الحارثية
19/09/2005, 08:34 AM
(انها الروائع التي لا تطلقنا للرحيل... انها تجذبنا للهمس والبقاء في جمال الكلمات.... تجعلنا نخوض حائرين)
همـس الـذاكـــرة..
بعض مما علق من صدى الأمس (2 -3)
... وامر كما الذين مروا من هنا.. في هذه البقعة حيث تتلاقى الجهات.. وتتقارب الازمنة.. اقتفي اثر الشخوص.. اناظر الامكنة.. واستعيد بعض ذاكرتها.. اجدد الحنين الى تلك الايام التي طافت قبلي هذا المكان.. والى الصورة المتدلية من هامة الشهباء..
أيتها الشامخة في ذرى المجد.. هذا انا اواصل اقتفاء الاثر.. واطوف ذاكرة الايام.. افتش عن الذين رحلوا.. ابحث عن ذاكرتهم.. يكفيني منها الفتات.. كيما اهمس ببعض مما علق من صدى الامس.. قبل ان تأذن ساعات الرحيل.
الشهباء
كل الذين مروا بجوارك شاخوا وهرموا.. وما شخت ولا عرفت للوهن طريقا.. الذين سكنوا غياهبك، ما عادوا يقوون على رصد ذاكرتهم تلك.. كانت زمنا منسيا واوراق منزوعة من دفاتر تاريخهم، كانت ابصارهم معلقة فوق هامتك.. تهزهم الايام وتشيبهم الليالي.. وحدك من كنت واقفة في مكانك، لا تحرك ساكنا.. ولا ترفل جفنا، حتى يوم اتت الجرفة على كل ما حولك، طوقك الماء، حاول اقتلاع شموخك، او يحط بعض ذراك، يحفر له مكانا في ساحتك، يمنع التطواف، كانت الجرفة يوم اتت تمني ذاتها ان تنقلك حطما كما فعلت مع الاجساد والتفاصيل المحيطة بك.. لكنها ـ الجرفة ـ اعلنت انهزامها.. وارتدت على اعقابها.. وجف الوادي، وحين عادت التفاصيل، كان كل شئ قد تغير وتبدل..
ايتها الشهباء.. يا رمز المدينة.. وقبلة العائدين الى ديارهم ذات غروب، يا من يوفضون الخطى نحوك سراعا، لئلا توصدين الابواب في وجوههم، في مكانك شامخة.. سامقة ومانعة، تسطرين تاريخ امة.. تلك التي كنت ذات حين حارسها ومانعها، وحده جسدك من تلقى الطعنات وقاوم الضربات، يوم تكالبت عليك الايام.. وكادت هويتك تتماهى، وتتغير معالمك.. وتنمحي من الاذهان صورتك الماثلة.. كنت عتية صامدة.. في مكانك شامخة، كما كنت مذ ان تفتحت عيوننا، وتفتقت ابصارنا على مراك.. الفنا الهرم والشيخوخة الا في كينونتك.. دوما كنت متجددة تتباهى بك المدينة، وتفاخر بك على سائر معالمها ورموزها..
وحدك من يكتب تاريخ المدينة، كنت الاول وما قبلك مضى الى الفناء.. والاخر وما بعدك يواجه الاحتضار.. ولو بعد حين، وحدك الشاهدة على ما سكن هنا وتحرك.. كنت حاضرة في كل شئ.. ومحور كل همس وجهر..
الذين يمرون عليك بكرة واصيلا.. يمضون بعد حين.. هؤلاء الراحلون، وحدها خطاهم تترك رائحتهم وتشئ بانفاسهم.. تنبئ عن تاريخهم وكينونتهم.. ووحدك حتى ردحا بعيدا من الزمن، تنسين كل معاني وثيمات الموت والرحيل..
صمت وحراك
وحده الصمت من يسكن بيوت الحارة ذات ليالي قائظة، والطرقات التي تمتلئ نهارا بالخطى والاحاديث، تبدو مقفرة هذه الليلة، لا شئ يجوب المنازل غير السكون، ولا شئ يغلفها غير العتمة والظلام الدامس، حتى اذا ما اهتز غصن شجرة او سعف نخلة لنفحة ريح او هبوب عاصفة، يقفز احدهم من نومه وجلا، تساوره الظنون، يهرع ليمتطي بندقيته ويشعل قنديله، ينادي في الصمت بصوت اجش: من هناك؟، يمد بصره عله يرجع إليه بما اوجله وافزع نومه، يتفحص اجساد الصغار المتكومة في زاوية الغرفة.. ولما لا يجيبه غير جشأة الريح، يأوي الى فراشه، يغالب الارق، يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، ثم يحرك التي بقربه، ويدعوها قسرا الى طلبه، وينسحب الصمت تاركا بعض تاوهات للمكان..
لم يكن وحده من يهب من نومه مذعورا لصوت حفيف خارجي، كان الكثير امثاله، من يهجرون النوم، ويجرون خطاهم، يفتشون عن قادم افزع نومتهم، واقض مضاجعهم، وبدد هدأة الكرى، كانت البيوت التي تعيش على هذه الكوابيس، تتحول في لحظة تالية، الى ليالي حالمة، تجد النساء فيها منيتها وبغيتها، وتتمنى لو هبت الريح كل ليلة..
في الصباح التالي، تبدو الحياة اكثر اتساعا وشمولا، والنوافذ الخشبية المتقابلة في الدور العلوية مشرعة ومفتوحة باتجاه بعضها البعض، والاسرة الصغيرة تكبر وتتسع، ورائحة الطعام الذي يفوح في هذا المنزل.. يكون على موائد المنازل المجاورة.
قبل ان يبارح الليل سكونه.. او بعده، لا حدود فاصلة للعمل.. هو متسع باتساع الحياة.. والجري خلف لقمة العيش لا امد له.. وحين تستعيد الذاكرة بعض صور العمل تبرز اجساد الرجال معلقة بين السماء والارض، فوق هامات النخيل، تكون النساء في مهمة جماعية للم الحصاد وتنقيته، وفصل التمر الكامل عن الرطب الجني، اما حين تكون النخلة قد اتت ثمارها، واكتمل حصادها، تتجه الانظار الى مزارع الصيف (القمح)، كان الحصاد مهنة جماعية، تكتمل فيه صورة الاسرة الكبيرة، وتبرز فيه ملامح التكاتف ومعاني الاخوة التي تربط هذه الاسرة، كان حصيلة الحصاد تتوزع بكيفية متعارف عليها، يكون فيه نصيب للشتاء القادم، ولأن الذاكرة تستعيد مواسم الحصاد.. فانها تستعيد كذلك صور التخزين والتوفير للايام القادمة، فالفواكه ـ كالسفرجل والبرتقال على سبيل المثال ـ كانت تحفظ في سرادق وحفر تحت ارضية ما في المنزل، كانت الفاكهة المخزنة تنعم بالدفء والبرودة نظرا لتشربها بالماء، ولكونها مصرجة بالطين، تحمل بداخلها نسمات هواء باردة، وتحفظ الفاكهة لامد زمني ليس بعيد، لكنه كان يكفي بعض مؤنة الشتاء، وانعدام تلك الفاكهة حينذاك.
كانت المفارقة التي تشرئب لها الاعناق، وتضحك لها الايام المتوالية، حينما يجد الجميع ان الحفرة اكلت ما خزن بها، ولم تبق هناك غير بقايا قشور او بذور تبحث عن الفاعل.. وتدور الاتهامات بشكل هامس حول شخصية الجاني، لكنها تعاود الانهزام امام اصرار الجميع وتأكيد عدم اقترابهم من مخزون الفاكهة..
كانت الصورة وهي تتوالى في القادم من الاعوام، باعثة على مزيد من التماسك والالفة الاسرية، وطرافة تتسامر بها العائلة وهي تنفض عن اجسادها بعض التعب.. بعض الفقر.. بعض من بعض الآم الحياة ومكابداتها..
كان البحث عن سامر يقض مضجع التعب ويذهب المعاناة همّ يتشارك الجميع فيه، كان العوز بمكان ان يتباهى الرجل بشراء (ربعة كيلو) من اللحم تبرز بين تقاطيعها شحمة بيضاء تسر الناظرين، وعند اجتماع الاسرة على مائدة الغداء او العشاء، كانت قطع اللحم الصغيرة توزع بالتساوي على المجتمعين، كان يطلب من الكبار ان يأكلوا نصيبهم قبل ان يبكي الصغار ويطلبوا المزيد، كان رب الاسرة حين ينظر الى مآقي الصغار ويستمع لبكائهم.. يقذف نحوهم نصيبه من اللحم، ويرفع يديه شكرا وحمدا، قبل ان ينفض من المائدة.. ويواري دمعة انزاحت على جبهته..
وحده العيد حين يأتي.. يأكل الجميع لحما حد الاتخام.. كان لحم الاضاحي يتوزع بهيئات وكيفيات مختلفة كلها تحاول ان تبقيه محفوظا لزمن طويل.. وكان من طرق حفظه طبخ اللحم مع العظم ثم يشكم في حبل طويل يتدلى في احد اركان البيت، وهو ما يعرف بلحم القلادة.. كان الحنين الى لحم العيد او (لحم البيت) يقود النساء الى تلك القلادة غير عابهين بما يتراكم عليها من حشرات طائرة وزاحفة.. كان القول المأثور: هو ان القلوب طاهرة ونظيفة، ولن تتمكن منها الشوائب والملوثات.. وكانت كذلك..
كان الرجال يتداولون السخرية والاستهزاء من ايقاع الحركة والحياة العصرية التي بعثت اليهم بامراض وعاهات لا يدرون كينونتها في ايامهم الخوالي، كان الوسم والتمائم سبيلهم لعلاج مرضاهم، دون ان يغفلوا ما تجود به الطبيعة من اعشاب ووصفات وخلطات دوائية قلّ من يعرف سرها..
فرح وبكاء
يعيشها الفرح هذا اليوم، كما لم تعشه من قبل، يختلج صدرها بهجة وحبورا، هي المنتشية بشرا وسرورا، تواري ذلك لئيلا تلعنها النظرات، وتلثمها الكلمات، وتنعتها باوصاف اللاحياء، كانت مسلمة امرها ـ كما جسدها ـ لمن حولها من النسوة، ذي تصلح هيئتها.. وتلك تسحج شعرها.. وهذه تعقص ضفائرها وتخضبها باليأس والحناء، وامها من بين النسوة تأتي بالمرية لتطوق عنقها.. وتثقل جيدها.. تنطل قدمها بالخلخال.. وتزين معصميها بالاسوار الفضية والاصابع تختال بالخواتم والفصوص.. وعلى جبينها يتدلى دينار فضي.
كانت بملابسها المزركشة والمزدانة بالازرية والنقوش، وروائحها العطرة الفواحة، وصمتها المدقق شاردة الفكر ـ رغم الفرح ـ، مبهمة النظرات، ترسم في خيالاتها صورة حياة اخرى، تحلم بهيئة القادم الذي سيأتي بعد برهة زمن وجيزة يأخذها الى حياته وعالمه، هي التي تسمع اسمه دون ان تعي كينونته، واحدة من النساء تهمس في اذنيها ببضع كلمات، تواري بعدها حياءها وخجلها، ولا تطيق رفع بصرها فيمن حولها من النسوة..
امها التي تغالب دموعها، تشارك النساء اهازيجهن، وتقاسمهن كلمات الولولة و(الخوي ما طايعة تجي).. كانت في اعماقها تضحك من الكلمات، هل تحتاج بالفعل لاضحية او ذبيحة حتى تعلن استسلامها وانقيادها للولوج في دائرة تكون هي مركزها، والنساء من حولها يغمرنها، ويلثمنها بانفسهن والوانهن وكلماتهن.. لم تكن تقو الوقوف.. كانت الارض تدور بها كما النساء، وتتمايل كما الاجساد المحيطة بها من كل جانب، كانت تبحث عن الهواء الذي يجدد شعورها بالحياة، فلا تجد غير الانفاس المختلطة بروائح الصندل والعطور الرخيصة، وتمضي في موكب لا تدري اي تتوجه خطاه، واي زمن يأخذه من عمرها في تلك الليلة، حتى اذا ما اختلف الزمان والمكان، تجد ذاتها بمواجهة من كانت تنتظره في خيالاتها، دون ان تراه.. لكنها تشعر به وبانفاسه، كما تشعر وتعي وتسمع بسملته وتمتماته بفاتحة الكتاب وهو يمسح براحة كفه رأسها، وحين تضع قدمها الاولى داخل الغرفة، يمتلئ حياؤها ويقشعر بدنها، وتخالطها نوبة فرح وبكاء.. لا تبوح بهما..
وتمضي الحياة لتجد ذاتها في صباح تالي تنفض مسمى عروسة من قاموسها، وتنزل في صباحيتها لتعمل مع النساء، تشاركهن مشقة الحياة الاخرى، لا شئ في حياتها بعد ليلتها الاولى يوشحها بالعروس، ولا شئ جديد بعد ذلك، غير ما تكتشفه من صور لم تكن في خيالاتها ولا تجاوزت الى احلامها.. كانت صورة الزوجة التي تشد من ازر زوجها وتعينه على تحمل الشدائد وحدها المرتسمة في واقعها.. لا يعفيها شئ من العمل حتى تضع حملها، ويقوى جسدها على الحراك.. كانت ديمومة الحياة هذه واقع مألوف ونصيب يقنع به الجميع.. حتى حينما تتحول في نظر زوجها واسرته الى مجرد وعاء يقذف من رحمه الطفل تلو الاخر، ويكدس الصغار كل عام، كانت تمارس حياتها وتغوص في الدور المرسوم لها.. ووحده الزوج من يحكم على مدى اتقانها للدور او فشلها.. وفي كلتا الحالتين هي لا تسلم من ضرة تأخذ قلب زوجها وعقله..
كان كفاحها الحياتي ومكابدتها اليومية.. امرا اعتياديا ومألوفا تتسم به اترابها.. لم يكن هناك مجال لاعلان زينتها والتباهي بملبوس تضاهي اقرانها به وتسرق الانظار، كانت لا تملك الحلم حتى حين تستكين الى ذاتها، وتؤي الى مناماتها.. وتروح غفوة زمن.. تستيقظ بعده على بقايا ذكريات سلفت.. وحكايات خلت ايامها ومضت لياليها..
العريبيا
كل التفاصيل التي تمر هنا كانت مألوفة.. ورتم ثابت من الحياة اليومية المعاشة.. لا شئ يدعو للغربة او الاستهجان.. الذين يأتون من مشارق الارض ومغاربها.. تختلف هيأتهم وتتنوع مشاربهم.. لكنهم مألوفين حد التماهي والانغماس في طقوسهم.. ومرة اخرى لا شئ يستوقف المتحرك من الاجساد، ويحرك الساكن منها..
لكن الساكن ذات صباح تحرك.. واهتزت الصورة، وشرأبت الاعناق باتجاه اللامتخيل في الحياة اليومية.. كانت تثير الغبار.. وتسابق الريح.. وقبل كل هذا وذاك، كانت مثار استغراب وتساؤلات لا حدود لها.. اخرست الالسن حينما لاحت لهم اول مرة.. كان وقع الدهشة اكبر من الاوصاف والنعوت، حتى اذا ما ألفتها الابصار.. ودأبتها الاسماع.. اختلفت الاراء حولها.. وتضاربت الكلمات حولها، يقول احدهم ان العريبيا تتحرك بفعل شياطين تسكنها.. وقال اخرون ان الشياطين لا تقوم بمثل هذه الاعمال بل هو السحر بعينه، وحين مرقت العريبيا امام احدهم وازاحته وحماره عن الطريق: لعنها الف لعنة، واعتبرها رجس من عمل الشيطان.
ومع كل هذه الاوصاف والنعوت كانت العريبيا تشق طريقها.. وتقطع السهول والفيافي.. واجبرت بوابات المدينة على الاتساع لها.. ووحدها قوافل الحمير من انسحبت ببطء شديد، اللهم الا من كفر بالعريبيا.. وحرم ركوبها.. لكنه بعد حين من الزمن امن بها، واعتبرها شرا لا بد منه، ولاجل ذلك اتسعت ساحة الشهباء وما حولها، وارتسمت الطرق وهيئت لمرور القادم من زمن العجائب.. كانت المسافات تتقارب.. ومعها القرى والمدن، وما كان يأخذ اياما واسابيع طويلة تحول الى ساعات معدودة.. ولم يعد مستخدميها بحاجة الى حمل القناديل وهم يجوبون القرى في الليالي الحالكة..
وتوالت ايام العريبيا.. تعددت الوانها وصورها.. حتى المسميات تكاثرت عليها، لكنها ظلت في ذاكرة الكثيرين بمسمى العربيبا او البيدي فورت.. ومرة اخرى كانت الشهباء حاضرة وشاهدة على هذا التحول.. كانت الشهباء تمرق قطعان الحمير شاردة من الساحة.. تبحث عن مأوى جديد.. ودور اخر تؤديه في الحياة.. فلا تملك غير السخرية من هذا الواقع الذي سيأتي هو ايضا على العريبيا.. ولا يبق لها من باقية..
صمت آخر للذاكرة
هو الصمت دائم يسابق الحراك.. يطوق بوح الذاكرة.. ويلقي عليها بظلال سكون حتى صحو قادم، تلك الرياح التي هبت ذات ليلة وقضت المضاجع.. هاهي ذا تعاود السكون، والصمت.. حارة الوادي هي الاخرى تبدلت في صمت.. كان شجرة اللمبجة على مراها تناظر تقلبات الايام وتعاقب الليالي.. وتبدل الاجساد المارة من هنا.. المتجهة نحو حكايات جديدة تكتبها وترويها لاجيال قادمة.. ستفتقد بعد حين اللمبجة وما حولها..
صامتة وقعت اللمبجة.. كأن تعي مقولة (الاشجار تموت واقفة).. لكن ابت ان يطول وقوفها.. لم تكن تريد ان تكون حديثا عابرا.. يحشذ الشجون ويسح العبرات.. سقطت اللمبجة من ليلتها.. وفي الصباح التالي كانت البرزة هي الاخرى قد تهاوت واندثرت.. معالم جديدة وصور اخرى قامت في حارة الوادي.. وساحة الشهباء التي كانت ذات يوم ممتدة ومتسعة الافاق.. ما عادت كذلك..
وحده الصمت اللحظي.. من يبرز في هذه الصورة.. حتى العريبيا وقفت هي الاخرى بانتظار القادم الذي سيزيحها من مكانها ويبدل صورتها.. كانت حكايات التحول والتبدل تتوالى.. وكما هو دأب الامسيات لا تتسع لكل الحكايات.. والصفحات تمتلئ بعد حين.. تصاب الذاكرة بصمت لن يطول مداه.
... للذاكرة مساحة اخرى من الهمس
ينبشها: خلفان الزيدي
همـس الـذاكـــرة..
بعض مما علق من صدى الأمس (2 -3)
... وامر كما الذين مروا من هنا.. في هذه البقعة حيث تتلاقى الجهات.. وتتقارب الازمنة.. اقتفي اثر الشخوص.. اناظر الامكنة.. واستعيد بعض ذاكرتها.. اجدد الحنين الى تلك الايام التي طافت قبلي هذا المكان.. والى الصورة المتدلية من هامة الشهباء..
أيتها الشامخة في ذرى المجد.. هذا انا اواصل اقتفاء الاثر.. واطوف ذاكرة الايام.. افتش عن الذين رحلوا.. ابحث عن ذاكرتهم.. يكفيني منها الفتات.. كيما اهمس ببعض مما علق من صدى الامس.. قبل ان تأذن ساعات الرحيل.
الشهباء
كل الذين مروا بجوارك شاخوا وهرموا.. وما شخت ولا عرفت للوهن طريقا.. الذين سكنوا غياهبك، ما عادوا يقوون على رصد ذاكرتهم تلك.. كانت زمنا منسيا واوراق منزوعة من دفاتر تاريخهم، كانت ابصارهم معلقة فوق هامتك.. تهزهم الايام وتشيبهم الليالي.. وحدك من كنت واقفة في مكانك، لا تحرك ساكنا.. ولا ترفل جفنا، حتى يوم اتت الجرفة على كل ما حولك، طوقك الماء، حاول اقتلاع شموخك، او يحط بعض ذراك، يحفر له مكانا في ساحتك، يمنع التطواف، كانت الجرفة يوم اتت تمني ذاتها ان تنقلك حطما كما فعلت مع الاجساد والتفاصيل المحيطة بك.. لكنها ـ الجرفة ـ اعلنت انهزامها.. وارتدت على اعقابها.. وجف الوادي، وحين عادت التفاصيل، كان كل شئ قد تغير وتبدل..
ايتها الشهباء.. يا رمز المدينة.. وقبلة العائدين الى ديارهم ذات غروب، يا من يوفضون الخطى نحوك سراعا، لئلا توصدين الابواب في وجوههم، في مكانك شامخة.. سامقة ومانعة، تسطرين تاريخ امة.. تلك التي كنت ذات حين حارسها ومانعها، وحده جسدك من تلقى الطعنات وقاوم الضربات، يوم تكالبت عليك الايام.. وكادت هويتك تتماهى، وتتغير معالمك.. وتنمحي من الاذهان صورتك الماثلة.. كنت عتية صامدة.. في مكانك شامخة، كما كنت مذ ان تفتحت عيوننا، وتفتقت ابصارنا على مراك.. الفنا الهرم والشيخوخة الا في كينونتك.. دوما كنت متجددة تتباهى بك المدينة، وتفاخر بك على سائر معالمها ورموزها..
وحدك من يكتب تاريخ المدينة، كنت الاول وما قبلك مضى الى الفناء.. والاخر وما بعدك يواجه الاحتضار.. ولو بعد حين، وحدك الشاهدة على ما سكن هنا وتحرك.. كنت حاضرة في كل شئ.. ومحور كل همس وجهر..
الذين يمرون عليك بكرة واصيلا.. يمضون بعد حين.. هؤلاء الراحلون، وحدها خطاهم تترك رائحتهم وتشئ بانفاسهم.. تنبئ عن تاريخهم وكينونتهم.. ووحدك حتى ردحا بعيدا من الزمن، تنسين كل معاني وثيمات الموت والرحيل..
صمت وحراك
وحده الصمت من يسكن بيوت الحارة ذات ليالي قائظة، والطرقات التي تمتلئ نهارا بالخطى والاحاديث، تبدو مقفرة هذه الليلة، لا شئ يجوب المنازل غير السكون، ولا شئ يغلفها غير العتمة والظلام الدامس، حتى اذا ما اهتز غصن شجرة او سعف نخلة لنفحة ريح او هبوب عاصفة، يقفز احدهم من نومه وجلا، تساوره الظنون، يهرع ليمتطي بندقيته ويشعل قنديله، ينادي في الصمت بصوت اجش: من هناك؟، يمد بصره عله يرجع إليه بما اوجله وافزع نومه، يتفحص اجساد الصغار المتكومة في زاوية الغرفة.. ولما لا يجيبه غير جشأة الريح، يأوي الى فراشه، يغالب الارق، يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، ثم يحرك التي بقربه، ويدعوها قسرا الى طلبه، وينسحب الصمت تاركا بعض تاوهات للمكان..
لم يكن وحده من يهب من نومه مذعورا لصوت حفيف خارجي، كان الكثير امثاله، من يهجرون النوم، ويجرون خطاهم، يفتشون عن قادم افزع نومتهم، واقض مضاجعهم، وبدد هدأة الكرى، كانت البيوت التي تعيش على هذه الكوابيس، تتحول في لحظة تالية، الى ليالي حالمة، تجد النساء فيها منيتها وبغيتها، وتتمنى لو هبت الريح كل ليلة..
في الصباح التالي، تبدو الحياة اكثر اتساعا وشمولا، والنوافذ الخشبية المتقابلة في الدور العلوية مشرعة ومفتوحة باتجاه بعضها البعض، والاسرة الصغيرة تكبر وتتسع، ورائحة الطعام الذي يفوح في هذا المنزل.. يكون على موائد المنازل المجاورة.
قبل ان يبارح الليل سكونه.. او بعده، لا حدود فاصلة للعمل.. هو متسع باتساع الحياة.. والجري خلف لقمة العيش لا امد له.. وحين تستعيد الذاكرة بعض صور العمل تبرز اجساد الرجال معلقة بين السماء والارض، فوق هامات النخيل، تكون النساء في مهمة جماعية للم الحصاد وتنقيته، وفصل التمر الكامل عن الرطب الجني، اما حين تكون النخلة قد اتت ثمارها، واكتمل حصادها، تتجه الانظار الى مزارع الصيف (القمح)، كان الحصاد مهنة جماعية، تكتمل فيه صورة الاسرة الكبيرة، وتبرز فيه ملامح التكاتف ومعاني الاخوة التي تربط هذه الاسرة، كان حصيلة الحصاد تتوزع بكيفية متعارف عليها، يكون فيه نصيب للشتاء القادم، ولأن الذاكرة تستعيد مواسم الحصاد.. فانها تستعيد كذلك صور التخزين والتوفير للايام القادمة، فالفواكه ـ كالسفرجل والبرتقال على سبيل المثال ـ كانت تحفظ في سرادق وحفر تحت ارضية ما في المنزل، كانت الفاكهة المخزنة تنعم بالدفء والبرودة نظرا لتشربها بالماء، ولكونها مصرجة بالطين، تحمل بداخلها نسمات هواء باردة، وتحفظ الفاكهة لامد زمني ليس بعيد، لكنه كان يكفي بعض مؤنة الشتاء، وانعدام تلك الفاكهة حينذاك.
كانت المفارقة التي تشرئب لها الاعناق، وتضحك لها الايام المتوالية، حينما يجد الجميع ان الحفرة اكلت ما خزن بها، ولم تبق هناك غير بقايا قشور او بذور تبحث عن الفاعل.. وتدور الاتهامات بشكل هامس حول شخصية الجاني، لكنها تعاود الانهزام امام اصرار الجميع وتأكيد عدم اقترابهم من مخزون الفاكهة..
كانت الصورة وهي تتوالى في القادم من الاعوام، باعثة على مزيد من التماسك والالفة الاسرية، وطرافة تتسامر بها العائلة وهي تنفض عن اجسادها بعض التعب.. بعض الفقر.. بعض من بعض الآم الحياة ومكابداتها..
كان البحث عن سامر يقض مضجع التعب ويذهب المعاناة همّ يتشارك الجميع فيه، كان العوز بمكان ان يتباهى الرجل بشراء (ربعة كيلو) من اللحم تبرز بين تقاطيعها شحمة بيضاء تسر الناظرين، وعند اجتماع الاسرة على مائدة الغداء او العشاء، كانت قطع اللحم الصغيرة توزع بالتساوي على المجتمعين، كان يطلب من الكبار ان يأكلوا نصيبهم قبل ان يبكي الصغار ويطلبوا المزيد، كان رب الاسرة حين ينظر الى مآقي الصغار ويستمع لبكائهم.. يقذف نحوهم نصيبه من اللحم، ويرفع يديه شكرا وحمدا، قبل ان ينفض من المائدة.. ويواري دمعة انزاحت على جبهته..
وحده العيد حين يأتي.. يأكل الجميع لحما حد الاتخام.. كان لحم الاضاحي يتوزع بهيئات وكيفيات مختلفة كلها تحاول ان تبقيه محفوظا لزمن طويل.. وكان من طرق حفظه طبخ اللحم مع العظم ثم يشكم في حبل طويل يتدلى في احد اركان البيت، وهو ما يعرف بلحم القلادة.. كان الحنين الى لحم العيد او (لحم البيت) يقود النساء الى تلك القلادة غير عابهين بما يتراكم عليها من حشرات طائرة وزاحفة.. كان القول المأثور: هو ان القلوب طاهرة ونظيفة، ولن تتمكن منها الشوائب والملوثات.. وكانت كذلك..
كان الرجال يتداولون السخرية والاستهزاء من ايقاع الحركة والحياة العصرية التي بعثت اليهم بامراض وعاهات لا يدرون كينونتها في ايامهم الخوالي، كان الوسم والتمائم سبيلهم لعلاج مرضاهم، دون ان يغفلوا ما تجود به الطبيعة من اعشاب ووصفات وخلطات دوائية قلّ من يعرف سرها..
فرح وبكاء
يعيشها الفرح هذا اليوم، كما لم تعشه من قبل، يختلج صدرها بهجة وحبورا، هي المنتشية بشرا وسرورا، تواري ذلك لئيلا تلعنها النظرات، وتلثمها الكلمات، وتنعتها باوصاف اللاحياء، كانت مسلمة امرها ـ كما جسدها ـ لمن حولها من النسوة، ذي تصلح هيئتها.. وتلك تسحج شعرها.. وهذه تعقص ضفائرها وتخضبها باليأس والحناء، وامها من بين النسوة تأتي بالمرية لتطوق عنقها.. وتثقل جيدها.. تنطل قدمها بالخلخال.. وتزين معصميها بالاسوار الفضية والاصابع تختال بالخواتم والفصوص.. وعلى جبينها يتدلى دينار فضي.
كانت بملابسها المزركشة والمزدانة بالازرية والنقوش، وروائحها العطرة الفواحة، وصمتها المدقق شاردة الفكر ـ رغم الفرح ـ، مبهمة النظرات، ترسم في خيالاتها صورة حياة اخرى، تحلم بهيئة القادم الذي سيأتي بعد برهة زمن وجيزة يأخذها الى حياته وعالمه، هي التي تسمع اسمه دون ان تعي كينونته، واحدة من النساء تهمس في اذنيها ببضع كلمات، تواري بعدها حياءها وخجلها، ولا تطيق رفع بصرها فيمن حولها من النسوة..
امها التي تغالب دموعها، تشارك النساء اهازيجهن، وتقاسمهن كلمات الولولة و(الخوي ما طايعة تجي).. كانت في اعماقها تضحك من الكلمات، هل تحتاج بالفعل لاضحية او ذبيحة حتى تعلن استسلامها وانقيادها للولوج في دائرة تكون هي مركزها، والنساء من حولها يغمرنها، ويلثمنها بانفسهن والوانهن وكلماتهن.. لم تكن تقو الوقوف.. كانت الارض تدور بها كما النساء، وتتمايل كما الاجساد المحيطة بها من كل جانب، كانت تبحث عن الهواء الذي يجدد شعورها بالحياة، فلا تجد غير الانفاس المختلطة بروائح الصندل والعطور الرخيصة، وتمضي في موكب لا تدري اي تتوجه خطاه، واي زمن يأخذه من عمرها في تلك الليلة، حتى اذا ما اختلف الزمان والمكان، تجد ذاتها بمواجهة من كانت تنتظره في خيالاتها، دون ان تراه.. لكنها تشعر به وبانفاسه، كما تشعر وتعي وتسمع بسملته وتمتماته بفاتحة الكتاب وهو يمسح براحة كفه رأسها، وحين تضع قدمها الاولى داخل الغرفة، يمتلئ حياؤها ويقشعر بدنها، وتخالطها نوبة فرح وبكاء.. لا تبوح بهما..
وتمضي الحياة لتجد ذاتها في صباح تالي تنفض مسمى عروسة من قاموسها، وتنزل في صباحيتها لتعمل مع النساء، تشاركهن مشقة الحياة الاخرى، لا شئ في حياتها بعد ليلتها الاولى يوشحها بالعروس، ولا شئ جديد بعد ذلك، غير ما تكتشفه من صور لم تكن في خيالاتها ولا تجاوزت الى احلامها.. كانت صورة الزوجة التي تشد من ازر زوجها وتعينه على تحمل الشدائد وحدها المرتسمة في واقعها.. لا يعفيها شئ من العمل حتى تضع حملها، ويقوى جسدها على الحراك.. كانت ديمومة الحياة هذه واقع مألوف ونصيب يقنع به الجميع.. حتى حينما تتحول في نظر زوجها واسرته الى مجرد وعاء يقذف من رحمه الطفل تلو الاخر، ويكدس الصغار كل عام، كانت تمارس حياتها وتغوص في الدور المرسوم لها.. ووحده الزوج من يحكم على مدى اتقانها للدور او فشلها.. وفي كلتا الحالتين هي لا تسلم من ضرة تأخذ قلب زوجها وعقله..
كان كفاحها الحياتي ومكابدتها اليومية.. امرا اعتياديا ومألوفا تتسم به اترابها.. لم يكن هناك مجال لاعلان زينتها والتباهي بملبوس تضاهي اقرانها به وتسرق الانظار، كانت لا تملك الحلم حتى حين تستكين الى ذاتها، وتؤي الى مناماتها.. وتروح غفوة زمن.. تستيقظ بعده على بقايا ذكريات سلفت.. وحكايات خلت ايامها ومضت لياليها..
العريبيا
كل التفاصيل التي تمر هنا كانت مألوفة.. ورتم ثابت من الحياة اليومية المعاشة.. لا شئ يدعو للغربة او الاستهجان.. الذين يأتون من مشارق الارض ومغاربها.. تختلف هيأتهم وتتنوع مشاربهم.. لكنهم مألوفين حد التماهي والانغماس في طقوسهم.. ومرة اخرى لا شئ يستوقف المتحرك من الاجساد، ويحرك الساكن منها..
لكن الساكن ذات صباح تحرك.. واهتزت الصورة، وشرأبت الاعناق باتجاه اللامتخيل في الحياة اليومية.. كانت تثير الغبار.. وتسابق الريح.. وقبل كل هذا وذاك، كانت مثار استغراب وتساؤلات لا حدود لها.. اخرست الالسن حينما لاحت لهم اول مرة.. كان وقع الدهشة اكبر من الاوصاف والنعوت، حتى اذا ما ألفتها الابصار.. ودأبتها الاسماع.. اختلفت الاراء حولها.. وتضاربت الكلمات حولها، يقول احدهم ان العريبيا تتحرك بفعل شياطين تسكنها.. وقال اخرون ان الشياطين لا تقوم بمثل هذه الاعمال بل هو السحر بعينه، وحين مرقت العريبيا امام احدهم وازاحته وحماره عن الطريق: لعنها الف لعنة، واعتبرها رجس من عمل الشيطان.
ومع كل هذه الاوصاف والنعوت كانت العريبيا تشق طريقها.. وتقطع السهول والفيافي.. واجبرت بوابات المدينة على الاتساع لها.. ووحدها قوافل الحمير من انسحبت ببطء شديد، اللهم الا من كفر بالعريبيا.. وحرم ركوبها.. لكنه بعد حين من الزمن امن بها، واعتبرها شرا لا بد منه، ولاجل ذلك اتسعت ساحة الشهباء وما حولها، وارتسمت الطرق وهيئت لمرور القادم من زمن العجائب.. كانت المسافات تتقارب.. ومعها القرى والمدن، وما كان يأخذ اياما واسابيع طويلة تحول الى ساعات معدودة.. ولم يعد مستخدميها بحاجة الى حمل القناديل وهم يجوبون القرى في الليالي الحالكة..
وتوالت ايام العريبيا.. تعددت الوانها وصورها.. حتى المسميات تكاثرت عليها، لكنها ظلت في ذاكرة الكثيرين بمسمى العربيبا او البيدي فورت.. ومرة اخرى كانت الشهباء حاضرة وشاهدة على هذا التحول.. كانت الشهباء تمرق قطعان الحمير شاردة من الساحة.. تبحث عن مأوى جديد.. ودور اخر تؤديه في الحياة.. فلا تملك غير السخرية من هذا الواقع الذي سيأتي هو ايضا على العريبيا.. ولا يبق لها من باقية..
صمت آخر للذاكرة
هو الصمت دائم يسابق الحراك.. يطوق بوح الذاكرة.. ويلقي عليها بظلال سكون حتى صحو قادم، تلك الرياح التي هبت ذات ليلة وقضت المضاجع.. هاهي ذا تعاود السكون، والصمت.. حارة الوادي هي الاخرى تبدلت في صمت.. كان شجرة اللمبجة على مراها تناظر تقلبات الايام وتعاقب الليالي.. وتبدل الاجساد المارة من هنا.. المتجهة نحو حكايات جديدة تكتبها وترويها لاجيال قادمة.. ستفتقد بعد حين اللمبجة وما حولها..
صامتة وقعت اللمبجة.. كأن تعي مقولة (الاشجار تموت واقفة).. لكن ابت ان يطول وقوفها.. لم تكن تريد ان تكون حديثا عابرا.. يحشذ الشجون ويسح العبرات.. سقطت اللمبجة من ليلتها.. وفي الصباح التالي كانت البرزة هي الاخرى قد تهاوت واندثرت.. معالم جديدة وصور اخرى قامت في حارة الوادي.. وساحة الشهباء التي كانت ذات يوم ممتدة ومتسعة الافاق.. ما عادت كذلك..
وحده الصمت اللحظي.. من يبرز في هذه الصورة.. حتى العريبيا وقفت هي الاخرى بانتظار القادم الذي سيزيحها من مكانها ويبدل صورتها.. كانت حكايات التحول والتبدل تتوالى.. وكما هو دأب الامسيات لا تتسع لكل الحكايات.. والصفحات تمتلئ بعد حين.. تصاب الذاكرة بصمت لن يطول مداه.
... للذاكرة مساحة اخرى من الهمس
ينبشها: خلفان الزيدي