المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : «تغطية الاسلام» - إدوارد سعيد


البسيوي
03/10/2005, 06:46 PM
صدرت في القاهرة اخيراً عن دار «رؤية للنشر والتوزيع» ترجمة جديدة لكتاب اداورد سعيد «تغطية الاسلام» انجزها استاذ الادب الانكليزي محمد عناني في خطوة هي اقرب للمغامرة. فهو اولاً يقدم على ترجمة عمل نظري كبير بعد تجربة طويلة في ترجمة الاعمال الابداعية، وثانياً، يترجم كتاباً صدرت له ترجمة عربية قبل سنوات، في اعقاب صدور الطبعة الاولى من النص في اللغة الانكليزية في عام 1981، وهي ترجمة سهلت للقارئ العربي مهمة التواصل مع افكار ادوارد سعيد في القضية المهمة التي يطرحها الكتاب وهي كيفية تحكم وسائل الإعلام وأجهزته وخبراؤه في رؤيتنا الى سائر بلدان العالم.

ولعل المتغيرات التي أصابت السياسة العالمية في العقد الاخير وبخاصة بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) عام 2001 جعلت حماسة عناني الى ترجمة الكتاب عربياً تتزايد فضلاً عن تعاظم الأثر الذي ترسخه وسائل الاعلام والفضائيات بالتحديد في رسم أو توجيه هذه السياسات، وهو الأثر الذي أشار اليه سعيد مراراً في هذا الكتاب.

يستهل عناني ترجمته للنص عبر مقدمة تعريفية بجهود سعيد في النقد الأدبي عبر عرض لما تناوله في كتابه «البدايات» ويشير الى دوره في ذيوع المذهب النقدي المعروف باسم «نظريات ما بعد الاستعمار» التي تقوم في جانب منها على التشكيك في عدد من الأفكار الاساسية التي خلفتها التركة الاستعمارية، ومن بينها الإيحاء بأن الاستعمار افاد البلدان التي خضعت له من حيث النهوض بها وتحديثها وفق النموذج الغربي، ومن حيث الايحاء ايضاً بتفوق التراث الادبي الاوروبي على غيره. ثم يعرض عناني في مقدمته جهود سعيد في مجالات النقد الثقافي استناداً الى مؤلفات اخرى من بينها «تأملات في المنفى» و «تنويعات موسيقية» و «العالم، النص والناقد». ولا ينسى محمد عناني التوقف في المقدمة عند مساهمات سعيد لدعم القضية الفلسطينية بالاشارة الى كتابه المهم «سياسات السلب والتجريد: كفاح الفلسطينيين في سبيل تأكيد المصير».

يبدأ كتاب «تغطية الاسلام» بمقدمة موجزة يعرض فيها صاحب «الثقافة الامبريالية» مجموعة من الفرضيات التي يؤكدها في المتن الرئيس وأهمها الإشارة الى استخدام مصطلح «الاسلام» في وسائل الاعلام الغربية منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي بعدما تأكدت الثروة النفطية في الخليج العربي، وهو يستند الى مادة ابعد ما تكون عن الموضوعية وتتسم بالتعميم الشديد، فضلاً عما تتضمنه من بعض الجهل. ووفقاً للمثال الذي استخدمه فإن صحيفة «النيويورك تايمز» عندما حاولت ان تفسر المقاومة الايرانية للغزو العراقي نجدها لجأت الى المقولة القديمة من أن «للشيعة ولعاً بالاستشهاد» ومثل هذه المقولات لها حظها من القبول من الناحية السطحية (كما تنتشر الآن مقولات عن النزعة الاستشهادية في العراق وفلسطين).

يشير سعيد الى الاسلام كنموذج له خصوصيته في وسائل الاعلام الغربية، وهذه الخصوصية ترجع الى تاريخ الاسلام في الغرب وهي خصوصية محملة بمجموعة من السمات، منها ان الاسلام لا ينتمي الى اوروبا ولا الى مجموعة البلدان المتقدمة صناعياً، بل يعتبر واقعاً في نطاق ما يسمى «المنظورات الانمائية»، وهي التسمية التي تعني ان النظرة السائدة على امتداد ثلاثة عقود على الاقل تقول إن المجتمعات الاسلامية في حاجة الى «تحديث». وهذه النظرة كرست لها كتابات المستشرقين التي يؤكد سعيد ارتباطها الوثيق بالجهود الاستعمارية، بحيث يندر ان نجد خبيراً من خبراء «الاسلام الغربيين» لم يكن مستشاراً لحكومة استعمارية او موظفاً فيها. وبسبب هذا الارتباط يتعرض الكلام عن الاسلام «للتلون» من دون شك، بألوان الظروف الفكرية والسياسية التي ينشأ فيها، ان لم يصبه الفساد المطلق من جراء ذلك. وعلى رغم هذا لا ينزع سعيد صفة الاهمية عن معظم تلك الكتابات «الملونة» وإنما هي نافعة في نظره، بما تكشف عنه، باعتبارها دليلاً يشير الى «المصلحة» التي تسعى الى تحقيقها.

ومهمة الكتاب كما يقول صاحبه «كشف التبسيط المخل الذي يتم التعامل به مع مصطلح «الاسلام» بصورة تتيح التلاعب به لتحقيق اهداف عدة، من إثارة حرب باردة جديدة الى اثارة موجات عنف وكراهية عنصرية، الى تعبئة الرأي العام بإمكان القيام بغزوة جديدة (هل فعلت ادارة بوش غير ذلك؟) الى استمرار تحقير المسلمين والعــرب.

ويؤكد سعيد ان الاسلام كان ولا يزال يمثل تهديداً للغرب، وليس من المصادفة ان تؤدي القلاقل والاضطرابات التي نشهدها في عالم المسلمين اليوم (وهي ترجع الى عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية اكثر مما ترجع الى الاسلام وحده) الى فضح مناحي قصور القوالب الثابتة التي وضعها المستشرقون وهي قوالب ساذجة حين تتحدث عن تواكل المسلمين وحنينهم الى ماضيهم. وليس النجاح الذي لاقته الافكار والشخصيات التي تدعو الى اعادة احتلال الخليج (لاحظ ان سعيد كتب هذا في العام 1981) الا جانباً من جوانب هذه الظاهرة التي تتفق على النظر الى الاسلام كونه «كبش الفداء» الذي يمكن ان ينسب اليه كل ما يمكن ان يتصادف ما نكرهه في عالم اليوم. فاليمين يرى ان الاسلام يمثل الهمجية، واليسار يرى انه يمثل حكم الدين في القرون الوسطى. وعلى ما في هذه الآراء من تفاوت الا ان معظمها يدعو دائماً الى اتخاذ عمل قوي ضد الاسلام. ويشير في هذا الصدد الى كتابات المؤرخ ج . ب كيلي الاستاذ في جامعة ويسكونسن التي كانت تتضمن بوصف سعيد: «اشتهاء خالصاً للغزو الامبريالي». ويلفت النظر ان سعيد يؤكد في مواضع عدة من الكتاب انه لا يطمح الى الدفاع عن الاسلام وانما يستهدف عبر كتابه وصف صور استخدام مصطلح «الاسلام» في الغرب، وكذلك وبدرجة اقل في المجتمعات الاسلامية التي تلجأ بعض انظمتها الحاكمة الى القمع او سلب الحريات الشخصية او الاستناد الى حكم اقلية لا تمثل الشعب وتحكم باسم الاسلام. واستهدف المفكر الراحل في كتابه «ادراك العلاقة التي تربط ما يقوله الغرب عن الاسلام بما فعلته المجتمعات الاسلامية رداً على ذلك».

والمؤكد ان القارئ العربي لهذه الترجمة التي تصدر في ظروف سياسية بالغة التعقّد والتأزم حيال علاقة الاسلام بالغرب وبالولايات المتحدة الأميركية، سيجد ان الواقع يؤكد الكثير من مقولات سعيد واستنتاجاته، وبالصورة التي تكشف صدق الافتراض الذي أشار اليه المترجم من ان سعيد لو امتد به العمر لاصدر طبعة ثالثة من كتابه بعد غزو العراق واحداث ايلول (سبتمبر) تزيد من صحة ما توصل اليه. لكن القارئ سيتعجب اكثر من تلاقي افكار سعيد وهو الناقد والمفكر البارز مع افكار «شعبوية» تسود في اوساط الاصوليين سواء أكانوا يمثلون اليمين الديني او اليسار التقليدي، فهل هي المصادفة التي تؤكد انتماء سعيد الى هويته العربية الاولى أم انه ثمن الكتابة تحت ضغط الظرف السياسي الضاغط؟

سيد محمود - الحياة