البسيوي
13/10/2005, 11:05 AM
فـي الغرفة استلقت سلمى على سريرها، وهي تواجه الجدار الأبيض وشعرها الفاحم الطويل يغطي كامل جسدها. انها تبكي، بالتأكيد تبكي،
من خلال دموع عينيها، يمكنها أن ترى نقطة سوداء ملتصقة بالجدار. انها تحدق الآن فـي الدوائر التي بدأت تتسع.
دائرة صغيرة تكبر فتليها واحدة اخرى أكبر وهكذا.
من رمى الحجر فـي الماء.
لا أحد.
إذن هذه هي البئر التي سقط فيها أبي. تفكر سلمى.
لكن أبي لم يمتْ.
تقول سلمى لنفسها.
لم تسمع سلمى صفقة الباب الخارجي القوية، ولم تر الناس وهم يهرولون فـي اتجاه البئر، بل انها لم تسمع حتى صرخات زهران الخاطري وقد تكسّرتْ عظامه وهو يسحب نفساً بطيئاً من رئتين ضعيفتين. فقط بقوة عينيها كانت ترى رجلاً يُسحب من حفرةٍ عميقة، كما لو انه يسحب قبر.
ثلاثة اسابيع ظل زهران الخاطري يئن على السرير، 21 يوماً كاملاً وزهران الخاطري يتجرع السوائل والاخلاط التي تحضّرها ما بينغو بيدين حاذقتين. ساعات طويلة وزهران الخاطري ينظر بعينين مخذولتين الى اطرافه المجبورة، ثم ينظر من النافذة المفتوحة الى البستان الخلفي، فيرى السماء ملبّدة بالغيوم.
يلوم زهران الخاطري نفسه.
كيف لم ترَ تلك الحفرة العميقة، التي كانت بئراً فيما مضى. أكان ينبغي عليه أن يفكر فـي مؤخرة ماليندي فـي تلك اللحظة التي كان يرفع فيها قدمه لتسقط فـي فراغٍ مظلمٍ ثم تنجذب قامته الطويلة كلها كأنما بفعل خطّاف شديد القوة. هذا عقابٌ من الرب. فكر زهران الخاطري.
ثلاثة أسابيع ظّل زهران الخاطري يفكر وينظر الى السماء السوداء من النافذة، ثم يغمضهما بسرعة. لا أحد يدخل الى الغرفة سوى العجوز مابينغو وزوجته عائشة التي تمشي كأنها مسرنمة وهي تفكر بالواقعة.
الصداع الذي يلازمها دائماً أصبح الآن لا يطاق وهي تستخرج من الغرفة الصواني النحاسية الكبيرة المليئة بالقذارة لتستبدلها بأخرى نظيفة ولامعة. أصدقاء زهران الخاطري تدفقوا الى الصالة الكبيرة فـي البيت للاطمئنان عليه. وهم يشربون القهوة بالهيل ويتحدثون عن ضفتهم الاخرى.
المستخدمون اتوا من الحقول والبساتين لرؤية بخيلهم لكن عائشة رغم صداعها، ظلت صلبة مثل وتد مغروز فـي صخرة. تعطي اليهم الأوامر، للعمل فـي المطبخ أو البستان الكبير، او شراء ما يلزم، بل أكثر من هذا أرسلت واحداً منهم الى كينغيجا وهي بلدة تبعد كذا فرسخ عن قريتها لإحضار أمها.
وفعلاً حضرت هذه المرأة، (جدة سلمى من جهة الأم) بعربتها الذهبية التي تجرها الثيران كأنها أميرة لأن لقبها الشهير كان يسبقها اينما ذهبت:
الشمس ذات الشامات الثلاث. كل هذا بسبب وجهها المدور الابيض كالحليب والشامات السوداء الثلاث التي تزين ذلك الوجه. منذ ذلك اليوم أصبح البيت الكبير كله أشبه بخلية من النحل.
فـي الخارج كانت الحياة تجري كالمعتاد غير ان غير ان الكلام كان يجري على نحو آخر.
سلمى راقبت كل شيء بصحبة ماليندي، لم يتحدث احد الى سلمى سوى جدتها وعلى نحو عابر. هذا يعني أن امراً مهماً قد حدث فصار يعرفه الجميع، لقد سقط زهران الخاطري فـي البئر دون أن يعرف أحدٌ لماذا؟ وكيف؟
وما أن سنحت الفرصة حتى أمسكت عائشة بيد مابينغو المعروقة وقادتها الى غرفة جانبية:
- سوف تخرّب عقلي هذه الشيطانة الصغيرة!
- لا تقلقي لقد حسبتُ حسابي لأي أمرٍ طارىء.
- اسمعيني، هذه الشيطانة هي التي أخبرتني بسقوط زهران فـي البئر، لقد قلتُ لكِ من قبل أن اللعنة تطاردها.
وفـي زحمة هذه الحركة نظرتْ سلمى الى عيني امها وكانت تلك البرهة كافية لتسمح للأفكار أن تعيدَ تشكيل نفسها. عينان واسعتان ينبثق منهما شررٌ مخيف.
- لن يحدث ذلك حتى أقرر بنفسي.
قالت سلمى هذه العبارة فـي وجه امها ثم خرجت الى الشرفة الكبيرة.
"مقطع من عمل سردي طويل" - شرفات
من خلال دموع عينيها، يمكنها أن ترى نقطة سوداء ملتصقة بالجدار. انها تحدق الآن فـي الدوائر التي بدأت تتسع.
دائرة صغيرة تكبر فتليها واحدة اخرى أكبر وهكذا.
من رمى الحجر فـي الماء.
لا أحد.
إذن هذه هي البئر التي سقط فيها أبي. تفكر سلمى.
لكن أبي لم يمتْ.
تقول سلمى لنفسها.
لم تسمع سلمى صفقة الباب الخارجي القوية، ولم تر الناس وهم يهرولون فـي اتجاه البئر، بل انها لم تسمع حتى صرخات زهران الخاطري وقد تكسّرتْ عظامه وهو يسحب نفساً بطيئاً من رئتين ضعيفتين. فقط بقوة عينيها كانت ترى رجلاً يُسحب من حفرةٍ عميقة، كما لو انه يسحب قبر.
ثلاثة اسابيع ظل زهران الخاطري يئن على السرير، 21 يوماً كاملاً وزهران الخاطري يتجرع السوائل والاخلاط التي تحضّرها ما بينغو بيدين حاذقتين. ساعات طويلة وزهران الخاطري ينظر بعينين مخذولتين الى اطرافه المجبورة، ثم ينظر من النافذة المفتوحة الى البستان الخلفي، فيرى السماء ملبّدة بالغيوم.
يلوم زهران الخاطري نفسه.
كيف لم ترَ تلك الحفرة العميقة، التي كانت بئراً فيما مضى. أكان ينبغي عليه أن يفكر فـي مؤخرة ماليندي فـي تلك اللحظة التي كان يرفع فيها قدمه لتسقط فـي فراغٍ مظلمٍ ثم تنجذب قامته الطويلة كلها كأنما بفعل خطّاف شديد القوة. هذا عقابٌ من الرب. فكر زهران الخاطري.
ثلاثة أسابيع ظّل زهران الخاطري يفكر وينظر الى السماء السوداء من النافذة، ثم يغمضهما بسرعة. لا أحد يدخل الى الغرفة سوى العجوز مابينغو وزوجته عائشة التي تمشي كأنها مسرنمة وهي تفكر بالواقعة.
الصداع الذي يلازمها دائماً أصبح الآن لا يطاق وهي تستخرج من الغرفة الصواني النحاسية الكبيرة المليئة بالقذارة لتستبدلها بأخرى نظيفة ولامعة. أصدقاء زهران الخاطري تدفقوا الى الصالة الكبيرة فـي البيت للاطمئنان عليه. وهم يشربون القهوة بالهيل ويتحدثون عن ضفتهم الاخرى.
المستخدمون اتوا من الحقول والبساتين لرؤية بخيلهم لكن عائشة رغم صداعها، ظلت صلبة مثل وتد مغروز فـي صخرة. تعطي اليهم الأوامر، للعمل فـي المطبخ أو البستان الكبير، او شراء ما يلزم، بل أكثر من هذا أرسلت واحداً منهم الى كينغيجا وهي بلدة تبعد كذا فرسخ عن قريتها لإحضار أمها.
وفعلاً حضرت هذه المرأة، (جدة سلمى من جهة الأم) بعربتها الذهبية التي تجرها الثيران كأنها أميرة لأن لقبها الشهير كان يسبقها اينما ذهبت:
الشمس ذات الشامات الثلاث. كل هذا بسبب وجهها المدور الابيض كالحليب والشامات السوداء الثلاث التي تزين ذلك الوجه. منذ ذلك اليوم أصبح البيت الكبير كله أشبه بخلية من النحل.
فـي الخارج كانت الحياة تجري كالمعتاد غير ان غير ان الكلام كان يجري على نحو آخر.
سلمى راقبت كل شيء بصحبة ماليندي، لم يتحدث احد الى سلمى سوى جدتها وعلى نحو عابر. هذا يعني أن امراً مهماً قد حدث فصار يعرفه الجميع، لقد سقط زهران الخاطري فـي البئر دون أن يعرف أحدٌ لماذا؟ وكيف؟
وما أن سنحت الفرصة حتى أمسكت عائشة بيد مابينغو المعروقة وقادتها الى غرفة جانبية:
- سوف تخرّب عقلي هذه الشيطانة الصغيرة!
- لا تقلقي لقد حسبتُ حسابي لأي أمرٍ طارىء.
- اسمعيني، هذه الشيطانة هي التي أخبرتني بسقوط زهران فـي البئر، لقد قلتُ لكِ من قبل أن اللعنة تطاردها.
وفـي زحمة هذه الحركة نظرتْ سلمى الى عيني امها وكانت تلك البرهة كافية لتسمح للأفكار أن تعيدَ تشكيل نفسها. عينان واسعتان ينبثق منهما شررٌ مخيف.
- لن يحدث ذلك حتى أقرر بنفسي.
قالت سلمى هذه العبارة فـي وجه امها ثم خرجت الى الشرفة الكبيرة.
"مقطع من عمل سردي طويل" - شرفات