اللامنتمي
27/09/2005, 12:34 PM
(لو حاججني ألف عالم لحاججتهم، ولو حاججني جاهلٌ واحدٌ لغلبني) الشافعي
يوم الاثنين، 13/9،الاسبوع الماضي أُقيمت أمسية قصصيةٌ لعدد من كتاب القصة الجدد الذين يدرسون فـي كليات التربية بالمناطق: أمل المغيزوي (كلية الرستاق)، بشرى النعماني (كلية نزوى)، وداد البادي (كلية عبري)، موسى البلوشي (كلية صحار)، ياسر السعدي (خريج كلية صور).كان هناك عدد من الأخطاء لم يجر التعامل معه جدياً مما أدى إلى ارتباك ساد جو الأمسية وحرفها عن موضوعها الأساس، ابتداءً بالتنظيم حيث، وبخلاف ما نُشر فـي الصحف، فـي اليوم نفسه، لم تقدم (القراءتان النقديتان) من قبل القاصين محمود الرحبي وسالم آل تويه، فبينما قدم الأول إشارات وملاحظات وقراءة مقتضبة- لكنْ مكثفة وهادئة- لم يقدم الثاني سوى مداخلة مرتجلة ومعتذرة حاولتْ إسناد فحواها إلى عموميات وإن انطلقتْ مما أثارته القصص المقروءة. والسبب أن الاثنين استلما القصص قبل ثلاثة أيام من الأمسية التي كان مخططا لها أنْ تُقام فـي 19/9، أي أول أمس، لولا حؤول ظروف الكتاب، باعتبار دراستهم خارج مسقط، دون ذلك.
أسرة كتاب القصة فـي عُمان تكاد تكون المنشط الثقافـي الوحيد فـي مدينة تتضاءل فيها الخيارات، خيارات الجد والهزل؛ الترفيه والمتعة والفائدة، فمسقط، فـي نهاية المطاف، تبدو قريةً كبيرة محدودة الأنشطة، وإن وُجدتْ هذه الأخيرة فأغلبها يخضع لشروط مناسباتية موسمية تتوسل الكم وعشوائية الانتقاء على حساب ترسيخ ثقافة جادة تهتم بالبناء.وإذا ما توغلنا فـي أحراش هذا التداعي سنتساءل- دون شك- عن اهتماماتنا واشتغالاتنا التي نريد لها أنْ تتطور وتُفضي إلى تجارب أعمق، وليس اجترارها مرةً تلو مرةٍ، سنةً بعد سنةٍ، لنجد أنفسَنا- كما نحن الآن- نرتجل ونتشنج ونخجل، أو نكذب وندعي وفقط نغير جلد الطبل لكثرة ما طبلنا عليه، ونؤدي كل شيءٍ كيفما اتفق.
كي لا نشتط أبعد عن سياق موضوعنا نعود من حيث بدأنا وإليه؛ تحاول أسرة كتاب القصة تفعيل نشاطِها عبر أمسيتين تقيمهما مرتين كل شهر، وهي إذ تنطلق من جديد، من خلال مجلس إدارتها الجديد (كتاب القصة: يونس الأخزمي رئيساً، محمود الرحبي نائباً للرئيس، ناصر المنجي أميناً للسر)، فلا شك أنها لاتزال تخوض غمار التأسيس لتقليد ثقافـي يتمثل فـي استقطاب كتاب ومتابعين ومهتمين ومحبين للقصة، إلا أنها، تالياً، سينبغي عليها بذل جهود مضاعفة فـي التحضير لأمسيات لا تقتصر على قراءة النصوص ومداخلات الحضور فقط، الأمر الذي يعني وقوفها، وجهاً لوجهٍ، أمام معوقات لن تزول إذا لم تدرك أن تجاوزها ليس رهاناً خاسراً بل بديهيةٌ يفقأ الزمن عينيه لطول ما جثمتْ على أنفاسه ومنعته من التحرك!.
أول المعوقات هو النقد.
ما من تجربة إبداعية لا يرافقها نقد إلا ووقعت فـي حيص بيص. هناك استثناءات بالتأكيد لكن الواضح وضوح الشمس هو الغثاء المستشري.لا نطالب بقمع الكتابة أو منعها وإنما نشير إلى واقع فـي غاية السوء، تنعدم فيه أبجديات الحراك الثقافـي. ورغم كل ذلك لن يكون التذمرُ سوى الإسهام فـي تحنيط جثة الزمن- زمننا الذي لا نعرف أين هو فـي مكاننا: أهو الآن أم لايزال يتعثر فـي حفر الماضي.
وخلافاً لكل جامعات الكون- التي تنبعث منها شرارات المستقبل والاكتشافات والاختراعات والدراسات والنظريات والنقد- تخرج بعض الجامعات أساتذة يبدو أن أكثرهم يغريه الانصراف إلى اهتمامات أخرى بعيدة عن المجتمع وتراثه وما يحدث ويستجد فيه من ظواهر وتطورات وكتابات وهلمجرا.منذ نشأة القصة القصيرة فـي عُمان ظهر النقد طارئاً، انطباعياً، مناسباتيا، مدفوع الأجر أحياناً، اللهم إلا ما ومَنْ رحم ربك. هذه معضلةٌ لا تعاني منها القصة وحدها بل حقول الكتابة والإبداع الأخرى أيضاً، وقبل ذلك مجتمعٌ برمته.فـي أي حال مازالتِ القصة، فـي عُمان، فـي طور التشكل والتجريب؛ فأغلب كتابها تقف إصداراتهم عند حدود الكتاب الثاني، وحتى من تجاوز عددُ مجموعاتهم ذلك العدد يشوب كتابتهم قلقٌ بنائي لا يتضح فيه التعامل مع كثير من أسئلة السرد وإمكانياته وخصوصيته كتجربة. وهناك من لم يصدر مجموعة بعد (بعيداً عن القناعات والجدل العقيم)، ومن أصدر ثم توقف، ومن يبدأون الآن. هؤلاء الأخيرون ينبغي الأخذ بأيديهم قدر المستطاع كي لا يذوي كتابٌ قد يكونون إسهاماً حقيقياً فـي المستقبل.
ومن منطلق (رحم الله امْرَأً عرف قدر نفسِه( تُحاوَر الكتاباتُ الجديدة بقراءتِها ونقدها وتشجيعها ونشرها، خاصةً فـي ظل غياب صحافةٍ ثقافيةٍ تقوم بهذا الدور. ولِمَ لا يتم هذا عبر كتاب القصة أنفسِهم؟؛ فقد آن الأوان للكف عن التعويل على الأوهام والمسلمات النهائية الخاوية ولكسر قدسية النص والتخصص. لا بد من تأمل ما نكتبه جميعاً ومناقشته فنحن- حتى الآن!- قلما يعنينا نقد ذواتنا التي تزعم أنها تنتج.
كل ما سبق لا يعني الوقوع، مجدداً، فـي شراك الزيف والادعاء وتجيير الكتابة لمصالح ومظاهر شخصية وخاصة، ومن لا يقرأ نصه بنفسِه، أولاً، فلن تضيف إليه قراءات الآخرين شيئاً. أما إطلاق الأحكام وإسداءُ النصائح والإلغاء والتهميش والأبوية والظنون الحمقاء والوصايات والتبني والخبث و(سرقة الأضواء) وتضخيم الذوات- وما شئت أن تزيد فـي القائمة زِدْ- فبالتأكيد ليس مكانها أسرة كتاب القصة.يجب أن تتبع الصفةُ الموصوفَ لا أنْ تأتي وصفاً لمجهول وتفتح باب النمائم وتبيض وتفقس وتُفرخ أمراضاً. بمعنى أكثر مباشرة: علينا مواجهة أنفسِنا والآخرين بروح تدفعها المحبة والندية واحترام الآخرين والاختلاف معهم بموضوعية، كي لا تنطبق علينا أخيراً خلاصة أبي الطيب المتنبي كنتيجة حتمية:
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ
يَرَى غَيْرُهُ منه ما لا يَرَى
فـي هذا السياق لسنا على استعداد لنستغرب- مرةً أخرى- من مداخلات كمداخلات الباحث سلام الكندي (فـي الأمسية المشار إليها أعلاه) حول القصص المقروءة، عندما انتهى به الحديث إلى محاضرة عن الشعر الجاهلي وإشكالات الثقافة العربية الراهنة والبلاغة العربية وعدم اعترافه بأي تجربة كتابية أو تشكيلية فـي عُمان!، فضلاً عن مفاهيمه المغلوطة عن مصطلحات قُتلتْ نقدا كالتناص مثلاً، ثم ترديده (هو المشتغل لسنوات طويلة على الشعر الجاهلي أحد أهم المصادر للغة والشعر العربيين)، ترديده (الحُبْكَة) أكثر من عشر مرات متحدثاً عن (الحَبْكَة(!؛ و(الحُبْكَةُ(- حسب معجم الوسيط- )جمع: حُبَك 1. شدت الحُبْكة على خصرها: الحبل الذي يشد به على الوسط، مكان التّكة من السروال. 2. أخرجت حُبكة من جرابها: قارورة عطر لها فمٌ ضيق)، بينما (الحَبْكَةُ) )حَبْكَةُ الرواية: سياقها العام، وترابط أحداثها وتسلسلها وفق خطة إلى أنْ تصل إلى نهايتها).
وقد غام كثير مما قاله سلام، وشابته ضبابيةٌ والتباس؛ كابتدائه حديثه بأنه (جاهلٌ) بـ(الأدب العُماني المعاصر) فـي إشارة واضحة إلى انقطاعه للدراسة فـي فرنسا منذ 1983م إلى 2004م، ليفتح بذلك باب التساؤلات من قبل الحضور، حيث أبدى سالم العمري استغرابه من زعم الكندي جهله بتلك المرحلة وفـي الوقت نفسه عدم تورعه عن إطلاق الأحكام عليها، فضلاً عن أن (الأدب العُماني المعاصر( مرحلة غير محددة، فـي حديثه، فعلى سبيل المثال متى تبدأ هذه المرحلة بالضبط؟.ولسنا على استعداد أيضاً لاستقبال وصايات القاص حسين العبري على أولئك الكتاب باعتبارهم (مبتدئين!) حين وجه إليهم نصائحه: (لا تستمعوا للنقاد أبداً)، دون أن ينسى التشديد على تنبيهه المهم بالدارجة العمانية وبلفظة محذرة: (آها وتسمعوهم)!، خشيةً، ربما، من ضياع رسالته!.عرفنا حسين العبري كاتب قصة جيداً (بالطبع ليس على غرار (دوستويفسكي كاتب جيد(!)، وكاتب مقالات تنهار قبل أن تتماسك لأنها تنجر إلى مخالفة المألوف وقلبه وتقويضه لكن دون رباطة جأش أو امتلاك رؤية تؤهلها لطرح فكرتها. وهكذا تنشغل مقالته بالإطناب والاستطرادات والتبريرات لفكرة ليست موجودة أصلاً!، ناهيك عن تأسسها على احتمالات لا تمت إلى القراءة المنهجية بصلة، فهي تشرق وتغرب وتقيم أدلتها على أفكار مجردة تريد القفز إلى النتيجة فـي الوقت الذي لا تفعل فيه أكثر من الوقوع المتكرر حتى تسقط نهائياً فـي هاوية بين فكرتين إحداهما فـي رأس الكاتب يصر على إثباتها عنوةً، لكن القارئ يعرف جيدا مقدار الزخرفة المحض وهيمنة الإنشاء على حساب المعنى. من هنا، ولأن كل إنسان مسؤول عما يقول ويكتب نتساءل: كيف يقدم العبري نفسَه وصياً بكلام يوحي بأنه صاحب تجربة طويلة- فـي الكتابة وفـي القراءة وفـي الحياة- توصلت إلى رفض النقد والنقاد؛ ربما لكثرة ما نقدوها!. كما أن صاحب هذه التجربة يريد أن يرغم الكتاب الآخرين على اتخاذ قناعته بوصفها قراراً نهائيا غير قابل للنقاش، وذلك عبر استخدام (لا الناهية( الموضوعة لطلب الترْكِ والتوجيه الذي يتيحه ما بعدها من شروح: افعل، لا تفعل!.
وهكذا انحرفت الأمسية القصصية عن مسارها، وكان الضحية هم أولئك الكتاب الذين جاءوا شغوفين من مناطقهم ليفاجأوا بنقاشات ومداخلات لم تلتفت كثيراً إلى قصصهم بقدر ما أفصحت عن وضع ثقافـي مرير، فبعد انتهاء محمود الرحبي من قراءته وملاحظاته على النصوص ابتعد جل المداخلات عن موضوع الأمسية وتداعى نحو إشكالات وقضايا أخرى أثارها بعض المداخلين ليأتي مَنْ بعدهم معلقاً عليها هذا فـي الأساس خطأ ارتكبه مدير الأمسية (ناصر المنجي) الذي كان عليه تنبيه الجميع إلى التركيز على القصص المقروءة فقط، وهو ما أثار حفيظة بعضهم، إلا أن ما أثير عموماً من قبل المشار إليهم أعلاه أو آخرين مثل كتاب القصة (عبدالعزيز الفارسي، هلال البادي، معاوية الرواحي، سمير العريمي، حصة البادي المشرفة الثقافية على الكليات فـي وزارة التعليم العالي)... بحاجة إلى وقفات جادة وإمعان نظر ونقاش.
إن النصوص الأولى لأي كاتب قد تحمل مؤشرات لواحقها. ومما تشي به نصوص القاصين الخمسة أنها تقدح الشرارة الأولى لدخول عالم القصة الشاسع شساعة الحياة.
عن ملحق شرفات
يوم الاثنين، 13/9،الاسبوع الماضي أُقيمت أمسية قصصيةٌ لعدد من كتاب القصة الجدد الذين يدرسون فـي كليات التربية بالمناطق: أمل المغيزوي (كلية الرستاق)، بشرى النعماني (كلية نزوى)، وداد البادي (كلية عبري)، موسى البلوشي (كلية صحار)، ياسر السعدي (خريج كلية صور).كان هناك عدد من الأخطاء لم يجر التعامل معه جدياً مما أدى إلى ارتباك ساد جو الأمسية وحرفها عن موضوعها الأساس، ابتداءً بالتنظيم حيث، وبخلاف ما نُشر فـي الصحف، فـي اليوم نفسه، لم تقدم (القراءتان النقديتان) من قبل القاصين محمود الرحبي وسالم آل تويه، فبينما قدم الأول إشارات وملاحظات وقراءة مقتضبة- لكنْ مكثفة وهادئة- لم يقدم الثاني سوى مداخلة مرتجلة ومعتذرة حاولتْ إسناد فحواها إلى عموميات وإن انطلقتْ مما أثارته القصص المقروءة. والسبب أن الاثنين استلما القصص قبل ثلاثة أيام من الأمسية التي كان مخططا لها أنْ تُقام فـي 19/9، أي أول أمس، لولا حؤول ظروف الكتاب، باعتبار دراستهم خارج مسقط، دون ذلك.
أسرة كتاب القصة فـي عُمان تكاد تكون المنشط الثقافـي الوحيد فـي مدينة تتضاءل فيها الخيارات، خيارات الجد والهزل؛ الترفيه والمتعة والفائدة، فمسقط، فـي نهاية المطاف، تبدو قريةً كبيرة محدودة الأنشطة، وإن وُجدتْ هذه الأخيرة فأغلبها يخضع لشروط مناسباتية موسمية تتوسل الكم وعشوائية الانتقاء على حساب ترسيخ ثقافة جادة تهتم بالبناء.وإذا ما توغلنا فـي أحراش هذا التداعي سنتساءل- دون شك- عن اهتماماتنا واشتغالاتنا التي نريد لها أنْ تتطور وتُفضي إلى تجارب أعمق، وليس اجترارها مرةً تلو مرةٍ، سنةً بعد سنةٍ، لنجد أنفسَنا- كما نحن الآن- نرتجل ونتشنج ونخجل، أو نكذب وندعي وفقط نغير جلد الطبل لكثرة ما طبلنا عليه، ونؤدي كل شيءٍ كيفما اتفق.
كي لا نشتط أبعد عن سياق موضوعنا نعود من حيث بدأنا وإليه؛ تحاول أسرة كتاب القصة تفعيل نشاطِها عبر أمسيتين تقيمهما مرتين كل شهر، وهي إذ تنطلق من جديد، من خلال مجلس إدارتها الجديد (كتاب القصة: يونس الأخزمي رئيساً، محمود الرحبي نائباً للرئيس، ناصر المنجي أميناً للسر)، فلا شك أنها لاتزال تخوض غمار التأسيس لتقليد ثقافـي يتمثل فـي استقطاب كتاب ومتابعين ومهتمين ومحبين للقصة، إلا أنها، تالياً، سينبغي عليها بذل جهود مضاعفة فـي التحضير لأمسيات لا تقتصر على قراءة النصوص ومداخلات الحضور فقط، الأمر الذي يعني وقوفها، وجهاً لوجهٍ، أمام معوقات لن تزول إذا لم تدرك أن تجاوزها ليس رهاناً خاسراً بل بديهيةٌ يفقأ الزمن عينيه لطول ما جثمتْ على أنفاسه ومنعته من التحرك!.
أول المعوقات هو النقد.
ما من تجربة إبداعية لا يرافقها نقد إلا ووقعت فـي حيص بيص. هناك استثناءات بالتأكيد لكن الواضح وضوح الشمس هو الغثاء المستشري.لا نطالب بقمع الكتابة أو منعها وإنما نشير إلى واقع فـي غاية السوء، تنعدم فيه أبجديات الحراك الثقافـي. ورغم كل ذلك لن يكون التذمرُ سوى الإسهام فـي تحنيط جثة الزمن- زمننا الذي لا نعرف أين هو فـي مكاننا: أهو الآن أم لايزال يتعثر فـي حفر الماضي.
وخلافاً لكل جامعات الكون- التي تنبعث منها شرارات المستقبل والاكتشافات والاختراعات والدراسات والنظريات والنقد- تخرج بعض الجامعات أساتذة يبدو أن أكثرهم يغريه الانصراف إلى اهتمامات أخرى بعيدة عن المجتمع وتراثه وما يحدث ويستجد فيه من ظواهر وتطورات وكتابات وهلمجرا.منذ نشأة القصة القصيرة فـي عُمان ظهر النقد طارئاً، انطباعياً، مناسباتيا، مدفوع الأجر أحياناً، اللهم إلا ما ومَنْ رحم ربك. هذه معضلةٌ لا تعاني منها القصة وحدها بل حقول الكتابة والإبداع الأخرى أيضاً، وقبل ذلك مجتمعٌ برمته.فـي أي حال مازالتِ القصة، فـي عُمان، فـي طور التشكل والتجريب؛ فأغلب كتابها تقف إصداراتهم عند حدود الكتاب الثاني، وحتى من تجاوز عددُ مجموعاتهم ذلك العدد يشوب كتابتهم قلقٌ بنائي لا يتضح فيه التعامل مع كثير من أسئلة السرد وإمكانياته وخصوصيته كتجربة. وهناك من لم يصدر مجموعة بعد (بعيداً عن القناعات والجدل العقيم)، ومن أصدر ثم توقف، ومن يبدأون الآن. هؤلاء الأخيرون ينبغي الأخذ بأيديهم قدر المستطاع كي لا يذوي كتابٌ قد يكونون إسهاماً حقيقياً فـي المستقبل.
ومن منطلق (رحم الله امْرَأً عرف قدر نفسِه( تُحاوَر الكتاباتُ الجديدة بقراءتِها ونقدها وتشجيعها ونشرها، خاصةً فـي ظل غياب صحافةٍ ثقافيةٍ تقوم بهذا الدور. ولِمَ لا يتم هذا عبر كتاب القصة أنفسِهم؟؛ فقد آن الأوان للكف عن التعويل على الأوهام والمسلمات النهائية الخاوية ولكسر قدسية النص والتخصص. لا بد من تأمل ما نكتبه جميعاً ومناقشته فنحن- حتى الآن!- قلما يعنينا نقد ذواتنا التي تزعم أنها تنتج.
كل ما سبق لا يعني الوقوع، مجدداً، فـي شراك الزيف والادعاء وتجيير الكتابة لمصالح ومظاهر شخصية وخاصة، ومن لا يقرأ نصه بنفسِه، أولاً، فلن تضيف إليه قراءات الآخرين شيئاً. أما إطلاق الأحكام وإسداءُ النصائح والإلغاء والتهميش والأبوية والظنون الحمقاء والوصايات والتبني والخبث و(سرقة الأضواء) وتضخيم الذوات- وما شئت أن تزيد فـي القائمة زِدْ- فبالتأكيد ليس مكانها أسرة كتاب القصة.يجب أن تتبع الصفةُ الموصوفَ لا أنْ تأتي وصفاً لمجهول وتفتح باب النمائم وتبيض وتفقس وتُفرخ أمراضاً. بمعنى أكثر مباشرة: علينا مواجهة أنفسِنا والآخرين بروح تدفعها المحبة والندية واحترام الآخرين والاختلاف معهم بموضوعية، كي لا تنطبق علينا أخيراً خلاصة أبي الطيب المتنبي كنتيجة حتمية:
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ
يَرَى غَيْرُهُ منه ما لا يَرَى
فـي هذا السياق لسنا على استعداد لنستغرب- مرةً أخرى- من مداخلات كمداخلات الباحث سلام الكندي (فـي الأمسية المشار إليها أعلاه) حول القصص المقروءة، عندما انتهى به الحديث إلى محاضرة عن الشعر الجاهلي وإشكالات الثقافة العربية الراهنة والبلاغة العربية وعدم اعترافه بأي تجربة كتابية أو تشكيلية فـي عُمان!، فضلاً عن مفاهيمه المغلوطة عن مصطلحات قُتلتْ نقدا كالتناص مثلاً، ثم ترديده (هو المشتغل لسنوات طويلة على الشعر الجاهلي أحد أهم المصادر للغة والشعر العربيين)، ترديده (الحُبْكَة) أكثر من عشر مرات متحدثاً عن (الحَبْكَة(!؛ و(الحُبْكَةُ(- حسب معجم الوسيط- )جمع: حُبَك 1. شدت الحُبْكة على خصرها: الحبل الذي يشد به على الوسط، مكان التّكة من السروال. 2. أخرجت حُبكة من جرابها: قارورة عطر لها فمٌ ضيق)، بينما (الحَبْكَةُ) )حَبْكَةُ الرواية: سياقها العام، وترابط أحداثها وتسلسلها وفق خطة إلى أنْ تصل إلى نهايتها).
وقد غام كثير مما قاله سلام، وشابته ضبابيةٌ والتباس؛ كابتدائه حديثه بأنه (جاهلٌ) بـ(الأدب العُماني المعاصر) فـي إشارة واضحة إلى انقطاعه للدراسة فـي فرنسا منذ 1983م إلى 2004م، ليفتح بذلك باب التساؤلات من قبل الحضور، حيث أبدى سالم العمري استغرابه من زعم الكندي جهله بتلك المرحلة وفـي الوقت نفسه عدم تورعه عن إطلاق الأحكام عليها، فضلاً عن أن (الأدب العُماني المعاصر( مرحلة غير محددة، فـي حديثه، فعلى سبيل المثال متى تبدأ هذه المرحلة بالضبط؟.ولسنا على استعداد أيضاً لاستقبال وصايات القاص حسين العبري على أولئك الكتاب باعتبارهم (مبتدئين!) حين وجه إليهم نصائحه: (لا تستمعوا للنقاد أبداً)، دون أن ينسى التشديد على تنبيهه المهم بالدارجة العمانية وبلفظة محذرة: (آها وتسمعوهم)!، خشيةً، ربما، من ضياع رسالته!.عرفنا حسين العبري كاتب قصة جيداً (بالطبع ليس على غرار (دوستويفسكي كاتب جيد(!)، وكاتب مقالات تنهار قبل أن تتماسك لأنها تنجر إلى مخالفة المألوف وقلبه وتقويضه لكن دون رباطة جأش أو امتلاك رؤية تؤهلها لطرح فكرتها. وهكذا تنشغل مقالته بالإطناب والاستطرادات والتبريرات لفكرة ليست موجودة أصلاً!، ناهيك عن تأسسها على احتمالات لا تمت إلى القراءة المنهجية بصلة، فهي تشرق وتغرب وتقيم أدلتها على أفكار مجردة تريد القفز إلى النتيجة فـي الوقت الذي لا تفعل فيه أكثر من الوقوع المتكرر حتى تسقط نهائياً فـي هاوية بين فكرتين إحداهما فـي رأس الكاتب يصر على إثباتها عنوةً، لكن القارئ يعرف جيدا مقدار الزخرفة المحض وهيمنة الإنشاء على حساب المعنى. من هنا، ولأن كل إنسان مسؤول عما يقول ويكتب نتساءل: كيف يقدم العبري نفسَه وصياً بكلام يوحي بأنه صاحب تجربة طويلة- فـي الكتابة وفـي القراءة وفـي الحياة- توصلت إلى رفض النقد والنقاد؛ ربما لكثرة ما نقدوها!. كما أن صاحب هذه التجربة يريد أن يرغم الكتاب الآخرين على اتخاذ قناعته بوصفها قراراً نهائيا غير قابل للنقاش، وذلك عبر استخدام (لا الناهية( الموضوعة لطلب الترْكِ والتوجيه الذي يتيحه ما بعدها من شروح: افعل، لا تفعل!.
وهكذا انحرفت الأمسية القصصية عن مسارها، وكان الضحية هم أولئك الكتاب الذين جاءوا شغوفين من مناطقهم ليفاجأوا بنقاشات ومداخلات لم تلتفت كثيراً إلى قصصهم بقدر ما أفصحت عن وضع ثقافـي مرير، فبعد انتهاء محمود الرحبي من قراءته وملاحظاته على النصوص ابتعد جل المداخلات عن موضوع الأمسية وتداعى نحو إشكالات وقضايا أخرى أثارها بعض المداخلين ليأتي مَنْ بعدهم معلقاً عليها هذا فـي الأساس خطأ ارتكبه مدير الأمسية (ناصر المنجي) الذي كان عليه تنبيه الجميع إلى التركيز على القصص المقروءة فقط، وهو ما أثار حفيظة بعضهم، إلا أن ما أثير عموماً من قبل المشار إليهم أعلاه أو آخرين مثل كتاب القصة (عبدالعزيز الفارسي، هلال البادي، معاوية الرواحي، سمير العريمي، حصة البادي المشرفة الثقافية على الكليات فـي وزارة التعليم العالي)... بحاجة إلى وقفات جادة وإمعان نظر ونقاش.
إن النصوص الأولى لأي كاتب قد تحمل مؤشرات لواحقها. ومما تشي به نصوص القاصين الخمسة أنها تقدح الشرارة الأولى لدخول عالم القصة الشاسع شساعة الحياة.
عن ملحق شرفات