصبحت هو في كل اتجاه، كان يمر هناك باسم الحق، ويتجول في المزارع لأنه صاحب الحق، ويوجه (البيدار) لأن الأرض أرضه والأمكنة مكانه، والحلم الذي ينشد مغروسا بوقع الانتظار في تلك الأرض..كم يكره زوجها.. كأنما هو ختم أغلق قلبها للأبد..
وسد ابواب الأبدية عليه، وطرده من حدائق الرحمة ليحيا حياته مطاردا بذات الحلم.. الا أن صاحبة الحقيقة التي كانت هي، لم تكن تفعل أكثر من أنها تدلل قلبها بابنها فتزداد حرائقه.. ويزداد حزنه وبياض لياليه...
ها هو لا يزال للحظته مطارد بالفكرة، انه غارق في الفكرة، انه لا يستطيع الانفلات من الفكرة، وهي تلح عليه أينما اتجه وكيفما ارتحل، انها تطارده، في أحلامه تظهر، عند عودته من العمل، وعندما يتحدث مع زوجته، أن الفكرة تستعبده، وهو لا يقوى بأي شكل من الأشكال أن يجد السلام طالما أنها تباغته، وتشنق صفاء أيامه ولياليه..
هو يبحث عنها، الا أنه يعلم أن هذا البحث بلا طائل، وأنه كلما اقترب من هدفه، تفتت الحقيقة لتنضح ضبابا هشا، يغرقه ويغرق فيه، انه يحاول ويحاول ويحاول دونما نهاية، كالدوامة ..رأسها في السماء وأجنحتها تنتشر في الفضاءات وصمت الأمكنة..
وهو بلا أدنى شك سائر نحو نهايته.. كما هي سائرة نحو نهاية انتظارها..
انها مؤمنة بانعتاقها.. ولعلها تصل، هي قد تصل.. سعيدة وبيضاء.. حرة.. حيثما اختارت وشاءت..وحيثما قالت لذاتها ذات صفاء: أن حياتي كلها هنا.. حيثما استشعر مطلق سعادتي هذا الآن.

مسارات الضوء والعتمة ـ فاطمة العبيداني (http://www.alwatan.com/graphics/2005/03mar/27.3/dailyhtml/culture.html#6)

البسيوي
15/10/2005, 05:26 PM
نص جميل فعلا .. وإن كان عميقا في الفكرة فإنه متحققا في الواقع وعاصفا حد الألم !!!!

وبإنتظار قراءة أكثر عمقا ..

سرب
15/10/2005, 07:33 PM
كلما مر قلبي على المطر..

سمعت أنين جراح الياسمين...

إبحار قلم
15/10/2005, 08:05 PM
لقد استسلم للحياة كما تجب، لقد تعلم وتوظف، تزوج وأنجب أطفالا، وهو مجتهد في عمله وأب مكافح وطيب وبسيط، وهو يعيش كما ينبغي وحسب،،،،


الإستسلام للحياة كما تجب...أيعني ذلك عدم الرضا بما قسمه الله للإنسان...

هل فعلا يصح أن نسمي العيش ( كما ينبغي وحسب)...


أحيانا الإنسان يعيش وحسب... عندما (( ييأس )) من تحقيق حلم طفولي شبّ ..ويريد أن يشيب عليه...وهذا يعني فقدان الإيمان بالله عز وجل...وفقدان الإيمان بالقضاء والقدر..


هذا ما قدّره الله لي...وسأسعى لأن أسعد بما قدرّه المولى عز وجل...رضا وقناعة... ( لا عيش عضوي وحسب)

سرب
15/10/2005, 09:59 PM
وهل الحياة كما ينبغي ..

حيااااااااااااااة ؟

أشعر أن الآلات وحدها هي من يجيد العيش كما ينبغي وحسب..

كيف يتعطل الوجدان والشعلة التي في الجوف تقول:
" أريد من الحياة مطلقها / مطلقي ..."

خلفان الزيدي
18/10/2005, 04:33 PM
وحده الضوء من يشق طريقه ليبدد العتمة ويرسم على دروبها مساراته.. إنه يجسد في تكوينه لوحة حياة تضج في نهاية النفق ببصيص امل يشتت اليأس والقنوط ويعيد الابتسامة الى الشفاه العطشى.. نتمسك بالامل حتى لو كان الحصول عليه ضربا من المستحيل..

مسارات الضوء والعتمة... قصة تضج بمعاني الامل/ الضوء.. وتخفي بين سطورها بعض من اليأس/ العتمة.. في عدم حدوث المتخيل و المؤمل على الاقل لدى شخوص القصة الذين يرسمون احداثهم وينتقلون بين السطور بحرفية واتقان ساعدهما في ذلك الادوات القصصية التي تمتلكها الكاتبة والرؤية الفلسفية التي تحملها والتي تسكبها على الاحداث كيما تعبر عن مرادها..

إنها ليست مجرد قصة حول (هي) الرافضة لـ (هو)، والمتمسكة بالمستحيل/ عودة الميت او الغائب في نظرها.. انها طقوس من المشاعر والاحاسيس تنبض بها كل حركة للشخوص.. هي قصيدة شعر تفيض بمعاني الحب والحياة.. حينما نقرأها للمرة الاولى لا يمكن الاتيان على مرادها ومعانيها الا بقراءة ثانية وثالثة.. كيما نتذوق لذة النص وموسيقاه الشعرية..

في (مسارات الضوؤ والعتمة) نكتشف تكثيف بصري لما هو كائن وغير كائن.. هي ـ القصة ـ مشاهدات تخيلية محورها النافذة، امامها نجد (الأم/ الحب) تمسك طفلها بين يديها، تحتضنه، تمرغ وجهها بلطف في نضارة شعره الطفولي الكستنائي كالحلم، وخلفها (الرجل/ الباحث عن الحب) يواجه عجزه المطلق أمام المستحيل..

بين هذه النافذة تتكون صورة الشخوص المرئية.. صورة تثير استهجان الآخر وحنقه وكلاهما ـ المتكومة امام النافذة والناظر خلفها ـ يحاول ان يرسم حياة وفق رؤيته ومشاعره ويرفض ارادة الاخر.. لكن هذه الرؤية تتفاوت في مشاعر الـ (هو) والـ (هي) فاذا كانت (هي) ترتجي عودة الزوج الغائب وترفض فكرة الموت.. وتود ان يختفي الـ (هو) من حياتها.. ان يتركها وابنها في سلام.. ان يكف عن (الخيانة).. فإنه في المقابل عكس ذلك.. إنه لا يقلب مشاعره الا في لحظة ان تدلل قلبها بابنها فتزداد حرائقه.. ويزداد حزنه وبياض لياليه...

الملاحظ ان القصة يمكن ان تنتهي في اكثر من موضع.. دون الحاجة الى سرد فصول اخرى واحداث لا تفضي الا الى ذات النهاية... لكن الكاتبة كانت تود ان تأخذ قارئها اكثر من محاولات الاقتراب من الحب والفوز به.. هذا الحب الذي يتحول في نهاية المطاف الي حرب.. وما بين المفردتين بون شاسع ومشاعر متضاربة..


أنه يكاد يحترق، وهي ثابتة، وهو يعلم أنه خان ما كان، وما ينبغي، الا أنه يمضي دون عودة الى نهاية طريقه، تماما كما تمضي هي دون عودة نحو نهاية انتظارها.. نحو نهاية انعتاقها الأبدي في قلب روح من تنتظر...لقد كان كلاهما مؤمن..بالمستحيل....


حتى النهاية جاءت مفتوحة وقابلة لاحداث اخرى.. طالما ان الفكرة التي تلوح في نهاية الطريق (وهم حدوث المستحيل).. هذا الذي اشارت اليه الكاتبة في ثلاثة مواضع(كل الحكاية بدأت حينما مر من هناك، من أمام تلك النافذة، حينما واجه عجزه المطلق أمام المستحيل) (لقد كان كلاهما مؤمن..بالمستحيل) (انه المستحيل والمتناقض البعيد المتحقق في ذات اللحظة).. وهي الفكرة المتكررة التي يصارعها من اجل الوجود/ الابدية..

وبرغم ان النص يسجل انحيازا مطلقا لـ (هو) حيث يواجه اكثر من نهاية .. بدءا من توارد الفكرة وملاحقتها اياه ومطاردته حتى انها إن تستعبده، وهو لا يقوى بأي شكل من الأشكال أن يجد السلام طالما أنها تباغته، وتشنق صفاء أيامه ولياليه... فإنها تسجل نهاية اخرى للمتمسكة بحلم المستحيل


وهو بلا أدنى شك سائر نحو نهايته.. كما هي سائرة نحو نهاية انتظارها..
انها مؤمنة بانعتاقها.. ولعلها تصل، هي قد تصل.. سعيدة وبيضاء.. حرة.. حيثما اختارت وشاءت..وحيثما قالت لذاتها ذات صفاء: أن حياتي كلها هنا.. حيثما استشعر مطلق سعادتي هذا الآن.


وتبقى شعرية النص ابرز سماته.. وذلك في اعتقادي مميزا خاصا يضفى جمالا الى جمالياته.. دون ان نغفل الموسيقى الخفية التي تنساب من بين الكلمات.. خاصة مع الاستهلالة الاولى للنص..

اليهم خلف اسوارهم، اليهم في أرواحهم، اليهم في التيه الأبيض، أن كل قلبي أسى عليكم، ان حزني عليكم عميق كنبته تزدادا بياضا كلما أوغلت في مساراتكم.. الى البشرى...

خلفان الزيدي
18/10/2005, 04:56 PM
كلما مر قلبي على المطر..

سمعت أنين جراح الياسمين...

أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع،
بلا انتهاء – كالدّم المراق، كالجياع،
كالحبّ، - كالأطفال، كالموتى – هو المطر !

خلفان الزيدي
18/10/2005, 05:01 PM
الإستسلام للحياة كما تجب...أيعني ذلك عدم الرضا بما قسمه الله للإنسان...

هل فعلا يصح أن نسمي العيش ( كما ينبغي وحسب)...


أحيانا الإنسان يعيش وحسب... عندما (( ييأس )) من تحقيق حلم طفولي شبّ ..ويريد أن يشيب عليه...وهذا يعني فقدان الإيمان بالله عز وجل...وفقدان الإيمان بالقضاء والقدر..


هذا ما قدّره الله لي...وسأسعى لأن أسعد بما قدرّه المولى عز وجل...رضا وقناعة... ( لا عيش عضوي وحسب)

اجدني اتفق معك في هذا المنطق .. لكنها تلك حياة الشخوص وليست حياة الكاتب .. الكاتب الحق من يعطي لشخوصه مطلق الحرية في آتيان ما تشاء .. حتى لو اختلفت مع منطقه وفلسفته وعقيدته .. علينا ان لا نحاسب الكاتب في حياة شخوصه وطقوسهم .. الستي معي في ذلك؟؟

خلفان الزيدي
18/10/2005, 05:05 PM
وهل الحياة كما ينبغي ..

حيااااااااااااااة ؟

أشعر أن الآلات وحدها هي من يجيد العيش كما ينبغي وحسب..

كيف يتعطل الوجدان والشعلة التي في الجوف تقول:
" أريد من الحياة مطلقها / مطلقي ..."

اعتقد أن الحياة حلوة... بس نفهمها.. حتى لو كانت كما تنبغي هي وبمطلقها.. لا بد ان نجد ثمة جمالية مخباءة هنا او هناك.. علينا ان لا نستكين لـ اليأس/ الألم.. عندها فقط سنجد بعضا من الحياة كما ينبغي وبمطلقنا..

سرب
20/10/2005, 03:18 PM
اعتقد أن الحياة حلوة... بس نفهمها.. حتى لو كانت كما تنبغي هي وبمطلقها.. لا بد ان نجد ثمة جمالية مخباءة هنا او هناك.. علينا ان لا نستكين لـ اليأس/ الألم.. عندها فقط سنجد بعضا من الحياة كما ينبغي وبمطلقنا..

أتفق معك اتفاق جذري بأن في الحياة من الجمال والبهاء والروعة..
ما لا يراه الانسان في حضارتنا أحيانا..

يجب أن تكون هناك تربية جمالية للانسان..قدرة خاصة يستطيع بها أن يتمتع بنعم الله من ضوء وظلام و طبيعة ونخيل وطرق و مياه..

قدرة خاصة على الذوبان في المحيط البري..والغرق في جمال الكون وعذوبته...

سرب
20/10/2005, 03:21 PM
وحده الضوء من يشق طريقه ليبدد العتمة ويرسم على دروبها مساراته.. إنه يجسد في تكوينه لوحة حياة تضج في نهاية النفق ببصيص امل يشتت اليأس والقنوط ويعيد الابتسامة الى الشفاه العطشى.. نتمسك بالامل حتى لو كان الحصول عليه ضربا من المستحيل..

مسارات الضوء والعتمة... قصة تضج بمعاني الامل/ الضوء.. وتخفي بين سطورها بعض من اليأس/ العتمة.. في عدم حدوث المتخيل و المؤمل على الاقل لدى شخوص القصة الذين يرسمون احداثهم وينتقلون بين السطور بحرفية واتقان ساعدهما في ذلك الادوات القصصية التي تمتلكها الكاتبة والرؤية الفلسفية التي تحملها والتي تسكبها على الاحداث كيما تعبر عن مرادها..

إنها ليست مجرد قصة حول (هي) الرافضة لـ (هو)، والمتمسكة بالمستحيل/ عودة الميت او الغائب في نظرها.. انها طقوس من المشاعر والاحاسيس تنبض بها كل حركة للشخوص.. هي قصيدة شعر تفيض بمعاني الحب والحياة.. حينما نقرأها للمرة الاولى لا يمكن الاتيان على مرادها ومعانيها الا بقراءة ثانية وثالثة.. كيما نتذوق لذة النص وموسيقاه الشعرية..

في (مسارات الضوؤ والعتمة) نكتشف تكثيف بصري لما هو كائن وغير كائن.. هي ـ القصة ـ مشاهدات تخيلية محورها النافذة، امامها نجد (الأم/ الحب) تمسك طفلها بين يديها، تحتضنه، تمرغ وجهها بلطف في نضارة شعره الطفولي الكستنائي كالحلم، وخلفها (الرجل/ الباحث عن الحب) يواجه عجزه المطلق أمام المستحيل..

بين هذه النافذة تتكون صورة الشخوص المرئية.. صورة تثير استهجان الآخر وحنقه وكلاهما ـ المتكومة امام النافذة والناظر خلفها ـ يحاول ان يرسم حياة وفق رؤيته ومشاعره ويرفض ارادة الاخر.. لكن هذه الرؤية تتفاوت في مشاعر الـ (هو) والـ (هي) فاذا كانت (هي) ترتجي عودة الزوج الغائب وترفض فكرة الموت.. وتود ان يختفي الـ (هو) من حياتها.. ان يتركها وابنها في سلام.. ان يكف عن (الخيانة).. فإنه في المقابل عكس ذلك.. إنه لا يقلب مشاعره الا في لحظة ان تدلل قلبها بابنها فتزداد حرائقه.. ويزداد حزنه وبياض لياليه...

الملاحظ ان القصة يمكن ان تنتهي في اكثر من موضع.. دون الحاجة الى سرد فصول اخرى واحداث لا تفضي الا الى ذات النهاية... لكن الكاتبة كانت تود ان تأخذ قارئها اكثر من محاولات الاقتراب من الحب والفوز به.. هذا الحب الذي يتحول في نهاية المطاف الي حرب.. وما بين المفردتين بون شاسع ومشاعر متضاربة..



حتى النهاية جاءت مفتوحة وقابلة لاحداث اخرى.. طالما ان الفكرة التي تلوح في نهاية الطريق (وهم حدوث المستحيل).. هذا الذي اشارت اليه الكاتبة في ثلاثة مواضع(كل الحكاية بدأت حينما مر من هناك، من أمام تلك النافذة، حينما واجه عجزه المطلق أمام المستحيل) (لقد كان كلاهما مؤمن..بالمستحيل) (انه المستحيل والمتناقض البعيد المتحقق في ذات اللحظة).. وهي الفكرة المتكررة التي يصارعها من اجل الوجود/ الابدية..

وبرغم ان النص يسجل انحيازا مطلقا لـ (هو) حيث يواجه اكثر من نهاية .. بدءا من توارد الفكرة وملاحقتها اياه ومطاردته حتى انها إن تستعبده، وهو لا يقوى بأي شكل من الأشكال أن يجد السلام طالما أنها تباغته، وتشنق صفاء أيامه ولياليه... فإنها تسجل نهاية اخرى للمتمسكة بحلم المستحيل



وتبقى شعرية النص ابرز سماته.. وذلك في اعتقادي مميزا خاصا يضفى جمالا الى جمالياته.. دون ان نغفل الموسيقى الخفية التي تنساب من بين الكلمات.. خاصة مع الاستهلالة الاولى للنص..

القراءة التي قدمتها للنص ..مبهرة أخي خلفان..

وأنا أقرأها ملأتني دهشة وأثرت في داخلي انتشاءا جماليا رائعا..

القراءة التي قدمتها تبدو أجمل حتى من النص المقروء..

وهذا ما نفتقده حقيقة في المشهد العماني الأدبي..

هذه القدرة الجميلة على كتابة قراءات تدهشك وتحملك الى أفكار جديدة..تمتد بك الى خارج حدود النص ..وتفتح لك مجالات أوسع..

شكرا لك..