عرض الإصدار الكامل : شمس العرب تسطع على الغرب ...... لزيغريد هونكه
عبدالناصر20
04/10/2005, 03:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
"اسم الكتاب : شمس العرب تسطع على الغرب
أثر الحضارة العربية في أوروبة
الكاتبة : المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه
نقله عن الألمانية : فاروق بيضون وكمال دسوقي
اصدار : دار الجيل بيروت و دار الأفاق الجديدة بيروت
الطبعة : الثامنة : 1993 م
الطبعة الأولى كانت في 1964 م
بتصرف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهرست
ـ كلمتنا
ـ مقدمة خاصة بالطبعة العربية .
ـ مدخل .
ـ الكتاب الأول : رفاهية حياتنا اليومية .
1ـ أسماء عربية لحاجات عربية .
2ـ أوروبة الجائعة في ظل التجارة العالمية .
3ـ البندقية في محطة الحصار .
4ـ في مدرسة العرب .
حواشي الكتاب الأول .
ـ الكتاب الثاني : العالم والأرقام :
1ـ ماورثناه عن الهند .
2ـ البابا يحسب بالعربية .
3ـ تاجر يعلم الغرب .
4ـ الصراع المرير .
حواشي الكتاب الثاني .
ـ الكتاب الثالث : السماء التي تظللنا :
1ـ عالم الفلك موسى وأولاده الثلاثة .
2ـ الإبن الأول : عالم ميكانيكي .
3ـ الإبن الثاني : عالم فلكي .
4ـ الإبن الثالث : عالم الرياضيات .
5ـ علم التنجيم .
حواشي الكتاب الثالث .
الكتاب الرابع : الأيدي الشافية :
1ـ الفرنجة وفن الشفاء الأعجوبي .
2ـ مستشفيات مثالية وأطباء لم ير لهم العالم مثيلاً .
3ـ أحد أعظم أطباء الإنسانية إطلاقاً .
4ـ قيود القدامى .
5ـ سيراً في السبل الخاصة
6ـ كتب تصنع التاريخ .
7ـ يقظة العرب .
8ـ هكذا تكلم ابن سينا .
9ـ نصب تذكاري للعبقرية العربية .
حواشي الكتاب الرابع .
الكتاب الخامس : سلاح المعرفة :
1ـ المعجزة التي حققها العرب .
2ـ الغرب يسير في الطريق المظلم .
3ـ منهج المنتصرين .
4ـ طلب العلم عبادة .
5ـ عملية إنقاذ ذات معنى كبير في تاريخ العالم .
6ـ الترجمة من حيث هي عامل حضاري .
7ـ الشغف بالكتب .
8ـ شعب يذهب إلى المدرسة .
9 ـ هدايا العرب للغرب .
حواشي الكتاب الخامس .
الكتاب السادس : موحد الشرق والغرب :
1ـ دولة النورمان ، حلقة الإتصال بين عالمين .
2ـ توحيد الشعوب المتنازعة .
3ـ سلطان لوسيرا
4ـلقد بني على أساس عربي
5ـ أحاديث عبر الحدود .
6ـ نظرة جديدة إلى العالم .
حواشي الكتاب السادس .
الكتاب السابع : عرب الأندلس :
1ـ أصل سيدات الطبقة الراقية .
2ـ العالم كله مسجد كبير بني لي .
3ـ الحياة على نغمات الموسيقى .
4ـ زينة الدنيا .
5ـ شعب من الشعراء .
6ـ سلطان الحب .
7ـ دروب التسرب إلى الغرب .
خاتمة .
حواشي الكتاب السابع .
ـ مقارنة تاريخية .
ـ جدول لبعض الكلمات الألمانية المأخوذة عن العربية والفارسية .
ـ جدول بأسماء كواكب عربية الأصل .
ـ الملحقات
ـ فهرست .
كلمتنا :
الدكتورة زيغريد هونكة ، مستشرقة ألمانية طائرة الشهرة ، أحبت العرب ، ومازالت وصرفت وقتها كله باذلة الجهد للدفاع عن قضاياهم والوقوف إلى جانبهم . وهي زوجة الدكتور شولتزا، المستشرق الألماني الكبير ، الذي إشتهر بصداقته للعرب وتعمقه في دراسة آدابهم والإطلاع على آثارهم ومآثرهم .
تناولت المؤلفة ، في إطروحتها التي تقدمت بها لنيل درجة الكتوراه في جامعة برلين ، أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية . وفي عام 1955 صدر مؤلفها الأول : ( الرجل والمرأة ) وهو كتاب تاريخي ، أكدت فيه الكاتبة ، كما فعلت في كتبها كلها التي تناولت فضل العرب على الحضارة الغربية خاصة ، بالصداقة الخالصة والمحبة العميقة ، عدداً كبيرأً من المقالات في الصحف الأوروبية ، وأعدت أحاديث وتمثيليات للإذاعات العربية والألمانية على السواء .
وكتابها ( شمس العرب تشرق على الغرب ) هو ثمرة سنين طويلة من الدراسة الموضوعية العميقة والمكتبة الألمانية ، لاتحوي في هذا الحقل الواسع ،سوى عدد من المقالات المتناثرة في المجلات العلمية لاتشفي غليل الباحث المدقق .
ولذا كان ظهور كتابها هذا ،الذي نفخر الآن بتقديمه إلى القاريء العربي ، حدثاً كبيراً في ألمانية وأوروبة ، علقت عليه مئات الصحف والمجلات ، بدليل أن نقاد أوروبة لم يهتموا في ذاك العام ، إهتمامهم بهذا الكتاب ، فهاجم عشرات منهم المؤلفة والكتاب معاً و إتهموها بالتعصب للعرب والتحيز لهم .
بيد أن أصدقاء العرب في كل مكان إنبروا يفندون مزاعم هؤلاء ويردون على إفترائهم فشهد الكتاب في عامه الأول معركة حامية الوطيس ، لم يعرفها كتاب غيره في ألمانية في السنوات الأخيرة وبهذا لاقى الكتاب وسط هذه الضجة ، نجاحاً منقطع النظير ، فأعيد طبعه وترجم إلى عدد من اللغات الأجنبية ، كما رحبت به الصحافة العربية ترحيباً بالغاً.
وفي صيف عام 1961 ، دعت الحكومة العراقية ، المؤلفة وزوجها لزيارة بغداد تقديراً لهما . وفي صيف عام 1962 زارت الدكتورة هونكه وزوجها الجمهورية العربية المتحدة بناء على دعوة حكومتها لهما ، معربة عن تقديرها وعرفانها بالجميل ، لجهودهما المتواصلة في خدمة العرب .
وتعيش المؤلفة اليوم مع زوجها وأولادها في بون ، في منزل أثثته على طراز عربي لتشعر بسعادة غامرة ، ولتحس أنها تعيش في جو قوم أحبتهم حباً شديداً ، فربطتها بهم ثقافة إنسانية خيرة وفكر شمولي معطاء .
وإنه ليسعدنا ، نحن المترجمين أن نتقدم إليك ، أيها الأخ في الوطن العربي ، بهذه الدرة الثمينة ، ننقلها إليك بأمانة علمية ، يحدونا أمل باسم في أن نكون قد وفقنا في تأدية رسالتنا ، برغم كل ماواجهنا من صعاب حاولنا التغلب عليها ببذل المزيد من الجهد ، لننعم معاً ( بشمس الله ) تمنحنا الدفء والحياة وتنير أمامنا الطريق .
برلين في : 10/ 4/ 1963م .
فاروق سعيد بيضون ــــ كمال دسوقي
( يتبع إن شاء الله )
.
عبدالناصر20
06/10/2005, 03:49 PM
مقدمة : خاصة بالطبعة العربية
لم يكن من قبيل المصادفة بتة أن أكتب أنا السيدة الألمانية هذا الكتاب . فالعرب والألمان لاتربطهم فقط أيام دولتهم القوية ، التي انقسمت الآن ، والتي بدأت صعودها من جديد بقوة وحيوية وعزم ، إنما هي رابطة قوية من الفكر والثقافة قد وثقت العرى بينهما ، امتدت جذورها في أعماق التاريخ ، واستمرت على مر القرون ولازالت أثارها حتى اليوم .
وقد ظهرت معالم تلك الروابط واتخذت طابع الصداقة والمودة منذ أوقف قيصر ألماني عظيم ، أحب العرب وأعجب بهم ، سفك الدماء في وقت سادت فيه العداوة والبغضاء بينهما أيام الحروب الصليبية . فأحل بذلك الصداقة المتبادلة محل الكراهية والتعصب والعداء .
ومنذ ذلك الحين نمت أواصر المودة بين ألمانية والعالم العربي . وعلى الرغم من هذا ـ أقولها بمرارة ـ فإن الناس عندنا لايعرفون إلا القليل عن جهودكم الحضارية الخالدة ودورها في نمو حضارة الغرب لهذا صممت على كتابة هذا المؤلف ، وأردت أن أكرم العبقرية العربية وأن أتيح لمواطني فرصة العودة إلى تكريمها . كما أردت أن أقدم للعرب الشكر على فضلهم ، الذي حرمهم سماعه طويلاً تعصب ديني أعمى أو جهل أحمق .
وكم سررت أن يترجم كتابي هذا إلى اللغة العربية حتى أستطيع أن أحدث مباشرة قلوب العرب بما يعتمل في نفوسنا من المشاعر . وآمل مخلصة أن يحتل هذا الكتاب مكانه في العالم العربي أيضاً كسجل لماضي العرب العظيم وأثرهم المثمر على أوروبة والعالم قاطبة .
وأنتهز هذه الفرصة لأقدم شكري الخاص على كل مالقيته من مودة أثناء رحلاتي وإقامتي في بلادكم ، وأن أكرر الشكر لأصدقائي العديدين من العرب الذين أحاطوني بكرمهم ورعايتهم وعلموني أن أحب العرب والفكر العربي وأعجب بهما .
زيغريد هونكه
في 6 / أيلول 1962
بون ـ ألمانية
مدخل
لم يعد العالم اليوم مقتصرا على أوروبة وحدها ، كما وأن التاريخ الأوروبي لم يعد ، في الوقت الحاضر ، التاريخ العالمي وحده ، ذلك أن شعوب قارات أخرى قد إعتلت المسرح العالمي . ففي الوقت الذي كانت تسعى فيه أطراف الأرض جميعا إلى رسم خطوط مسرحية التاريخ العالمي ، دون أية وشيجة سابقة تربط بينها ، تعود بنا الذكرى على الدوام إلى خارطتنا للعالم في القرون الوسطى التي تصور أوروبة دائرة يلفها البحر العالمي ، وتتوسطها بلاد الإغريق من جهة ورومة من جهة ثانية ، فردوساً ولها مركز إشعاع .
أما أن تكون ثمة شعوب أخرى ، وأطراف الأرض لها شأن عظيم في التاريخ ، بل وفي تاريخنا الغربي خاصة ، فذلك أمر لم يعد بالإمكان تجاهله في حاضر قد طاول النجوم عظمة . لأجل ذلك ، يخيل إلي أن الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة على مجرى الأحداث العالمية ، ويدين له الغرب ، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير . وعلى الرغم من ذلك فإن من يتصفح مئة كتاب تاريخي ، لايجد اسماً لذلك الشعب في ثمانية وتسعين منها .
وحتى هذا اليوم ، فإن تاريخ العالم ، بل وتاريخ الآداب والفنون والعلوم لايبدأ ـ بالنسبة للإنسان الغربي وتلميذ المدرسة ـ إلا بمصر القديمة وبابل بدءاً خاطفاً سريعاً ، ثم يتوسع ويتشعب ببلاد الإغريق ورومة ، ماراً مروراً عابراً ببيزنطة ، ومتنقلاً إلى القرون الوسطى المسيحية ، لينتهي منها آخر الأمر بالعصور الحديثة .
ولم يكن هناك أحد ليمنح أوروبة ماقبل القرون الوسطى أي إهتمام ، أو ليمنح الأحداث التي جرت في العالم خلال تلك العصور أية أهمية أيضاً . وأما ان يكون العرب في جوار قريب لها وان يكون هذا الشعب رائداً لغيره من الشعوب في أنحاء الدنيا في غضون سبعمائة وخمسين عاما حاملاً مشعل الثقافة ردحاً جاوز عصر الإغريق الذهبي بضعفيه أكثر من أي شعب آخر .. فهذا أمر من يعلم به ؟ ومن يتحدث عنه ؟
في سياق الحديث عن الإغريق ، اعترف الأوروبيون بدور العرب في التاريخ حين قالوا : عن العرب قد نقلوا كنوز القدامى إلى بلاد الغرب .
إن هذه العبارة الوحيدة التي يحاول فيها الكثيرون كذباً وإدعاءً تقريظ ماقد أسدوه لأوروبة ، تحدد للعرب في الواقع دور ساعي البريد فقط ، فتقلل من قدرهم حين تطمس الكثير من الحقائق
وراء حجب النسيان .
ليس المهم أن نوسع آفاقنا التاريخية فحسب ، بل إن الأمر الهام أيضاً في زمننا هذا أن نبحث عن صديق الغد في عدو الأمس ، وأن ننطلق من قيود المعتقدات الدينية السابقة لنطل من وراء العقائد ، ومن خلال التسامح والإنسانية السامية على البشر أجمعين ، وأن تأخذ العدالة مجراها وترد حقوق شعب سبق وأن حرمه التعصب الديني كل تقدير موضوعي حق ، وحط من قدر أعماله الفائقة ، وحجب النور عما قدمه لحضارتنا ، بل وغله بصمت الموت . أما زال يعتبر هذا العمل عملاً مبكراً ، ولم يحن
وقت القيام به بعد؟ ؟
إن علاقة الغرب بالعرب منذ ظهور الإسلام حتى هذا اليوم لهي مثال تقليدي عن مدى تأثير المشاعر والعواطف في كتابات التاريخ ، وكان هذا وضعاً له مبرراته في عصر أعتبر فيه تأثير معتنقي دين آخر أمراً غير مرغوب فيه لخطره الوهمي . إن نظرة القرون الوسطى هذه لم تمت بعد ، إذ أنه
مازالت ، حتى يومنا هذا ، جماعة محدودة الأفاق بعيدة عن التسامح الديني تبني الحواجز في وجه
النور ، ولو بطريقة لاشعورية نابعة من تصرف غائص متشعب الجذور في أنفسهم إزاء أناس جعلت الدعاوة منهم أبالس مجرمين بشعين ، وعبدة أوثان وفنانين مزورين .
وقد نشب في الآونة الأخيرة خلاف محتدم الوطيس حول سؤال واحد يتعلق بمصدر أغاني الحب Minnesang ظهر من خلاله شدة النفور من الإعتراف بتراث عربي ، ومدى الإنفعال الذاتي الذي يثيره ذاك النفور في قرننا العشريني .
ولم يكن هذا الخلاف أن يحصل لولا أن الآفاق قد بدأت في الإنقشاع شيئاً فشيئاً أو لو أن حكماً عادلاً قد أخذ مجراه . ولعل مصيرنا سيتعلق بمصير العالم العربي الذي سبق له أن غير يوماً ما صورة عالمنا بشكل جذري .
أما آن لنا أخيراً أن نسعى باحثين وراء ماقد يجمعنا ، متخطين ماسبق أن فرقنا ؟ ...
إن هذا الكتاب يتناول العرب والحضارة العربية ولا أقول الحضارة الإسلامية ذلك أن كثيراً من المسيحيين واليهود والمزديين والصابئة قد حملوا هم مشاعلها أيضاً . وليس هذا فحسب ، بل إن كثيراً من تحقيقاتها العظيمة الشأن كان مبعثها احتجاجاً على قواعد الإسلام القويمة Orthodoxe بل أضف إلى ذلك إن كثيراً من صفات هذا العالم الروحي الخاصة كان موجوداً في صفات العرب قبل الإسلام
هذا الكتاب يتحدث عن العرب والحضارة العربية بالرغم من أن الكثيرين من بناتها كانوا لا ينتمون إلى الشعب الذي عرفه المؤرخ القديم ( هيردوت ) باسم ( عربيو Arabioi ) بل كان منهم أيضاً فرس وهنود وسريان ومصريون وبربر وقوط غربيون ساهموا جميعاً في رسم معالم تلك الحضارة ، بدليل ان كل الشعوب التي حكمها العرب اتحدت بفضل اللغة العربية والدين الإسلامي ، وذابت بتأثير قوة الشخصية العربية من ناحية ، وتأثير الروح العربي الفذ من ناحية أخرى ، في وحدة ثقافية ذات تماسك عظيم .
إن هذا الكتاب يتحدث عن الثقافة العربية ، كما يتحدث المرء عادة عن الثقافة الأمريكية . وكما يحاول بعضهم أن يجعل من الرازي وابن سينا الفارسي الأصل فارسي الروح ، وهما من أفراد العائلات التي عاشت منذ أحقاب بين العرب ، يحاول بعضهم ان يجعل ـ بالقدر نفسه ـ من رئيس الجمهورية الأمريكية السابق دوايت ايزنهاور ، المانياً .
إن هذا الكتاب يرغب في أن يفي العرب ديناً استحق منذ زمن بعيد ولئن تناول الحديث ههنا عدداً كبيراً ـ وإن يكن غير كامل ـ من عوامل التأثير المباشرة وغير المباشرة في حضارة العرب ، فهذا لايعني البتة أن مصدر كل خير قد أتى من هناك فحسب ، و هذا لايعني أننا قد تجاهلنا أو قللنا من شأن وجوه التأثير الهامة المختلفة التي كانت للإغريق والرومان واليهود على حياتنا . كذلك فإننا لن ننسى مطلقاً تطور الشعوب الجرمانية والرومانية وفعاليتها الحضارية ، هذه الشعوب التي أخذت عن الآخرين ماأخذت لتحقق ذاتنها .
بساط الحضارة بساط نسجته وتنسجه أيد كثيرة ، وكلها تهبه طاقتها ، وكلها تستحق الثناء والتقدير .
زيغرد
( يتبع بمشيئة الله )
ADOOL
07/10/2005, 07:35 PM
للتوضيح فقط : تُكتب هونكه لكن تُنطق خونكه
ADOOL
07/10/2005, 07:40 PM
للتوضيح فقط : تُكتب هونكه لكن تُنطق خونكه
خلفان الزيدي
07/10/2005, 09:52 PM
ومنذ ذلك الحين نمت أواصر المودة بين ألمانية والعالم العربي . وعلى الرغم من هذا ـ أقولها بمرارة ـ فإن الناس عندنا لايعرفون إلا القليل عن جهودكم الحضارية الخالدة ودورها في نمو حضارة الغرب لهذا صممت على كتابة هذا المؤلف ، وأردت أن أكرم العبقرية العربية وأن أتيح لمواطني فرصة العودة إلى تكريمها . كما أردت أن أقدم للعرب الشكر على فضلهم ، الذي حرمهم سماعه طويلاً تعصب ديني أعمى أو جهل أحمق .
وكم سررت أن يترجم كتابي هذا إلى اللغة العربية حتى أستطيع أن أحدث مباشرة قلوب العرب بما يعتمل في نفوسنا من المشاعر . وآمل مخلصة أن يحتل هذا الكتاب مكانه في العالم العربي أيضاً كسجل لماضي العرب العظيم وأثرهم المثمر على أوروبة والعالم قاطبة .
وكأن الزمن يدور دورته بعد نصف قرن تقريبا .. ترى أي كاتب غربي/ مستشرق جديد سينصف العرب وينضوي للدفاع عن قضاياهم والرد على التشويهات التي الحقت بهم بمن لا يمت بصلة للعروبة والاسلام...
اعتقد ان وجود مثل هذا الكتاب يتحدث بلغة القرن الحادي والعشرين وينظر الى العرب انهم اصحاب حضارة ورواد علوم امرا في غاية الاهمية.. وهو من الاهمية وجوده باعتبار (وشهد شاهد من اهلها)..
اتمنى اخي عبدالناصر التعرض اكثر لمحتويات الكتاب .. علنا نزداد بمحتوياته فخرا وننظر كيفية تلاقي الحضارات وحوارها لا صراعها.. وكيف ان الغرب استفاد من العرب كما يستفيد العرب الآن من الغرب.. اذا فالمسألة قائمة على تناسخ/ توالد وليس على صراع وتهميش وإلغاء الآخر..
عبدالناصر20
08/10/2005, 02:40 AM
للتوضيح فقط : تُكتب هونكه لكن تُنطق خونكه
.. شكراً لك أخي على التوضيح ويبدو أنك ممن يعرف لغتهم فهل سمعت عن هذه الكاتبة
.... اذا كنت ممن زار بلادها ؟
عبدالناصر20
08/10/2005, 02:55 AM
وكأن الزمن يدور دورته بعد نصف قرن تقريبا .. ترى أي كاتب غربي/ مستشرق جديد سينصف العرب وينضوي للدفاع عن قضاياهم والرد على التشويهات التي الحقت بهم بمن لا يمت بصلة للعروبة والاسلام...
اعتقد ان وجود مثل هذا الكتاب يتحدث بلغة القرن الحادي والعشرين وينظر الى العرب انهم اصحاب حضارة ورواد علوم امرا في غاية الاهمية.. وهو من الاهمية وجوده باعتبار (وشهد شاهد من اهلها)..
اتمنى اخي عبدالناصر التعرض اكثر لمحتويات الكتاب .. علنا نزداد بمحتوياته فخرا وننظر كيفية تلاقي الحضارات وحوارها لا صراعها.. وكيف ان الغرب استفاد من العرب كما يستفيد العرب الآن من الغرب.. اذا فالمسألة قائمة على تناسخ/ توالد وليس على صراع وتهميش وإلغاء الآخر..
شكراً لك أخي خلفان الزيدي على هذه الملاحظة القيمة وإن شاء الله في نيتي كتابة نماذج من هذا الكتاب وكل فكرتي هي
التعريف بمثل هذه الكتب ولكن مانكتبه لايغني عن ضرورة الرجوع الى الكتب نفسها وملاحظة الدرر النفيسة التي بها .
أ ما بخصوص أن يأتي أحد اليوم وينصف العالم الإسلامي فلا أستبعد ذلك لما يتميز به علماء الغرب من تجرد لخدمة العلم وخصوصا عندما يعرفون أن ماوصلوا إليه ماكان ليتم لولا منجزات الحضارات التي كانت قبلهم ولكن الشك اليوم هو في الإعلام العالمي وهل سيقوم بإبراز مثل هذه الكتابات إن وجدت لاأظن ذلك مع سيطرة من يتربص بالعرب والمسلمين الدوائر
ولكن الأمل معقود فينا نحن المسلمين أنفسنا في التعريف بحضارتنا ومنجزاتنا من خلال التفاعل مع إنجازات الحاضر وهنا أريد أن أشيد بقناة فضائية تخاطب الغرب بلغتهم وتبرز جانبا من الحضارة الإسلامية ويديرها نخبة من أبناء العالم الإسلامي وحتى المسلمين من أبناء الغرب أنفسهم الذين يخاطبون القوم بلغتهم أشير هنا إلى قناة الهدى الإسلامية الجديدة الناطقة باللغة الإنجليزية .
عبدالناصر20
08/10/2005, 04:29 PM
الكتاب الأول : لرفاهية حياتنا اليومية
( على بساط من نبات المسك والعنبر يتثنى ، وتصفر الريح خلاله ، كانت أقدامنا تسير .... )
وولغرام فون ايشنباخ
الفصل الأول : أسماء عربية لحاجات عربية
هل لي ياسيدتي الفاضلة ، أن أدعوك إلى دخول هذا المقهى ( Cafe ) فإنك تبدين متعبة . وهل لك أن تنزعي عنك شقتك ( جاكتتك ) Jacke وأن تأخذي مكاناً لك على الصفة ( sofa ) ذات المرتبة الحمراء القرمزية ( Karmin….Matraze ) . إن القندي ( صانع الحلوى ) ( Konditor ) ذا القلنسوة ( Mutze ) الفارعة والقباء
( Kittel ) الأبيض الناصع ، سيحضر لك حالاً طاسة ( Tasse ) من قهوة البن ( Bohnen Kaffee ) مع قطعتين من السكر ( Zucker ) أم إنك تفضلين غرافة ( Karaffe ) من عصير الليمون ( ليموناضة ) ( Limonade ) إذا كنت لا ترغبين في تناول الكحول ( Alkohol ) ؟ كلا ؟ لاريب انك ترغبين بقطعة من الحلوى مع شيء من البرقوق المشمش ( Aprikosen ) ومن بنان الموز ( Banaen ) .
..... طبعاً ياصديقتي ، انك ضيفتي اليوم فهل لي ، باديء ذي بدء ، ان اقدم لك شربة( Sorbett ) من عصير النارنج
( Orange ) واما هذه الأرضي شوكة ( Artischoken ) المحشوة فلسوف تفتح شهيتك . ومارأيك الآن بهذه الوجبة من الكمأة المقلية مع الرز ( Reis ) والسبانخ ( Spinat ) ؟ وبعد ذلك ، سأقدم لك محشوات من القرفة ( Zimt ) في حساء من عرق التمر ( Arrak ) . ولابد في النهاية من فنجان قهوة مخا( Mokka ) .
ورجائي أن تخلدي ، ياصديقتي ، إلى الراحة على هذا الديوان ( Diwan ) وأن تتصرفي وكأنك في بيتك ، واعلمي أن كل مايحيط بك هنا من أشياء وتحف ، وكل ماقدمته لك من مأكل ومشرب ، قد أضحى أمراً طبيعياً في حياتنا اليومية منذ زمن
بعيد ، وهو يعود ، في الواقع ، إلى عالم قديم غريب ، ألا وهو عالم العرب .
فالقهوة التي تنعشون بها حياتكم اليومية وحب البن ، كذلك الطاسة التي تتناولون بها القهوة المغلية ، والسكر الذي تكاد لاتخلو منه أية لائحة طعام في المطعم ، وعصير الليمون والغرافة والقباء والسترة والقلنسوة والمرتبة ، كل هذه الأشياء انما أخذناها من العرب ، وأخذنا معها حاجات أخرى لاتزال تحتفظ بأسمائها العربية الأصلية في كل أنحاء العالم المتحضر . ولنا في ذلك اكثر من مثل ، فمن القند ( Kandis ) أو قنديد ( عقيد السكر ) ( Zucker Kand ) إلى القندي ( صانع الحلوى )
( Konditor ) ، ومن البرقوق الكبير الحجم المجفف ، إلى الكمثري وأصابع التفاح المعقود .
حسناً قد تقولون : لابد من أن تكون هذه الفاكهة قد أتت من الجنوب أو من الشرق. ومن الطبيعي أن تحتفظ بطابعها الشرقي
باقية على أسمائها العربية وقد تقولون أيضاً ، وقد أخذ القيظ منكم كل مأخذ ، إنه بوسع أي طفل أن يستعمل كلمات غريبة في نوعها ، مشيراً إلى مصدرها الأساسي .
وقد تقولون حين يدب التعب في أوصالكم حتى درجة الموت ، فترغبون التمدد على الصفات ( صوفا ) وعلى الديوان
( Diwan ) أو على الصفة العثمانية ( Ottomnanc ) أو في الهرب من ضجيج الحياة إلى قبة ما ( Alkoven ) ...
وقد تقولون ، إن هذه الكلمات غريبة ومصطنعة نادراً استعمالها ، ومصدرها واضح في رنتها .. فهل علمتم انكم الآن ، وبصورة لاشعورية ، قد استعملتم كلمة عربية الأصل مأخوذة من لعبة الشطرنج ( التي أخذناها نحن الأوروبيين عن العرب في عصر شارل الكبير والخليفة هارون الرشيد ) ونعني بها كلمة مات ( Matt ) التي تعني أنه قضي عليه
( وما كلمة شاه إلا مرادفاً للملك ) إذا مات الملك ( Sehachmatt ) .
قد تضحكون الآن أو تقتاضون ، وفي كلتا الحالتين ستغلب على وجوهكم ألوان من الإستغراب تشبه في تقطيعها طاولة
الشطرنج ؟ .
هلا علمتم أيضاً أن القفة ( حقيبة ) ( Koffer ) المعروضة هناك بالقرب من محفظة الجلد المراكشي
( Maroguin ) وزوج الطماق ( Gamasehen ) ماتزال تحمل طابع المسافر العربي الذي عشق الترحال والتنقل
في بلاد الله الواسعة . هل ترون هذه الرفاهية ( Galanterie ) والزينة المعروضة في هذه الواجهة متعوا أنظاركم
بروعة زخرفتها وجمال حياكتها فهذا هو البرقان ( Barchent ) وذاك قماش القطن ( Katnn ) . وهذا هو قماش
الموصل البديع ( Musselin ) وهناك المهير ( قماش من شعر الماعز ) الناعم . وإنظروا إلى ذاك القماش الشفاف
( Chiffon ) والساتان الأرستقراطي والتفتة ( Tafta ) الرفيع والقماش الموار ( Moire ) المموج ، وإلى حرير
الأطلس ( Atlas ) الفخم والدمقس الفاخر ( Damast ) المستورد من دمشق ؟ إنها في غاية الروعة ، وتضاهي
بعضها بعضاً جمالاً ونعومة ؛ خاصة أن الألوان تضفي عليها سحراً خاصاً ، تلك الألوان من الزعفران
( Safran ) الذهبي والبرتقالي والقرمزي ( Karmesin ) والليلكي ( Lila ) الغامق وغيرها التي ندين بها للعرب .
هل تشعرون حين تدخلون عطارة ما ( Drogerie ) بأنكم تقفون أمام إكتشافات عربية ؟ فتجارة
العقاقير ، في حد ذاتها ، تجارة عربية .
ويكفي أن تلقوا نظرة واحدة على كل هذا الذي لايزال يعرف بإسمه العربي الأصيل .
أجل ، إن في لغتنا كلمات عربية عديدة ، وإننا لندين ـ والتاريخ شاهد على ذلك ـ في كثير من أسباب الحياة
الحاضرة للعرب . وكم أخذنا عنهم من حاجات وأشياء زينت حياتنا بزخرفة محببة إلى النفوس ، وألقت أضواء
باهرة جميلة على عالمنا الرتيب ، الذي كان يوماً من الأيام قاتماً كالحاً ، وزركشته بالتوابل الطيبة
النكهة ، وطيبته بالعبير العابق ، وأحياناً باللون الساحر ، وزادته صحة وجمالاً وأناقة وروعة ...
( يتبع إن شاء الله )
الحزين
10/10/2005, 08:56 PM
مأشكرك أخي عبدالناصر على جهودك المتواصلة بطرح الممتع و المفيد....
أحتاج إلى بعض المساعدة هنا ...
هذا الكتاب يتناول العرب والحضارة العربية ولا أقول الحضارة الإسلامية ذلك أن كثيراً من المسيحيين واليهود والمزديين والصابئة قد حملوا هم مشاعلها أيضاً . وليس هذا فحسب ، بل إن كثيراً من تحقيقاتها العظيمة الشأن كان مبعثها احتجاجاً على قواعد الإسلام القويمة Orthodoxe بل أضف إلى ذلك إن كثيراً من صفات هذا العالم الروحي الخاصة كان موجوداً في صفات العرب قبل الإسلام
لست متأكدا أني فهمت هذه العبارة جيدا ؟
كيف تكون تحقيقاتها العظيمة الشأن مبعثها الاحتجاج على قواعد الاسلام ؟
عبدالناصر20
12/10/2005, 03:18 PM
مأشكرك أخي عبدالناصر على جهودك المتواصلة بطرح الممتع و المفيد....
أحتاج إلى بعض المساعدة هنا ...
لست متأكدا أني فهمت هذه العبارة جيدا ؟
كيف تكون تحقيقاتها العظيمة الشأن مبعثها الاحتجاج على قواعد الاسلام ؟
أشكرك أخي الحزين على تشجيعك الدائم الذي يزيدني حماسا لتقديم المزيد
وبخصوص استفسارك وحسب رؤيتي فإن هذه العبارة قد وردت في المقدمة الأولى للطبعة الأولى
والتي كانت باللغة الألمانية وتحتمل هذه العبارة عدة تفسيرات ومنها :
1) أن الكاتبة بإعتبار أنها كاتبة مسيحية فمن وجهة نظرها تريد أن تفرق بين الحضارة العربية والإسلامية وتسميها بالحضارة العربية بإعتبار أنها لو كانت تؤمن أن السبب الأول في كل هذا هو الإسلام لكانت قد دخلت في الإسلام دون تردد فلذلك هناك حاجز بين الإعتراف بالحضارة الإسلامية والحضارة العربية وتحدديدها بالحضارة العربية فقط لأن من بدأها هم العرب ولأن لغتها كانت العربية وطبعا هذا الإحتمال يدحض وجهة نظر الكاتبة نفسه من خلال ماسيأتي من الفصول لأنها في أكثر من موضع أبدت إحترامها لرموز الدين الإسلامي وحضارته بصفة مباشرة .
2) التفسير الثاني من وجهة نظري أن الكاتبة وبإعتبار أنها تكتب في الطبعة الأولى لقراء غربيين فإنها أرادت تسويق أفكارها من خلال عدم التصادم مباشرة مع أفكار القراء الغربيين من خلال صدمة وجود حضارة عند المسلمين هي أساس حضارة اليوم ولكنها أرادت توصيل الأفكار التي تؤمن بها بصورة تدريجية بترجيح مسمى حضارة عربية بدلا من حضارة إسلامية وهو ماسينظر له القراء الغربيين بصورة أقل تطرفا وهو تفسير معقول إلى حد ما وواقعي .
3) التفسير الثالث أن الكاتبة تقصد مدح الحضارة الإسلامية وليس ذمها بإعتبار أنها حضارة احتوت الأديان الأخرى ولم تعاديها وأما عبارة (بل إن كثيراً من تحقيقاتها العظيمة الشأن كان مبعثها احتجاجاً على قواعد الإسلام القويمة Orthodoxe ) فيمكن أن يكون فيه خطأ في الترجمة فبدل من أحتجاجاً على قواعد الإسلام فإنها تقصد أحتجاجا من قواعد الإسلام أي تكون الفكرة أن التحقيقات العظيمة مصدرها هي قواعد الإسلام ولزيادة التأكيد فقد وصفت هذه القواعد بالقواعد القويمة ولم تذكرها بصورة سلبية كما يفعل من يريد النيل من الإسلام وهو تفسير أعتقد أنه الأكثر دقة .
ومهما كان التفسير لهذه العبارة فإنه لايقلل من الرسالة العظيمة التي تريد أن توصلها الكاتبة
عن الحضارة الإسلامية كما يلمح المترجمان في مقدمتهما أو الحضارة العربية كما تسميها الكاتبة .
عبدالناصر20
12/10/2005, 03:25 PM
الفصل الرابع : في مدرسة العرب
إن انتصار البندقية ، في الواقع ، هو انتصار لتجارة العرب التي وشجت القارات بعضها ببعض وصهرتها في بوتقة واحدة . ولئن دفعت معها تجارة الشرق الإيطالية خطوات محسوسة إلى الأمام ، فإنها مكنت كذلك التجارة الإيطالية والألمانية والفرنسية والهولندية من أن تعيش في إزدهار مستمر لم تكن لتعرفه لولاها ، ومن أن تتغلغل كتيار جارف كاسح في شبكة من المدن والطرقات دائمة النمو ، متشعبة الأطراف على الدوام ، حتى وصلت إلى إنكلترا
( أو الجزر البريطانية ) وإلى الشمال الإسكندنافي ؛ فيا للتحول ، وياللإزدهار اللذين عرفتهما تلك المدن حينذاك !!
وكما كانت الحال في إيطالية منذ سنوات طوال ، فإن المواد الأولية العربية وصلت إلى أ سواق شمالي جبال الألب ، لتصنع على نمط عربي ، كالقطن الذي زرعه العرب في جزيرة صقلية وإسبانية ، أو القطن الناعم ومصدره سورية وخراسان . وحوالي عام 1200 م شرعت المغنيات الحسان في تمثيليات نايتهرت فون رويونتال ( Neithxrt Yon Renuenthal ) ، يرتدين أثواب البرشنت ( Barchent ) والبخرام ( Buekeram ) الذي كان يجلب من ميلانو إلى أعالي ألمانيا لمناسبات خاصة ، كالقداديس على سبيل المثال . ولم يكد يمضي قرن من الزمان حتى إزدهرت صناعة البرشنت ، وإنتشرت بسرعة مدهشة في مدن كونستانز وبازل وأولم وأوغسبورغ وفي كافة أنحاء مقاطعة شفاين . وبعد مرور قرن آخر ، قام إثنان من حائكي البرشنت من قرية كرابن الواقعة على نهر ليشفيلد برحلة إلى مدينة أوغسبورغ . وأما كبيرهما أولريخ فقد قتله أجيره العامل عنده ؛ وأما صغيرهما هانس ، فقد وسع أعماله وأصبح يبيع بضاعته الجيدة بنفسه .
وهكذا أخذت بالات القطن السوري والقبرصي ترد إلى مصنع أبنائه لتخرج منه بعد حين وقد حيكت منها الأقبية والستر والجبب الحديثة الطراز .
بيد أن القوة الغامضة التي أحاطت بتجارة التوابل ، مالبث أن بهرت لب هؤلاء الأبناء ، فكونوا مؤسسة مالية ضخمة نشأت بفضل بالات القطن وسلال التوابل العربية ؛ مؤسسة ابتدأت بالعمال الصناعيين البسيطين لتنتهي بال (Fugger ) ، وهم قوم ذوو ثروة وتأثير عظيمين في العالم القديم . ( فبفضل التوابل والقطن والحرير والأقمشة التي تحاك منها ) وضعت سلالة ( الفوغر در ليلي ) الباهرة النجاح ( fugger von dir lilie ) ـ كما كانت تسمي نفسها ـ حجر الأساس لتلك الثروة التي دخل بواسطتها الأجداد أبواب التاريخ الواسعة ، فنصبوا الملوك ومولوا البابوات ، كما ( عطفوا على المواطنين الفقراء ، وعلى غيرهم من ذوي الحاجة ، من غير تستر أو خفاء ، دون الإضطرار للبحث عن الإحسان ) .
والفضل في تسمية سلالة الإخوان أولريخ وماركس وباتر ويورغ ويعقوب فوغر (fugger ) بهذه التسمية الآخذة من الزهور المعنى الجميل ، يعود إلى غولدن ( Gulden ) ، الذي مكن عقد قران ابن القيصر الهابسبورغي ماكسيميان على ماريا وارثة عائلة بورغندا ( Burgund ) الغنية ، في اللحظة نفسها التي حاول فيها الملك الفرنسي ان يجعل البلاد والعروس من نصيب ابنه البالغ من العمر السبعة عشر ربيعا ً .
كما أنهم كانوا يدينون لغولدن ( Gulden ) هذا بفضل آخر وبإقتباس وحي عربي حمله الصليبيون معهم وأدخلوه إلى فرنسة عام 1150 م . وإلى ألمانية كذلك عام 1170 ، ونعني به : تبني شعار للسلاح . وهكذا أصبحت طبقة الفرسان الألمان تقلد المثال العربي ، فتتبنى صور الحيوانات كرموز في ساحات الوغى ، ثم تحولت هذه الرموز في بلاد الغرب إلى رموز للمكافأة والشهرة وطريقة يتبعها الفرسان جميعا ، حتى غدت نوعا من العلوم المتعلقة بشعارات الأشراف ( Heraldik ) ذات لغة رمزية .
كذلك فإن رمز سلالة ( الفوغر ) الخاص ، المزدان بزهرة الزنبق ذات اللونين الأزرق والذهبي والذي وهبهم اياه والد ماكسيميليان ، القيصر فردريك الثالث ، لجدارتهم ، انما أخذ عن العرب صورة تلك الزهرة الحبيبة إلى قلوبهم ، النامية في البلاد شرقي البحر الأبيض المتوسط ، ودخلت هذه الزهرة جديداً إلى شعارات الشرف الفرنسي . وكذلك قل في رسم الصقر المزدوج ( النسر المزدوج ) الذي كان رمزاً لإمبراطوريات عديدة ، ولمرات كثيرة : كالإمبراطورية الألمانية ، والملكية النمساوية والمجرية ، وروسية القيصرية ، إنما هو أيضاً شعار عربي قديم ، بل موغل في القدم ، فإنك قد تراه رافعاً جناحيه الملكيين ، في آثار السومريين والحيثيين ، ليعود مرة أخرى إلى دياره العربية ، وليصبح ، فيما بعد شعاراً للسلاطين السلجوقيين في أوائل القرن الثاني عشر ، وليستقر ، آخر الأمر في القرن الرابع عشر ، وعلى حين غرة ، شعاراً للقيصر الألماني .
إن من يفتح عينيه ويمعن النظر طويلاً يصادف خلال ترحاله في الخارج أموراً جمة تثير الدهشة وتبعث على الإعجاب ، وتنتظر ، منذ زمن بعيد ، أن يأتي أحد يستفيد منها ويفيد بها بلاد الغرب ، لقدرتها على إعطاء تلك البلاد نعماً وفيرة ، يعجز المرء عن تقديرها التقدير الصحيح .
( يتبع بإذن الله )
عبدالناصر20
12/10/2005, 03:51 PM
قيل أنه قبل زمن طويل ، أي في القرن الثاني عشر للميلاد تقريباً عاد الحجاج من زيارة
إلى قبر الرسول يعقوب في سانتيوجا دي كومبو ستيلا ( Santioga Di Compostela )
الذي يعتبر أكبر مكان مقدس في أقصى الشمال الغربي من أسبانية ، نقول عاد هؤلاء الحجاج
وقد نقلوا معهم أولى لوحات الورق التي حملها إخوان لهم في الدين من الأندلس العربية .
وقد رووا كذلك : ( أن الخطاطين العرب هم وحدهم الذين يستعملون الرق (Pergament )
الباهض الثمن في نسخ الكتب المقدسة ، وأما الآخرون ــ وكلهم يتعلمون فن الكتابة
هناك ـ فإنهم يستعملون هذا الصنف من الورق الناعم ، وقد يستخدمونه أيضاً في
أغراض أخرى ، كلف البضائع والحاجات ، لكثرة مالديهم منه ) .
وفي غضون ذلك الوقت تمتعت أوروبة ثانية بأفضل التوابل والعطور ذات الروائح
الزكية ، وأردية المخمل والحرير الناعمة ، وإكتسحت أسواقها وقلوبها بسرعة مدهشة .
فالشوق إلى الرفاهية والدعة كان أقوى بكثير من السعي وراء تحقيق حاجات الروح ، لذلك
بقيت بضاعة الكتابة من ورق وغيره في رأس لوائح البضائع المفقودة منذ نهاية التجارة
المزدهرة إذاك .
وفي زمن الماروفنجيين ، كان كتبة التجار والأعيان ورهبان الأديرة يستعملون ورق
البردي( Papyrus ) في الكتابة . وكانت تصل شحنات منه بإستمرار إلى مارسيلية قادمة
من مصر . إلا أن هذا الترف لم يدم طويلاً ، فقد وضع له حد ونهاية ولاسيما حين توقفت
السفن عن المجيء ، وبالتالي إضطر الناس لأن يقتصدوا بما لديهم من الشحنات القديمة ويقتروا
عليها خوفاً من اللجو إلى أستعمال الرق الغالي أو محو الكتابات القديمة . وماكان للرق أن يصبح
يوماً من الأيام بضاعة تصلح للتجارة الكبيرة ، وخاصة أن فن الكتابة الجميلة ، أي الخط
الجميل ، قد فقد الكثير من شعبيته ، ومن ثم لم تعد هناك أية حاجة إلى صنعه بكميات كبيرة ....
ولكن أما آن الأوان بعد خمسة أو ستة من القرون لأن يكون في حوزة المرء مادة مطواعة
للكتابة ؟ فمنذ أن رجع الحجاج من اسبانية يحملون رقعا منه ، اكتشفه الجميع فجأة في كل
الأنحاء عند محاسبي التجار العرب ، وعادوا برزم من الورق الأندلسي الناعم .
ومنذ 200 سنة أصبح مواطنو نورنبرغ وراففنسبورغ وبازل وكونستانز يسافرون جماعات
وفرادى إلى برشلونة وبلنسية ، حيث كان يصنع بالقرب منها الورق الناعم الفاخر ، وذلك
بشهادة الجغرافي العربي والرحالة الكبير الإدريسي الذي قال : ( إنه لايوجد مثله في العالم إطلاقاً ) .
وظل الأمر على هذا الحال إلى أن جاء تاجر التوابل أولمان سترومر وهو أشهر أبناء
العائلة النورنبرغية الواسعة التجارة ، الذي أوصلته تجارة الزعفران إلى اسبانية ، فكان
أول من فكر بصنع الورق في بلاده نفسها . وفي عام 1389م أنشأ أولى مطاحن الورق
في ألمانية ، وذلك على مقربة من نورنبرغ ، ثم سعى إلى طلب عمال متخصصين
في هذه البضاعة من إيطالية حيث بنيت أولى مطاحن الورق في أوروبة سنة 1340م .
ولكن ، ألم يكن قد مر قرنان ونصف من الزمن على كتابة أول وثيقة على الورق كانت
قد أصدرتها دولة مسيحية عام 1090م ؟ إلا إذا إعتبرنا جزيرة صقلية المسلمة التي سلبت
من العرب قبيل وقت طويل لتصبح في قبضة النورمان ، ليست من أوروبة .
ففي بالرمو جدد الملك روجر الثاني ، سليل البيت النورماني في هوتفيل (Hautevlle )
وثيقة والده النبيل الكبير روجر وصادق عليها لأنها كتبت على ورق عام 1090 م .
(( ذلك لأن أصحاب الوثائق ، الذين ألفوا الكتب على الرق المتين ، لم يعتنوا الإعتناء اللازم
بالوثائق المخطوطة على ورق القطن القيرواني الخفيف الناعم . فتمزقت على مر الزمن
من بعض أطرافها وتجعدت من أطرافها الأخرى ، وصعبت قراءتها لأنها تشققت
وعبثت بها الأيدي . لذلك قضى الملك الآنف الذكر زمن حكمه كله في شغل دائم ينقح
الوثائق والمخطوطات التي أصدرها والده والتي أصدرها هو بنفسه أيضاً في بداية الأمر
ويجددها حتى أنه أضطر في عام 1102م إلى تجديد وثيقة كانت قد دبجتها أمه
النبيلة أديلازيا في العام السابق وتقضي بإمتلاك مطحنة كان قد بناها عربي في دير
القديس فيليبس ( San Filippo ) بحجة أنها وثيقة مكتوبة على ورق ))
وعلى هامش هذا الحديث فإننا نريد أن نقدر حقيقة وهي أن بناء المطاحن كان إختصاصا
عربياً ، حققه العرب أنفسهم ومنحوا أوروبة كل أنواع المطاحن ومنها المطاحن المائية
والهوائية . وأي طريق طويل خلفته وراءها أول رقعة من الورق قبل أن تصل إلى
القارة الأوروبية ؟
وكم كانت الحاجة ماسة إلى الإستعاضة عن مادة غالية الثمن بأخرى قليلة التكاليف ،
والحاجة ـ كما نعلم ـ هي أم الإختراع !! وكم تعالى الصراخ لغلاء أسعار الحرير
الصيني طلباً وراء بديل !! وقد يكون سرجاً من لبد مصنوع من شعر الماعز والبقر ، خلفه
بدوي تركي شرقي فأوحى بذلك إلى مدير المصنع القيصري للسلاح ( تساوي لون )
بفكرته الفذة . ففي عام 100 م ابتديء بصنع نوع من الورق ، قائماً على تقطيع قشر الشجر
قطعاً صغيرة جداً ونبات القنب والخرق ، وبقايا شباك الصيادين ، حرر فن الكتابة من
عبودية أسعار الحرير الفاحشة .
في عام 751 نقل العرب جماعة من أسرى الحرب الصينيين إلى سمرقند ، وعندما أرادوا
بيعهم عبيداً محترفي صنعه ، إتضح لهم أن قسماً من هؤلاء الأسرى كان بارعاً في صناعة
الورق وخبيراً فيها . فكان أن أقامت في البلاد صناعة للورق نشيطة كل النشاط . وركزت
الجهودعلى تحسينها وترقيتها ، وأصبح الكتان والقطن عماد صناعة الورق الأبيض الناعم
، فغمر الإمبراطورية كلها حتى العاصمة نفسها بغداد ، حيث احتفل بنجاحه بعد أن انطلق
من سمرقند .
وبعد عدة قرون غدت بلاد الغرب في حاجة ماسة إليه لكثرة ماكانت تنسخ من وثائق
فتعرفت إليه أولاً وإستوردته ثانياً ، وإستهلكت منه كميات كثيرة ، وأودعت المخازن
الكثير منه . ولاجرم أن هذا الورق ، حينذاك أضاف صفحة مشرفة لتاريخ العرب
المتفتحي التفكير الدائبي النشاط .
وقد أدرك الخليفة المنصور (754 ـ 775م ) قيمة هذه المادة الجديدة للكتابة نظراً لإستهلاك
علمائه وكتبته كميات منها في وزارته ، ومجامعه العلمية ورواجه عند التجار والموظفين ،
وأدرك أنه بوسعه عن طريق هذه المادة الجديدة أن يتحرر من ربقة إستيراد ورق البردي
من مصر . لذلك حرم على دوائر دولته إستعمال ورق البردي إذاك ، وأمر بإستعمال
الورق الرخيص فقط لأغراض الكتابة . وأما في ظل حكم ولده هارون الرشيد ، فلقد ثبتت
مكانة هذا الإختراع الجديد ، الأمر الذي حدا بوزيره البرمكي يحيى بن الفضل ( 794 م )
أن يبني أولى مطاحن الورق في بغداد .
وسارموكب صناعة الورق المنتصر هذا مطوفاً بسورية ، حيث ترك وراءه في دمشق
وطرابلس قواعده ، أي مصانعه ، ماراً بفلسطين ومصر لينطلق منها إلى الغرب ، إلى تونس
ومراكش واسبانية . ومن عرب صقلية والأندلس تعرفت بلاد الغرب على هذه المادة
الكثيرة النفع ، التي هي في الحقيقة إحدى دعائم الثقافة والحياة الروحية . أجل لقد فتح
ورق العرب هذا عصراً جديداً ، لم يعد العلم فيه وقفاً على طبقة معينة من الناس ، بل
غدا مشاعاً للجميع ودعوة لكل العقول لأن تعمل وتفكر .
ومازال الورق حتى هذا اليوم ناشر الثقافة بحق وبدون أدنى منازع ، إذ أنه بدون الورق
لم تكن طباعة الكتب لتصبح ممكنة ، ونحن نعلم ماللكتب من فضل ، ومالها من مجالات
عديدة واسعة ، كنشر المواد الفكرية والأخبا ر والرسائل بين أفراد الإنسانية . أجل فالورق
مازال حامل الثقافة دون بديل حق في عصر الراديو والفن الإلكتروني !!
وفي الواقع فإن إستعمال الورق قد أدى في وقت قصير في كل الأنحاء ، إلى إختراع
فن الطباعة ، ليس فقط في بلاد الغرب ، كما تحاول فئة أن تصور للناس ذلك ، فهناك
صينيون وعرب إلى جانب الأوروبيين كالهولندي كوستر والألماني غوتنبرغ ، كلهم قد
ساهموا الواحد بعد الآخر ، من غير أن تجمع بينهم رابطة ، في خلق هذا العمل
الثقافي العظيم .
ونحن لانزال نجهل بأية آلات دأب وزير عبدالرحمن الثالث بطبع الرسائل الرسمية
للدوائر الحكومية ، وينسخها في الأندلس . ولكنا نعرف حق المعرفة أن العرب قد سكوا
النقود في مطابعهم وصنعوا اوراق اللعب التي وصلت إلينا عبر أسبانية مع غيرها
من الألعاب، كالشطرنج ولعبة الدامة Dame Spiel التي لإسمها وياللعجب مصدر عربي .
( يتبع بإذن الله )
عبدالناصر20
14/10/2005, 03:26 PM
يعتبر عندنا فلافيو غيوبا المولود في مدينة أمالفي الإيطالية مخترع الحك ( البوصلة ) ، وحقيقة الأمر أن فلافيو قد عرف هذه الآلة عن طريق العرب ، بل إنه لم يكن أول شخص في بلاد الغرب عرفها .
فمن المعلوم أن الصينيين كانوا يعلمون منذ زمن بعيد أن الإبرة المغنطيسية تشير دوما إلى الشمال . ولكنهم في حديثهم نفسه ، لم يستدلوا على إستعمال البوصلة إلا بواسطة غيرهم . ولما كانت السفن التجارية تصل في ذلك الوقت ـ أي القرن الحادي عشر ـ إلى المحيط الهندي ، يرجح الرأي القائل بأن هؤلإء الغير هم العرب بالذات. وثمة مصادر عربية تؤكد إستعمال العرب للبوصلة في ذلك العصر . وفي عام 1269 م نقل بطرس فون ماريكور عن العرب مباشرة معلوماته عن المغناطيس ، وعن
كيفية إستعمال البوصلة ، وأدخل إستعمالها إلى أوروبة في رسالته ( Epistole de Magnete )
وبعد ذلك بخمسين عاماً أي حوالي عام 1320م إكتشف إيطالي من أمالفي البوصلة كما زعموا . وتقع أمالفي هذه إلى جانب البندقية ، أولى المدن البحرية التي كان لها تجارة مزدهرة مع العرب الأصدقاء ، وكان لها أيضاً مراكز تجارية في المرافيء العربية .
( ملاحظة : مرفق بالموضوع رسم لبوصلة مع أحرف عربية وكتب تحتها من رسم بطرس الصليبي عام 1269 في رسالته Epistole de Magnete )
هذا ولئن كان عصر تلك المدن الذهبي قد ولى الأدبار ، إلا أن سكانها في عصر فردريك الثاني كانوا يعتبرون أكثر تجار جنوبي إيطالية وبحارتها رزانة ووعياً ، ومن بينهم فلافيو غيوبا ـ إنقاذاً لسمعته التي فضحها التزوير والإدعاء وقدمها للغرب كأحسن ماتكون أداة تؤدي أكبر الخدمات في بحار العالم وتوصل السفن إلى شواطيء جديدة .
إننا نقف الآن دهشين متعجبين أمام تطور فن الصواريخ العظيم دون أن نسائل أنفسنا : إلى من ندين بهذا الإختراع ؟ وخاصة أننا نحن معشر الأوروبيين ، كنا أحد أسباب نشوئه دون أن ندري . وهل كان الصينيون أول من فكر بإطلاق الصواريخ بواسطة البارود ؟ ففي معركة ( بين ـ كنغ ) عام 1232م ، ظهرت فجأة إبان المعركة اليائسة ضد المغول أسهم طائرة مدفوعة بقوة البارود من قبل الصينيين . وحوالي عام 1270م استعمل المغوليون أنفسهم البارود ، فكان أن قرر مصير المعركة المحتدمة حول مدينة فان ـ تشينغ المحاصرة وبواسطته تمكن قبلاي خان المغولي من التغلب على آخر مقاومة من الصين القديمة . ولكن بمساعدة من ياترى ؟ وإننا نسمع الجواب دهشين من فم المؤرخ رشيد الدين من قصر السلطان العربي : (( إن قبلاي خان كان قد تقدم إلى البلاط العربي بطلب يرجو فيه إيفاد مهندس له كان قد أتى من دمشق وبعلبك . وقد بنى أبناء هذا المهندس الثلاثة أبوبكر وإبراهيم ومحمد مع الجماعة التي صحبتهم سبع آلات ضخمة واتوا بها إلى المدينة
المحاصرة )) .
والسؤال الآن هو : هل وضع المهندسون العرب في بين كنغ علمهم ذاك تحت التصرف ؟
وهل كانت القذائف التي إستقبل بها القائد المصري فخر الدين ، صديق فردريك الثاني ، الجيوش الفرنجية وملكها القديس عام 1249م بحفاوة وحرارة شديدتين ، لدى الحملة الصليبية السابعة اليائسة ، هل كانت هذه القذائف عربية ؟ لقد كتب رسول اندلسي محارب يقول (( إنه كلما إنطلقت قذيفة في الفضاء ، كان يبلغ التأثر بملك فرنسة مبلغاً كبيراً فيصيح بأعلى صوته : (( سيدي الحبيب احمني وشعبي من الكارثة !!. )) .
والحق يقال أن العلماء العرب وضعوا على أية حال ، نظرية تركيب البارود المندفع في القرن الثاني عشر . ونظراً للحاجة الماسة التي كانت تفرض على العرب أن يظلوا دوماً في حالة دفاع وإستعداد ضد العدوان الغربي ، فلقد دفع الحكام العرب كيمائييهم الطائري الشهرة إلى إجراء التجارب ، خاصة على البارود وغيره من المواد الكيماوية المفيدة في ساحة المعركة بشواظيها ونيرانها بقوة إندفاعها وإنفجارها . ومن المؤكد أن العرب تمكنوا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر أن يستعملوا البارود القاذف كمادة دافعة للصواريخ .
( ملاحظة : مرفق بالموضوع رسم وكتب تحته التعليق التالي : رعاة ( طوربيد ) مزودة بمادة متفجرة ، وبصاروخ دافع ، إلى جانب رعاة أخرى متفجرة مزودة بثلاثة أشرطة نارية ، من رسم حسن الرماح . حوالي عام 1275م ) .
ففي كتاب الحرب لحسن الرماح هذا ، وفي غيره من الكتب التي تعالج شؤون الحرب في ذلك الزمان نجد أن الحديث كان يدور فقط حول المواد المتفجرة والأسلحة النارية ، وحول
{ بيض متحرك حارق} كان ينطلق كقذائف نارية قاصفة كالرعد ، وهي أولى الرعادات
( طوربيدات ) المزودة بمحركات صاروخية . وعن طريق ترجمات لاتينية وصلت أولى المعلومات عن أنواع المزيج القاصف اللامع ، وعن الألاعيب السحرية في بلاد أوروبة إلى أسماع روجر باكون ، والبرتس ماغنوس والنبيل الألماني فون بولشتاد وهذا الأخير هو الذي أمد خلال طوافه المدعي بإختراع البارود برتولد شفارس الفرنسيسكاني في مدينة فرايبورغ بمعلوماته الفذة .
وبعد هذه النظرية المشعلة للفكر يأتي التطبيق الذي هز العالم هزأً . فعرب الأندلس في أسبانية هم أول من إستعمل القذائف النارية في أوروبة لأهداف عسكرية فأصبحوا بعد ذلك أساتذة الأوروبيين أيضاً في هذا الحقل . وبهذا بلغوا في التعليم حداً أثار العجب . ففي الأعوام 1325، 1331 ، 1342 ، أثارت قذائف العرب النارية في كل من معركة بازا وأليكانت والجزيرة الهلع الكبير والخوف الكاسح المؤذن بنهاية العالم بين صفوف الأعداء .
وبعد أربع سنوات أي في عام 1346 وفي معركة Crecy الشهيرة قررت مصير المعركة أنبوبة الشيطان تلك التي بثت الذعر في قلوب الإنجليز لدى معركة الجزيرة ، نقول أنها حسمت تلك المعركة بالإنتصار الكاسح على جيوش الفرسان الفرنسية . وبهذا السلاح الجديد العجيب إبتدأ عصر جديد أيضاً بالنسبة إلى الحروب ، إننا لنقف فاغري الأفواه تعجباً لسرعة تقدمه الهائل منذ العرب العالمية الثانية .
( يتبع بإذن الله )
عبدالناصر20
17/10/2005, 12:38 AM
ان ذكر زمن منصرم كان العرب فيه رائدي شعوب الأرض في الحضارة والتجارة ، ومانحي بلاد الغرب الفقيرة من بضائعهم التجارية وكنوزهم الفكرية ، لا تزال تعيش بين الأضلاع في أشكال عديدة .
وهناك أكثر من تعبير عن فن الملاحة يشهد بذلك تعابير عرفت أوروبة عليها تجارة البحر المتوسط ، كأسماء أنواع السفن مثلاً : داو Dau ، دنجيDingi ، كارافيل Karavelle ، وشراع البزان Besan ،القابل Rabel ، دار صناعة Arsenal ، وأمير البحر Admiral ، والجلفاط Kalfaten ، وحتى Klabautermann الذي ينبه عامل السفينة بطرقات جلفاطه إلى الأماكن التي يلزمها التصليح قبل أن يلحقها العورHavarie . وحتى الآن ماتزال في أشكال الجندولات في البندقية أحب ذكرى عن مداعبة فينيسية مع الشرق .
كذلك فإن الحمام الزاجل وهو اسرع من البرق ، وأخف من الغيمة ، كان لدى العرب ساعي البريد المنتظم وحامل الأخبار السرية . ولقد أدخله الصليبيون إلى أوروبة ، وأصبحت صورة الحمامة في منقارها رسالة رمزاً للحب ، ولايزال يزين قرابين أولادنا الملونة .
وثمة أيضاً فن تنظيم الحدائق الأوروبية الذي يدين بتفوقه وكماله ليس للعرب فحسب بل للشرقين الأدنى والأقصى الذين ساهما جميعاً في إيصاله إلى المرتبة التي وصل إليها الآن ، وأمدا الحدائق بأنواع من نباتاتهم المفيدة كالخيار والقرع العسلي والبطيخ الأصفر والأرضي شوكة والسبانخ والكبر
( نبات الآصف ) والليمون والبرتقال واللارنج ،والخوخ والإجاص والرز والزعفران وقصب السكر .
كل هذا بالإضافة إلى زراعاتهم الزينية ( التي تصلح للزينة ) كشجرة الكستناء الهندي والبيلسان والياسمين والورد وشقائق النعمان والكاميليا والخزامى والأوقنتس .
وأمدوه كذلك بطرق الري المختلفة وفنية إستعمال الماء المتعددة التي برع فيها العرب كل البراعة . وثمة أيضاً شعائر ورموز عربية ماتزال حتى الآن متبعة في الكنائس ، كرمز إكليل الورد الذي جاء عن طريق الإسلام من الهند ليحل في الكنيسة . وتعدى ذلك إلى الآنية المقدسة كالمباخر ، حتى البخور ذاته ، والمر وغيره .
أضف إلى ذلك أوشحة الحرير والصوف والأردية المنمقة التي لما تزل محفوظة في هياكل الكنائس الأوروبية ومعابدها ، والتي مافتئت تغطي مناكب الكهنة المسيحيين في الإحتفالات الدينية فتضفي بفخاتمتها الشرقية المزوقة وزينتها الثقيلة معنى قدسياً رائعاً على القداس الكاثوليكي . أجل إن المصدر العربي ليظهر في المظلة Baldaehin الحريرية المقصبة المصنوعة في بغداد .
إن التمثل بالعرب وتقليدهم ماإنفكا يبدوان جليين كل الجلاء في أزيائنا الحاضرة وفي غالبية أزيائنا الوطنية التي ماتزال تحتفظ بطابع القرون الوسطى ، وبأسماء قماشها التي تدل على مصدرها الشرقي ، وبأسماء كثير من القطع التي لا تتفرط بمصدرها الأجنبي وبالعربي كالقلنسوة والكونرادين الجميل المظهر مع القباء البهي والبلوزة التي يحرص المرء على إرتدائها تحت
البزة المؤلفة من جاكيت (شقة ) وجلباب ، والجومبر الإنكليزي القديم الذي يلبس فوق الثياب كلما عمد امروء إلى غسل السيارة مثلاً وال (Jupon ) عفوك يا سيدتي المحترمة الذي حولته الطريقة الفرنسية (Modele ) ، إلى التنورة الداخلية المحافظة
على طبقتها الإجتماعية .
إن إحترام العرب لعالم النساء وإهتمامهم به ليظهران بوضوح عندمنا نرى أنهم خصوه بفيض من العطور وبأنواع الزينة التي وإن لم تكن غير مجهولة قبلهم إلا أنها فاحت بثروة الشرق العطرية الزكية وبالأساليب الفائقة في تحضيرها كذلك فإن العثنون الذي كان يزين الوجوه الحليقة منذ الحملات الصليبية على طريقة النبي محمد ، قد أصبح نموذجاً يقلده الرجال .
وهناك ذكرى من نوع خاص ماتزال أوروبة تحتفظ بها للعرب فيما يتعلق بالعري في الحمامات .
وكما يخبرنا المؤرخ تاسيتوس ، فإن الحمام اليومي صباحاً وخاصة بعد النوم مباشرة ، وغالباً بالماء الدافيء ليعتبر من الأمور العادية وكأنها رياضة الصباح اليومية ، وبالنسبة إلى الجرمان الأشداء .
ففي عهد القيصر كان الجميع يستحمون بالرغم من البرودة الشديدة في الأنهر مراراً ، وكان الجنسان يستحمان معاً دون أن يخجل الواحد من الآخر .
ولكن الطرطوشي خلال تجواله في بلاد الفرنجة صادفته أشياء اقشعر منها شعر بدنه ، وهو المسلم الذي فرض عليه الإغتسال والوضوء خمس مرات يومياً . إسمعه يقول { ولكنك لن ترى أبداً أكثر منها قذارة ! إنهم لاينظفون أنفسهم ولايستحمون إلا مرة أو مرتين في السنة بالماء البارد . وأما ثيابهم فإنهم لايغسلونها بعد أن يرتدوها حتى تصبح خرقاً بالية مهلهلة } ذلك أنه بعد أن علم اساتذة العفة والطهارة الجرمان كيف يخجلون وكيف يرون في الجسم العاري جرثومة الشر والغواية وأساس الجشع والرذيلة ، أصبح الإستحمام والنظافة بل وتعرية الجسم في ظلام الغرفة الصغيرة الخاصة ـ أصبح كل هذا يحمل طابع المعصية بنفس الدرجة التي أصبحت فيها العفة تقاس بدرجة القذارة .
لقد كان هذا الأمر شيئاً لامجال لأن يفهمه العربي المتأنق أو يحتمله ، وهو الذي لم تكن نظافة الجسم وطهارته بالنسبة إليه واجباً دينياً فحسب وإنما أيضاً حاجة ماسة تحت وطأة الجو الحار ذاك .
كما أنه لأمر غير معقول ،بالنسبة إلى مدينة كبغداد ، ألا تزدحم في القرن العاشر بآلاف الحمامات الساخنة مع المولجين بها من ممسدين ومزينيين ( حلاقيين ) كانوا في خدمة الرجال والنساء على حد سواء للإعتناء بأجسامهم وبراحتها اسبوعياً أو يومياً .
وبفضل التقليد العربي فقط عادت النظافة الضائعة وعاد الإعتناء بالصحة إلى بلاد الغرب عن طريق الصليبيين والمسافرين القادمين من اسبانية وصقلية على الرغم من ضغط السلطه الشديد وتزمت الكنيسة .
وهكذا خرق الحصار الذي فرضته أوروبة المسيحية ضد الإسلام مرات عديدة ، وأصبح سكان أوروبة هذه الكثيرون بطريقة الإقتناع الخاص سجناء معجبيين ، بل قل تلامذة الحضارة العربية .
فبواسطة الجسور التي أقامتها السفن الإيطالية وبواسطة الحجاج والتجار والصليبيين والسياح أثر العرب بغناهم المادي الوفير على كافة مجالات الحياة اليومية الأوروبية وأغنوها وأوحوا لها بالكثير مما تنعم به الآن .
ثم كان هذا التمازج النفسي بفضل الثروات الروحية فعقبت النهضة الإقتصادية نهضة ثقافية هامة
على الرغم من كثرة الشكوك التي حامت حولها .
( يتبع بإذن الله )
الحزين
17/10/2005, 06:50 AM
أشكرك أخي الحزين على تشجيعك الدائم الذي يزيدني حماسا لتقديم المزيد
وبخصوص استفسارك وحسب رؤيتي فإن هذه العبارة قد وردت في المقدمة الأولى للطبعة الأولى
والتي كانت باللغة الألمانية وتحتمل هذه العبارة عدة تفسيرات ومنها :
1) أن الكاتبة بإعتبار أنها كاتبة مسيحية فمن وجهة نظرها تريد أن تفرق بين الحضارة العربية والإسلامية وتسميها بالحضارة العربية بإعتبار أنها لو كانت تؤمن أن السبب الأول في كل هذا هو الإسلام لكانت قد دخلت في الإسلام دون تردد فلذلك هناك حاجز بين الإعتراف بالحضارة الإسلامية والحضارة العربية وتحدديدها بالحضارة العربية فقط لأن من بدأها هم العرب ولأن لغتها كانت العربية وطبعا هذا الإحتمال يدحض وجهة نظر الكاتبة نفسه من خلال ماسيأتي من الفصول لأنها في أكثر من موضع أبدت إحترامها لرموز الدين الإسلامي وحضارته بصفة مباشرة .
2) التفسير الثاني من وجهة نظري أن الكاتبة وبإعتبار أنها تكتب في الطبعة الأولى لقراء غربيين فإنها أرادت تسويق أفكارها من خلال عدم التصادم مباشرة مع أفكار القراء الغربيين من خلال صدمة وجود حضارة عند المسلمين هي أساس حضارة اليوم ولكنها أرادت توصيل الأفكار التي تؤمن بها بصورة تدريجية بترجيح مسمى حضارة عربية بدلا من حضارة إسلامية وهو ماسينظر له القراء الغربيين بصورة أقل تطرفا وهو تفسير معقول إلى حد ما وواقعي .
3) التفسير الثالث أن الكاتبة تقصد مدح الحضارة الإسلامية وليس ذمها بإعتبار أنها حضارة احتوت الأديان الأخرى ولم تعاديها وأما عبارة (بل إن كثيراً من تحقيقاتها العظيمة الشأن كان مبعثها احتجاجاً على قواعد الإسلام القويمة Orthodoxe ) فيمكن أن يكون فيه خطأ في الترجمة فبدل من أحتجاجاً على قواعد الإسلام فإنها تقصد أحتجاجا من قواعد الإسلام أي تكون الفكرة أن التحقيقات العظيمة مصدرها هي قواعد الإسلام ولزيادة التأكيد فقد وصفت هذه القواعد بالقواعد القويمة ولم تذكرها بصورة سلبية كما يفعل من يريد النيل من الإسلام وهو تفسير أعتقد أنه الأكثر دقة .
ومهما كان التفسير لهذه العبارة فإنه لايقلل من الرسالة العظيمة التي تريد أن توصلها الكاتبة
عن الحضارة الإسلامية كما يلمح المترجمان في مقدمتهما أو الحضارة العربية كما تسميها الكاتبة .
أعجبتني أخي الكري الاحتمالات التي وضعتها ... و لا أستطيع ترجيح رأي على آخر حتى أقرأ الكتاب.
نحن متابعون معك ....
عبدالناصر20
20/10/2005, 02:33 AM
الكتاب الثاني : العالم والأرقام .
ولكن انتبه ايضاً لي ، أنا الصفر لاينطبق بي . دائرة مستديرة كاملة ، لي قيمتي في المعاملة . بي تستطيع الترقيم ، فتتنقح الأعداد وتستقيم .
ترجمة لأبيات عن اللاتينية من اشعار القرون الوسطى
الفصل الثاني : البابا يحسب بالعربية .
كان ذلك في عام 945م ، حين وضعت يد مجهولة طفلاً ملفوفاً بقماط بال أمام باب أحد الأديرة . وإلتقط الرهبان الطفل المسكين ليرعوه ويطلقوا عليه إسم جربرت . وعاش جربرت في دير أورياك عشرين عاماً إلى أن زار الدير ذات يوم الكونت بوريل البرشلوني وإجتذبه ذكاء الفتى ونال جربرت إذناً من الرهبان بإصطحاب الكونت إلى وطنه عبر البرانس . وكان الكونت بوريل قد لاقى على يد العرب في الأندلس هزائم متكررة مما إضطره كغيره من الأمراء الأسبان إلى إرسال الوفود إلى قرطبة لطلب الصلح .
وقدم مندوبه الأسقف هاتو ، معلم جربرت إلى الحكم الثاني يرجوه بإسم سيده الكونت أن يسحب قواه التي تهدد الحدود بينهما . ولقي هاتو إستقبالاً حافلاً في بلاط الحكم ، وسحره جمال القصور وروعتها في قرطبة فعاد وقد زاد إعجابه بأولئك العرب .
ويلح جربرت على معلمه هاتو أن يحدثه عن هؤلاء الأمراء المسلمين المولعين بالعلوم والآداب أكثر من ولعهم بالحروب ، وأن يقص عليه أخبار فحول العلماء والشعراء بقصر الحكم . ويسحر هاتو بأقاصيصه عن هؤلاء القوم وعظمتهم وعن الأساقفة والقضاة المسيحيين في قرطبة الذين يلبسون ويتحدثون ويتصرفون كالعرب ، ويجيدون الرياضيات وعلوم الطبيعة مثلما يجيدها كبار أساتذة الجامعات المسلمين .
وكانت أحاديث هاتو هي بداية تعلق جربرت بالعرب وعشقه لدراسة الرياضيات والفلك . وإستمع جربرت في إسبانية إلى الأساتذة العرب وتعلم أشياء لم يكن أحد في أوروبة ليحلم أن يسمع بها . وكان من أهم ماتعلمه جربرت نظام الأرقام والأعداد العربية .
وفي عام 971م صحب جربرت الكونت بوريل وهاتو في رحلتهما إلى رومة ،وهناك قابل القيصر أوتو الأكبر وزوجته آدلهيد وإبنهما وحفيدهما . وعين أوتو الثالث العالم الفذ جربرت معلماً ومستشاراً للقيصر ثم كبيراً للأساقفة . وفي عام 999م ارتقى جربرت كرسي البابوية ليصبح البابا سلفستر الثاني . وبقي هذا الحادث الغريب لغزاً حارت في تعليله الأجيال ، فإن شخصية هذا الرجل الذي حير بعلمه معاصريه والذي جارى المسلمين في معتقداتهم بقيت دائماً محاطة بالشبهات .
لقد نظروا إليه كساحر وكفنان غريب ونسجوا حوله الإشاعات .
تقول الأسطورة : إنه كان يهرب ليلاً من الدير إلى اسبانية ليتعلم على يد العرب علم الفلك والفنون الأخرى ، وأنه تعلم هناك إحضار الجان ومايضر البشر وينفعهم وثمة سلب من أحد السحرة كتاباً خطيراً عن أسرار السحر وإضطر إلى أن يرهن قلبه لدى الشيطان ليحميه من إنتقام ذلك الساحر الذي خدعه .
وكسب ذلك الرجل ـ دون معاصريه ـ عن العرب شيئاً أهم من كل ذلك ذلك لقد كان جربرت يحسب بالأرقام التسعة التي تعلمها عن العرب على الحدود الأسبانية . فكان بذلك أول رجل في الغرب تعلم تلك الأرقام وإستخدمها .
وكتب جربرت أرقامه العربية التسعة على اللوح نفسه الشائع حينذاك والتي كانت تجري عليه العمليات الحسابية البسيطة كما كانت عليه الحال عند الإغريق والرومان والذي أطلقوا عليه اسم أباكوس .
وكان ذلك اللوح مقسماً بخطوط طولية إلى خانة للآحاد وأخرى للعشرات وثالثة للمئات وهكذا .... وفي هذه الخانات كانوا يضعون قطعاً صغيرة من الحجر أو الزجاج أو المعدن وبواسطتها إستطاعوا أن يجروا عمليات الجمع والطرح .
وتمكن بعضهم ممن أوتوا موهبة فذة في الجمع والطرح أن يجروا على هذا اللوح عمليات الضرب أيضاً .
وتساءل جربرت : لماذا كل هذا الجهد وكل تلك الأكوام من الأحجار التي تجعل العمليات الحسابية معقدة عسيرة الفهم ؟ ألا يكفي أن يكتب الرقم العربي خمسة في خانة الآحاد والرقم ستة في خانة العشرات لتقرأ بمنتهى السهولة : خمسة وستين ؟ !
وبالفعل إتبع جربرت تلك الطريقة السهلة وعندما كلف جربرت أحد الصناع بصنع لوح حسابي له من الجلد تركه كالعادة يكتب في أعلى خانات الآحاد والعشرات والمئات تلك الأرقام الرومانية I.X.C أما خانة خانة الألوف فقد كتب فيها جربرت بنفسه أرقاماً أخرى لم يكن أحد في الغرب قد رآها من قبل . وكما إمتازت تلك الأرقام بشكلها الغريب فقد كانت أسماؤها أيضاً غاية في الغرابة . وإن كان جربرت نفسه لم يسجلها لنا فقد سجلها من بعده رادولف فون لاون في القرن الثاني عشر فسمي الواحد{Igin } والإثنين {andras } والثلاثة {armis } والأربعة {arbas } والخمسة
{ Quimas} والستة {Caletis } والسبعة {Zenis } والثمانية {Temenias }
والتسعة {Zelentis } .
وهذه التسميات وإن كانت كلها مأخوذة عن الأرقام العربية إلا أن تلك الأسماء الجديدة المحرفة قد ابعدت الصلة بينها وبين أصلها العربي . ويدعي رادولف نفسه ليزيد من غموض الموضوع وأهميته أنه قد أخذها عن الكلدانيين . وظل العلماء زمناً طويلاً يجهدون أنفسهم لمعرفة أصل تلك الأرقام حتى عرفوا بعد جهد أنها عربية .
ونسب رادولف للكلدانيين أيضاً إختراع طريقة الحساب المتبعة آنذاك والمعروفة بإسم أباكوس وعلى الرغم من هذا فقد ظهر أثر العرب وفنهم في الكتابة من اليمين إلى اليسار عند علماء الغرب ومنهم رادولف نفسه الذي أعد لوحه الحسابي من اليمين لليسار
( يتبع بإذن الله ) .
عبدالناصر20
22/10/2005, 12:26 AM
ونشر برنيلينوس وهو من تلامذة جربرت كتاب أستاذه عن قواعد لوح الحساب كما ألف هو نفسه كتاباً آخر عن الطريقة الحسابية أباكوس . ولكن هذه الأرقام لم تنتشر برغم سهولتها بين عامة الناس وذلك لأنه لم يكن ممكناً إستخدامها في الكتابة أو الحساب . فقد أحلها برنيلينوس مثلاً محل الأباكوس على لوحه الحسابي ولكنه في كتابه الذي ألفه لم يستطع أن يستخدمها بل إستعمل الأرقام الرومانية .
وكان هذا التصرف ضرورة حتمية لأن جربرت وتلاميذه لم يكونوا قد عرفوا الصفر بعد فكتابة العدد 1002 على اللوح الحسابي كانت ممكنة بوضع حجرين في خانة الآحاد وحجر واحد في خانة الألوف مع ترك خانتي العشرات والمئات خليتين . أما كتابة هذا العدد فكانت مستحيلة دون معرفة للصفر لأن العدد سيبدو هكذا (12) أي إثنا عشر ، عشر ، وليس ألفاً وإثنين كما هو مطلوب .
وبذلك فشل جربرت وتلاميذه في نشر تلك الأرقام . وكان دخول تلك الأرقام العربية على لوح الحساب الروماني كدخول مجموعة من الممثلين الأجانب على خشبة المسرح مع إجبارهم على تمثيل دور لايناسبهم ومنعهم من تقديم فنهم الذي يجيدونه .
ولكن كيف نسي جربرت إحضار الصفر معه إلى الغرب حين تعلم الأرقام عن العرب ؟
الحقيقة أن جربرت لم ينس شيئاً بالمرة . فالصفر حتى ذلك الوقت لم يكن قد عرف في الأندلس . وكان الأندلسيون يضعون نقطة أو نقطتين أو ثلاثاً فوق خانات الآحاد والعشرات والمئات وهكذا ... وبذلك لم تكن طريقتهم هذه تجعلهم في حاجة إلى الصفر . ولم تدم بهم الحال على هذا المنوال طويلاً فسرعان ماتعلموا عن عرب المشرق الصفر كرقم وأدخلوه في زمرة أرقامهم .
والأرقام التي إستوردها جربرت من الأندلس ، كانت أقدم من أرقام الخوارزمي العشرة التي تختلف في شكلها عن أرقام الأندلس . ومن المحتمل جداً أن تكون الأرقام الهندية التسعة قدمت إلى الأندلس من الهند عبر الإسكندرية عن طريق التجار قبل أن يفد كنكه الفلكي الهندي بأرقامه العشرة إلى بغداد
ويذكر البيروني عالم الرياضيات العربي 973ـ 1048 أن الحروف الأبجدية وكذلك الأرقام اختلفت لدى الهنود أنفسهم في إقليم ما عنه في الآخر . وقد إستطاع البيروني خلال رحلاته المتعددة في الهند أن يتعرف على علومهم ولغتهم وأن يشرح لنا كيف إتخذ العرب الأرقام الهندية دون أن يأخذوا عن الهنود شكل تلك الأرقام .
ويذكر الخوارزمي نوعين لشكل الأرقام الهندية كان يكتبها العرب وبقي أحدهما إلى يومنا هذا وهو الذي ساد في الشرق العربي بينما إندثر الشكل الآخر الذي كتبت به الأرقام في الغرب من العالم الإسلامي والذي هو أصل شكل الأرقام الأوروبية الآن .
ولكن ذلك المجد الذي أحرزه جربرت بوصفه أول من نقل الأرقام العربية إلى الغرب لم يلبث أن زال وأمحي لمدة ثمانية قرون طوال ، بسبب كتاب آخر سلب منه هذا الشرف . والكتاب الذي خدع أجيالاً من العلماء وزيف التاريخ وشوه عمل جربرت هو كتاب {هندسة بوتيوس } ولقد نال هذا الكتاب شهرة عظيمة في العصور الوسطى وكان يستخدم الأرقام الهندية .
ولاعيب أن يتلهف الناس على هذا الكتاب لأن ماجاء فيه من أرقام هندية يعني أن الغرب كان على علم بتلك الأرقام وإستخدامها في القرن الخامس حيث عاش بوتيوس . أي أن الغرب كان يعرف تلك الأرقام قبل أن يسمع عنها العرب بزمن طويل .
وإدعى الناس أن بوتيوس قد عرف تلك الأرقام وإستخدمها في عملياته الحسابية . ولكن الغرب فقدها ولم يستعدها إلا في القرن الحادي عشر حين عثر على مخطوطات بوتيوس مرة ثانية . وظل ذلك الإدعاء سائداً ثمانية قرون حتى أن ألكسندر فون هومبولت نفسه قد قد أيد هذا الإدعاء وهو يتساءل في كتابه الكون ص263 الجزء الثاني :
{ ألا يستنتج الإنسان أن تلك الأرقام وصلت إلى الشرق وإلى الغرب أيضاً في الوقت نفسه وأنها إنتشرت هنا وهناك على حد سواء ؟ } غير أن جميع هذه التخمينات أثبتت خطأها . فقد ثبت أن كتاب هندسة بوتيوس ليس إلا كتاباً مزيفاً من كتب القرن الحادي عشر وقد أخذ مؤلفه عن عدة مراجع دون أن يذكرها وكان من أهم تلك المراجع مخطوطات جربرت الذي أخذ عنها قواعد الجمع والأرقام العربية .
إن أول من تعلم تلك الأرقام في الغرب جربرت عالم الرياضيات ومعلمها وبابا الكنيسة . وأول من تعلم تلك الأرقام وعلمها في الشرق هو ساويروس مدير المدرسة والدير على الفرات وكلاهما لم يكتب له النجاح في نشرها لأن كلا منهما عرف الأرقام التسعة فقط ولم يسمع بوجود الصفر على الرغم من أهميته الكبيرة .
وفي الشرق كما في الغرب مثل الكتاب دور الوسيط فقد ترجم كتاب برهماجوبتا بأرقامه العشرة إلى العربية عام 776م أي بعد ساويروس بمائة وأربعة عشر عاماً وفي الغرب ترجم كتاب الخوارزمي إلى اللاتينية فعرف الغرب لأول مرة الأرقام العشرة بما فيها الصفر .
ثم جاء طور نشر تلك الأرقام بين عامة الناس وقد قام بذلك الدور في الشرق الخوارزمي الذي عاش في بلاط المأمون وأخرج بمؤلفاته تلك الأرقام من محيط العلم والعلماء إلى حيز الإستعمال اليومي في المعاملات .
كما أتيح لتلك الأرقام في أوروبة فرصة الخروج من الأديرة إلى الحياة العامة ولكن بعد صراع مرير ومازلنا اليوم نملك شاهداً على ذلك في الرسومات الصغيرة للقصائد التي نظمها توماسين فون تزكلارا وهو شاب من رجال الكنيسة في البندقية أحب الألمان وأعجب بهم فنظم لفرسانهم وأمرائهم كتاباً عن فلسفة الأخلاق وأهداه إليهم شعراً .
وكان توماسين في الثانية والعشرين من عمره حين بدأ عام 1215م فنظم أشعاره هذه وأنهاها عام 1216م وهي تحوي أثني عشر ألف بيت من الشعر .
وفي العام ذاته رسم له أحد أصدقائه مايزيد على مائة رسم ليزين بها قصائده . وفي عرض (للفنون السبعة الحرة ) يظهر الرسام فيثاغورس في صورة مع اريسماتيكا وهما يلبسان ملابس عصر الرومان ويشيران بالسبابة إلى لوحة صغيرة كتبت عليها الأعداد 1، 3 ، 9 ، 27 ، بالأرقام العربية . كما ظهرت أرقام عربية أخرى في لوحة الموسيقى في ذكرى عام 1216م . ومما لاشك فيه أن راسم تلك اللوحات كان فرداً عادياً ليس من كبار العلماء وأنه كتب تلك الأرقام على أنها أشياء مألوفة للناس في ذلك العصر وقد تعارفوا عليها .
على أن ذلك لايعني بالمرة أن تلك الأرقام في ذلك العصر قد صارت لغة التعامل الدائم بين الناس وفي حساباتهم . فلم يتح لتلك الأرقام أن تحتل مكانتها التي هي عليها الآن في العالم إلا على يد رجل آخر هو ليوناردو البيزي .
ولم يكن ليوناردو قد تلقى تعليمه في الأديرة ولم يكتب ماألفه في صومعة راهب لقد أصبح وهو الرجل العادي الذي نصادف الملايين من أمثاله كل يوم أول مفكر حر في الرياضيات عرفه الغرب وأحد نوابغ الرياضيات عامة في أوروبة كلها .
لقد تعلم ذلك العصامي من رحلاته العديدة التي بحث فيها عن العلم بنفسه ، وهضم ماقرأه ليبسطه للناس حتى يسهل عليهم إستخدامه في حياتهم اليومية .
ولئن كانت الموجات الحضارية الأولى قد وصلت الغرب عن طريق الأندلس ، فإن الموجة الثانية أتت من إيطالية لتغمر الغرب بنور جديد . وكان مركز ذلك الإشعاع بلاط القيصر فردريك الثاني وكان ليوناردو في طليعة من حملو االمشاعل .
لقد وجد الغرب في شخص ليوناردو موهبة فذة تهبه ماوهب الخوارزمي قومه في الشرق .
( يتبع بإذن الله )
عبدالناصر20
24/10/2005, 04:02 PM
الكتاب الثالث : السماء التي تظلنا
(( إن الإنسان ليصل عن طريق علم النجوم إلى برهان وحدة الله ومعرفة عظمته الهائلة وحكمته السامية وقوته الكبرى وكمال خلقه ))
البتاني 877 ـ 918 م
الفصل الثالث : الإبن الثاني : عالم فلكي
لم يأخذ العرب العلوم التي ورثوها عن طريق الإقتباس ، كما أنهم أيضاً لم يأخذوا الآلات العلمية ومواد العلم القريب دون مناقشة أو تحقيق . فمنذ البدء أدهشوا العالم بالحرية الموضوعية والشجاعة العلمية اللتين أستقبلوا بها نتائج السالفين وأقوالهم ليشبعوها بحثاً ونقداً وتفنيداً ، وتحقيقاً للأخطاء ودحضها ، وعملاً دائباً في الحقل الجديد ، دون أن تغشى بصرهم غاشية صيت ذائع ومن غير أن يدخل الوجل إلى قلبهم أسم كبير فيرهبهم . ولعل أبلغ برهان على هذه الصفة التي كانت تقضي بألا يؤمنوا حقاً وصواباً إلا بالأشياء التي تثبت صحتها التجارب وتدعمها ،نقول لعل أبلغ برهان على هذا مانراه من عناوين لمخطوطات كانت تسعى إلى نقد كتب أرسطو العظيم نفسه أو بطليموس والتعليق عليها ك { حول ما تجاوزه ثيون في حسابات كسوف الشمس والقمر } أو { في أسباب فروقات زيجة بطليموس عن الزيجة المجربة } التي حققها ثابت بن قرة .
لقد كانت واقعيتهم العملية الشديدة تدفعهم دفعاً ثابتاً إلى القيام بتجارب وإختبارات شخصية عديدة ولئن أدرك الأغريق دوماً الشمول في نظرة واحدة كاملة ، وإكتشفوا النظام البديع والترتيب العقلاني في كل الظواهر الطبيعية ، فإن العرب كانوا يرون الهدف العلمي الذي من أجله يهيئون أنفسهم بكليتها ليس في إجراء تحقيق واحد أو عشرة تحقيقات فحسب ، بل في المئات الكثيرة منها .
ولما كان العربي يسعى دوماً إلى ربح مكسب مادي لتحقيقاته العلمية اولاً بأول ، كالقيام بالصلاة في مواعيدها المحدودة وتمييز ظهور القمر في شهر رمضان في لحظته الأولى ، وتحديد سبل سير القوافل في الصحاري التي تقرر المصير في الموت أو الحياة ، فإنه كان يعلق إهتمامه الكبير على النتائج ومدى دقتها على خلاف الإغريق الذين كانوا يتساهلون غالباً بالدقة ويهملون عن رضى كثيراً من الحسابات العويصة . إن الأبحاث التي حققها العرب في ميدان علم الهيئة والتنجيم ،تلبية لحاجاتهم اليومية تطورت تطوراً كبيراً حتى أصبحت أسساً جديدة لعلم الفلك .
هذا وإن تحسين الآلات الفلكية الدائم وتطويرها المطرد وزيادة الإعتناء بالرصد قد أدت على مرور الزمن إلى نتائج دقيقة تتعلق بالشمس ومدار القمر والكواكب ظهورها وأفولها ثم تناول العرب زيج بطليوس وكتبه وآثار غيره من العلماء اليونانيين بالنقد والتنقيح بقية تصحيح ماورد فيها من الأغلاط وزيادة ماأهمل وإتمام مالم يتم . ولقد ساهم الحكام في تشجيع هذا العلم ودفعه خطوات واسعة إلى الأمام حين طلبوا من فلكييهم القيام بسلسلة من عمليات الرصد الفلكي وصرفوا المبالغ الطائلة في سبيلها .
وكان الإشتراك في مثل هذا العمل الذي قد تمضي سنوات طوال دون الوصول إلى إتمامه بمثابة ضمانة يأخذها الأمير على عاتقه ضمانة تقضي بأن يؤمن الأمير حياة العالم وعائلته ويخلد ذكره .
ان أهم الزيج التي دخل معظمها بلاد الغرب وعمل بها حتى في أيام كوبرنيكوس ذاته دون قيد أو شرط لعدم توافر إمكانية القيام برصود خاصة ، أو بتحقيق زيج خاصة نقول إن أهم تلك الزيج كانت زيجة الخوارزمي والمأمون والبتاني وإبن يونس والزيجة الطليطلية ( نسبة إلى طليطلة ) للزرقالي التي إعتمدت عليها الزيجة الألفونسية فيما بعد .
كذلك فإن نتائج الأبحاث العربية الفريدة التي تتعلق بعلمي الطبيعة والفلك ،قد تمتعت هي أيضاً في العالم قاطبة بأهمية وإهتمام زائدين . فلقد صرح الفرنسي سيديو بما يلي : { لقد توصل فلكيو بغداد في نهاية القرن العاشر إلى اقصى مايمكن أن يتوصل إليه إنسان في رصد السماء ومادار فيها من كواكب ونجوم بالعين المجردة ، دون اللجو إلى عدسات مكبرة أو منظار } . ( ولكن لم يجد جميع فلكيي العرب مترجماً لاتينياً ، فلم يدخلوا جميعهم إلى بلاد الغرب .) ومن بين العرب الذين وصلت أثارهم إلى مواطن العلم الغربي بطريق مباشر نجد العالم الفرغاني الذي كان يعمل في بغداد أيام موسى . لقد قام الفرغاني بقياسات طول خط الأرض المستقيم ، وكان أول من أدرك أن مدار الشمس والكواكب على مر الزمن يجري في إتجاه خلفي . وكتاب {جوامع علم النجوم للفرجانوس } ـ كما كان الفرغاني يسمى في القرون الوسطى ـ ترجم غير مره إلى اللاتينية وأصدره مالانشتون في حلة جديدة عام 1537م في نورنبرغ كملحق لكتاب { راجيومونتانوس } .
ومن المشتغلين بهذا العلم التلميذ النابه بل قل أنبه تلامذة بني موسى ، ثابت بن قرة الذي قام بقياس علو الشمس ومدة السنة الشمسية . ومن أولئك أيضاً البتاني 877 ـ 918م الذائع الشهرة في القرون الوسطى وعصر النهضة . وكان كثابت بن قرة ، من أتباع الصابئة الملحدة . وقام بإكمال النتائج التي توصل إليها بواسطة قياساته الدقيقة الصحيحة لمدد السنوات الإستوائية والقطبية المختلفة ، بعد أن قام بقياس دوران الأرض حول الشمس بطريقتين مختلفتين . ثم صحح تحقيقات الخوارزمي حين شرع بأبحاث حول ظهور الهلال الجديد وحول كسوف الشمس وخسوف القمر ، وحول إختلاف المنظر من الأرض ( Parallaxen ) . هذا وإن مقدمته للزيجة الصابئية الشهيرة قد ترجمت إلى اللاتينية ، وعلق عليها راجيومونتانوس ، ثم صدرت بالإضافة إلى مؤلف الفرغاني عام 1537م في مدينة نورنبرغ ، حيث أصبحت في متناول المثقفين في بلاد الغرب .
وفي عام 1645م طبعت ثانية كمخطوطة مفردة في مدينة بولونية من أعمال إيطالية تحت العنوان اللاتيني التالي:{ كتاب محمد البتاني في علم النجوم مع القليل من الحواشي ليوحنا راجيومونتانوس } ومن الطبيعي جداً أن يهتم كوبرنيكوس بالمعلمين العرب ، ثم بقيت مخطوطاته مع مخطوطات ابن يونس القاهري مرجعاً وسنداً للفرنسي ( Laplace ) في دراساته حتى عام 1800م .
هذا وقد قام البتاني بقياسات جنوح {سمت الشمس } (Ekliptik ) بشكل أدق . وأوجد طرقاً جديدة لقياس عرض الأماكن ، التي أوجد لها أيضاً ابن الهيثم طرقاً جديدة أخرى منطلقاً من نظريته الشهيرة في علم إنعكاس الضوء .
(يتبع بإذن الله )
عبدالناصر20
26/10/2005, 03:31 PM
كان الحسن ابن الهيثم هذا (965 ـ 1039 ) أحد أكثر معلمي العرب في بلاد الغرب أثراً وتأثيراً ، وعرف فيها بالهازن ( alhazen ) فلقد وضع نظرية عن تحركات الكواكب في طبقات من الجو غير مرئية ، نظرية اهتمت بها القرون الوسطى إهتماماً كبيراً . ولايزال هناك أثر لنظريته حتى يومنا هذا في مؤسسة {Shft Stam } بالقرب من انسبروك من أعمال النمسة حيث نجد طاولة كبيرة صنعت من خشب البلوط عام 1428م في مدينة أوغسبورغ من أعمال ألمانية ، وفيها رسم لحركات ستة كواكب سيارة حسب نظريته . ولم تكن شهرة هذا العالم العربي الذائع الصيت لتقوم على مثل هذا الأمر فحسب ، بل إن الأهم من ذلك ولعلم الفلك هو إكتشافه القائل : إن كل الأجسام السماوية بما فيها النجوم الثابتة لها أشعة خاصة ترسلها ، ماعدا القمر الذي يأخذ نوره من نور الشمس . وقد قاده هذا الكشف العلمي إلى إكتشاف آخر للطبيعة نقد فيه ماجاء في كتب عظيمي الإسكندرية ، إقليدس وبطليموس ، مع العلم بإنه إضطر إلى إشاعة نظرياتهما للقيام بأبحاثه الخاصة وتبيانها .
وهناك حكاية لابد من سردها في هذا الصدد حكاية تعود إلى نهر النيل وإلى الأفكار التي ترافق الفيضانات السنوية بحثاً عن الطريقة المثلى في تسخير هذه المياه الفائضة إلى خير وادي النيل وأهله . كان ابن الهيثم طبيباً وموظفاً في البصرة على الخليج الفارسي ، عندما سمع الخليفة الفاطمي الحاكم بالقاهرة أن هناك رجلاً كفياً خبيراً بأمور فيضانات النيل وبحل إحدى المعضلات الصعبة في حياة مصر والمصريين فكان أن إستدعاه وإستقبله إستقبالاً حافلاً وصرف لمشروعه أموالاً طائلة .
جاء ابن الهيثم مع رهط كبير من مساعديه وأبحر في النيل صعداً . ثم قام بفحص تيارات الماء في أسوان والمناطق الجنوبية من النيل . وكان كلما توغل فيه شاهد عظمة وجلالاً يتجسمان في مدافن مصر القديمة ومعابدها وأهراماتها . وعندما رأى هذه الآثار الضخمة الرائعة التي تشهد بعظمة بناتها ومعارفهم التكنيكية الوفيرة ورأى في الوقت نفسه عجز مثل هذا الشعب العظيم عن تقنين مياه النيل ومجابهة فيضاناته أيقن أنه لابد عاجز عن تحقيق مثل هذا المشروع الذي من أجله قدم إلى القاهرة فرجع إليها وقد أخذ منه الخجل كل مأخذ . وإستشاط الخليفة غيضاً وإستبد به الغضب الشديد فجار على عالمنا وعزله من منصبه مسنداً إليه منصباً إدارياً تافهاً ضاقت به نفس ابن الهيثم ، وتآمر عليه حظه السيء التعس فإرتكب هفوة شنعاء إرتجت أوصاله لنتائجها المحتمة ولم يجد بداً من اللجوء إلى الحيلة هرباً من غضب حاكم مصر المطلق فإدعى الجنون ومثل الهذيان صارخاً مولولاً ضاحكاً باكياً بلاسبب أو مناسبة وقد زال عنه وقار العلماء . فأشفق عليه الخليفة وخفف العقوبة إلى سجن مؤبد في بيته تحت الحراسة بعد أن صودرت أمواله .
وبقي على هذه الحال إلى أن إستيقظ يوماً ونبأ جلل تحمله الشفاه والعيون جاحظة وفيها ألف سؤال فيفرح من يفرح ويحزن من يشاء نبأ جلل يقول : { لقد إختفى الخليفة دون أن يترك أثراً } !! ونبأ آخر يقول : { إن أمير المؤمنين فيما هو في جولته المعتادة على صهوة حصانه بالقرب من رتاج أسوار القاهرة قد إغتالته يد أثيمة } إذن لقد مات الخليفة فلتحي الحرية ! ورقص ابن الهيثم فرحاً لاتظاهراً بالجنون ثم عاد إلى وقاره وليعيش رجلاً حراً لا سلطة عليه إلا سلطة نفسه وطموحه . فسكن بيتاً متواضعاً بالقرب من الجامع الأزهر وإنصرف على العمل المتواصل بدأب وتعب شديدين كسباً لقوته فأمضى سنين طويلة من عمره في نسخ كتب { العناصر لإقليدس } و{ المجسطي } لبطليموس بخط خال من الأخطاء جميل في سبيل اللقمة أولاً وفي سبيل نشرها بين أيدي المثفين ثانياً . وإضطر هذا الرجل نفسه إلى نقد النظريات التي جاء بها ركنا المعرفة الهيلينية وذلك في نقطة أساسية . لقد علم اقليدس وبطليموس بأن العين المجردة ترسل أشعة إلى الأشياء التي تريد رؤيتها . فجاء ابن الهيثم وأعلن خطأ هذا الإدعاء قائلاً : { ليس هناك من أشعة تنطلق من العين لتحقيق
النظر ، بل أن شكل الأشياء المرئية هي التي تعكس الأشعة على العين ، فتبصرها هذه الأخيرة بواسطة عدستها . }
وبهذا يكون قد حقق إكتشافاً عظيماً جاوز به حدود علم القدامى في حقيقة الحواس الخمس وإمكاناتها ومختلف أنواع الظواهر الضوئية . وأوجد قانوناً أيدته تجارب مختلفة كل الإختلاف . والواقع أن روجر باكون أو باكوفون فارولام أو ليوناردو دافنشي أو جاليليو ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب . والذي حققه ابن الهيثم لم يكن إلا علم الطبيعة الحديث بفضل التأمل النظري والتجربة الدقيقة وفي حقل التجارب التي أجراها أثناء سجنه وفي سنوات حريته المستردة وفق ابن الهيثم في دراسته لعلم البصريات وأحرز نجاحاً باهراً حقق له تقدماً فاق كل ماكان معروفاً شائعاً في مجالات هذا العلم وأوجد بذلك حقلاً علميا جديداً واسع الأرجاء .
كيف تحصل ظلمة القمر ـ أو كسوف القمر ـ عندما يكون له ضوء خاص به بل يستقي نوره من الشمس ؟ كان هذا سؤالاً تلته أسئلة أخرى في عالم الفلك إنتهت به إلى نظريته القائلة بوجود الظل في إتساع الأجسام المضيئة . فلم يبق له إلا أن يجمع مصادر دراسته للنور ففعل ودرس من خلال تجارب عديدة كل مايمكن أن يزيد معلوماته .
وأول ماخطه في هذا الموضوع ، كان مخطوطة بعنوان { في طبيعة إلقاء الظل } وكان ابن الهيثم أول من أجرى تجارب بواسطة نوع من ( الآلة ـ الثقب ) التي هي ، في الواقع صورة أولى لآلة التصوير فيما بعد والتي برهنت له تمدد أشعة الضوء بخط مستقيم . كما أنه لم يصدق عينيه حين رأى صورة العالم مقلوبة رأساً على عقب لدى إنعكاسها . ولقد لجأ إلى نفس ترتيب التجارب التي لجأ إليها فيما بعد ليوناردو دافنشي . وإكتشف تعليلاً لكثافة مختلف الطبقات كالماء والهواء وإختلاف مدى إنكسار الضوء في كل منها ثم حسب بالإستناد إلى ماسبق علو الطبقة الهوائية المحيطة بالأرض وهي خمسة عشر كيلو متراً وهكذا يكون خرج بنتيجة غاية في الدقة والصحة لم يسبقه إليها أحد من قبل ثم اهتم بتعليل ظهور الهلال والغسق وقوس قزح التي عجز عن شرحهما علمياً الفيلسوف أرسطو ذاته . وتوسع فيما بعد بأبحاثه فشمل اتمامه الآلات البصرية فدرس وحسب درجة الإنعكاس في المرايا المستديرة والمرايا المحرفة بالدوائر وتوصل إلى معرفة قانون تأثير العاكسات الضوئية . ثم حقق في تأثير التقاء الأشعة وتكبير الأحجام ليس بواسطة المرآة المحرقة فقط بل الزجاجة المكبرة . وإخترع
أيضاً أول نظارات للقراءة وهكذا يكون ابن الهيثم قد أثبت عظمته وإستاذيته كمفكر وعالم مجرب في أبحاثه حول مسير الضوء ضمن الكرة . تجارب دفعت شارحه { كمال الدين } الى القيام بها نظرياً بعد قرنين من الزمن .
لقد كان تأثير هذا العربي النابغة على بلاد الغرب عظيم الشأن فسيطرت نظرياته في علمي الفيزياء والبصريات على العلوم الأوروبية حتى أيامنا هذه . فعلى أساس كتاب { المناظير } لإبن الهيثم نشأ
كل مايتعلق بالبصريات إبتداء من الإنكليزي (روجر باكون ) حتى الألماني فيتللو . وأما ليوناردو
دافنشي الإيطالي مخترع ( التصوير الثقب ) أو الآلة المعتمة ومخترع المضخة والمخرط
وأول طائرة ـ إدعاء ـ فقد تأثر تأثراً مباشراً بالعرب وأوحت إليه آثار ابن الهيثم أفكاراً كثيرة . وعندما قام يوهانس كبلر في ألمانيا خلال القرن السادس عشر ببحث القوانين التي تمكن غاليليو بالإستناد إليها من رؤية نجوم مجهولة من خلال منظار كبير كان ظل ابن الهيثم الكبير يجثم خلفه . وماتزال حتى أيامنا هذه المسألة الفيزيائية الرياضية الصعبة التي حلها أبو الحسن ابن الهيثم بواسطة معادلة من الدرجة الرابعة مبرهناً بهذا عن تظلعه البالغ من علم الجبر نقول ماتزال المسألة القائمة على حسب موقع نقطة إلتقاء الصورة التي تعكسها المرآة المحرقة بالدوائر على مسافة منها ماتزال تسمى
{ بالمسألة الهيثمية } نسبة إلى ابن الهيثم نفسه .
( يتبع بإذن الله )
عبدالناصر20
28/10/2005, 01:22 PM
كان العرب يعتمدون رصدهم للسماء على العين المجردة فقط ومع ذلك فقد تمكنوا من رؤية نقاط عديدة من النور . هذا وقد توصل من قبل أبرخس العظيم إلى إكتشاف أكثر من ألف نجم في السماء ومن تحديد مواقعها فيها .
ولم يجروء أحد على تصحيح ماأورده أبرخس . إلا عبد الرحمن الصوفي( 903 ـ 986 ) في بغداد حوالي منتصف القرن العاشر إذ قام بتكليف من السلطان عضد الدولة الذي بنى له مرصداً فلكياً في حدائق قصره ليلة بعد ليلة برصد النجوم وعده وحسب أبعادها أيضاً عرضاً وطولاً في السماء .
فكان أن إكتشف نجوماً ثابتة عدة لم يلحظها بصر أبرخس قبله .ثم رسم خريطة للسماء بدقة كبيرة حسب فيها مواضع النجوم الثابتة وأحجامها من جديد مقدراً ـ ماوسعه الأمر ـ درجة شعاع كل منها وذلك لكي يستخدمها في تعليم إمرأته .
وهكذا أخرج إلى الوجود فهرس للنجوم عمل على تصحيح كثير من الأخطاء الموروثة نتيجة لإنعدام الدقة منذ أيام أبرخس وبطليموس . وعمل كذلك على إثبات عدد كبير من النجوم الثوابت المكتشفة حديثاً .
لقد لاحظ الفلكيون العرب التغيرات في الظواهر الطبيعية أيضاً التي قالت عنها التحقيقات القديمة بأنها ثابتة وغير متغيرة . فإتضح لهم بفضل صبرهم العجيب الذي كان معيناً لهم ومشجعاً في أبحاثهم والذي ساعدهم على تكوين دقة حسهم في تمييز الفروقات ، إن إنحراف سمت الشمس ( Ekliptik ) ـ أي زاوية مدار الشمس مع خط الإستواء الذي حسبوه حساباً دقيقاً ـ يأخذ تدريجياً في النقصان
( الإنخفاض ) . ويعود الفضل في ذلك إلى الفرغاني الذي يعتبر أول من إكتشف ذلك . كما يعتبر العرب أول من راقبوا تغيير أوج الشمس ( أقصى حد في البعد بين الأرض والشمس ) الذي قال عنه اليونانيون بأنه ذو طول واحد .
لم يكن لليونانيين ذلك الصبر وطول الأناة اللذان كانا لتلامذتهم العرب .
فلقد إتضح للزرقالي ( 1028 ـ 1087 ) في طليطلة بعد إجراء أكثر من أربعمائة وبحثين بأن أوج الشمس لدى طلوع النهار يعادل أوج الشمس لدى هبوط الليل . ثم أجرى حساب قيمة هذا الأوج . وقد ترجم أعمال الزرقالي الفلكية ( جيرارد الكريموني ) إلىاللاتينية وقد ذكر كوبرنيكوس عام 1530 م اسمي الزرقالي والبتاني في كتابه الشهير {De Revolntionibus Orbium eoelestium }
كان هذا الفلكي الماهر من مدينة طليطلة وعرف في بلاد الغرب يإسم { أرزخال } (arzachel ) فهو أشهر من بنى الآلات وهو الذي إخترع الصفيحة { الصفيحة } (Edlen Instrumen ts Safiha ) التي قرضها العالم الأوروبي راجيو مونتانوس ودخلت إلى ميدان علم الفلك تحت إسم
{ الإسطرلاب الزرقالي } وحظيت بأهمية كبيرة . وفي القرن الخامس عشر نشر راجيومونتانوس مخطوطة عن مجمل فوائد تلك الآلة . وفي عام 1504م كتب العالم الفلكي البافاري يعقوب تسيجلر تعليقاً على كتيب العالم الطليطلي وفي عام 1534م ظهرت ترجمة جديدة لاتينية تحت عنوان { في علم آلة أبي العلوم الفلكية للمؤلف يوحنا شونر في مدينة نورنبرغ من أعمال ألمانية .
لقد إهتم بمسائل علم الطبيعيات وعلم الفلك مواطن قدير لإبن الهيثم وإن هو لم يكن يجاوزه شهرة ونعني به الفيلسوف الكندي الذي دعي بفيلسوف العرب وعرف في أوروبة بإسم الكندوس
( Alkindus ) ومن بين مؤلفاته ال265 المتناولة كل ضروب العلم والمعرفة كتاب يبحث في
{ مسير الكواكب الخلفي } وكتاب آخر في { الأحاجي الأساسية لعلم الفلك } ومسائل أخرى كان اليونانيون قد بذلوا الجهد الكبير في محاولة إيجاد الحلول لها لم يتوصل إليها من قبل أي إنسان آخر إلا العالم الأندلسي البطروجي (Al-Bitrudsehe ) الذي نقد نظرية بطليموس الشهيرة في إنحراف الكواكب ودورانها الدائري وبالتالي مهد السبيل للعالم ( كوبرنيكوس ) هذا وقد ترجم إلى اللاتينية ميخائيل سكوتوس فلكي قصر القيصر فردريك الثاني كتاب { المستديرات } للعالم ألبتراجيوس كما دعته بلاد الغرب وذلك عام 1217 م لقد قام الكندي بإجراء قياس الزاوية بواسطة الدوارة ( بركان ) في علم الندسة وقياس الثقل النوعي للسوائل . وأجرى التجارب حول قوانين الإنجذاب والسقوط ولم يحظ كتابه { في الأجسام الساقطة من أعلى } بإهتمام المترجمين إلى اللاتينية .
كذلك فإن مخطوطة الطبيب القيرواني علي بن سليمان عن { نظرية الطاقة } وماجاء فيها عام 1000م من أن إنقسام الأجسام لايقف إلا عند حد معلوم تقف بعده أية عملية تقسيم نقول أن هذه المخطوطة لم تحظ بإهتمام أحد في أوروبة وقد بقيت الأبحاث العربية الأخرى عن بقع الشمس دون أن يعيرها أحد أي إنتباه حتى عام 1610م عندما جذبت إليها الأنظار وظهرت هناك تقارير عن
{ إضطراب محور الأرض } { دون ان يشعر البشر بها نظراً لكبر حجم الكرة الأرضية } .
كما أن { التحول الكوبرنيكي في التفكير الفلكي الذي جاء به عام 1000م العلامة العربي البيروني
( 973 ـ 1048 ) ماكان ليحظى أيضاً بأي إهتمام أو إنتباه وظل منسياً مجهولاً زمناً طويلاً والذي كان { أريستارخ فون ساموس ) يعلمه والذي علمه بعده بمئة عام الكلداني { سلوقس} في مدينة بابل والذي إكتشفه بعدهما نابغة الألمان العلامة كوبرنيكوس كان يعلمه من قبلهما ومن قبل خمس مئة عام العلامة العربي البيروني : فلم تكن الشمس هي سبب تفاوت الليل والنهار بل إن الأرض ذاتها هي التي كانت تدور حول نفسها وتدور مع الكواكب والنجوم حول الشمس . ومع ذلك فإن كل الذين حاولوا { أن يبعثوا الجنون في قلب الكون المقدس } بقوا منفردين منعزلين في عصرهم لعدم وجود من يفهمهم . أية ثورة عاطفية تلك التي أثارتها أعمال كوبرنيكوس ؟ لقد ثار غضب أوروبة المسيحية ضده لأنه عارض الشرائع الكنسية وماجاء في الكتب المقدسة . ولم يكن بوسعه أو بوسع زملائه الفلكيين أن يثبتوا عملياً ماجاؤوا به لندرة الالات وضعفها وبدائيتها ولنقص في المناظير المكبرة .
وظل الأمر على هذه الحال أكثر من قرن من الزمن عقبه الفتح المبين والإعتراف بهذا الكشف العظيم . وكم كان من السهولة بمكان أن تثبت بواسطة الآلات الحديثة في يومنا هذا نظرية البيروني التي زعم الناس أنها إفك وهذيان .
وهكذا بقيت الأرض الثابتة في مكانها المزعوم في وسط الكون كما كانت بالنسبة إلى أبرخس وقد كان العرب كأبرخس تماماً كيف لا وهم حلفاؤه في رصد السماء وإستنطاقها أسرارها فلم يبغوا قط أن يهزوا من قيم العالم القديم أو يعملوا على هدمه بأية حال من الأحوال حين خرجوا إلى العالم بإكتشافهم ونظرياتهم العلمية الصابئية .
وحتى في غضون القرن الثاني عشر للميلاد كان هناك شك ونقد لأساس صورة العالم حسب نظرية بطليموس . فقامت في الشرق وخاصة في إسبانية ومراكش أصوات تشك في نظريات بطليموس متأثرة بأفكار أرسطو . وإنطلاقاً من الفيلسوف ابن باجة السرقسطي توارث المفكرون مدة ثلاثة أجيال روح النقد والرغبة في البحث عن تياليل ( طبيعية ) تشرح ظواهر السماء بشكل إقناعي . هذا وإن الصراع الفكري القائم بين نظريات ارسطو وبطليموس والذي حمل لواءه في المغرب العربي تلامذة ابن باجة ذهاباً من ابن طفيل إلى أبي بكر الرازي وإبن رشد والبطروجي وإنتقل الصراع في القرنين الثالث عشر والرابع عشر إلى فرنسة وألمانية وانكلتره وخاض فيه رجال من أمثال ألبرت الكبير وتوما الأكويني وروجر باكون ويوحنا بوريدن صراع ترك في بلاد الغرب حركة الحياة الفكرية .
عبدالناصر20
30/10/2005, 02:12 AM
الكتاب الرابع : الأيدي الشافية
(( ..... لذلك استقبلت كتب ابن سينا والرازي وابن رشد بالثقة نفسها التي استقبلت بها كتب أبوقراط وجالينوس ونالت حظوة قصوى عند الناس إلى درجة أنه إذا ماحاول أمرؤ ما ممارسة الطب دون الإستناد اليها ، اتهم على أهون سبيل بالعمل على الإضرار بالمصلحة العامة ... ))
( أغريبا فون نتيسهايم )
الفصل الأول : الفرنجة وفن الشفاء الأعجوبي
بعد مرور عشرة أيام رجع إلينا ثابت ليمثل أمام عمي وكنا قد ظننا أنه مقيم في لبنان يداوي جروحات الفرنجة على إعتبار أن النبلاء الصليبيين كانوا لايثقون مطلقاً بفن العلاج الشائع عند أبناء جلدتهم بل يؤثرون دواماً في { الأرض المقدسة } أطباءنا نحن في مداواة إلتهاباتهم الجلدية وإضطراب معدهم وآلامهم الأخرى ولكم كانوا في هذا الأمر على صواب ألا قاتلهم الله .
( ملاحظة من المترجم : إن هذه الأسطر لم ترد مطلقاً في كتاب الإعتبار لأسامة بن منقذ . ويظهر أن الكاتبة أوردتها لتقدم لنا هذه القصة . فتكون بمثابة تهيئة لما سنقرأ . )
ومن عجيب طبهم أن صاحب المنيطرة كتب إلى عمي يطلب منه إنفاذ طبيب يداوي مرضى من أصحابه . فأرسل إليه طبيباً نصرانياً يقال له ثابت . فماغاب عشرة أيام حتى عاد فقلنا له : ماأسرع ماداويت المرضى ! فقال : أحضروا عندي فارساً قد طلعت في رجله دمله وإمرأة قد لحقها نشاف . فعملت للفارس لبيخة ففتحت الدملة وصلحت . وحميت المرأة ورطبت مزاجها . فجاءهم طبيب إفرنجي فقال لهم : هذا مايعرف شيئاً يداويهم وقال للفارس : أيما أحب إليك تعيش برجل واحدة أو تموت برجلين ؟ فقال : أعيش برجل واحدة . فقال : أحضروا لي فارساً قوياً وفأساً قاطعة ، فحضر الفارس والفاس وأنا حاضر فحط ساقه على قرمة خشب وقال للفارس : إضرب رجله بالفاس ضربة واحدة إقطعها . فضربه وأنا أراه ضربة واحدة ماإنقطعت . ضربه ضربة ثانية فسال مخ الساق ومات الرجل من ساعته .
وأبصر المرأة فقال : هذه إمرأة في رأسها شيطان قد عشقها ، إحلقوا شعرها . فحلقوه . وعادت تأكل من مآكلهم الثوم والخردل . فزاد بها النشاف ، فقال : الشيطان قد دخل في رأسها . فأخذ الموسى وشق رأسها صليباً وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح فماتت في وقتها فقلت لهم : بقي لكم إلي حاجة ؟ قالوا : لا . فجئت وقد تعلمت من طبهم مالم أكن أعرفه .
إنه الأمير أسامة بن منقذ ابن أخت حاكم قلعة شيزر الذي رغب أن يروي لنا هذه النادرة ممزوجة بالسخرية اللاذعة المرة ضارباً فيها المثل عن فن العلاج العجائبي عند الفرنجة .
ليست هذه النادرة دعاوة خصم كما يتبادر إلى أذهان بعض الناس كما أنها ليست محاولة لاتهدف إلى الحط من شأن قوم لهم وزنهم ، كانوا أعداء العرب الألداء ! ذلك أن ثمة نوادر أخرى من هذا النوع تشهد ببراعة الطب في أوروبة آنذاك . لقد روى أحد المؤرخين الأوروبيين الثقات ، بعد مرور مئتي سنة من نادرتنا السابقة قصة النبيل الصغير الأمير { ديدوالثاني } فون روشيليز وغويز ، الذي كان يشكو قصراً في نفسه وسمنة في بدنه . لقد أراد هذا الأمير أن يستشير طبيباً ليعرف إذا كانت سمنته هذه ستزعجه وتتعبه في الرحلة التي ينوي القيام بها بصحبة الإمبراطور هاينربش السادس إلى أبولين الإيطالية . وماعتم الطبيب أن تناول موسى حادة شق بها بطن الأمير الصغير المسكين ببساطة فنزع الشحم الزائد منه وإنتزع روحه معه كذلك . أجل لقد كان ماحدث طريقة أساسية جذرية في المعالجة تذكرنا بفن الطبابة الغربي في الأراضي المقدسة .
{ وعبثاً ماكنا نحدث الأميرالعربي أسامة بن منقذ الشهير بخبرته الواسعة ، محاولين إقناعه بأن ماقد رآه من فنون في معالجة المرضى عند الصليبيين إن هو إلا شطحات طبيب أضل فكان لايصدقنا ولايقيم لتحقيقاتهم في هذا الحقل أدنى إعتبار .
ترى أما كان الرجل مصيباً فيما يعتقد ، إذا عرفنا أنه لم يكن لأي قوم من الأقوام وفي أية بقعة من بقاع الأرض ، أطباء أكفياء كما كان عند العرب ؟ .
ثم أين هو البلد الذي عرف فيه الطب بشموليته وعمقه وإزدهاره كما كان الطب العربي ؟ وأين هي الدولة التي عرفت مثل هذا الجمع الكبير من الإخصائيين بشتى حقول الصحة وتركيب الأدوية والعقاقير كما كانت الحال عند هذا الشعب ؟ وهل كانت للمستشفيات الحديثة في الأصقاع العربية آنذاك مثيل في أي طرف من أطراف الأرض ؟ إن وسائل العلاج عندهم تتحدث ببلاغة عن عظمة أبحاثهم ، كما إن علم الصحة عندهم لأروع مثل يضرب .ولم العجب والدهشة والوضع كان كما
نعلم ؟ ألم يطلب الفرنجة مساعدة العرب الطبية ويلحوا في إلتماسها ؟ ..
وإلا ماذا نقول عن القصة التي سمعها الأمير أسامة بإذنيه من فم السيد فيلهام فون برون ، في رحلته من عكا إلى بحيرة طبرية برفقة معين الدين حاكم دمشق وصديق الأمير أسامة بن منقذ ؟
لقد قص فيهلم على رفاق سفره الدهشين مايلي :
{ كان عندنا في بلادنا فارس كبير القدر فمرض وأشرف على الموت . فجئنا إلى قس كبير من قسوسنا وقلنا : تجيء معنا حتى تبصر الفارس فلاناً ؟ قال : نعم . ومشى معنا ونحن نتحقق إنه إذا حط يده عليه عوفي . فلما رآه قال : أعطوني شمعاً . فأحضرنا له قليل من شمع فلينه وعمله مثل عقد الإصبع . وعمل كل واحدة في جانب أنفه ، فمات الفارس . فقلنا له : قد مات : قال : نعم ، كان يتعذب ، سددت انفه حتى يموت ويستريح } .
أيد توضع وشيطان يطرد وصلاة تقام .... تلك كانت الوسائل المفضلة في المعالجة التي حاول بها أطباء أوروبة ـ عن طريق مسوح الكهنوت والرهبان إنقاذ الإنسانية المريضة وتخليصها من براثن الداء والألم .
{ إن كان بينكم مريض فأخبروا شيوخ عشيرتكم ليقيموا الصلاة عليه بعد أن يمسحوا جسده بالزيت الطاهر بإسم السيد المسيح لأن صلاة المؤمن مستجابة ومنقذة من مخالب الأدواء } .
هكذا علم القديس يعقوب رسول السيد المسيح وبهذا أوصى . إن يسوع نفسه طبيب الأجساد والأرواح قد مارس هذه الأعاجيب القائمة على إبراء المريض بلمسة من يده وطرد الأبالسة من أجساد أصفيائه وخدامه مرات كثيرة . ولكن كم هي كثيرة تلك الأمراض الخبيثة التي إختفت بعد أن بثت رعباً في القلوب ودمامة في المنظر ونفوراً من الحياة وشقائها ؟ أمراض كالبرص ( Leora ) والزحار (Ruhr ) والنزيف المزمن والأمراض العصبية .
إن البلاد المقدسة لم تقدم كل ألوان الشفاء العجائبية فحسب بل منحت أبناءها هبة ربانية رحيمة .
لقد أعطتهم { سلطاناً وقوة } لطرد الأرواح النجسة بالخروج فتخرج تماماً كما أوصى المسيح تلامذته قائلاً أن { أشفوا المرضى وأقيموا الموتى طهروا البرص أخرجوا الشياطيين } .
فهذه المهمة وجبت قوة الإيمان وعمقه ذلك أن الإيمان الراسخ المطلق كان خير شفاء فمن آمن لزم مساعدته . هكذا علمت الكنيسة وعرفت كيف تنصب نفسها قيمة على شفاء الأرواح والأجساد . وإلا فأين الإيمان المطلق بالله وعظمته حين تعمد إلى أدوية أرضية وألوان من النبات والجذور ؟ ! .
إن الشياطين والأرواح النجسة هي وحدها التي تسعى إلى إبعاد البشر عن الله فتدفع بالأغبياء البله ضعيفي الإيمان لأن يلتجئوا إلى مثل هذه الوسائل . { إن علم العقاقير بأشكالها المختلفة يرجع في أصله إلى الفن الباطل الخادع القائم على المادة . ولئن آمنا جدلاً بأن المادة قادرة على شفاء العلل إن وثق الإنسان بها فكم هو حري بقدرة الله أن تشفي المريض عندما يعتمد المرء على قوة خالقه ؟ فلم إذن لا تتوجه إلى سيد العالمين وإلا فامض أيها الإنسان العاجز الضعيف وتداو كالكلب بالكرنب والأيل بالأفاعي والخنزير بالسرطان النهري والأسد بالقرود ، لماذا ، لماذا لا تؤله الأشياء الأرضية ؟؟؟ } . هذا ماجاء على لسان الأب الجليل تانيان !! .
لقد أعتبر التعاطي بعقاقير غير عقاقير الكنيسة وأدوية الروح أو ممارسة مهنة الطب وإجراء العمليات الجراحية بالآلات عملاً دون مركز الكنيسة ودون جلال الروح وقدسيتها :
Inhonestum magistrum in medicina manu operari
( إنه لمشين حقاً أن يعمل الطبيب بيديه ) .
إن هذا القول ظل معمولاً به مدى أجيال عديدة طويلة حتى لدى الأطباء المتعلمين . لقد كان من الأمور المعيبة الحقيرة الموغلة في عيبها وحقارتها أن يمارس عميد الطب مهنة يدوية ، حتى جس النبض أعتبر أمراً دنيئاً مهيناً . وبإختصار فإن الكنيسة قد حرمت على رجالها تعاطي الجراحة معاطاة قطعية وتركت للمتحضرين المتمرنين ذوي الخبرة البدائية مهنة الجراحة ومعالجة الجراح المدماة ... وكثيراً ماكان يتوارث الإبن عن الأب مثل هذه المهن ، فكان الناس يعتبرونه طبيباً على أية حال ز ولكن ، أما كان هؤلاء الأطباء هم الوحيدين الذين دأبوا على تقديم المعونة العملية إلى أفراد الشعب ، تماماً كما أراد الله ؟ .
إن الكنيسة لم تثق بمثل هؤلاء الناس بتة ، كما انها ما كانت لتثق بجميع أنواع العلاج غير الكنسية . فمن لم يعمل في الدرجة الأولى ، على تخفيف آلام المريض من دون إحداث ألام أخرى في معالجته للداء ذاته يدوياً ، فإنه يعد قد ارتكب خطيئة شنعاء على جسد المريض . وعلى هذا ، امتلأ صدر بطريرك الفرنجة غريغوريوس التوري ( 540 ـ 594 ) غيظاً وإحتقاراً على فن هؤلاء الأطباء الجهلة الذين كانوا يتلاعبون بالمباضع الحادة والإبر الدقيقة قائلاً : ( ماذا بوسع الأطباء أن يحققوا بآلاتهم ؟ إن وظيفتهم تسبب الآلام أكثر من العمل على تخفيف وطأتها . إنهم عندما يفتحون العين، مثلاً ويعملون فيها بمباضعهم الدقيقة الحادة تجريحاً وتقطيعاً فهم يدفعون بأهوال الموت قدماً قبل أن يعينوا العين على الإبصار ثانية ، ثم إنهم إذا لم يأخذوا جميع إحتياطاتهم بدقة وحذر شديدين ، ذهب البصر جميعه إلى الأبد .
وأما طبيبنا الحبيب فليس عنده لكم إلا آلة معدنية واحدة هي إرادته ومرهم واحد هو قوته الشفائية العجيبة ) .
عبدالناصر20
01/11/2005, 03:27 PM
في ذلك الوقت هبت ريح ندية لينة على إيطالية القوطية ، ساعية الى تطهير الجو العفن من خرافات الإعتقاد بالمعجزات . أجل من إيطالية حيث ظلت طائفة من الأطباء توارثت الطبابة أباً عن جد من العصر الروماني ، فما إن أطل عصر ثيودوروس الكبير وعصر مستشاره كاسيو دوروس حتى إزدهرت المدارس القديمة من جديد ، فوجهت أمالا سفنتا ابنة ثيودوروس وإبنها أثالا ريش عنايتهما إلى العلوم ومعاهدها . وفي الفترة التاريخية التي أغلق الإمبراطور يوستنيانوس في الشرق أكاديمية أثينة آخر معاقل الفكر اليوناني ، افتتح بندكتوس النورسياني دير مونتو كاسينو في الجبال الواقعة على مقربة من نابولي ، حباً بالمعجزات لا شغفاً بالثقافة .
بيد أن كاسيو دوروس رئيس وزراء ملك القوط الذي عرف عنه إهتمامه ببناء الأكاديميات في رومة وجنوبي إيطالية مالبث أن حوله إلى مركز همه العناية بالنباتات والأعشاب الشائعة بين الناس في العصور الرومانية الأخيرة والتي ظلت جملة ماتركه لنا القدامى حتى غدت ركيزة هامة في أديرة القرون الوسطى .
والواقع أن الطب احتل مرتبة ثانية من برامج الدراسة في الأديرة وكانت مكانته ترتيباً بعد علمي الرياضة والطبيعة مع العلم أن هذه العلوم جميعاً كانت في حال تدعوإلى الرثاء . وعلى هذا فإن الطب الروماني لم يأت بثقافة طبية من عنده ، وإنما إعتمد في مدارسه الترجمات الغامضة وشروحات قديمة لتآليف يونانية وبيزنطية ، بالإضافة إلى مجموعة من الوصفات العديمة النفع .
وكان هذا الإرث المتبقي من أيام القدامى ، هو الغرسة التي أينعت وأثمرت بفضل العرب بعد مئتين أو ثلاثمائة عام .
لقد كان بوسع هذه الغرسة أن تعرف الربيع ذاك في عهد الرومان لو توفر لديهم النبوغ والتفهم والإقبال الذي كان للعرب ، إلا أن الشيء الوحيد القيم الذي حققه الرومان في هذا الحقل واصبح في متناول قاطني الأديرة مباشرة هو دائرة المعارف لسالزوس ( Celsus ) التي وياللأسف ، لم يعرها أحد أي إهتمام وهكذا كانت الغنيمة في حقل الطب ضئيلة بل قل أقل شأناً من غيرها من العلوم .
ولما كانت العلوم بمافيها علم الطب نفسه لاتدرس في الأديرة لأجل ذاتها بل لأجل أغراض دينيويه أخرى ، فإنه كان من الطبيعي جداً ألا تأتي هذه العلوم بنتائج مرتقبة أو بتقدم منتظر بل وقف النشاط العلمي همه على النقل والنسخ وجمع المعلومات وضمها كما ساعد على ذلك التصوف ونكران العالم والذات والإبتعاد عن الأرضيات والتقرب من عقاقير الكنيسة ( وإحتقار طرق الشفاء الأرضية ) .
لقد أثر عن القديس نيلوس الروسانوي أنه رفض وهو مريض ان يعالجه طبيب يهودي تلقى علومه الطبية عن العرب قائلاً : [ لقد قال أحد أصحابك اليهود : إنه لخير لي أن أعتمد على الله من أن أعتمد على البشر وأنا أيضاً بغنى عن طبك عندما أعتمد على الله وأسلم أمري له ولسيدنا يسوع المسيح ] .
وكذلك كان الواعظ الصليبي الكبير برنارد كلارفو ( 1090 ـ 1153م ) أحد معاصري الأمير العربي أسامة بن منقذ يؤمن بكثير من المعجزات الشفائية لذلك حرم على رهبانه الذين كثيراً ماداهمهم المرض لرداءة الطقس وتغيير المناخ تناول العقاقير أو الإتصال بالأطباء لأنه كان يأبى
( لخلاص أرواحهم أن تعبث به عقاقير أرضية فتهدده ) .
وحقيقة الأمر أن هذه المعتقدات لم تكن قط بضاعة بعض الغلاة المتعصبين بل كانت متأصلة في الوعي الديني آنذاك ومشفوعة بقرارات كنسية ، ومشبعة بحثاً ودرساً وتفسيراً من قبل رجال الدين . فالحفاظ على صحة الجسد واجب إلهي هام لأن المرض يعيق المرء عن أداء الواجب تجاه الرب إلا أن خلاص الروح أكثر أهمية من شفاء الجسد .
لذلك وجب على المرضى وحتى الذين تنتابهم الحمى دون رحمة أو شفقة أن يمتنعوا عن تناول العقاقير الطبية قبل قبول سر الإعتراف وعلى هذا أصدر السنودس الكنسي المنعقد في مدينة نانت عام 895 قراراً هذا نصه :
{ كل كاهن ملزم أن يعود كل مريض من رعيته وأن يرشه بالماء المقدس ويشاركه في الصلاة ثم ينبقي له أن يقبل منه اعترافه في غياب ذويه ويحثه على تصفية أموره الدينية والدنيوية معاً على أكمل وجه وبناء على هذا فليس ثمة علاج بدون اعتراف } .
أجل لقد غدا هذا القرار تقليداً شديداً الى أن جاء البابا إنوشنسيوس الثالث فجعل منه واجباً محتماً على كل فرد مهدداً بذلك الطبيب بحرمانه من الكنيسة ان هو عالج مريضا ما مالم يعترف من قبل ذلك أن الخطيئة هي مسببة الشر وباعثته تماماً كما عبر عن ذلك يسوع المسيح نفسه حين قال للذي شفي :
( ... هاانك قد عوفيت فلا تخطأ بعد لئلا يصيبك ماهو اعظم ) .
وهكذا رأى ايضاً القديس يوحنا فم الذهب أن بذرة كل مرض وعلة كامنة في خطايا البشر فعندما يبعد سبب المرض عن المريض ويتخلص هذا الأخير من عبء ذنوبه بالإعتراف فإن توقف العلة يؤدي إلى توقف المعلول فتختفي الآلام الجسدية .
وإذا حدث أن رفض المريض أن يتقدم من سر الإعتراف ورفض بالتالي الطبيب المسيحي المؤمن أن يعالجه عملا بتعاليم الكنيسة فاضطر المريض لأن يلجأ في هذه الحالة إلى طبيب آخر عربي أو يهودي فإن الكنيسة لم تكن لتقف مكتوفة اليدين إزاء هذا الأمر بل كانت تسرع فتنزل عليه الحرم الكنسي لأن في معالجته هذه تهديداً سافراً لخلاص روحه .
والواقع أن مسألة كهذه كانت جديرة بأن تثير حالات ضميرية معقدة عند بعض الناس كما عبر عن ذلك برنارد الكلارفي في رسالة له حين قال : (( لجأ إلي ذات يوم راهب فر من ديره وأمارات الإستغراب والتعجب الشديدة بادية عليه لأن رئيسه قد طلب منه ان يعالج الطغاة واللصوص وحتى المحرومين من الكنيسة أيضاً )) !
أجل هكذا كان الفرنجة لم يكن بوسع الشرقي أن يتفهم ذلك كيف لا وقد قال ابن رضوان عميد أطباء القاهرة في أواسط القرن الحادي عشر والذي لقب بتمساح الشياطين محدداً واجبات الطبيب بما يلي :
من واجب الطبيب أن يعالج أعداءه بالروح نفسه والإخلاص ذاته والإستعداد عينه الذي يعالج به من احبهم .
كذلك فإن شرقيي اورشليم ودمشق لم يكن في مقدورهم بتة ان يعرفوا ماكان يجري من الأمور الغريبة في المستشفى الذي أسسه فارس من فرسان القديس يوحنا في مدينة القدس :
{ لقد كان الرجال المثخنون بالجروح المدماة يضطرون إلى الإنتظار طويلاً إستعداداً للتقر ب من سر الإعتراف وللإقرار بخطاياهم وذنوبهم جميعاً وتناول الخبز الذي يسمونه جسد الرب قبل أن ينالوا اسعافاً أولياً ما أو يكتنفهم مأوى أو ملجأ ... } .
كانت العناية بالصحة والمرض منوطة بالآباء البندكتيين في أديرتهم فقامت في أطراف البلاد الأوروبية ملاجيء ومستشفيات كثيرة إستقبلت المسافرين والحجاج واليتامى والأرامل والعجزة والفقراء والمرضى أيضاً حباً بإنقاذ أرواحهم وخلاصها إلا أن مستشفيات مخصصة للمرضى دون غيرهم من الناس ماكانت لتقوم في أوروبة قط إلا في نهاية القرن الثاني عشر بعد الحملات الصليبية التي عرفت فرسان الله الأوروبيين على المستشفيات العربية فأنشأوا بعد عودتهم الى بلادهم مستشفيات مثلها خصصت للمرضى ومعالجتهم فحسب وإن كان قد مر زمن طويل على هؤلاء حتى استطاعوا ان يقوموا بالمعالجة الطبية على أكمل وجه !!
والواقع الذي لامرية فيه أن تخفيف الآلام قبل معالجتها والقضاء عليها كان السبب الرئيسي في إنشاء هذه المراكز الكنسية للعلاج فيما مضى .
وكما قال المعاصرون آنذاك فإن من افضل المستشفيات التي أنشئت باديء ذي بدء في بلاد الفرنجة كانت مستشفيات اوتيل ديو أو مأوى الله في باريس .
{ .... كان ثمة قش كثير موضوع على الأرض تزاحم عليه المرضى ... واقدام بعضهم الى جانب رؤوس الآخرين .... الأطفال قرب الشيوخ والرجال بجانب النساء بشكل يدعو إلى العجب ... ولكنه كان حقيقياً .... وكان قرب المتوعكين توعكاً بسيطاً أناس ذوو امراض معدية ... وأناس كثيرون منهم الحبلى التي تعاني آلام المخاض والطفل الذي يعالج من سكرات الموت والمصاب بالتيفوس الذي يهذي من الحمى ومريض السل الذي مزق صدره السعال يبصق دماً والمصاب بالمرض الجلدي يمزق جسمه بأظافره حكاً .... أجل لقد كان ينقص المرضى أمور هامة كثيرة : فالطعام سيء يقدم لهم في قلة وندرة عجيبتين وفي أوقات متباعدة .... وأما كمية الطعام فهيء ضئيلة جداً لاتزاد إلا إذا اشفق على هؤلاء المرضى رجل وجيه من اعيان المدينة وارسل لهم شيئاً من الغذاء .
لهذا السبب فتحت ابواب المستشفيات ليلاً ونهاراً لكل انسان ان يلجها مزوداً بما شاء ساعة يشاء وقد يتفق لهؤلاء المرضى ان يحرموا الطعام اياما كثيرة فيتضورون جوعا ً وألماً كما يتفق لبعضهم في بعض الأحيان ان يموتوا شبعاً وتخمة . كان المبنى الذي يضم المرضى يزدحم بأخطر الحشرات أضف إلى ذلك فساد الهواء في الداخل لدرجة لاتطاق ولاتحتمل حتى ان المولجين بالأمر كانوا اذا دخلوا القاعات ستروا انوفهم وأفواههم بإسفنجة مبللة خلاً . وكانت جثث الموتى من المرضى تترك مدة اربع وعشرين ساعة وفي الغالب اكثر قبل ان تنقل فيضطر المرضى الآخرون خلال ذلك الوقت ان يشاطروا الجثث هذا المكان ، الجثث التي يدب فيها الفساد بسرعة في جو جهنمي كهذا فتفوح الروائح النتنة في الأجواء وينقض البعوض ويهجم ممعناً نهشاً وأكلاً من اللحم العفن } .
عبدالناصر20
05/11/2005, 01:34 AM
الفصل الثاني
مستشفيات مثالية وأطباء لم ير لهم العالم مثيلاً !
أبتي الحبيب ،
تسألني إن كنت بحاجة إلى نقود ! فأخبرك بأني عندما اخرج من المستشفى سأحصل على لباس جديد وخمس قطع ذهبية حتى لااضطر الى العمل حال خروجي مباشرة فلست بحاجة الى ان تبيع ماشيتك!
ولكن عليك بالإسراع في المجيء إذا أردت أن تلقاني هنا .
إني الآن في قسم ( الاورتوبادي ) بقرب قاعة الجراحة . وعندما تدخل من البوابة الكبيرة تعبر القاعة الخارجية الجنوبية وهي مركز ( البوليكلينيك ) حيث أخذوني بعد سقوطي وحيث يذهب كل مريض أول مايذهب لكي يعاينه الأطباء المساعدون وطلاب الطب .
ومن لايحتاج منهم إلى معالجة دائمة في المستشفى تعطى له وصفته فيحصل بموجبها على الدواء من صيدلية الدار .
وأما أنا فقد سجلوا اسمي هناك بعد المعاينة وعرضوني على رئيس الأطباء ثم حملني ممرض إلى قسم الرجال فحممني حماماً ساخناً وألبسني ثياباً نظيفة من المستشفى وحينما تصل ترى إلى يسارك مكتبة ضخمة وقاعة كبيرة حيث يحاضر الرئيس في الطلاب . وإذا مانظرت وراءك يقع نظرك على ممر يؤدي إلى قسم النساء . ولذلك عليك أن تظل سائراً نحو اليمين فتمر بالقسم الداخلي والقسم الجراحي مروراً عابراً .... فإذا سمعت موسيقى أو غناء ينبعثان من قاعة ما فادخلها وانظر بداخلها فلربما كنت أنا هناك في قاعة النقه حيث تشنف أذاننا الموسيقى الجميلة ونمضي الوقت بالمطالعة المفيدة .... واليوم صباحاً جاء كالعادة رئيس الأطباء مع رهط كبير من معاونيه . ولما فحصني أملى على طبيب القسم شيئا لم أفهمه . وبعد ذهابه اوضح لي الطبيب انه بإمكاني النهوض صباحاً وبوسعي الخروج قريباً من المستشفى صحيح الجسم معافى . وإني والله لكاره هذا الأمر ! فكل شيء هنا جميل للغاية ونظيف جداً : الأسرة وثيرة وأغطيتها من الدمقس الأبض والملاء بغاية النعومة والبياض كالحرير ، وفي كل غرفة من غرف المستشفى تجد الماء جارياً فيها على أشهى مايكون . وفي الليالي القارسة تدفأ كل الغرف . واما الطعام فحدث عنه ولا حرج !! فهناك الدجاج أو لحم الماشية يقدم يومياً لكل من بوسعه ان يهضمه .
ان لي جاراً ادعى المرض الشديد اسبوعاً كاملاً اكثر مما كان عليه حقيقة ، رغبة منه في التمتع بشرائح لحم الدجاج اللذيذ بضعة أيام أخرى . ولكن رئيس الأطباء شك في الأمر وأرسله بالأمس إلى بيته بعد أن اتضح له صحة المريض الجيدة بدليل تمكنه من التهام دجاجة كاملة وقطعة كبيرة من الخبز وحده .
لذلك ( تعال ياأبتي وأسرع بالمجيء قبل أن تحمر دجاجتي الأخيرة ! ) .
عن الأوضاع التي يحدثنا عنها هذا الكتاب تشبه الى حد بعيد مانراه في قرننا العشريني العظيم . وبالفعل فإن هذا الكتاب يصف لنا احد المستشفيات التي كانت تبنى قبل الف سنة في كل المدن العربية الكبيرة الواقعة بين جبال الهملايا وجبال البيرنيه . فقد كان في مدينة قرطبة وحدها خمسون مستشفى في اواسط القرن العاشر . فطغت بهذا العدد على مدينة بغداد عاصمة الدنيا انذاك ومضرب الأمثال في عصر الخليفة هارون الرشيد . وكانت المستشفيات تتمتع بموقع تتوافر فيه كل شروط الصحة والجمال . وتزود بماء جار للحمامات مد لها من نهر دجلة .
يروى أنه عندما أراد السلطان عضد الدولة ان يبني مستشفى جديداً حديثاً في بغداد أوكل الى الطبيب الذائع الشهرة ( الرازي ) بالبحث عن أفضل مكان له . فكان ان أوصى الرازي بتعليق قطع كبيرة من اللحم من مختلف الأنواع في كل أطراف بغداد ثم انتظر مدة اربع وعشرين ساعة وانتقى المكان الذي ظل فيه اللحم في احسن حالة أو قل في أقلها سوءاً وأما السلطان صلاح الدين في القاهرة فلقد اختار احد قصوره الفخمة وحوله الى مستشفى ضخم كبير المستشفى الناصري وانتقى في اختياره ذاك قصراً بعيداً عن الضوضاء .
وتوافرت في مستشفيات الخلفاء والسلاطين كل أسباب الرفاهية التي كانت تتوافر في قصورهم من أسرة وثيرة ناعمة الى حمامات كانت تتمتع بها الطبقة الحاكمة في بيوتها ومن المعلوم ان هذه المستشفيات على غناها ورفاهيتها كانت تفتح ابوبها للفقراء ولكل ابناء الشعب بدون تمييز وعندما انتهى المستشفى المنصوري في القاهرة طلب السلطان المنصور (( قلاوون )) قدحاً من العصير من المستشفى فشربه وقال : ( اني قد وهبت هذا المستشفى الى أندادي واتباعي وخصصته للحكام والخدم للجنود والأمراء للكبار والصغار للأحرار والعبيد للرجال والنساء على السواء )) . ولم يكن هذا كل شيء بل ان العناية الجيدة كانت في الواقع عناية لم يكن يعرفها الا الأمراء ويروى ان رجلاً نبيلاً من نبلاء الفرس جاء مرة لزيارة مستشفى النوري في دمشق وكانت له دوماً شهوة قوية متجددة للأكل ولدى زيارته هذه فاحت رائحة الشواء أمامه فملأت منخريه وسال لعابه وود في ذات نفسه ان يصبح بأسرع مايمكنه مريضاً عليلاً . فدخل المستشفى وأنينه يملأ الجو فعاينه الطبيب طويلاً دون أن يجد فيه علة فطرح عليه بعض الأسئلة وأيقن انه امام جشع نهم علته في بطنه . فلم يقل له اية كلمة وإنما حوله إلى قسم الأمراض الداخلية ووصف له الطبيب هناك شيئاً من العسل مع كبد الطيور والكمء المقلي وقليلاً من المربيات والليمون وكل انواع الحلوى المسيلة للعاب وذلك مرتين يومياً .
ولم تكد تمضي ثلاثة أيام حتى ضعفت مقاومة المريض وأصبحت معدته في خطر عندئذ قال له الطبيب : ( لقد تمتعت ياصاحبي بالضيافة العربية أياماً ثلاثة فاذهب الآن في سلام الله وليكن الشفاء حليفك ! ) .
عبدالناصر20
05/11/2005, 01:42 AM
وإلى هنا ينتهي النقل من هذا الكتاب الشيق علىأمل أن يكون الإختيار قد حازعلى إعجابكم ، وقد قصرنا حقا في حق هذا الكتاب الذي يعطي العرب حقهم ويعترف بحضارتهم الكبرى ويعتبر من أهم المراجع الحديثة التي تخص الحضارة العربية وأهم مايميزه أنه لم يكتب بأيدي عربية ولكن كتب بيد خبيرة منصفة من الغرب .
على أمل أن يطلع إخواننا القراء على أصل الكتاب ويتابعوا كل ماكتبته الكاتبة من إنصاف وإعتراف بفضل الحضارة العربية التي أشرقت وفاضت بنورها كالشمس المضيئة على العالم الغربي ومكنته بفضل مجهودات العرب من تبوء المكانة الحضارية التي يستحوذ عليها اليوم
Star2
09/11/2005, 02:57 AM
لي وقفة معكم
عبدالناصر20
11/11/2005, 12:30 AM
ننتظر الوقفة والواقف
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.