المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الإسلام وسط في المنهج الاقتصادي/ محاضرة لسماحة الشيخ الخليلي


قطار الأيام
12/09/2005, 01:07 PM
الإسلام وسط في المنهج الاقتصادي

محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق حمده، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب

وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا

إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم تسليما عليه

وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فقد طرقنا في الدرسين الماضيين موضوعا مهما من المواضيع التي تتعلق بالناحية الدينية

الاجتماعية الاقتصادية، وهو موضوع الإنفاق، إذ ذكرنا في الدرس الأول من الدرسين الماضيين

موضوع الزكاة التي هي الركن الثالث من أركان الإسلام وهي الركن المالي الاجتماعي من أركان هذا

الدين الحنيف، ثم بعد ذلك نفذنا إلى الحديث فيما يتعلق بالإنفاق.

ومن خلال ذلك ندرك أن الإسلام الحنيف يقف قواما بين مبدئين متناقضين من مبادئ البشر فيما يتعلق

بالناحية الاقتصادية، بين المبدأ الرأسمالي والمبدأ الشيوعي، فهو لا يميل إلى أي مبدأ من هذين

المبدئين، ولكنه يتوسطهما بالاعتدال الذي عُرف به، ذلك لأنه دين الفطرة، فهو يأتي في كل تشريع من

تشريعاته بما يلبي حاجة الفطرة البشرية ويستجيب لندائها، إذ الإسلام كما قلنا أكثر من مرة ينسجم مع

الفطرة ولا يصطدم ويأتلف معها ولا يختلف، فلذلك جاء بهذا المبدأ الذي لم يجحف فيه بحق الفرد ولم

يجحف فيه بحق الجماعة، إذ الجماعة تتكون من الأفراد، وعندما يُجحف حق الأفراد لا ريب بأن

الجماعة تكون ضعيفة إذ الصلة التي تشد بعضها إلى بعض تكون صلة واهية ضعيفة جدا، وهنا يحصل

ما يحصل من الانفصام والتشتت والضياع.

ولا ريب أن المال هو قوام الحال كما قلنا، وحاجة الحياة إليه حاجة ملحة، والنفس البشرية فُطرت على

حبه وحب حيازته كما يدل على ذلك القرآن الكريم، فإن الله سبحانه وتعالى عندما وصف الإنسان

قال: " وإنه لحب الخير لشديد "، والمراد بالخير هنا المال، وكذلك قال: " وتحبون المال حبا جما "،

وقال: " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً "، فيعني

ذلك أن هذه النفوس طُبعت على حب المال.

ولئن كانت مطبوعة على حب المال فإنها بطبيعة الحال أيضا تحب الاستكثار منه، فإن من أحب شيئا

أحب الاستكثار منه، والإسلام لم يصطدم مع هذه الفطرة بما سنه من قوانين وإنما جاء ملبيا لهذا

الداعي الفطري بجانب تهذيب هذه الغريزة النفسية بما فرضه من الإنفاق – كما تقدم – من أجل جعل

توجه الإنسان في اقتناء المال توجها سليما لا يُجحف فيه حق الجماعة لأجل التوفير للفرد كما أنه أيضا

لا يُجحف فيه حق الفرد من أجل التوفير للجماعة.

ثم إن الإنسان ليدرك تمام الإدراك بأن وجوده في هذه الحياة وجود محدود ولكن جعل الله سبحانه وتعالى

من طبع الإنسان أن يرى وجوده ممتدا في وجود ذريته من بعده، إذ الذرية هي امتداد لآبائهم وأمهاتهم

ولذلك يسعى الإنسان إلى الجمع من أجل أن يترك الثروة لذريته من بعده، ولربما قتّر الإنسان على

نفسه من أجل التوفير لهذه الذرية خشية أن تضيع فيما بعد عندما تكون معوزة محتاجة، ولذلك جاء

الإسلام الحنيف بما يتجاوب مع هذه الفطرة مع مراعاة الحقوق التي تأتي نتيجة القرابة الحاصلة بين

إنسان وآخر، فليست حقوق القربى تنحصر فيما بين الآباء والأمهات من ناحية وبين ذرياتهم من ناحية

أخرى وإنما علاقة القربى مراعاة، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بتوزيع هذه الثروة عندما يتركها الإنسان

من بعده توزيعا عادلا بين ذريته وسائر ورثته، فقد تكون العلاقة بين الإنسان وآخر علاقة قرابة وقد

تكون العلاقة علاقة سبب، والإسلام راعى في ذلك كلتا العلاقتين، فجعل العلاقة السببية المتينة

القوية – وهي علاقة الأزواج بعضهم ببعض – مراعاة في ذلك، ففرض ما فرض من النصيب للأزواج

فيما تتركه نساؤهم وللنساء فيما يتركه أزواجهن، بجانب ما فرضه من حقوق للذرية، ثم جعل الإرث بعد

ذلك بحسب درجات القربى كما يقول الله سبحانه وتعالى : " للرجال نصيبٌ مما ترك الوالدان والأقربون

وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ". وبين الله سبحانه

حقوق الإرث في كتابه ، وبعد أن بين هذه الحقوق سواء فيما يتعلق بقرابة الآباء والأمهات بأولادهم

وذرياتهم من ناحية أو قرابة الأقربين فيما بينهم أو العلاقة الزوجية التي تقتضي الإرث أيضا ، بعدما

بين هذه الحقوق كلها قال: " تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار

خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده فإن له نارا خالدا فيها وله

عذاب مهين "، جعل الله سبحانه وتعالى توزيع هذا الإرث ما بين الوارثين بحسب ما اقتضاه عدله

سبحانه وجعل ذلك من حدوده التي لا يجوز لأي أحد أن يتخطاها، فمن تعدى حدا من تلك الحدود كان

جزاؤه ذلك الذي ذكره الله سبحانه وتعالى هنا وهو أن يصلى نارا خالدا فيها وله عذاب مهين. كما جعل

سبحانه المحافظة على هذه الحدود مع طاعته عز وجل المطلقة في كل شيء سببا للفوز برضوانه

سبحانه وما يتبعه من الخلد في دار النعيم.

فإذاً الإسلام بنقل التركة عندما يموت الميت منه إلى ورثته من بعده يستجيب لهذا الداعي الفطري،

وبجانب ذلك أيضا يرعى مصلحة كبرى وهي أن تتوزع هذه الثروة على مجموعة من الناس فلا تنحصر

في فرد من الأفراد كما قد يُتصور حسب بعض الأنظمة التي هي من وليد الفكر البشري أن الولد

الأكبرهو الأحق بجميع التركة وأن من عداه لا يستحقون وتلك هي أنظمة جاهلية لا تمتّ إلى وحي الله

وعدله بصلة.

ولئن كان الإسلام يوزع هذه التركة ما بين هؤلاء فمعنى ذلك أنه يملّك هؤلاء الأفراد ما ورثوه، وكذلك

عندما يأمر الإسلام الأفراد بأن ينفقوا مما آتاهم الله فمعنى ذلك أنه سلطهم فيما كان بأيديهم من المال

الذي وصل إليهم بالطرق المشروعة سواء كانت هذه الطرق طرقا كسبية أم كانت طرقا تلقائية كأن

ينتقل المال إليهم بسبب الإرث كما ذكرنا أو بسبب الإيصاء من أحد لأحد. فإذاً الإسلام يٌقر مبدأ الملكية

الفردية. وإقراره لهذا المبدأ إنما هو – كما ذكرنا – إلإستجابة لداعي الفطرة، بجانب ما يجعله من

ضوابط وقيود تحوط هذه الملكية الفردية لئلا يندفع الإنسان وراءها فيصل إلى حد بعيد ينأى به عن

الأخلاق الإنسانية ودواعي الفطرة السليمة في النفس البشرية، فإن حب المال – كما قلنا – عندما

يمتلك النفس البشرية يصبح داء عضالا يستعصي على العلاج ويتعذر استئصاله.


يتبع