الحارثية
02/10/2005, 07:44 AM
المُغيب: ردة فعل ثقافية على الفجع فـي عمان
سمير العدوي و رستم برجورجي و إحسان العيسى
ترجمة: حسين العبري
خلاصة
تقترح الدراسات المختصة بالأفراد الطبيعيين وبالمرضى، أن المفجوع بميت يجب أن يمر خلال حزنه على الميت بعملية إعادة تنظيم نفسية واجتماعية تتم على مراحل متلاحقة. الاعتقاد بالمغيب فـي المجتمع العماني يتضمن إنكارا تاما لفقد الميت لمدة طويلة نسبيا وتوقعا لعودته. ويظل هذا الاعتقاد مستمرا حتى بعد تأدية طقوس الدفن وإتمام مدة الحداد المتعارف عليها؛ إذ يُتوقع من الميت أن يترك قبره بعد أن يكون قد دُفِن، وحين يبطل عمل الساحر أو يُتصدى له فإنه يلتحق بأهله. وبالرغم من أن اعتقاد المغيب غير متوافق مع الدين الإسلامي، إلا أنه يمكن تعليله بالموت المفاجئ غير المتوقع الذي كان متفشيا فـي مجتمع عمان البحري.
مقدمة
بالرغم من أن الفجع خبرة إنسانية عالمية، فإن ردة الفعل الناتجة عنه تختلف من ثقافة إلى أخرى. ولقد أُقترح من خلال الدراسات أن الصدمة الناتجة عن الفجع وعملية تحمل هذه الصدمة كلاهما تتمان بطريقة محددة. إذ يجب على الفرد أن يمر بـ «عمل الحزن« عن طريق تقبل حقيقة الفقد أولا، ومن ثم تمثُل الآلام المرافقة له، ويتبع ذلك الانفصال النفسي عن الميت. ويعول على الدراسات الشاملة لثقافات متباينة أن تلقي مزيدا من الضوء على الجوانب المختلفة لهذا الموضوع.
لقد أثبتت الدراسات الإكلينيكية التي أجريت فـي العالم الغربي المراحل المختلفة لعملية التأقلم على الفقد. وتتضمن المرحلة الأولى إنكار حقيقية الفقد، وتظهر على شكل الانشغال التام بالموتى والرغبة فـي الوصول إليهم. وقد يشعر بعض المفجوعين بالحضور الحقيقي للموتى فتراهم يفسرون الأصوات والإشارات من حولهم كما لو أنها لهم وقد عادوا إلى الحياة. وأحيانا ينقّبون من حولهم أملا فـي العثور على موتاهم، وقد يخطئون فـي التعرف على الآخرين متوهمين أن هؤلاء هم من يبحثون عنهم. وربما يدخلون فـي هلوسات سمعية وبصرية موضوعوها المُتوفى، أو يحدسون وجودهم من حولهم. وقد تتضمن عملية الإنكار ما يسمى بـ «المميأة« أو حفظ ممتلكات المُتوفى على شكل محنّطات جاهزة للاستخدام فـي حال عودته إلى الحياة. وعلى أية حال، فبعد الاعتراف بحقيقية الفقد فإنه من المتوقع أن يُقر الشخص المفجوع بالألم الذي سببه الفقد ويتمثله متجاوزا إياه. إن كبتاً لمشاعر الألم هذه ينتج عنه تمديد للأضرار العاطفية التي عادة ما تتشكل على هيئة اكتئاب. وقد قام إنجل فـي دراسة أجراها عام 1961 بمقاربة الصدمة النفسية الناجمة عن الفقد بتلك الناجمة عن التعرض للجروح والحروق الخطيرة (فقد عضو). وفـي نظره فإن عملية الحداد على المُتوفى تتوازى وتتماثل مع عملية الشفاء من الأمراض العضوية. وعلى هذا فإنه لكي يتجنب المفجوع المعاناة النفسية والجسدية يجب عليه أن يواجه نفسه بمشاعره ويعبر عنها. وأي طريقة بديلة للتعامل مع هذه المشاعر تعتبر مرضية أو منحرفة عن النمط الطبيعي. |
أما الدراسات المختصة بالثقافات غير الغربية، فإنها تشير إلى أن التعامل مع صدمة الفقد قد ينحى منحى مغايرا فـي بعض المجتمعات، وأن غياب الحزن المصاحب للفقد فـي هذه المجتمعات لا يعقب أية أضرار نفسية. ففي دراسة قام بها كل من ميللر وسكونفيلد عام 1973 على شعب النفاجا تبين أن نمط الحداد المعترف به محدد بأربعة أيام فقط، وخلالها لا يُسمح للمفجوعين بالتعبير عن مشاعرهم بشكل مبالغ فيه. وبعد هذه الأربعة أيام يعود المفجوعون إلى أعمالهم دون مزيد من المناقشة حول الموضوع، ودون مزيد من الإفصاح عن مشاعرهم اتجاه من فقدوا.
وفـي دراسة أخرى قام بها آبلون عام 1971 وجد أن شعوب السامون لديها فترة حداد قصيرة مع عدم ظهور أية أعراض نفسية اكتئابية أو قلقية. عند هذه الشعوب وعند ثقافات غير غربية أخرى، لا تختفي فقط عملية التكيف مع الفقد التي هي من أجل الانعتاق النفسي عن المُتوفى، بل وتحل محلها عملية تنمية للإحساس المستمر بحضور المُتوفى ك «سلف« يبقى متوفرا للتكلم والتواصل. لذلك تنتفي الحاجة إلى عملية التكيف مع الفقد كطريقة لاكتساب القدرة على الحياة من غير المتوفى.
وقد جاء وصف روزنبلات عام 1983 لسلوك المفجوعين فـي المجتمعات الغربية فـي القرن التاسع عشر ما يشير إلى أن هؤلاء يكونون مشغولين بفكرة الالتصاق بالمتوفى بدلا من فكرة الانعتاق عنه (من مثل: الصلاة من أجل المتوفى، والاعتقاد بعودة التوحد معه فـي الجنة، وتسمية الأطفال الجدد باسمه، وتحقيق رغباته التي لم يتمكن من تحقيقها فـي حياته). لقد تتبعنا نفس فكرة الالتصاق هذه فـي مجتمعين من المجتمعات الاسلامية هما العراق وعمان من غير أن نتبين أية عواقب نفسية سيئة. فـي هذا المقال سنتطرق إلى فكرة المغيب كردة فعل ثقافية خاصة للموت فـي بلد عربي إسلامي هو عمان. فكرة المغيب تتضمن إنكارا كليا لموت المتوفى، وأملا عارما فـي عودته الوشيكة. هذا الإنكار المُعترف به من قبل ثقافة المجتمع يستمر لمدة طويلة نسبيا بعد انتهاء طقوس الحداد من غير أن تظهر أية علامات تصدع نفسي.
المغيب ردة فعل على الفجع
فـي المجتمع العماني التقليدي يرتبط الموت عادة بمفهوم المغيب. وهذه الكلمة لها دلالاتها التي تعني «غير ميت« «رحل« «مأخوذ« «مسروق« «اختفى«. ومع أن البعض يدّعي أن هذا الاعتقاد مذكور فـي السنة النبوية الشريفة، إلا أنه ليس ثمة دليل على صحة ذلك.
وحسب الاستخدام الشائع فـي عمان، فإن مفهوم المغيب يعني أن يقوم ساحر بسرقة الفرد الميت من عائلته ..هذا الساحر يكون قد اكتسب قدرته من خلال القيام بأعمال مرعبة وشنيعة تصل إلى حد أن يقوم بأكل أطفاله. يقوم الساحر بقذف عمله السحري فـي الشخص الذي يختاره بسبب حقده عليه، أو لأية أسباب أخرى. وينتج عن ذلك أن يظهر الشخص المُستهدَف وكأنه ميت، أو وكأنه أُصيب بمرض مميت بصورة مفاجئة، ولكنه فـي الحقيقة لا يزال حيا. وكما فـي مراسم الحداد العادية تقوم العائلة بغسل المتوفى ودفنه فـي حضور الأقرباء والأصدقاء. وبعد الجنازة يتواصل العزاء لمدة ثلاثة أيام، أو أكثر، وهذا يعتمد على الحالة الاقتصادية للمُتوفى ومكانته الاجتماعية وكذلك على طبيعة العادات فـي المجتمع الذي ينتمي إليه. بعد هذه الأيام يتفرق المعزون إلا أن أقرباء المتوفى يمتنعون عن الانغماس فـي مظاهر الأفراح، كالأعراس، لمدة أربعين يوما على الأقل.
إتمام مراسم الدفن والحزن على المُتوفى من قبل الأصدقاء والعائلة والمحيطين يدلان على تقبل حقيقية الفقد، مع هذا يستمرون جميعا فـي الاعتقاد بان المفقود لا يزال حيا. لذلك يتوقعون منه أن يقوم من قبره، ويحوم بطبيعته الغامضة، وينام عاريا فـي كهفه طوال اليوم، وينهض ليلا ليتجول فـي المناطق الريفية متغذيا على أوراق الأشجار ومُنفِذا لأوامر الساحر الذي يملكه ويسيطر عليه. وخلال هذه المدة قد يشاهده الأقرباء والأصدقاء فـي الليل على هيئة شبح يحوّم فـي الطرقات، أو يشاهدونه فـي النهار (وهو فـي كامل ملابسه) داخل سيارة مسرعة، أو فـي مواقف يُصعَب فيها التأكد من هويته. ولم يحدث أبدا أن شُوهد مغيب وهو عارٍ لما فـي ذلك من خدش للحياء.
وبحسب الحالات التي قمنا بدراستها فإن عودة المتوفى إلى عائلته قد تحدث بإحدى طريقتين. أولاهما أن يُكتشف الساحر ويُقتل أو يدمر بأي طريقة أخرى (ويشمل هذا موته الطبيعي). بموت الساحر يصبح جميع مأسوريه أحرارا ويعودون إلى عائلاتهم. اكتشاف المتوفى قد يتم أحيانا بمساعدة الساحر الطيب أو من يسمى الساحر الأبيض. وقد حدث فـي الآونة الأخيرة أن استدعى الأقرباء فـي بعض الحالات ساحرا شعبيا من أفريقيا (ماجنا) ليطلق سراح قريبهم المتوفى المأسور. والطريقة الأخرى أن يُكتشف المغيب وهو يهيم فـي الطرقات، فيُضرب بحجر على جبهته وعندها يتحرر مباشرة من أسر الساحر. وفـي حين نجد أن كل فرد فـي المجتمع قد سمع عن عودة أحد المغيبين إلى أقربائه، لا نجد شخصا واحدا قد عايش أو شاهد هذه العودة عيانا.
تأخذ فكرة المغيب وقتا للتطور فـي الأذهان بعد حادثة الموت، وعادة ما يستغرق الأمر من ثلاثة إلى أربعة أشهر لتتشكل بصورة ثابتة. ويكون من نتائج تشكل الفكرة أن يستشير الأقرباء السحرة، وربما جلسوا ليلا لترقب عودة المغيب. وقد شوهد فـي بعض الحالات أن العائلة قد قامت بترك حاجيات المتوفى صالحة للاستعمال فـي حالة عودته للحياة (المميأة). إن قوة الاعتقاد بحادثة التغييب، والمدة التي يظل فيها هذا الاعتقاد ثابتا فـي الأذهان تعتمد على مدى علاقات المتوفى وعمره، وهذا يتطابق مع سلوك المفجوعين فـي مناطق أخرى. فحسب برنس عام 1993 فإن حزن الوالدين على وفاة طفلهم هو الأكثر شدة، وتزيد شدة الحزن إذا كان المتوفى هو العائل الرئيسي للعائلة إذ أن الفقد يكون هنا اقتصاديا مع كونه شخصيا. بينما يكون الحزن على المتوفى الطاعن فـي السن والمتوقع موته سلفا أقل شدة، بل وأحيانا يُستقبل بترحاب لأنه يشكل خلاصا للمتوفى من آلامه. ويبدو كذلك أن تطور فكرة التغييب حول ميت معين، يعتمد على الحادث الذي أدى إلى الموت وقوة العلاقات التي تربط المتوفى بالآخرين. وفـي كل الحالات التي سُجلت لدينا من قبل الأقارب كانت الوفاة نتيجة حادث مفاجئ وغالبا ما يكون المتوفى رجلا. وينتشر خبر التغييب حول متوفى معين بشكل أكبر لو كان ذا أهمية قيادية بالنسبة لعائلته أو للقبيلة ككل. فهؤلاء يكونون عادة محط حسد الآخرين وغيرتهم. ولا تتشكل فكرة المغيب فـي الأذهان إذا كان المتوفى مصابا بمرض مميت أو طاعنا فـي السن.
ولقد وجدنا أن اعتقاد التغييب حول متوفى معين يبدأ فـي الاختفاء بطريقتين. الأولى حين يبدأ المفجوع بالتفكير بأنه حتى لو بطل عمل الساحر وانطلق المغيب من إساره فإنه لن يرجع نفس الشخص الذي كانه من قبل. ورغم أن أحدا لم يشاهد مغيبا يعود إلى عائلته، إلا أن هنالك ادّعاء أن هؤلاء يرجعون وقد اُستبدلت عقولهم وألسنتهم. والطريقة الثانية حين يبدأ المفجوع بالتفكير بأن المعاناة التي عاناها المغيب أثناء أسره ستتسبب إن عاجلا أو آجلا فـي موته بعد مدة قصيرة من عودته. ومن النادر أن تجد شخصا يحتفظ باعتقاد التغييب حول متوفى معين لفترة طويلة جدا، إذ أن هذا الاعتقاد يكون قد اختفى فـي مدة تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر. وهذا هو الوقت الذي لاحظنا فيه أن المغيب يختفي من تفكير المفجوع ولا يعود شغله الشاغل. وفـي هذا الوقت يبدأ المفجوع بالتفكير بالمتوفى على أنه الآن فـي رحلته إلى العالم الآخر وأنه بين يدي الله. ولا يُعاد فتح سيرة المتوفى والتعبير عن الحنين إليه إلا حين يُتذكر مثلا عند عودة أحد الأقارب الذين كانوا بعيدين أثناء الوفاة ولم يحضروا مراسم الدفن، أو حين تلد زوجة المتوفى طفلها الذي خلفه والده جنينا فـي بطنها.
المناقشة
تشير الدراسات الى أن الفجع عملية تتشكل بالعادات والقيم الثقافية السائدة فـي مجتمع معين. بعض الدارسين سجلوا أنماطا اجتماعية محددة فـي بعض المجتمعات تعزز الإنكار السيكلوجي لحقيقية الموت. والأكثر شيوعا من هذه الأنماط هما العمليتان السيكلوجيتان: الإنكار والتوحد.
وقد دلت كذلك الأبحاث حول مرض القلق، أنه حين يكون تقبل حقيقية الموت مثيرا للقلق الذي لا يطاق، فإن عملية الإنكار تكون وسيلة تأقلم جيدة. بينما دلل كل من بولمان وتيمكو عام 1987 على أن الإنكار وسيلة مناسبة للتأقلم ينتهجها الذين يتعرضون للصدمات والجروح العضوية. وأشار ستروبي أنه لا يمكن مواجهة الأشخاص بحقيقية الموت فـي كل الأحيان، وأن فترة من عدم التصديق يجب أن تمر مباشرة بعد حادث الفقد.
المغيب اعتقاد يشابه، ولكن بشكل مبالغ فيه، عملية إنكار حقيقية الموت التي تشاهد فـي المجتمعات الغربية. وبالنسبة للمتخصصين الغربيين فـي الطب النفسي فإن هذا يقارب حدود الذهانات الضلالية (الهوسية). وعموما فإن المغيب اعتقاد محدد بثقافة المجتمع ومعترف به ويساعد المفجوع على التعامل مع النتائج النفسية للفقد. وقد تحفز سيرورة التفكير هذه على توقع العودة النهائية للمتوفى إلى عائلته وهذا يساعد على إقصاء التمثيل العقلي للفقد. وهذا إلى حد ما مشابه للمعتقدات «التوهمية« فـي بعض المجتمعات والتي تكون متقبلة من قبل الجماعة، لكنها تبدو غير طبيعية بالنسبة للمراقب الخارجي. نحن نحاول أن نفهم هذا الاعتقاد ضمن منظومة الدين أو الخصائص الثقافية الأخرى للمجتمع العماني. الموت فـي الإسلام أجل مُسمى، ووقت الوفاة مسطور من قبل الله منذ لحظة الميلاد. والإسلام اصطلاحا يعني الاستسلام التام لله، والحزن المبالغ فيه على الميت يعتبر مساءلة لإرادة الله. لكن ثمة اختلافات فـي طريقة التعبير عن الحزن ضمن المجتمعات المتعددة التي تتشكل منها الدول الإسلامية. فمثلا فـي المغرب ومصر تقوم المرأة المفجوعة بالندب على الميت الذي يتضمن الصراخ والعويل واللطم على الصدور وتعبر عن حزنها بقوة، الأمر الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام. وقد يُستأجر نائح ليقرأ مختارات من الآيات القرآنية والقطع المأثورة لإبراز منادب المتوفى فـي سبيل إثارة عواطف المعزين. وفـي المجتمعات البالنيزية المسلمة يُعبّر عنه بالابتهاج والضحك!. ويقوم المسلمون بطقوس مفصلة تتعلق بغسل الميت والصلاة عليه جماعة ومن ثم دفنه. وتستمر فترة الحداد ثلاثة أو سبعة أو أربعين يوما حسب الظروف الخاصة بالعائلة المفجوعة. ويتبع العمانيون نفس هذه التقاليد الإسلامية فـي الحداد على موتاهم. لذا كان من المتوقع أن تعمل طقوس الدفن والحداد على تقبل حقيقة الموت وأن تثبت فـي الأذهان أن المتوفى قد فقد. وزيادة على هذا، فإن النظرة الإسلامية للحياة والموت كعملية مستمرة تقود إلى الحياة الأخرى السرمدية حيث يكافأ المؤمنون بملاقاة من أحبوا، هذه النظرة هي الأخرى تساعد على تقبل الموت. إن الطقوس الإسلامية فـي الدفن والحداد، وكذلك الاعتقاد بالحياة الأخرى فـي المجتمع العماني، تبدو غير منسجمة مع فكرة المغيب.
فـي المقابل فإن الاعتقاد الإسلامي بأن الموت هو أجل مسمى، وقد يحدث فـي أي لحظة سواء أكان بسبب ظاهر أو غير ظاهر، قد يزيد من مستوى القلق من الموت ويزيد من شدة الإنكار حين يحدث. وقد وُجد فـي دراستين على المجتمع المصري المسلم أن شدة القلق من الموت أعلى قليلا من تلك المسجلة فـي كندا والولايات المتحدة. مع هذا فإن دراسة أجريت على مجموعة من الطلبة السعوديين الذين يدرسون فـي الولايات المتحدة، والذين كانوا متدينين بدرجة كبيرة، جاءت بنتيجة أنه كلما كان الشخص أكثر تدينا كان خوفه من الموت أقل. وظننا فيما يتعلق بالمغيب، أن هذا الاعتقاد وربما أيضا القلق من الموت مرتبطان بالموت المفاجئ فـي مجتمع عمان التقليدي أكثر من ارتباطه بالاعتقادات الإسلامية. وهذه العلاقة الجدلية بين فكرة المغيب وقلق الموت من جهة والتعاليم الإسلامية من جهة أخرى ربما تشكل موضوعا مثيرا للدراسات المستقبلية.
إن فكرة المغيب أو إنكار حقيقية الموت فـي المجتمع العماني ربما تكون مرتبطة بضغوط ثقافية خاصة لا صلة لها بالمعتقدات الإسلامية. فعمان تقع على الجنوب الشرقي للجزيرة العربية، ومن كل المناطق المحيطة بالخليج العربي وخليج عمان تظل عمان هي المنطقة الأكثر عزلة، فالبحر يحيط بها من اتجاهات ثلاثة، ويُحد جانبها الرابع برمال الربع الخالي. صلات عمان بالعالم الخارجي هي مع بعض الاستثناء صلات بحرية. وبالإضافة إلى أن البحر يوفر التواصل مع العالم الخارجي، فإنه كذلك يربط مدن عمان الساحلية بعضها ببعض، وكان يشكل المورد الرئيسي للاقتصاد للعديد من الناس. فـي المقابل تشكل الصحراء فـي المقام الأول حاجزا يفصل عمان عن قلب الجزيرة العربية.وبالرغم من أن عمان جزء من منطقة الخليج إلا أنها تتفرد بتاريخها المتميز وببيئتها الثقافية الاجتماعية الخاصة. ومع توفر السواحل الطويلة والأفراد المغامرين إضافة إلى الموقع الاستراتيجي بالنسبة للطرق البحرية، فقد تمكنت البحرية العمانية من أن تمد اكتشافاتها شرقا حتى الصين وحتى موزمبيق جنوبا. ولقد كانت صناعة السفن والصناعة البحرية ككل فـي عمان المورد الرئيسي للاقتصاد حتى من قبل ظهور الإسلام بفترات طويلة. وكان الشباب العماني عرضة لنزوات البحر ومخاطره وهم على متن مراكبهم الخشبية (البغلة) قبل ظهور السفن البخارية.
وكان من تأثير هذه الرحلات البحرية تأسيس المستوطنة العمانية فـي شرق افريقيا وما تلا ذلك من ضم زنجبار وجعلها مركز هذه المستوطنة. وكانت ضريبة هذه الروح المغامرة للعمانيين موت العديد من الشباب أثناء رحلاتهم الطويلة والخطيرة. ونتج عن توقع الأخطار والمسافات الطويلة التي ينبغي الإبحار عبرها للوصول إلى المناطق الجغرافية المختلفة والمفصولة بأعالي البحار أن تطورت آلية ثقافية خاصة وظيفتها التأقلم مع نتائج هذه الأخطار. والعودة المفاجئة لمن كان يعتبر فـي عداد الأموات بعد سنوات طويلة من الغياب كان جزءا معتادا من الحياة المزعزعة لرواد البحر وربما عززت من مفهوم المغيب. وكان مصير البحارة فـي رحلاتهم دائما غير معروف، الأمر الذي جعل من وصول أخبار (كاذبة) عن موتهم أمرا شائعا فـي المجتمع. وكما هو الحال بالنسبة لسلوك الفجع إزاء الموت المشاهد فـي العالم الغربي، فإن العمانيين كانوا يواجهون الموت المفاجئ بردة فعل أقوى إذ يجدون من الصعب تقبل الفقد الغير متوقع، لذا يعمدون إلى الإنكار للتقليل من الصدمة المؤلمة. أما فـي عمان الحاضر فإن فكرة المغيب تشكل بقايا آلية تأقلم مع الموت كانت سائدة من قبل، ويُتوقع أن تختفي مع تمدن المجتمع وتلاشي أهمية الصناعة البحرية القائمة على الأسفار والرحلات الطويلة. ومهما يكن، فإن فكرة المغيب فـي مجتمع عمان التقليدي كانت جالبة للأمل، وقللت من القلق الناشئ عن الموت المفاجئ، وسهلت عملية الحداد على الموتى. هذا الرفض المعترف به من قبل ثقافة المجتمع يبدو أنه كان يساعد بالمرور بعملية الحزن من غير أن يكون هناك ثمة داع للتقبل السريع لحقيقة الوفاة.
الخلاصة والنتيجة
هناك بعض الأبحاث التي تشير إلى أن عملية الحزن على الميت فـي المجتمعات الإسلامية العربية قد تستمر طويلا، وأنها تكون مصحوبة بالاكتئاب أو الأمراض النفسية الأخرى. وبالرغم من أن هذه الدراسات تؤكد على أن الفشل فـي المرور بالمراحل المختلفة للفجع يؤدي إلى الحداد الباثولوجي، إلا أنها أجريت على مجتمعات متمدينة (متغربنة). المغيب فـي المجتمع العماني التقليدي يتضمن إنكارا لحقيقة الموت يستمر طويلا بعد إتمام مراسم الدفن والحداد من غير أن يستتبع ذلك أية عواقب نفسية سيئة. ومع أن المفجوع يشهد عملية الدفن إلا أنه يستمر فـي نكران حقيقية الموت وينتظر عودة المتوفى، ويظل مؤمنا أن المتوفى سوف يخرج من قبره، ويعيش داخل كهف، ثم يبدأ فـي التجوال فـي الحقول والشوارع، ولا يستطيع العودة إلى أقاربه إلا إذا أُبطل العمل السحري أو ووجه بعمل سحري أقوى. هذا الإنكار لحقيقة الموت الذي يستمر طويلا والذي يُتوقع أن يؤذي المفجوع عاطفيا أو جسديا يقوم بوظيفة تكيّفية ويقلل من أثر الصدمة التي يحدثها الموت المفاجئ. وأخيرا فإن الدراسات المستقبلية ربما تكون كفيلة بالكشف عن خبايا التفاعل بين عملية الفجع وبين فكرة المغيب فـي المجتمع العماني الذي يشهد حركة تمدن سريعة.
ملحق شرفات
سمير العدوي و رستم برجورجي و إحسان العيسى
ترجمة: حسين العبري
خلاصة
تقترح الدراسات المختصة بالأفراد الطبيعيين وبالمرضى، أن المفجوع بميت يجب أن يمر خلال حزنه على الميت بعملية إعادة تنظيم نفسية واجتماعية تتم على مراحل متلاحقة. الاعتقاد بالمغيب فـي المجتمع العماني يتضمن إنكارا تاما لفقد الميت لمدة طويلة نسبيا وتوقعا لعودته. ويظل هذا الاعتقاد مستمرا حتى بعد تأدية طقوس الدفن وإتمام مدة الحداد المتعارف عليها؛ إذ يُتوقع من الميت أن يترك قبره بعد أن يكون قد دُفِن، وحين يبطل عمل الساحر أو يُتصدى له فإنه يلتحق بأهله. وبالرغم من أن اعتقاد المغيب غير متوافق مع الدين الإسلامي، إلا أنه يمكن تعليله بالموت المفاجئ غير المتوقع الذي كان متفشيا فـي مجتمع عمان البحري.
مقدمة
بالرغم من أن الفجع خبرة إنسانية عالمية، فإن ردة الفعل الناتجة عنه تختلف من ثقافة إلى أخرى. ولقد أُقترح من خلال الدراسات أن الصدمة الناتجة عن الفجع وعملية تحمل هذه الصدمة كلاهما تتمان بطريقة محددة. إذ يجب على الفرد أن يمر بـ «عمل الحزن« عن طريق تقبل حقيقة الفقد أولا، ومن ثم تمثُل الآلام المرافقة له، ويتبع ذلك الانفصال النفسي عن الميت. ويعول على الدراسات الشاملة لثقافات متباينة أن تلقي مزيدا من الضوء على الجوانب المختلفة لهذا الموضوع.
لقد أثبتت الدراسات الإكلينيكية التي أجريت فـي العالم الغربي المراحل المختلفة لعملية التأقلم على الفقد. وتتضمن المرحلة الأولى إنكار حقيقية الفقد، وتظهر على شكل الانشغال التام بالموتى والرغبة فـي الوصول إليهم. وقد يشعر بعض المفجوعين بالحضور الحقيقي للموتى فتراهم يفسرون الأصوات والإشارات من حولهم كما لو أنها لهم وقد عادوا إلى الحياة. وأحيانا ينقّبون من حولهم أملا فـي العثور على موتاهم، وقد يخطئون فـي التعرف على الآخرين متوهمين أن هؤلاء هم من يبحثون عنهم. وربما يدخلون فـي هلوسات سمعية وبصرية موضوعوها المُتوفى، أو يحدسون وجودهم من حولهم. وقد تتضمن عملية الإنكار ما يسمى بـ «المميأة« أو حفظ ممتلكات المُتوفى على شكل محنّطات جاهزة للاستخدام فـي حال عودته إلى الحياة. وعلى أية حال، فبعد الاعتراف بحقيقية الفقد فإنه من المتوقع أن يُقر الشخص المفجوع بالألم الذي سببه الفقد ويتمثله متجاوزا إياه. إن كبتاً لمشاعر الألم هذه ينتج عنه تمديد للأضرار العاطفية التي عادة ما تتشكل على هيئة اكتئاب. وقد قام إنجل فـي دراسة أجراها عام 1961 بمقاربة الصدمة النفسية الناجمة عن الفقد بتلك الناجمة عن التعرض للجروح والحروق الخطيرة (فقد عضو). وفـي نظره فإن عملية الحداد على المُتوفى تتوازى وتتماثل مع عملية الشفاء من الأمراض العضوية. وعلى هذا فإنه لكي يتجنب المفجوع المعاناة النفسية والجسدية يجب عليه أن يواجه نفسه بمشاعره ويعبر عنها. وأي طريقة بديلة للتعامل مع هذه المشاعر تعتبر مرضية أو منحرفة عن النمط الطبيعي. |
أما الدراسات المختصة بالثقافات غير الغربية، فإنها تشير إلى أن التعامل مع صدمة الفقد قد ينحى منحى مغايرا فـي بعض المجتمعات، وأن غياب الحزن المصاحب للفقد فـي هذه المجتمعات لا يعقب أية أضرار نفسية. ففي دراسة قام بها كل من ميللر وسكونفيلد عام 1973 على شعب النفاجا تبين أن نمط الحداد المعترف به محدد بأربعة أيام فقط، وخلالها لا يُسمح للمفجوعين بالتعبير عن مشاعرهم بشكل مبالغ فيه. وبعد هذه الأربعة أيام يعود المفجوعون إلى أعمالهم دون مزيد من المناقشة حول الموضوع، ودون مزيد من الإفصاح عن مشاعرهم اتجاه من فقدوا.
وفـي دراسة أخرى قام بها آبلون عام 1971 وجد أن شعوب السامون لديها فترة حداد قصيرة مع عدم ظهور أية أعراض نفسية اكتئابية أو قلقية. عند هذه الشعوب وعند ثقافات غير غربية أخرى، لا تختفي فقط عملية التكيف مع الفقد التي هي من أجل الانعتاق النفسي عن المُتوفى، بل وتحل محلها عملية تنمية للإحساس المستمر بحضور المُتوفى ك «سلف« يبقى متوفرا للتكلم والتواصل. لذلك تنتفي الحاجة إلى عملية التكيف مع الفقد كطريقة لاكتساب القدرة على الحياة من غير المتوفى.
وقد جاء وصف روزنبلات عام 1983 لسلوك المفجوعين فـي المجتمعات الغربية فـي القرن التاسع عشر ما يشير إلى أن هؤلاء يكونون مشغولين بفكرة الالتصاق بالمتوفى بدلا من فكرة الانعتاق عنه (من مثل: الصلاة من أجل المتوفى، والاعتقاد بعودة التوحد معه فـي الجنة، وتسمية الأطفال الجدد باسمه، وتحقيق رغباته التي لم يتمكن من تحقيقها فـي حياته). لقد تتبعنا نفس فكرة الالتصاق هذه فـي مجتمعين من المجتمعات الاسلامية هما العراق وعمان من غير أن نتبين أية عواقب نفسية سيئة. فـي هذا المقال سنتطرق إلى فكرة المغيب كردة فعل ثقافية خاصة للموت فـي بلد عربي إسلامي هو عمان. فكرة المغيب تتضمن إنكارا كليا لموت المتوفى، وأملا عارما فـي عودته الوشيكة. هذا الإنكار المُعترف به من قبل ثقافة المجتمع يستمر لمدة طويلة نسبيا بعد انتهاء طقوس الحداد من غير أن تظهر أية علامات تصدع نفسي.
المغيب ردة فعل على الفجع
فـي المجتمع العماني التقليدي يرتبط الموت عادة بمفهوم المغيب. وهذه الكلمة لها دلالاتها التي تعني «غير ميت« «رحل« «مأخوذ« «مسروق« «اختفى«. ومع أن البعض يدّعي أن هذا الاعتقاد مذكور فـي السنة النبوية الشريفة، إلا أنه ليس ثمة دليل على صحة ذلك.
وحسب الاستخدام الشائع فـي عمان، فإن مفهوم المغيب يعني أن يقوم ساحر بسرقة الفرد الميت من عائلته ..هذا الساحر يكون قد اكتسب قدرته من خلال القيام بأعمال مرعبة وشنيعة تصل إلى حد أن يقوم بأكل أطفاله. يقوم الساحر بقذف عمله السحري فـي الشخص الذي يختاره بسبب حقده عليه، أو لأية أسباب أخرى. وينتج عن ذلك أن يظهر الشخص المُستهدَف وكأنه ميت، أو وكأنه أُصيب بمرض مميت بصورة مفاجئة، ولكنه فـي الحقيقة لا يزال حيا. وكما فـي مراسم الحداد العادية تقوم العائلة بغسل المتوفى ودفنه فـي حضور الأقرباء والأصدقاء. وبعد الجنازة يتواصل العزاء لمدة ثلاثة أيام، أو أكثر، وهذا يعتمد على الحالة الاقتصادية للمُتوفى ومكانته الاجتماعية وكذلك على طبيعة العادات فـي المجتمع الذي ينتمي إليه. بعد هذه الأيام يتفرق المعزون إلا أن أقرباء المتوفى يمتنعون عن الانغماس فـي مظاهر الأفراح، كالأعراس، لمدة أربعين يوما على الأقل.
إتمام مراسم الدفن والحزن على المُتوفى من قبل الأصدقاء والعائلة والمحيطين يدلان على تقبل حقيقية الفقد، مع هذا يستمرون جميعا فـي الاعتقاد بان المفقود لا يزال حيا. لذلك يتوقعون منه أن يقوم من قبره، ويحوم بطبيعته الغامضة، وينام عاريا فـي كهفه طوال اليوم، وينهض ليلا ليتجول فـي المناطق الريفية متغذيا على أوراق الأشجار ومُنفِذا لأوامر الساحر الذي يملكه ويسيطر عليه. وخلال هذه المدة قد يشاهده الأقرباء والأصدقاء فـي الليل على هيئة شبح يحوّم فـي الطرقات، أو يشاهدونه فـي النهار (وهو فـي كامل ملابسه) داخل سيارة مسرعة، أو فـي مواقف يُصعَب فيها التأكد من هويته. ولم يحدث أبدا أن شُوهد مغيب وهو عارٍ لما فـي ذلك من خدش للحياء.
وبحسب الحالات التي قمنا بدراستها فإن عودة المتوفى إلى عائلته قد تحدث بإحدى طريقتين. أولاهما أن يُكتشف الساحر ويُقتل أو يدمر بأي طريقة أخرى (ويشمل هذا موته الطبيعي). بموت الساحر يصبح جميع مأسوريه أحرارا ويعودون إلى عائلاتهم. اكتشاف المتوفى قد يتم أحيانا بمساعدة الساحر الطيب أو من يسمى الساحر الأبيض. وقد حدث فـي الآونة الأخيرة أن استدعى الأقرباء فـي بعض الحالات ساحرا شعبيا من أفريقيا (ماجنا) ليطلق سراح قريبهم المتوفى المأسور. والطريقة الأخرى أن يُكتشف المغيب وهو يهيم فـي الطرقات، فيُضرب بحجر على جبهته وعندها يتحرر مباشرة من أسر الساحر. وفـي حين نجد أن كل فرد فـي المجتمع قد سمع عن عودة أحد المغيبين إلى أقربائه، لا نجد شخصا واحدا قد عايش أو شاهد هذه العودة عيانا.
تأخذ فكرة المغيب وقتا للتطور فـي الأذهان بعد حادثة الموت، وعادة ما يستغرق الأمر من ثلاثة إلى أربعة أشهر لتتشكل بصورة ثابتة. ويكون من نتائج تشكل الفكرة أن يستشير الأقرباء السحرة، وربما جلسوا ليلا لترقب عودة المغيب. وقد شوهد فـي بعض الحالات أن العائلة قد قامت بترك حاجيات المتوفى صالحة للاستعمال فـي حالة عودته للحياة (المميأة). إن قوة الاعتقاد بحادثة التغييب، والمدة التي يظل فيها هذا الاعتقاد ثابتا فـي الأذهان تعتمد على مدى علاقات المتوفى وعمره، وهذا يتطابق مع سلوك المفجوعين فـي مناطق أخرى. فحسب برنس عام 1993 فإن حزن الوالدين على وفاة طفلهم هو الأكثر شدة، وتزيد شدة الحزن إذا كان المتوفى هو العائل الرئيسي للعائلة إذ أن الفقد يكون هنا اقتصاديا مع كونه شخصيا. بينما يكون الحزن على المتوفى الطاعن فـي السن والمتوقع موته سلفا أقل شدة، بل وأحيانا يُستقبل بترحاب لأنه يشكل خلاصا للمتوفى من آلامه. ويبدو كذلك أن تطور فكرة التغييب حول ميت معين، يعتمد على الحادث الذي أدى إلى الموت وقوة العلاقات التي تربط المتوفى بالآخرين. وفـي كل الحالات التي سُجلت لدينا من قبل الأقارب كانت الوفاة نتيجة حادث مفاجئ وغالبا ما يكون المتوفى رجلا. وينتشر خبر التغييب حول متوفى معين بشكل أكبر لو كان ذا أهمية قيادية بالنسبة لعائلته أو للقبيلة ككل. فهؤلاء يكونون عادة محط حسد الآخرين وغيرتهم. ولا تتشكل فكرة المغيب فـي الأذهان إذا كان المتوفى مصابا بمرض مميت أو طاعنا فـي السن.
ولقد وجدنا أن اعتقاد التغييب حول متوفى معين يبدأ فـي الاختفاء بطريقتين. الأولى حين يبدأ المفجوع بالتفكير بأنه حتى لو بطل عمل الساحر وانطلق المغيب من إساره فإنه لن يرجع نفس الشخص الذي كانه من قبل. ورغم أن أحدا لم يشاهد مغيبا يعود إلى عائلته، إلا أن هنالك ادّعاء أن هؤلاء يرجعون وقد اُستبدلت عقولهم وألسنتهم. والطريقة الثانية حين يبدأ المفجوع بالتفكير بأن المعاناة التي عاناها المغيب أثناء أسره ستتسبب إن عاجلا أو آجلا فـي موته بعد مدة قصيرة من عودته. ومن النادر أن تجد شخصا يحتفظ باعتقاد التغييب حول متوفى معين لفترة طويلة جدا، إذ أن هذا الاعتقاد يكون قد اختفى فـي مدة تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر. وهذا هو الوقت الذي لاحظنا فيه أن المغيب يختفي من تفكير المفجوع ولا يعود شغله الشاغل. وفـي هذا الوقت يبدأ المفجوع بالتفكير بالمتوفى على أنه الآن فـي رحلته إلى العالم الآخر وأنه بين يدي الله. ولا يُعاد فتح سيرة المتوفى والتعبير عن الحنين إليه إلا حين يُتذكر مثلا عند عودة أحد الأقارب الذين كانوا بعيدين أثناء الوفاة ولم يحضروا مراسم الدفن، أو حين تلد زوجة المتوفى طفلها الذي خلفه والده جنينا فـي بطنها.
المناقشة
تشير الدراسات الى أن الفجع عملية تتشكل بالعادات والقيم الثقافية السائدة فـي مجتمع معين. بعض الدارسين سجلوا أنماطا اجتماعية محددة فـي بعض المجتمعات تعزز الإنكار السيكلوجي لحقيقية الموت. والأكثر شيوعا من هذه الأنماط هما العمليتان السيكلوجيتان: الإنكار والتوحد.
وقد دلت كذلك الأبحاث حول مرض القلق، أنه حين يكون تقبل حقيقية الموت مثيرا للقلق الذي لا يطاق، فإن عملية الإنكار تكون وسيلة تأقلم جيدة. بينما دلل كل من بولمان وتيمكو عام 1987 على أن الإنكار وسيلة مناسبة للتأقلم ينتهجها الذين يتعرضون للصدمات والجروح العضوية. وأشار ستروبي أنه لا يمكن مواجهة الأشخاص بحقيقية الموت فـي كل الأحيان، وأن فترة من عدم التصديق يجب أن تمر مباشرة بعد حادث الفقد.
المغيب اعتقاد يشابه، ولكن بشكل مبالغ فيه، عملية إنكار حقيقية الموت التي تشاهد فـي المجتمعات الغربية. وبالنسبة للمتخصصين الغربيين فـي الطب النفسي فإن هذا يقارب حدود الذهانات الضلالية (الهوسية). وعموما فإن المغيب اعتقاد محدد بثقافة المجتمع ومعترف به ويساعد المفجوع على التعامل مع النتائج النفسية للفقد. وقد تحفز سيرورة التفكير هذه على توقع العودة النهائية للمتوفى إلى عائلته وهذا يساعد على إقصاء التمثيل العقلي للفقد. وهذا إلى حد ما مشابه للمعتقدات «التوهمية« فـي بعض المجتمعات والتي تكون متقبلة من قبل الجماعة، لكنها تبدو غير طبيعية بالنسبة للمراقب الخارجي. نحن نحاول أن نفهم هذا الاعتقاد ضمن منظومة الدين أو الخصائص الثقافية الأخرى للمجتمع العماني. الموت فـي الإسلام أجل مُسمى، ووقت الوفاة مسطور من قبل الله منذ لحظة الميلاد. والإسلام اصطلاحا يعني الاستسلام التام لله، والحزن المبالغ فيه على الميت يعتبر مساءلة لإرادة الله. لكن ثمة اختلافات فـي طريقة التعبير عن الحزن ضمن المجتمعات المتعددة التي تتشكل منها الدول الإسلامية. فمثلا فـي المغرب ومصر تقوم المرأة المفجوعة بالندب على الميت الذي يتضمن الصراخ والعويل واللطم على الصدور وتعبر عن حزنها بقوة، الأمر الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام. وقد يُستأجر نائح ليقرأ مختارات من الآيات القرآنية والقطع المأثورة لإبراز منادب المتوفى فـي سبيل إثارة عواطف المعزين. وفـي المجتمعات البالنيزية المسلمة يُعبّر عنه بالابتهاج والضحك!. ويقوم المسلمون بطقوس مفصلة تتعلق بغسل الميت والصلاة عليه جماعة ومن ثم دفنه. وتستمر فترة الحداد ثلاثة أو سبعة أو أربعين يوما حسب الظروف الخاصة بالعائلة المفجوعة. ويتبع العمانيون نفس هذه التقاليد الإسلامية فـي الحداد على موتاهم. لذا كان من المتوقع أن تعمل طقوس الدفن والحداد على تقبل حقيقة الموت وأن تثبت فـي الأذهان أن المتوفى قد فقد. وزيادة على هذا، فإن النظرة الإسلامية للحياة والموت كعملية مستمرة تقود إلى الحياة الأخرى السرمدية حيث يكافأ المؤمنون بملاقاة من أحبوا، هذه النظرة هي الأخرى تساعد على تقبل الموت. إن الطقوس الإسلامية فـي الدفن والحداد، وكذلك الاعتقاد بالحياة الأخرى فـي المجتمع العماني، تبدو غير منسجمة مع فكرة المغيب.
فـي المقابل فإن الاعتقاد الإسلامي بأن الموت هو أجل مسمى، وقد يحدث فـي أي لحظة سواء أكان بسبب ظاهر أو غير ظاهر، قد يزيد من مستوى القلق من الموت ويزيد من شدة الإنكار حين يحدث. وقد وُجد فـي دراستين على المجتمع المصري المسلم أن شدة القلق من الموت أعلى قليلا من تلك المسجلة فـي كندا والولايات المتحدة. مع هذا فإن دراسة أجريت على مجموعة من الطلبة السعوديين الذين يدرسون فـي الولايات المتحدة، والذين كانوا متدينين بدرجة كبيرة، جاءت بنتيجة أنه كلما كان الشخص أكثر تدينا كان خوفه من الموت أقل. وظننا فيما يتعلق بالمغيب، أن هذا الاعتقاد وربما أيضا القلق من الموت مرتبطان بالموت المفاجئ فـي مجتمع عمان التقليدي أكثر من ارتباطه بالاعتقادات الإسلامية. وهذه العلاقة الجدلية بين فكرة المغيب وقلق الموت من جهة والتعاليم الإسلامية من جهة أخرى ربما تشكل موضوعا مثيرا للدراسات المستقبلية.
إن فكرة المغيب أو إنكار حقيقية الموت فـي المجتمع العماني ربما تكون مرتبطة بضغوط ثقافية خاصة لا صلة لها بالمعتقدات الإسلامية. فعمان تقع على الجنوب الشرقي للجزيرة العربية، ومن كل المناطق المحيطة بالخليج العربي وخليج عمان تظل عمان هي المنطقة الأكثر عزلة، فالبحر يحيط بها من اتجاهات ثلاثة، ويُحد جانبها الرابع برمال الربع الخالي. صلات عمان بالعالم الخارجي هي مع بعض الاستثناء صلات بحرية. وبالإضافة إلى أن البحر يوفر التواصل مع العالم الخارجي، فإنه كذلك يربط مدن عمان الساحلية بعضها ببعض، وكان يشكل المورد الرئيسي للاقتصاد للعديد من الناس. فـي المقابل تشكل الصحراء فـي المقام الأول حاجزا يفصل عمان عن قلب الجزيرة العربية.وبالرغم من أن عمان جزء من منطقة الخليج إلا أنها تتفرد بتاريخها المتميز وببيئتها الثقافية الاجتماعية الخاصة. ومع توفر السواحل الطويلة والأفراد المغامرين إضافة إلى الموقع الاستراتيجي بالنسبة للطرق البحرية، فقد تمكنت البحرية العمانية من أن تمد اكتشافاتها شرقا حتى الصين وحتى موزمبيق جنوبا. ولقد كانت صناعة السفن والصناعة البحرية ككل فـي عمان المورد الرئيسي للاقتصاد حتى من قبل ظهور الإسلام بفترات طويلة. وكان الشباب العماني عرضة لنزوات البحر ومخاطره وهم على متن مراكبهم الخشبية (البغلة) قبل ظهور السفن البخارية.
وكان من تأثير هذه الرحلات البحرية تأسيس المستوطنة العمانية فـي شرق افريقيا وما تلا ذلك من ضم زنجبار وجعلها مركز هذه المستوطنة. وكانت ضريبة هذه الروح المغامرة للعمانيين موت العديد من الشباب أثناء رحلاتهم الطويلة والخطيرة. ونتج عن توقع الأخطار والمسافات الطويلة التي ينبغي الإبحار عبرها للوصول إلى المناطق الجغرافية المختلفة والمفصولة بأعالي البحار أن تطورت آلية ثقافية خاصة وظيفتها التأقلم مع نتائج هذه الأخطار. والعودة المفاجئة لمن كان يعتبر فـي عداد الأموات بعد سنوات طويلة من الغياب كان جزءا معتادا من الحياة المزعزعة لرواد البحر وربما عززت من مفهوم المغيب. وكان مصير البحارة فـي رحلاتهم دائما غير معروف، الأمر الذي جعل من وصول أخبار (كاذبة) عن موتهم أمرا شائعا فـي المجتمع. وكما هو الحال بالنسبة لسلوك الفجع إزاء الموت المشاهد فـي العالم الغربي، فإن العمانيين كانوا يواجهون الموت المفاجئ بردة فعل أقوى إذ يجدون من الصعب تقبل الفقد الغير متوقع، لذا يعمدون إلى الإنكار للتقليل من الصدمة المؤلمة. أما فـي عمان الحاضر فإن فكرة المغيب تشكل بقايا آلية تأقلم مع الموت كانت سائدة من قبل، ويُتوقع أن تختفي مع تمدن المجتمع وتلاشي أهمية الصناعة البحرية القائمة على الأسفار والرحلات الطويلة. ومهما يكن، فإن فكرة المغيب فـي مجتمع عمان التقليدي كانت جالبة للأمل، وقللت من القلق الناشئ عن الموت المفاجئ، وسهلت عملية الحداد على الموتى. هذا الرفض المعترف به من قبل ثقافة المجتمع يبدو أنه كان يساعد بالمرور بعملية الحزن من غير أن يكون هناك ثمة داع للتقبل السريع لحقيقة الوفاة.
الخلاصة والنتيجة
هناك بعض الأبحاث التي تشير إلى أن عملية الحزن على الميت فـي المجتمعات الإسلامية العربية قد تستمر طويلا، وأنها تكون مصحوبة بالاكتئاب أو الأمراض النفسية الأخرى. وبالرغم من أن هذه الدراسات تؤكد على أن الفشل فـي المرور بالمراحل المختلفة للفجع يؤدي إلى الحداد الباثولوجي، إلا أنها أجريت على مجتمعات متمدينة (متغربنة). المغيب فـي المجتمع العماني التقليدي يتضمن إنكارا لحقيقة الموت يستمر طويلا بعد إتمام مراسم الدفن والحداد من غير أن يستتبع ذلك أية عواقب نفسية سيئة. ومع أن المفجوع يشهد عملية الدفن إلا أنه يستمر فـي نكران حقيقية الموت وينتظر عودة المتوفى، ويظل مؤمنا أن المتوفى سوف يخرج من قبره، ويعيش داخل كهف، ثم يبدأ فـي التجوال فـي الحقول والشوارع، ولا يستطيع العودة إلى أقاربه إلا إذا أُبطل العمل السحري أو ووجه بعمل سحري أقوى. هذا الإنكار لحقيقة الموت الذي يستمر طويلا والذي يُتوقع أن يؤذي المفجوع عاطفيا أو جسديا يقوم بوظيفة تكيّفية ويقلل من أثر الصدمة التي يحدثها الموت المفاجئ. وأخيرا فإن الدراسات المستقبلية ربما تكون كفيلة بالكشف عن خبايا التفاعل بين عملية الفجع وبين فكرة المغيب فـي المجتمع العماني الذي يشهد حركة تمدن سريعة.
ملحق شرفات