سويري
05/10/2005, 10:05 AM
المبدع الخليجي: تهميش غير مبرر وعطاء متواصل
د. علي الشعيبي
لا يختلف المشهد كثيراً عن أحداث تلك المسرحية الكوميدية التي تابعها جيل بأكمله, المشهد يبدأ برفع الستارة من على منصة مؤتمر عربي مهم عقد في دولة الإمارات الأسبوع المنصرم.
جلست الدكتورة المواطنة إلى جانب رئيس الجلسة لتقدم ورقة عملها والدكتورة واحدة من بنات هذا الوطن المشهود لهن بالكفاءة والعمل والقدرة على تقديم وجهات نظر علمية بعيداً عن التهريج ولغة الخطابة.
استعرضت الدكتورة ورقتها وفي معرض تعليقه انبرى مدير الجلسة ليناقش الدكتورة ويفند رؤيتها ويعترض على ما قالت متناسياً أنه مدير الجلسة ضارباً بكل أبجديات إدارة الندوات عرض الحائط واسترسل وكان البخار المتصاعد من ماكنة قطاره قد زاد في ارتفاع الضغط وغدت محاولاته للنيل من الدكتورة المواطنة واضحة لا ريب فيها منصِّباً نفسه أستاذاً ومحاوراً موحياً للبعض بأنه الأكثر علماً ودراية مسوقاً نفسه بطريقة فجة. هذا من ناحية أما من الناحية الثانية فقد حاول مدير الجلسة أن يؤكد أن أبناء الخليج ليسوا على قدر علمه وخبرته في المناورة والمحاورة ولكن الدكتورة استطاعت وبثقة أن تؤكد وجهة نظرها وخرج مدير الجلسة وفي نفسه كثير من غضب وكثير من محاولة للانتقام وقد أتيحت له الفرصة عندما أدار جلسة مع دكتور مواطن في يوم آخر من أيام تلك الفعاليات التي يتحسر المرء أن مشاركة المواطنين فيها كانت قليلة على مستوى تقديم الأوراق البحثية أو على مستوى المشاركة في المناقشات والمداخلات.
المشهد الثاني من هذه المسرحية الهزلية التي تحولت إلى تراجيديا مبكية مضحكة أو تراجيديا سوداء وفق تعبير بعض النقاد المسرحيين عندما اقتنص مدير الجلسة الفرصة كما قلت ليرأس جلسة تقديم ورقة عمل لدكتور مواطن وقد نصب نفسه وللمرة الثانية في غضون يومين باعتباره العالم الذي لا يشق له غبار محاولاً تسويق نفسه لمنصب في الجهة التي دعته للمشاركة في هذه التظاهرة وعلق بما لا يليق محولاً المحاضر إلى طالب في الثانوية العامة لا سيما وأن هذا الدكتور المواطن يتمتع بحضور ومهارات ربما تجاوزت مهارات رئيس الجلسة علماً وخبرة وتجربة. ولكن مدير الجلسة ومن واقع النظرة الفوقية أراد أن يرسل رسالة فيها الكثير من التوجه الشوفيني لخلق الإحساس بتواضع العنصر الخليجي وهشاشته مصراً على أن العلماء والمفكرين لا يمكن أن ينبتوا في دول فتحت أبوابها له ولأمثاله معززا مكرماً مقدراً لعلمه وخبرته، ولكنها خاصية الحقد الدفين التي كانت واضحة من خلال تصرفات هذا النفر من الإخوة العرب الذين يصرون على تأكيد تفوقهم وعلمهم وكأنهم أكثر علماً من أهل الخليج.
على أكثر من مستوى يتم الترويج لهذا التوجه وقد تابعنا الكثير من الكتابات التي تتناول ظاهرة إبعاد الخليجيين عن وسائل الإعلام ومؤسساته على الرغم من كثرة عددها وتورم ميزانياتها فالصوت الخليجي والصورة الخليجية والكلمة الخليجية تكاد تكون مفقودة أو مطاردة أو منبوذة. لقد أكدت بعض المقالات على مخاوف من حرمان أهل الخليج بأن يكون لهم صوت أو رأي عندما يتعلق الأمر بتوجيه الرأي العام أو الإبداع الفكري والفني ويبقى السؤال: هل من المعقول أو من المقبول أن تدخل محطة تلفزيونية فضائية يربو عدد العاملين فيها على 400 فرد ونسبة الخليجيين أو المواطنين لا تزيد عن 2%!! والبحث عن مهام هذه النسبة الفقيرة تفسرها المراكز أو الوظائف التي يحتلونها بين سائق أو حارس أو مدير مجمد أو جامد الفكر معطل القرار، والتبرير الذي يساق دائماً أن الخليجي لا يعرف للإبداع طريقاً.
ربما يقع علينا الكثير من العتب لأننا سمحنا لهذه الفكرة أن تسيطر على مجمل الحراك الثقافي والعلمي في دول الخليج. ربما تكون الظروف التاريخية وأسبقية التعليم في بعض الدول العربية قد منحت البعض ميزة الاستئثار بنصيب الأسد من الهيمنة على المنتج الثقافي والإعلامي. ربما ونعترف, هنا أقول ربما، تجاهلنا أهمية التسويق الاجتماعي لمنتجنا العلمي وابتكاراتنا وكتاباتنا تحت مطرقة سيطرة الإخوة العرب على قرارات النشر والملاحق الثقافية في الصحف وإدارات الإعلام ووسائل النشر والإذاعات والتلفزيونات وربما أوصلنا تواكلنا إلى هذا الحد فأفلت من يدنا الزمام وغدت سيطرة الآخرين على المنصات ظاهرة تستدعي التدخل والمعالجة فالأرض التي استطاعت أن تنجب اقتصاديين وتجاراً وأصحاب مصانع وجامعي ثروات قادرة من باب أولى على أن ينبت بين صخورها الصلبة فنان تشكيلي أو عازفة بيانو أو كاتبة قصة قصيرة أو شاعر أو عالم جيولوجي أو عالم نفس أو متخصص في العلوم الشرطية. ربما أهملنا جيلا بأكمله وتناسينا أهمية صناعة النجم وتركنا الساحة شاغرة يتسلق سلمها ويجري في جنباتها كل من أتيحت له فرصة تسويق نفسه إما برصانة العلم أو بفهلوة مقتنص الفرص. مؤسساتنا الثقافية والعلمية ومنتدياتنا التي تدعي رعاية المواهب وصقلها تتحمل نصيباً كبيراً من هذا الوزر، وزر إهمال التسويق الاجتماعي والترويج للمبدعين.
يستطيع أي مغامر النجاح في سوق العقار أو الأسهم أو تجارة المخللات ولكن لا يستطيع أي واحد أن يكون كاتب قصة أو مقدم برنامج ناجح، ولا يستطيع أي واحد أن يكون شاعراً أو أديباً أو محاضراً. إنها مواهب وقدرات يضعها الخالق في بعض الناس وهذه المهارات تحتاج إلى فرصة للتألق وتحتاج إلى الكثير من التشجيع والتقدير ليس من قبل أولئك الذين ينظرون لأهل الخليج على أنهم براميل نفط تكاد تنفجر وأنهم خاوون من كل ثقافة وعلم، فالخليج كما يصرخ أبناؤه ليس نفطاً، إنه إنسان مسكون بكل مشاعر الحب والوجد والعطاء والقدرة على الإبداع.
نتمنى من القائمين على أمر الإبداع الفكري البحث عن الطاقات الخليجية الشابة والأخذ بيدها وعدم الإصرار على صنمية العمل الثقافي وحصره في عدة رموز استهلكت إعلامياً وأستطيع أن أجزم أن هناك طاقات خليجية شابة تمتلك رؤى وأطروحات في غاية الغنى الفكري والطرح العلمي المنطقي مع قدرات ومهارات اتصالية فاعلة ومؤثرة وامتلاك ناصية أكثر من لغة ومنهج وأكثر من تأثير ومدرسة ثقافية وما نحتاجه حقاً هو البحث عن هذه المواهب والدفع بها إلى المنصات ومدارج النور وعدسات التلفزة وميكروفونات الإذاعات.
على وسائل الإعلام، شريطة أن يتم توطين العاملين بها، عليها أن تبحث عن الخليجي المبدع وتدفع به إلى واجهة الحدث الفني والثقافي. عندها لن يجد رئيس الجلسة فرصة للنيل من مواطن إماراتي أو خليجي وتسفيه طرحه.
رسالة حب وتقدير نوجهها لكل الإخوة العرب الذين ساهموا بصدق في تعليمنا واحتضاننا في جامعاتهم وتدريبنا على أيديهم ولكن الرعاية العلمية والثقافية التي اجتاحت كيان الإنسان الخليجي وجعلته يبحث عن العلم في قارات الدنيا ويعود محملاً بخبرات تلاقح ثقافي إنساني التوجه عالمي العطاء قد أفرزت جيلاً من المبدعين الخليجيين الذين يحق لهم أن يصرخوا بعالي الصوت في وجه كل من يحاول أن ينال من علمهم وخبرتهم صراخاً يصم الآذان مرددين لمن كان في آذانه وقر أو قلبه مرض (العيال كبرت) فقد شب الخليجي عن الطوق في مجال الإبداع ولا يحتاج إلى أوصياء يقودونه كما الكفيف في مسالك العلم ودروب التنوير.
المصدر وجهات
د. علي الشعيبي
لا يختلف المشهد كثيراً عن أحداث تلك المسرحية الكوميدية التي تابعها جيل بأكمله, المشهد يبدأ برفع الستارة من على منصة مؤتمر عربي مهم عقد في دولة الإمارات الأسبوع المنصرم.
جلست الدكتورة المواطنة إلى جانب رئيس الجلسة لتقدم ورقة عملها والدكتورة واحدة من بنات هذا الوطن المشهود لهن بالكفاءة والعمل والقدرة على تقديم وجهات نظر علمية بعيداً عن التهريج ولغة الخطابة.
استعرضت الدكتورة ورقتها وفي معرض تعليقه انبرى مدير الجلسة ليناقش الدكتورة ويفند رؤيتها ويعترض على ما قالت متناسياً أنه مدير الجلسة ضارباً بكل أبجديات إدارة الندوات عرض الحائط واسترسل وكان البخار المتصاعد من ماكنة قطاره قد زاد في ارتفاع الضغط وغدت محاولاته للنيل من الدكتورة المواطنة واضحة لا ريب فيها منصِّباً نفسه أستاذاً ومحاوراً موحياً للبعض بأنه الأكثر علماً ودراية مسوقاً نفسه بطريقة فجة. هذا من ناحية أما من الناحية الثانية فقد حاول مدير الجلسة أن يؤكد أن أبناء الخليج ليسوا على قدر علمه وخبرته في المناورة والمحاورة ولكن الدكتورة استطاعت وبثقة أن تؤكد وجهة نظرها وخرج مدير الجلسة وفي نفسه كثير من غضب وكثير من محاولة للانتقام وقد أتيحت له الفرصة عندما أدار جلسة مع دكتور مواطن في يوم آخر من أيام تلك الفعاليات التي يتحسر المرء أن مشاركة المواطنين فيها كانت قليلة على مستوى تقديم الأوراق البحثية أو على مستوى المشاركة في المناقشات والمداخلات.
المشهد الثاني من هذه المسرحية الهزلية التي تحولت إلى تراجيديا مبكية مضحكة أو تراجيديا سوداء وفق تعبير بعض النقاد المسرحيين عندما اقتنص مدير الجلسة الفرصة كما قلت ليرأس جلسة تقديم ورقة عمل لدكتور مواطن وقد نصب نفسه وللمرة الثانية في غضون يومين باعتباره العالم الذي لا يشق له غبار محاولاً تسويق نفسه لمنصب في الجهة التي دعته للمشاركة في هذه التظاهرة وعلق بما لا يليق محولاً المحاضر إلى طالب في الثانوية العامة لا سيما وأن هذا الدكتور المواطن يتمتع بحضور ومهارات ربما تجاوزت مهارات رئيس الجلسة علماً وخبرة وتجربة. ولكن مدير الجلسة ومن واقع النظرة الفوقية أراد أن يرسل رسالة فيها الكثير من التوجه الشوفيني لخلق الإحساس بتواضع العنصر الخليجي وهشاشته مصراً على أن العلماء والمفكرين لا يمكن أن ينبتوا في دول فتحت أبوابها له ولأمثاله معززا مكرماً مقدراً لعلمه وخبرته، ولكنها خاصية الحقد الدفين التي كانت واضحة من خلال تصرفات هذا النفر من الإخوة العرب الذين يصرون على تأكيد تفوقهم وعلمهم وكأنهم أكثر علماً من أهل الخليج.
على أكثر من مستوى يتم الترويج لهذا التوجه وقد تابعنا الكثير من الكتابات التي تتناول ظاهرة إبعاد الخليجيين عن وسائل الإعلام ومؤسساته على الرغم من كثرة عددها وتورم ميزانياتها فالصوت الخليجي والصورة الخليجية والكلمة الخليجية تكاد تكون مفقودة أو مطاردة أو منبوذة. لقد أكدت بعض المقالات على مخاوف من حرمان أهل الخليج بأن يكون لهم صوت أو رأي عندما يتعلق الأمر بتوجيه الرأي العام أو الإبداع الفكري والفني ويبقى السؤال: هل من المعقول أو من المقبول أن تدخل محطة تلفزيونية فضائية يربو عدد العاملين فيها على 400 فرد ونسبة الخليجيين أو المواطنين لا تزيد عن 2%!! والبحث عن مهام هذه النسبة الفقيرة تفسرها المراكز أو الوظائف التي يحتلونها بين سائق أو حارس أو مدير مجمد أو جامد الفكر معطل القرار، والتبرير الذي يساق دائماً أن الخليجي لا يعرف للإبداع طريقاً.
ربما يقع علينا الكثير من العتب لأننا سمحنا لهذه الفكرة أن تسيطر على مجمل الحراك الثقافي والعلمي في دول الخليج. ربما تكون الظروف التاريخية وأسبقية التعليم في بعض الدول العربية قد منحت البعض ميزة الاستئثار بنصيب الأسد من الهيمنة على المنتج الثقافي والإعلامي. ربما ونعترف, هنا أقول ربما، تجاهلنا أهمية التسويق الاجتماعي لمنتجنا العلمي وابتكاراتنا وكتاباتنا تحت مطرقة سيطرة الإخوة العرب على قرارات النشر والملاحق الثقافية في الصحف وإدارات الإعلام ووسائل النشر والإذاعات والتلفزيونات وربما أوصلنا تواكلنا إلى هذا الحد فأفلت من يدنا الزمام وغدت سيطرة الآخرين على المنصات ظاهرة تستدعي التدخل والمعالجة فالأرض التي استطاعت أن تنجب اقتصاديين وتجاراً وأصحاب مصانع وجامعي ثروات قادرة من باب أولى على أن ينبت بين صخورها الصلبة فنان تشكيلي أو عازفة بيانو أو كاتبة قصة قصيرة أو شاعر أو عالم جيولوجي أو عالم نفس أو متخصص في العلوم الشرطية. ربما أهملنا جيلا بأكمله وتناسينا أهمية صناعة النجم وتركنا الساحة شاغرة يتسلق سلمها ويجري في جنباتها كل من أتيحت له فرصة تسويق نفسه إما برصانة العلم أو بفهلوة مقتنص الفرص. مؤسساتنا الثقافية والعلمية ومنتدياتنا التي تدعي رعاية المواهب وصقلها تتحمل نصيباً كبيراً من هذا الوزر، وزر إهمال التسويق الاجتماعي والترويج للمبدعين.
يستطيع أي مغامر النجاح في سوق العقار أو الأسهم أو تجارة المخللات ولكن لا يستطيع أي واحد أن يكون كاتب قصة أو مقدم برنامج ناجح، ولا يستطيع أي واحد أن يكون شاعراً أو أديباً أو محاضراً. إنها مواهب وقدرات يضعها الخالق في بعض الناس وهذه المهارات تحتاج إلى فرصة للتألق وتحتاج إلى الكثير من التشجيع والتقدير ليس من قبل أولئك الذين ينظرون لأهل الخليج على أنهم براميل نفط تكاد تنفجر وأنهم خاوون من كل ثقافة وعلم، فالخليج كما يصرخ أبناؤه ليس نفطاً، إنه إنسان مسكون بكل مشاعر الحب والوجد والعطاء والقدرة على الإبداع.
نتمنى من القائمين على أمر الإبداع الفكري البحث عن الطاقات الخليجية الشابة والأخذ بيدها وعدم الإصرار على صنمية العمل الثقافي وحصره في عدة رموز استهلكت إعلامياً وأستطيع أن أجزم أن هناك طاقات خليجية شابة تمتلك رؤى وأطروحات في غاية الغنى الفكري والطرح العلمي المنطقي مع قدرات ومهارات اتصالية فاعلة ومؤثرة وامتلاك ناصية أكثر من لغة ومنهج وأكثر من تأثير ومدرسة ثقافية وما نحتاجه حقاً هو البحث عن هذه المواهب والدفع بها إلى المنصات ومدارج النور وعدسات التلفزة وميكروفونات الإذاعات.
على وسائل الإعلام، شريطة أن يتم توطين العاملين بها، عليها أن تبحث عن الخليجي المبدع وتدفع به إلى واجهة الحدث الفني والثقافي. عندها لن يجد رئيس الجلسة فرصة للنيل من مواطن إماراتي أو خليجي وتسفيه طرحه.
رسالة حب وتقدير نوجهها لكل الإخوة العرب الذين ساهموا بصدق في تعليمنا واحتضاننا في جامعاتهم وتدريبنا على أيديهم ولكن الرعاية العلمية والثقافية التي اجتاحت كيان الإنسان الخليجي وجعلته يبحث عن العلم في قارات الدنيا ويعود محملاً بخبرات تلاقح ثقافي إنساني التوجه عالمي العطاء قد أفرزت جيلاً من المبدعين الخليجيين الذين يحق لهم أن يصرخوا بعالي الصوت في وجه كل من يحاول أن ينال من علمهم وخبرتهم صراخاً يصم الآذان مرددين لمن كان في آذانه وقر أو قلبه مرض (العيال كبرت) فقد شب الخليجي عن الطوق في مجال الإبداع ولا يحتاج إلى أوصياء يقودونه كما الكفيف في مسالك العلم ودروب التنوير.
المصدر وجهات