البسيوي
13/10/2005, 09:25 AM
قدم لي صديقي شريطاً إسلامياً مذهلاً في مضمونه· هو مذهل لأن صاحب الشريط توفر على كل الجرأة بالحديث علناً في أمرين· الأول هو حض الشباب، إلى درجة البكاء أحياناً، على الانخراط في الجهاد وقتال الكفار، لا لشيء إلا للفوز بالاستمتاع بالحور العين التي تنتظرهم في الجنة· والثاني توظيفه لقصص خيالية وساذجة، يقدمها على أنها تاريخ حقيقي حصل بالفعل، ليبرهن بها على حقيقة ما ينتظر أولئك الشباب· وأسمي هذا شريطاً إسلامياً رغم معرفتي بأن الأشرطة التي لها صفة الـ''إسلامية'' متعددة ومتنوعة في رسالتها، ومضمونها، وأهدافها· لكنها جميعاً تستند، أو هكذا يقول أصحابها على الأقل، إلى مرجعية واحدة، وهي الكتاب والسنة، ويقولون إن هدفهم واحد، الحث على التمسك بالعقيدة، واتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم·
لكن التفاصيل تقول إن هذه الأشرطة لا تقدم خطاباً واحداً، ولا تنتهي بالضرورة إلى تحقيق الهدف نفسه· بعضها يميل إلى الاعتدال، والبعض الآخر يميل إلى التطرف والانغلاق· بعضها يتوفر على درجة معقولة من الاعتراف بمعادلة ''الدنيا والآخرة''· والبعض الآخر مفرط في استخفافه بالدنيا، وفي غيبيته إلى درجة السذاجة· تشعر أحياناً أن هناك فوضى ضاربة في سوق الخطاب، أو الخطابات الإسلامية· ويتم السكوت عن ذلك بذريعة صفة ''الإسلامية'' ذاتها· الفوضى والسكوت يشيران إلى الحرية التي يتمتع بها الخطاب الإسلامي· ما هي مسؤولية الدولة في ذلك؟ يعمل الخطاب الإسلامي على توسيع مساحته على حساب مساحة الدولة· والأخيرة لا تبدو مكترثة·
أصحاب الأشرطة الإسلامية وغيرها من الأنشطة الدعوية، من الدعاة والفقهاء، يقولون إنهم يمثلون الدين، ويتحدثون باسم الدين· لكن الاختلافات البينة في خطاباتهم، تكشف بوضوح أن حقيقة ما يقومون به، وما يقولونه ليس إلا قراءات متعددة لنص واحد (الكتاب والسنة)· تختلف هذه القراءات، ولابد لها أن تختلف، في مدى قربها أو بعدها من مضمون النص، ومن متطلباته المنهجية، ومن مقاصده المباشرة وغير المباشرة· ربما أن النية واحدة، أقول ربما لأن النيات من الغيبيات لا يمكن من الناحية المنطقية، على أية حال، الجزم بأنها واحدة بشكل متماثل ومتطابق حتى بين أتباع المذهب الواحد، أو المدرسة الواحدة· وحتى لو افترضنا جدلا بأن الأمر قد يكون على العكس من ذلك أحيانا، إلا أن الخطاب لا يمكن أن يكون كذلك· وهذا عائد للطبيعة البشرية التي جبل عليها الإنسان في كل زمان ومكان· ومن هنا ضرورة الاعتراف بالفرق الواضح بين الدين من ناحية، والخطاب الديني من ناحية أخرى· الدين هو النص (في الحالة الإسلامية هو الكتاب والسنة)، والنص ثابت لا يتغير· أما الخطاب الديني فهو قراءة للنص، والقراءة لا يمكن أن تكون واحدة، أو متماثلة عند كل واحد، وفي كل زمان ومكان·
صاحب الشريط لا يعترف بذلك· هو مؤمن بأن ما يقوم به هو الدين بعينه· دوره لا يعدو مساهمة في هداية الشباب إلى الصراط المستقيم· وجه الإشكالية ليس هنا، وإنما في قبول الكثيرين لدعوى التماثل هذه بين الدين، وأحد أوجه الخطاب الديني الذي يمثله مضمون الشريط· ولذا فالسؤال هو: كيف يمكن تفسير هذا القبول؟ هنا بعض مما قاله صاحب الشريط بالنص أولاً·
يبدأ الشريط بمجموعة من المؤثرات الخطابية: مقاطع مما سيأتي، تتخللها قراءات لبعض آيات القرآن الكريم، والنشيد التالي:
يا نفس إن تقتلي فحورٌ حسان
حبذا يا إخوتي إنها الجنـــــــان
يعتمد الداعية في الشريط على إيراد بعض القصص المؤثرة· إحداها قصة شاب في السادسة عشرة من عمره ذهب للجهاد مع شخص يقال له عبدالواحد بن زياد· يروي الداعية بقية القصة على لسان عبدالواحد على النحو التالي: يقول ''في يوم زاد علينا أذى الكفار· وفي الظهيرة توقف القتال وأخذتنا إغفاءة· استراحة مثل استراحة المحارب· فأغفى غلامي إغفاءة ثم استيقظ وهو يقول ''واشوقاه للعيناء المرضيِّة''، بتشديد الياء المكسورة· قال أصحابي وسوس الغلام· قلت ما بك يا صغيري؟ قال يا عبدالواحد رأيت رؤيا اكتمها عليَّ حتى ألقى الله· قلت ماذا رأيت؟ قال رأيت أني في روضة من رياض الجنة، وفيها من الحور العين ما الله به عليم· فإذا هن يُشرن إليَّ ويقلن: هذا زوج العيناء المرضيِّة· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق، فانطلقت حتى إذا أتيت على نهر من ماء غير آسن، عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي· فإذا هن يشرن إليَّ ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قلن انطلق·
فانطلقت أمامي حتى أتيت على نهر من لبن لم يتغير طعمه· فإذا على جوانبه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي· فإذا هن يشرن إليَّ ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق· فانطلقت أمامي حتى إذا أتيت على نهر من خمر لذة للشاربين، فإذا عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت· فإذا هن يشرن إليَّ ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق ·· انطلق· فانطلقت أمامي، حتى إذا أتيت على نهر من عسل مصفى، وإذا عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي· فإذا هن يشرن إلي، ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق أمامك؟ فانطلقت أمامي، فأتيت على خيمة من لؤلؤ مجوفة مرتفعة في عنان السماء، فإذا على بابها من الحور العين ما أنساني ما خلفت· فإذا هن يشرن إليَّ، ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا هي في الداخل في انتظارك· دخلت· ماذا رأيت؟ رأيت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر· أراد الغلام من شغفه بتلك العيناء المرضية أن يضمَّها إليه· فقالت له: انتظر يا حبيبي· أنت فيك روح الحياة· تفطر عندنا اليوم (كان صائما)· ثم أفقت يا عبدالواحد· فواشوقاه للعيناء المرضية· اكتم رؤياي يا عبد الواحد حتى ألقى الله· ثم ما هي إلا لحظات حتى ظهرت سرية من الكفار، فاشتبك معها الغلام، وتمكن من قتل تسعة من السرية، لكنه قتل ليكون هو العاشر· جاء عبدالواحد إليه فإذا هو يتشحَّط في دمه مقتولا، وهو يقول:''أهلا بالعيناء المرضية''·
هذه حكاية غريبة من عدة أوجه: تجمع بين البساطة، والخيال الجامح، واليقينية المفرطة، التي تتجاوز على إرادة الله، إلى جانب رغبة حسية غير منضبطة· عندما رأى الغلام ''العيناء'' في منامه اندفع ليضمها إليه· لكنها امتنعت لأنه لا يزال حياً· حتى يتحقق له ذلك، لابد له أن يموت أولاً· لاحظ الأنانية في الهدف من ''الجهاد'': الاستمتاع بالحور العين فقط· لا تتضمن القصة أية قيمة أخلاقية مثل العمل والانضباط والإنتاج والأمانة· القيمة الوحيدة التي تبرزها هي قيمة القتال طمعاً في الحور العين التي تنتظر الغلام في الجنة، لا غير· الجهاد والقتال لا علاقة له بشيء في هذه الدنيا مثل الوطن، والعائلة، والأمن، والهوية· كما قال صاحب الشريط ''سماويون لا أرضيون، ولا دونيون ولا طينيون''· انفصال عن الدنيا يكاد يكون كاملاً·
تقديم الدين بهذه المنهجية، ومن خلال هذا الخطاب يتضمن شيئاً آخر، وهو الفصل بين الدين والدنيا، أو صورة العلمانية· صحيح أن هذا الخطاب ينطلق من فرضية أنه يمثل الدين بكل أبعاده إلى درجة التماهي معه شكلا ومضموناً· لكنه عندما يحصر قيمة الدين في أهداف أخروية، ويحط من شأن الأهداف الدنيوية يصعب تفادي أنه في هذه الحالة يفصل الدين عن الدنيا· هل يدرك صاحب الشريط هذا، أو يعترف به؟ الأرجح أنه لا يدرك ذلك، ولا يعترف به· العلمانية بالنسبة له هي ضرب من الكفر والإلحاد، وهو يدعو إلى الصراط المستقيم· إذن نحن أمام خطاب متناقض، مضطرب، ومشوش· والسؤال مرة أخرى: كيف يتأتى لمثل هذا الخطاب الساذج، والمضطرب أن يكون له قبول، وجماهير؟ الإجابة ليست محصورة داخل الخطاب، كما يروج لذلك البعض من أن العلة تكمن حصراً في الفكر المتطرف· ماذا عن سلطة الفكر الديني المهيمنة على مساحة واسعة من المجتمع؟ وما دور الدولة في تسهيل مهمة الهيمنة هذه؟ ثم بقيت قصة أخرى في الشريط، ربما أكثر غرابة، وأبعد بوناً في يقينيتها وبساطتها·
* نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية
لكن التفاصيل تقول إن هذه الأشرطة لا تقدم خطاباً واحداً، ولا تنتهي بالضرورة إلى تحقيق الهدف نفسه· بعضها يميل إلى الاعتدال، والبعض الآخر يميل إلى التطرف والانغلاق· بعضها يتوفر على درجة معقولة من الاعتراف بمعادلة ''الدنيا والآخرة''· والبعض الآخر مفرط في استخفافه بالدنيا، وفي غيبيته إلى درجة السذاجة· تشعر أحياناً أن هناك فوضى ضاربة في سوق الخطاب، أو الخطابات الإسلامية· ويتم السكوت عن ذلك بذريعة صفة ''الإسلامية'' ذاتها· الفوضى والسكوت يشيران إلى الحرية التي يتمتع بها الخطاب الإسلامي· ما هي مسؤولية الدولة في ذلك؟ يعمل الخطاب الإسلامي على توسيع مساحته على حساب مساحة الدولة· والأخيرة لا تبدو مكترثة·
أصحاب الأشرطة الإسلامية وغيرها من الأنشطة الدعوية، من الدعاة والفقهاء، يقولون إنهم يمثلون الدين، ويتحدثون باسم الدين· لكن الاختلافات البينة في خطاباتهم، تكشف بوضوح أن حقيقة ما يقومون به، وما يقولونه ليس إلا قراءات متعددة لنص واحد (الكتاب والسنة)· تختلف هذه القراءات، ولابد لها أن تختلف، في مدى قربها أو بعدها من مضمون النص، ومن متطلباته المنهجية، ومن مقاصده المباشرة وغير المباشرة· ربما أن النية واحدة، أقول ربما لأن النيات من الغيبيات لا يمكن من الناحية المنطقية، على أية حال، الجزم بأنها واحدة بشكل متماثل ومتطابق حتى بين أتباع المذهب الواحد، أو المدرسة الواحدة· وحتى لو افترضنا جدلا بأن الأمر قد يكون على العكس من ذلك أحيانا، إلا أن الخطاب لا يمكن أن يكون كذلك· وهذا عائد للطبيعة البشرية التي جبل عليها الإنسان في كل زمان ومكان· ومن هنا ضرورة الاعتراف بالفرق الواضح بين الدين من ناحية، والخطاب الديني من ناحية أخرى· الدين هو النص (في الحالة الإسلامية هو الكتاب والسنة)، والنص ثابت لا يتغير· أما الخطاب الديني فهو قراءة للنص، والقراءة لا يمكن أن تكون واحدة، أو متماثلة عند كل واحد، وفي كل زمان ومكان·
صاحب الشريط لا يعترف بذلك· هو مؤمن بأن ما يقوم به هو الدين بعينه· دوره لا يعدو مساهمة في هداية الشباب إلى الصراط المستقيم· وجه الإشكالية ليس هنا، وإنما في قبول الكثيرين لدعوى التماثل هذه بين الدين، وأحد أوجه الخطاب الديني الذي يمثله مضمون الشريط· ولذا فالسؤال هو: كيف يمكن تفسير هذا القبول؟ هنا بعض مما قاله صاحب الشريط بالنص أولاً·
يبدأ الشريط بمجموعة من المؤثرات الخطابية: مقاطع مما سيأتي، تتخللها قراءات لبعض آيات القرآن الكريم، والنشيد التالي:
يا نفس إن تقتلي فحورٌ حسان
حبذا يا إخوتي إنها الجنـــــــان
يعتمد الداعية في الشريط على إيراد بعض القصص المؤثرة· إحداها قصة شاب في السادسة عشرة من عمره ذهب للجهاد مع شخص يقال له عبدالواحد بن زياد· يروي الداعية بقية القصة على لسان عبدالواحد على النحو التالي: يقول ''في يوم زاد علينا أذى الكفار· وفي الظهيرة توقف القتال وأخذتنا إغفاءة· استراحة مثل استراحة المحارب· فأغفى غلامي إغفاءة ثم استيقظ وهو يقول ''واشوقاه للعيناء المرضيِّة''، بتشديد الياء المكسورة· قال أصحابي وسوس الغلام· قلت ما بك يا صغيري؟ قال يا عبدالواحد رأيت رؤيا اكتمها عليَّ حتى ألقى الله· قلت ماذا رأيت؟ قال رأيت أني في روضة من رياض الجنة، وفيها من الحور العين ما الله به عليم· فإذا هن يُشرن إليَّ ويقلن: هذا زوج العيناء المرضيِّة· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق، فانطلقت حتى إذا أتيت على نهر من ماء غير آسن، عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي· فإذا هن يشرن إليَّ ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قلن انطلق·
فانطلقت أمامي حتى أتيت على نهر من لبن لم يتغير طعمه· فإذا على جوانبه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي· فإذا هن يشرن إليَّ ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق· فانطلقت أمامي حتى إذا أتيت على نهر من خمر لذة للشاربين، فإذا عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت· فإذا هن يشرن إليَّ ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق ·· انطلق· فانطلقت أمامي، حتى إذا أتيت على نهر من عسل مصفى، وإذا عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي· فإذا هن يشرن إلي، ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا انطلق أمامك؟ فانطلقت أمامي، فأتيت على خيمة من لؤلؤ مجوفة مرتفعة في عنان السماء، فإذا على بابها من الحور العين ما أنساني ما خلفت· فإذا هن يشرن إليَّ، ويقلن هذا زوج العيناء المرضية· قلت أين هي العيناء المرضية؟ قالوا هي في الداخل في انتظارك· دخلت· ماذا رأيت؟ رأيت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر· أراد الغلام من شغفه بتلك العيناء المرضية أن يضمَّها إليه· فقالت له: انتظر يا حبيبي· أنت فيك روح الحياة· تفطر عندنا اليوم (كان صائما)· ثم أفقت يا عبدالواحد· فواشوقاه للعيناء المرضية· اكتم رؤياي يا عبد الواحد حتى ألقى الله· ثم ما هي إلا لحظات حتى ظهرت سرية من الكفار، فاشتبك معها الغلام، وتمكن من قتل تسعة من السرية، لكنه قتل ليكون هو العاشر· جاء عبدالواحد إليه فإذا هو يتشحَّط في دمه مقتولا، وهو يقول:''أهلا بالعيناء المرضية''·
هذه حكاية غريبة من عدة أوجه: تجمع بين البساطة، والخيال الجامح، واليقينية المفرطة، التي تتجاوز على إرادة الله، إلى جانب رغبة حسية غير منضبطة· عندما رأى الغلام ''العيناء'' في منامه اندفع ليضمها إليه· لكنها امتنعت لأنه لا يزال حياً· حتى يتحقق له ذلك، لابد له أن يموت أولاً· لاحظ الأنانية في الهدف من ''الجهاد'': الاستمتاع بالحور العين فقط· لا تتضمن القصة أية قيمة أخلاقية مثل العمل والانضباط والإنتاج والأمانة· القيمة الوحيدة التي تبرزها هي قيمة القتال طمعاً في الحور العين التي تنتظر الغلام في الجنة، لا غير· الجهاد والقتال لا علاقة له بشيء في هذه الدنيا مثل الوطن، والعائلة، والأمن، والهوية· كما قال صاحب الشريط ''سماويون لا أرضيون، ولا دونيون ولا طينيون''· انفصال عن الدنيا يكاد يكون كاملاً·
تقديم الدين بهذه المنهجية، ومن خلال هذا الخطاب يتضمن شيئاً آخر، وهو الفصل بين الدين والدنيا، أو صورة العلمانية· صحيح أن هذا الخطاب ينطلق من فرضية أنه يمثل الدين بكل أبعاده إلى درجة التماهي معه شكلا ومضموناً· لكنه عندما يحصر قيمة الدين في أهداف أخروية، ويحط من شأن الأهداف الدنيوية يصعب تفادي أنه في هذه الحالة يفصل الدين عن الدنيا· هل يدرك صاحب الشريط هذا، أو يعترف به؟ الأرجح أنه لا يدرك ذلك، ولا يعترف به· العلمانية بالنسبة له هي ضرب من الكفر والإلحاد، وهو يدعو إلى الصراط المستقيم· إذن نحن أمام خطاب متناقض، مضطرب، ومشوش· والسؤال مرة أخرى: كيف يتأتى لمثل هذا الخطاب الساذج، والمضطرب أن يكون له قبول، وجماهير؟ الإجابة ليست محصورة داخل الخطاب، كما يروج لذلك البعض من أن العلة تكمن حصراً في الفكر المتطرف· ماذا عن سلطة الفكر الديني المهيمنة على مساحة واسعة من المجتمع؟ وما دور الدولة في تسهيل مهمة الهيمنة هذه؟ ثم بقيت قصة أخرى في الشريط، ربما أكثر غرابة، وأبعد بوناً في يقينيتها وبساطتها·
* نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية