المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : خلفان الزيدي ينبش الروائع 1-3


الحارثية
12/09/2005, 07:57 AM
قلة هم من يجذبك سرده ويبقيك في حيز كلماته الى ان تنتهي من الانسكاب....

هذا همس للذاكرة اخذته من جريد الوطن هذا الصباح لتشاركوني خلجاته المداعبه للذاكرة........


همـس الـذاكـــرة..
بعض مما علق من صدى الأمس (1ـ3)


كلما فتحت عيناي على مرآك.. وعانق بصري شموخك.. وتشربت هامتي بمجدك.. اجد الحنين يشدني لبقايا ذاكرة تناثرت هنا وهناك.. تركها الذين كانوا هنا ذات يوم.. ورحلوا.. الملّم ذاكرتهم.. ثم... ارحل كما رحلوا.

صورة
هي وحدها شاهدة على الخطى التي تمر من هنا، وتعبر الى هناك.. وحدها تقف في حين تتحرك جميع الكائنات.. والاجساد المثقلة بتعب الصباحات الباكرة تمرق باحثة عن حياة بتفاصيل مغايرة.
كان هو من بين الجموع يتحسس بيساته الملفوفة بعناية في صرة.. تقاسيم وجهه توحي ان الزمن مر قاسيا من هنا.. وان الايام التي توالت عليه سارعت بوهنه وكبره.. كان يندس بينهم وفي قلبه خوف من الاتي وحزن اعمق من الذي مضى.. حتى ذاكرته الموهنة بالانكسارات ما عادت تطيق وجعا آخر.. فتش عمن يمسح دمعة الألم المنسابة بين الاحداق.. وعمن يخفف جزع المصائب المتوالية عليه.. خآل وحده يدرك مصيبته.. وفجيعته.. وتلك التي في داره.. من قاسمته الوجع والمعاناة.. كانا معا في لحظة انقضت يناظران تأوهات الوليد واحتضاره.. كانت كمثله تداري دموعها بين لحافها.. وتضم وجهها في غياهب مناماتها.. حتى اذا ما سكن الجسد وبردت اطرافه.. وهدأت اوصاله.. نظرت اليه بقلب مكلوم وصاحت كما تعودت من قبل في ظروف مماثلة.
ـ لقد مات!.
وكانت كلمة بالف نصل يخترق احشاءه.. والف سكين تفتق جراحه.. وتلقي به من علو شاهق الى ارض لا قعر لها.. تهاوى لساعات لا يدرك مداها.. ثم استجمع قوته.. ونادى في الجوار حاملا طفله بين احضانه.. ثم اتجه بهم بعد غسله وكفنه الى مقبرة الصغار..
عاد كما كان يندس بين الجموع ويخترق الصفوف، كانت الشهباء وحدها من تناظره وتشهد على اتراحه واحزانه، تأملها لبرهة قبل ان يتحسس صرته ويفتش عن البيسات بها.. ولما لم يجدها بين ثنايا ملابسه.. عاد ليحمل اوزار فجيعة اخرى مع فجيعته.. ويعمق احزانه واوجاعه..
كان مفردة واحدة تشكل صورة الشهباء وما حولها.. صورة تمتلئ بالمفردات والدلائل.. وخلف كل مفردة حياة تمتلئ هي الاخرى بالصور والمعاني.. كانت المدينة في ذاك الحين من الزمن القصي.. تعيش حياتها بانتظار الآتي الذي لن يطول غيابه..
موت وميلاد
ـ لقد مات
عودة للمفردة اليومية التي دأبنا على سماعها في زمن سالف.. كانت قوافل الاطفال تساق الى المقابر.. وتمتلئ المنازل باصوات النحيب والبكاء.. قلة اولئك الذين يولدون ليعيشوا صباحات متجددة.. وتكتب لهم حياة خالية من الاوجاع والامراض.. والذين اجتازوا البلاء لم يسلموا من اسقامه وآفاته..
كانت هذه الصورة مشكلا لذاكرة قادمة، سترويها حكايات وقصص طويلة، وحدها الارقام من يشكل نقطة اختلاف بين قصة هذا وقصة ذاك، فقّل ان نجد حارة او بيتا لم يفجع برحيل مباغت لصغير كان يرقد بسلام في حجر امه.. وذلك بالنسبة للذين لم تكن له مساحة لمقارعة المرض والذود عن الصغير، اما الذين تسنى لهم كل ذلك، فقد كانت الادوية الشعبية والخلطات العشبية والوصفات والتمائم هي السبيل الاوحد الذي يقاومون به المرض، كان فراش المريض يمتلئ بالادوية والخلطات وتنهال وصفات العلاج من كل زائر ومعاود بكل ما تحمله من دهشة وغرابة.
كانت الوصفات الدوائية تقارب السموم في بعض الاحيان، او هي من السموم.. قس على ذلك مادة الزئبق السامة التي تمزج مع الحلوى مثلا ثم تبلع لدرء امراض السحر والحسد ـ وهي مسببات جاهزة لأي علة تصيب المرء ـ، يضاف إليها بخور الشاي وبخور شجرة الخطف.. اما ثالثة الاثافي فهي بول الحمير الذي يستخدم كشراب علاج لبعض الامراض بكيفية معينة.
كان الحزن والبكاء ينقضي فور انتظار مولود قادم يكمل دورة الموت والميلاد.. ويحمل تباشير حياة اخرى، وكان مجرد اكمال الطفل شهوره الاولى، فرحة واستبشارا عظيمين، ولذلك يخفى ويوارى عن تربص العيون وسهام الحسد التي يمكن ان تصيبه.
لكن مع ثيمة الموت المنتشرة.. ومع المصائب المتوالية، كانت العزيمة والحياة تقهران كل شئ، هذه التي اخذ صغيرها من حضنها.. وسيق على اكتاف او في الاحضان الى مثواه قبل الاخير، ستكون بعد ساعات تنجز اعمالها المنزلية وتهتم بشئون زوجها واسرتها.. وتتجمل لليلة عمر جديدة، وميلاد قادم لطفل قد يكتب له الحياة.. هكذا هي الأيام تتقاذف بين موت وميلاد.
حارة الوادي
على مدخل حارة الوادي الغربية يسكن الجامع.. وتسكن البرزة.. ويسكن حصن الشهباء، هناك تتلاقى الجهات وتجتمع لتصب في جهة واحدة، تنعكس فيها اشعة الشمس دون حاجز او مردّ يحجبها، او ينشر استار العتمة والدجى في غير موعدها، كانت حارة الوادي شاهدة على تاريخ وذاكرة ممتدة بامتداد من سكنوا هنا وعبروا باتجاه امكنة وازمنة اخرى خلدت اسماءهم وآثارهم، وكانت بالاضافة الى ذلك شاهدة عصر بالكاد تناسته الاجيال المتعاقبة.. وحدها البرزة من تغيب اليوم لتحل مكانها صورة اخرى وسمة مغايرة ما عاد بها مكان وساحة لتفيذ احكام وعقوبات تصل في بعض الاحيان الى قطع الرأس امام الملأ بعد انقضاء صلاة الجمعة.
حارة الوادي رغم صغرها تقول كل شئ، لكن قولها هذا لا يعي حقيقته الا الذين عبروا الحارة واقتربوا منها في ازمنة متعاقبة، حينما تسأل وانت غريب الديار عن الشهباء، تجد امامك حارة الوادي ماثلة بجهتيها الشرقية والغربية، وحينما تسأل عن الجامع تبرز لك حارة الوادي الغربية كمكان يحتضن نداء الصلاة والعبادة والدروس العلمية والدينية، وهناك ـ باعتبار ما انقضى من زمن ـ ملجأ وملاذ العاني والمحتاج الضرير.
وحينما تهل بركات السماء وتنزل غيثها، وتتفجر الارض عيونا وأودية، تكون الساحة الفاصلة بين الحارتين ـ الشرقية والغربية ـ هي الحاضن والشاهد على جريان بعض هذه الاودية، كان وادي كلبوه اهمها وانشطها.. وكان يحتم حال نزوله الانقطاع والاحتباس لاهالي كلتا الحارتين، فيما تكون نوافذ المنازل مشرعة ومفتوحة باتجاه الضيف العابر الذي الزم الناس ديارهم واقعدهم منازلهم، حتى اذا ما اقلعت السماء وغيض الماء وقضي الامر، يخرج الاطفال زرافات لاخذ الغنائم مما حمله الوادي في طريقه وأتى عليه..
ولن تتوقف ذاكرة حارة الوادي عن البوح وسرد الحكايات التي ولدت هنا، فثمة شواهد اخرى قد تحكى في زمن آخر لكنها ستكون حتما في ذات المكان.
غروب وشروق
اولئك العابرون الى طرقات المدينة.. يضيئون شخوصهم واسماءهم بالقناديل المعلقة في اياديهم.. هؤلاء لا يدخلون اسوار المدينة بعد الغروب، حتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود.. سيأوون حتى ساعة ئذ عند (اللمبجة) يستظلون بظلها، ويتدثرون باوراقها، ويحتمون باوصالها، ذاته الحارس الذي اقفل الاسوار الليلة في وجوههم ورفض استغاثاتهم بالدخول، واعادهم من حيث اتوا.. ذاته من يفتح الابواب.. ويبسط الطرقات لهم، يشير لهم وهم يأممون وجهتهم ان الليل اصبح اطول من ذي قبل.
كانت بوابات الاسوار المحيطة بالحارات تقف شاهدة، تخفي وراءها كل شئ، ولا تقول شيئا آخر، وكان سور حارة الوادي وسور العقر اشهر هذه الاسوار والموانع الموصدة عن الوصول الى طرقات الحارة في غير اوقات النهار، كان لزاما على كل من يود التجول او التحرك بعد الغروب ان يحمل قنديلا في يده، وان يرفعه على وجهه حال رؤيته او اقترابه من حارس الاسوار، ولن يكون هناك حديث طويل ومناقشات مستفيضة، فالحارس وبعد رؤيته لقرص الشمس العائم في السماء، والمكتسي حمرة الشفق، يعيد القادم الى وجهته، او يسمح له بالعبور، كانت حياة الاسوار وما تقتضيه من انظمة وقوانين سارية دون نقاش او محاورة، وكم كانت (اللمبجة) حاضنة لاولئك الذين اغلقت الابواب امامهم، الذين تلفظهم المدينة في لحظة.. وتحتضنهم في لحظات اخرى.
سفر ووداع
متعب هو الرحيل.. ومتعبة تلك المساءات التي تقذف إلينا بمعاني الفراق والوداع، كم ألفت اسماعنا عبارات الرحيل والفراق، كانت الدموع وهي تنساح على المآقي، والقلوب وهي تعتصر حزنا وألما، لا تملك غير ضمة جسد ما تلبث ان تسكن الرائحة انوفنا، ثم تمكث كتباريح ذكرى نتوسدها قبيل النوم، ثم نصحو على احلامها.

هذا المفارق اهله ووطنه.. ترى كم يحتمل عذابات الوداع وذاكرة من مروا هنا ووقفوا يحملونه التحايا والسلام!، ما اشد مرارة على المرء وهو يفارق اعز ما يملك، ويترك خلفه اثمن ما حمل قلبه، لكنها رحلة لا مفر منها، وسفر لابد منه، ولن يكون لها ميعاد ثابت للعودة والاياب، ذلك اذا ما قدر لها ان تكون..
الحشود التي تلتقي كل يوم امام الشهباء وتعبر دروبها وطرقاتها، وتلج حاراتها كل كان يمضي بهمه ومشاغله، لكنها اليوم تلتقي مجددا، وهي تقصد وجهة واحدة، وتلتئم على هدف واحد، وحين تأذن القافلة بالمسير، تعاود الاجساد الضم والاحضان، ويتعالى بكاء الفراق حتى يخترق سكون المكان في لحظة غروب، وتمضي قافلة الحج قبل اشهر من ميعاده، علها تصل مقصدها الى بيت الله في مواقيت معلومة، تعود الحشود المودعة ادراجها.. تمارس طقوسها.. تكمل مشوار حياتها، وبعد حين آخر من الزمن تكون في ذات المكان متوشحة اهزوجة فرح تنطلق بها الافئدة وتنشد بها القلوب المثخنة بجراحات الغياب.
كانت رحلة الحج تستغرق شهورا تمتد حولا كاملا.. كان السفر ـ اينما كانت اهدافه ودواعيه ـ تعني في قاموس الذين هنا موت حتى لحظة بعث، تعيد الحياة مجددا للمسافرين العائدين الى ديارهم.. ومرة اخرى تبدو الشهباء مستذكرة خطى الراحلين والعابرين تحت اسوارها.. اولئك الذين عادوا لاحبابهم، واولئك الذين انقضى رسمهم وغابت صورهم.. وما عاد من يذكرهم غيرها، تبدو الشهباء وهي تكفكف دمعها وتغالب بكاءها، وتنتظر ان يلتئم شمل طفل بوالده، يبشره بمقدمه وهو الذي سافر قبل ان يغادر الطفل بطن امه.
اللمبجة
شامخة.. كما هي الشهباء دوما.. ممتدة اغصانها وجذورها.. كشجرة مباركة، وكانت في عرفهم كذلك، منذ زمن سحيق لا يعرف احد مداه.. كانت صامدة عاتية في هذا المكان، لم تهزها العواصف ولا اقتلعتها امواج الاودية العاتية.. حتى جرفة الوادي لم تزيحها من مكانها، كانت هي الاخرى شاهدة زمن تخبي تحت جذورها تاريخا مكتوبا على الرقى والتمائم، مدسوس في اعماقها.. وخبى عن العيون والاسماع.. كانت اللمبجة ساحة مفتوحة تجمع الباعة والمشترين، وتجمع الحكم والخصم، وتجمع القاضي والجلاد، وتجمع فيما تجمع سطور وكتابات المتربصين والمشعوذين والباصرين وخلق كثير لا يعلمهم الا الله تعالى..
وكم هي الحكايات والقصص التي نسجت في هذا المكان!، وكم هي الروايات التي كانت اللمبجة فيها حاضرة، وشاهدة على مرويات واقوال عديدة، لم يأت احد عليها، حتى شاخت الشجرة، وما عادت تطيق الوقوف زمنا اطول من زمنها، فتهاوت ذات ليل خفي بصمت.. وكشفت عن خبايا الذين مروا من هنا وتوقفوا خلسة يدسون تمائمهم تحت جذورها.. ومضوا كأن شيئا لم يكن..
كانت اللمبجة خارج نصوص القصص، سوق مفتوحة، ومزاد متسع لبضائع شتى تقدم إليها من شرق المدينة وغربها، كانت مركزا تجاريا يحوي بضائع ومنتجات شتى، لا يكاد المرء فيها يتوه عن حاجته، او تغيب بغيته عن بصره.. كان يكفي المرء بيسات معدودة ليحمل ما شاء وابتغى شراءه، بيسات قليلة.. تؤتي ثمارها وتبسط خيراتها.. تطعم الجائع وتكسي العريان.. وتقضي حاجة العاني.. وتحمل زاد الراكب.. وتعين كل ذي فاقة.. وكانت تلك البركة احدى سمات سوق المدينة المفتوح على مصرعيه للقاصي والداني، حتى اذا ما تعاقبت الليالي وتوالت صباحات جديدة، غابت اللمبجة، وما عاد لها أثر، كانت البيسات الكثيرة لا تكفي لاقل القليل..
صمت الذاكرة
ككل سكون يعقبه حراك.. كانت نزوى تسكن ذاكرة الصمت، وتوغل في سبات كامل، حتى اذا ما انتشت وتفتحت ازاهيرها ونمت رياحينها.. وانسابت مياه الوادي رقراقة على ضفتي حارتها، تفتقت الذاكرة عن حديث الامس، وعن الحكايات التي روتها الجدات في جلسة تذكار صباحية احيانا ومسائية أحايين كثيرة.. في تلك الاحاديث المروية حكت نزوى كما لم تحك من قبل.. وباحت بما كنته اعماقها واختزنته دروبها.. واحتوته معالمها.. كانت الحكايات اكبر من الامسيات.. ومن جلسات الجدات.. ومن الصفحات المكتوبة، وكانت الذاكرة تتسع شيئا فشيئا، حتى اذا ما بزغت شمس صباح جديد.. سكن حديثها.. وصمتت عن الكلام المباح.
... للذاكرة مساحة اخرى من الهمس



ينبشها: خلفان الزيدي

البسيوي
13/09/2005, 06:08 PM
ولنا الماضي هنا ..
ولنا صوت الحياة الاول !!

مرور وإعجاب بذكريات الذاكرة ..

فيصل العلـوي
16/09/2005, 05:05 PM
خلفان الزيدي قلم رائع .. يعجبني إبداعه واتابعه عن قرب/بعد :) ..


شكرا لهذا النبش

انسان صريح
22/09/2005, 07:12 PM
[QUOTE=فيصل العلـوي]خلفان الزيدي قلم رائع .. يعجبني إبداعه واتابعه عن قرب/بعد :) ..


[/QUOTE

وأنا أشهد