البسيوي
06/09/2005, 07:36 PM
اشتهر كولن ولسون المولود في مدينة لكستر البريطانية سنة 1931 بالفلسفة الوجودية، وحقق شهرته بعد نشر كتابه اللامنتمي «The outsider» سنة 1956. وهو الكتاب الذي ألَّفه في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني في الوقت الذي كان ينام على فراش متنقل في الشوارع.
والترجمة الأصح لعنوان الكتاب هي الخارج أو المتمرد، غير أن المترجم أنيس زكي حسن ترجم عنوان الكتاب إلى اللامنتمي وهو الأمر الذي لاقى قبولاً واستحساناً في كثير من الأوساط. ومن يومها أختلف الكثيرون حول ولسون الذي كشف الكثير من بواطن شخصيته عبر أقواله وكتاباته فهو يقول: إنني أنظر إلى نفسي باعتباري الأكثر أهمية بين كتّاب القرن العشرين وسأكون أحمق إن لم أدرك ذلك وجباناً إن لم أقله. كان ولسون انطوائياً وانعزالياً، متمرداً بطبعه، تهرّب من الخدمة العسكرية وتعاطى المخدرات مرة من أجل أن يخوض التجربة. ترك الدراسة وله من العمر 16 سنة، وأصدر أكثر من 110 كتب في العديد من المجالات ومنها الرواية، ولم يتمكن حتى ناشر كتبه من ثنيه عن الكتابة بغزارة بعد أن هاجمه النقاد وأهمله القرّاء وتحول إلى شبه منبوذ. وفي محاولة لتغيير صورته الأخيرة نشر سيرته الذاتية أملاً بأن يقتنع الآخرون بعبقريته في نهاية المطاف. وبمناسبة مرور 50 سنة على نشر كتابه اللامنتمي ينوي نشر كتابه الجديد سنة 2006.
وفي روايته القفص الذهبي موضوع بحثنا تتجلى صورة أخرى للكاتب الذي يحب الغموض ـ وهو جزء من شخصيته الحقيقية ـ من خلال شخوص روايته التي تتحدث عن سّفاح نهر التايمز الذي يُقّطع أوصال ضحاياه الذين بلغوا التسع خلال 14 شهراً منذ أول جريمة له في العاشر من فبراير وسط لندن.
غير أن هذا السفاح مغرم بشعر بليك، الشاعر المتوفى منذ ربع قرن والمملوء شعره بالعنف والعذاب وهو الأمر الذي ربما تحول إلى أرض خصبة لأولئك المرضى النفسانيين والمهووسين والمتعصبين، فقد وجد المحققون اقتباسات من أشعاره إلى جانب الضحايا المقطعين بصورة تحاكي الصورة التي يرسمها بليك في شعره.
هذا ما دفع بالمحققين للبحث عن المهتمين بشعر بليك لعلهم يجدون عندهم الجواب الشافي. فأرسلوا رئيس المفتشين «لاند» لبحث الموضوع مع دامون ريد أكثر المهتمين بشعر بليك. وريد البالغ من العمر 35 عاماً يعيش في بيت متواضع موحش ومنعزل وغير متزوج يتوصل مع رئيس المفتشين لاند بعد حوار طويل وتحليل للجرائم إلى الموافقة على فحص الرسائل التي كانت تصل إلى ريد من الآخرين حول بليك، فيعطيه مجموعة كبيرة منها كي يقرأها بتأنٍ على أن يلتقيا بعد ذلك لبحث الموضوع.
ولم يتمكن ريد من البقاء في بيته بعد مغادرة لاند وهو يفكر بهذا السفاح، فغادر إلى صديقه القديم أوريين لويس، الرجل الضخم المتخصص ببيع الكتب والمهتم بشعر بليك أيضاً. يعيش لويس مع ابنة أخيه الطالبة سارة التي كان يمازحها ريد وهي في العاشرة بأنه سيتزوجها، غير أنها اليوم في السادسة عشرة من عمرها،
وقد أظهرت اهتماماً كبيراً بـ «ريد» في زيارته للبحث في موضوع الجرائم تلك، وحين خلت به في المساء أخبرته بمشاعرها القوية نحوه، حتى أنها رفضت أن تستسلم لأحد الشبان لأنها أرادت أن يكون هو الأول. كما أخبرته أن علاقتها بعمها لويس متوترة لأنها تشعر أنه يريد أن يتملكها وأنه يقوم بحركات إغراء نحوها. وحين أصرت على البقاء في غرفته العلوية المجاورة طوال الليل متحدية، أحس ريد بعمق المشاعر التي باتت تربطهما رغم فارق السن.
وريد بعد أن أنصت إلى لويس الذي أظهر معرفة كبيرة بكل أنواع جرائم القتل التي تدور وأفاض عن الجرائم التي تتكرر كل يوم على أرض الواقع أخبره أنَّ الرجل المثقف أقدر من غيره على ارتكاب الجرائم لأنه كلما ازداد ثقافة، ازداد كرهاً واحتقاراً ورفضاً للمجتمع الحديث، وأن السبب الذي يمنع معظمنا من الانفجار في فعل عنيف هو الخوف!.. وأضاف متسائلا: لماذا تقع أكثر أعمال الاغتصاب من قِبل رجال سكارى؟.. وأجاب هو عن سؤاله: لأنهم كفوا عن الخوف وفقدوا كوابحهم. واتفقا على أن سفاح التايمز يتسم بملامح الفنان.
في الصباح وبعد أن غادرت سارة إلى المدرسة، اجتمع ريد مع لويس ودار بينهما حديث طويل وهما يشربان القهوة حول الجريمة والفلسفة وسارة، وحين علم لويس بتطور علاقة ريد وسارة طلب منه أن يُهدئ حماسها. غادر ريد إلى جورج بيكينغيل، الساحر كما يسميه الناس هنا، واستشاره فيما إذا كان أحد الخطابين اللذين معه جاءه من قاتل. وحين أشار بيكينغيل إلى أحدهما أنه كذلك قرر ريد السفر إلى لندن للبحث عن القاتل بنفسه.
التقى ريد في لندن بصديقه الموسيقار بتلر والمتهم من قبل أمه بإغراء خطيبة أخيه مما اضطره إلى العيش وحيداً بعيداً عن أمه. واستطاع بتلر أن يؤمّن لصديقه ريد مسكناً موقتاً في البناية التي يقطنها بعد أن عرف الهدف من زيارته. وسرعان ما انطلقا معاً للبحث عن أدلة في أماكن حدوث الجرائم بمحاذاة التايمز بطول 10 أميال.
بحث دلّلا من خلاله أنهما يمكن أن يكونا من أفضل رجال التحري معتمدين على المنطق والتحليل والاستنتاج. وتوصلا إلى أن القاتل ضخم الجسم، ميسور الحال، معبراً بجرائمه تلك عن ثورة وكراهية لشخص أجبره على قراءة بليك في المدرسة أو البيت وهو يجد في مثل هذه الجرائم متنفساً وطريقاً لتدمير ذاته لأنه يخوض صراعاً ضد نفسه بعد أن امتلأ إحساساً بالإثم والقهر، رجل يعتقد أن ثمة شيئاً خاطئاً في هذا العالم يريد تغييره وإصلاحه بطريقته.
.. ثم توصلا إلى أن القاتل ربما حاول الانتحار وفشل ولهذا كان كل ذلك العنف في جرائم قتله لأنه عنف انتحاري انقلب ضد الناس الآخرين. هذه النقطة الأخيرة قربتهما من القاتل بعد البحث في سجل من حاولوا الانتحار. وجدا أن أحدهم تنطبق عليه الأوصاف المطلوبة وأنه أميركي الأصل. كتب كتيباً عن بليك واسمه أورفيل ساندهايم. وبمساعدة الآخرين وصلوا إلى عنوانه ليكتشفا أنه مات منذ فترة بعد أن انتهى به الحال في مشفى للمجانين. ووجدا ابنه جورج ساندهايم يعيش هناك.
ظلَّ ريد يقترب من ابن القاتل أكثر حتى أنهما سهرا إلى وقت متأخر جداً في الليلة الأخيرة، وشربا حتى الثمالة وبات ريد ليلته في بيت جورج، وفي الصباح اكتشف مغادرته لداره مما أتاح له فرصة البحث عن أدلة للجرائم هنا وهناك ثم عاد إلى صديقه بتلر ليجد الشرطة تبحث عنه في كل مكان ظناً منها أنه الضحية العاشرة.
سارعت الشرطة إلى تطويق بيت القاتل وتبادلا إطلاق النار مما حدا بالمفتش باترسون إلى الاستعانة بـ «ريد» الذي أسرع إلى هناك وتخطى الشرطة ودخل عليه في بيته وأقنعه بالاستسلام لأن الشرطة لا تملك دليلاً على جرائمه وأن عليه أن يستخدم ذكاءه وثقافته في تضليل الشرطة وأنه يمكنه اللجوء إلى محامٍ ماهرٍ ليثبت براءته يسافر بعدها إلى جزيرته أو يثبت جنونه «كأبيه».....
قال كولن ولسون: إنني أخطط للعيش 300 سنة، وهو اليوم على عتبة الربع الأول من تخطيطه «74 سنة»، فهل يتحقق حلمه؟. . إنها كلمة هو قائلها، وسيجيب عنها الزمن!..
كريم السماوي - بيان الكتب
والترجمة الأصح لعنوان الكتاب هي الخارج أو المتمرد، غير أن المترجم أنيس زكي حسن ترجم عنوان الكتاب إلى اللامنتمي وهو الأمر الذي لاقى قبولاً واستحساناً في كثير من الأوساط. ومن يومها أختلف الكثيرون حول ولسون الذي كشف الكثير من بواطن شخصيته عبر أقواله وكتاباته فهو يقول: إنني أنظر إلى نفسي باعتباري الأكثر أهمية بين كتّاب القرن العشرين وسأكون أحمق إن لم أدرك ذلك وجباناً إن لم أقله. كان ولسون انطوائياً وانعزالياً، متمرداً بطبعه، تهرّب من الخدمة العسكرية وتعاطى المخدرات مرة من أجل أن يخوض التجربة. ترك الدراسة وله من العمر 16 سنة، وأصدر أكثر من 110 كتب في العديد من المجالات ومنها الرواية، ولم يتمكن حتى ناشر كتبه من ثنيه عن الكتابة بغزارة بعد أن هاجمه النقاد وأهمله القرّاء وتحول إلى شبه منبوذ. وفي محاولة لتغيير صورته الأخيرة نشر سيرته الذاتية أملاً بأن يقتنع الآخرون بعبقريته في نهاية المطاف. وبمناسبة مرور 50 سنة على نشر كتابه اللامنتمي ينوي نشر كتابه الجديد سنة 2006.
وفي روايته القفص الذهبي موضوع بحثنا تتجلى صورة أخرى للكاتب الذي يحب الغموض ـ وهو جزء من شخصيته الحقيقية ـ من خلال شخوص روايته التي تتحدث عن سّفاح نهر التايمز الذي يُقّطع أوصال ضحاياه الذين بلغوا التسع خلال 14 شهراً منذ أول جريمة له في العاشر من فبراير وسط لندن.
غير أن هذا السفاح مغرم بشعر بليك، الشاعر المتوفى منذ ربع قرن والمملوء شعره بالعنف والعذاب وهو الأمر الذي ربما تحول إلى أرض خصبة لأولئك المرضى النفسانيين والمهووسين والمتعصبين، فقد وجد المحققون اقتباسات من أشعاره إلى جانب الضحايا المقطعين بصورة تحاكي الصورة التي يرسمها بليك في شعره.
هذا ما دفع بالمحققين للبحث عن المهتمين بشعر بليك لعلهم يجدون عندهم الجواب الشافي. فأرسلوا رئيس المفتشين «لاند» لبحث الموضوع مع دامون ريد أكثر المهتمين بشعر بليك. وريد البالغ من العمر 35 عاماً يعيش في بيت متواضع موحش ومنعزل وغير متزوج يتوصل مع رئيس المفتشين لاند بعد حوار طويل وتحليل للجرائم إلى الموافقة على فحص الرسائل التي كانت تصل إلى ريد من الآخرين حول بليك، فيعطيه مجموعة كبيرة منها كي يقرأها بتأنٍ على أن يلتقيا بعد ذلك لبحث الموضوع.
ولم يتمكن ريد من البقاء في بيته بعد مغادرة لاند وهو يفكر بهذا السفاح، فغادر إلى صديقه القديم أوريين لويس، الرجل الضخم المتخصص ببيع الكتب والمهتم بشعر بليك أيضاً. يعيش لويس مع ابنة أخيه الطالبة سارة التي كان يمازحها ريد وهي في العاشرة بأنه سيتزوجها، غير أنها اليوم في السادسة عشرة من عمرها،
وقد أظهرت اهتماماً كبيراً بـ «ريد» في زيارته للبحث في موضوع الجرائم تلك، وحين خلت به في المساء أخبرته بمشاعرها القوية نحوه، حتى أنها رفضت أن تستسلم لأحد الشبان لأنها أرادت أن يكون هو الأول. كما أخبرته أن علاقتها بعمها لويس متوترة لأنها تشعر أنه يريد أن يتملكها وأنه يقوم بحركات إغراء نحوها. وحين أصرت على البقاء في غرفته العلوية المجاورة طوال الليل متحدية، أحس ريد بعمق المشاعر التي باتت تربطهما رغم فارق السن.
وريد بعد أن أنصت إلى لويس الذي أظهر معرفة كبيرة بكل أنواع جرائم القتل التي تدور وأفاض عن الجرائم التي تتكرر كل يوم على أرض الواقع أخبره أنَّ الرجل المثقف أقدر من غيره على ارتكاب الجرائم لأنه كلما ازداد ثقافة، ازداد كرهاً واحتقاراً ورفضاً للمجتمع الحديث، وأن السبب الذي يمنع معظمنا من الانفجار في فعل عنيف هو الخوف!.. وأضاف متسائلا: لماذا تقع أكثر أعمال الاغتصاب من قِبل رجال سكارى؟.. وأجاب هو عن سؤاله: لأنهم كفوا عن الخوف وفقدوا كوابحهم. واتفقا على أن سفاح التايمز يتسم بملامح الفنان.
في الصباح وبعد أن غادرت سارة إلى المدرسة، اجتمع ريد مع لويس ودار بينهما حديث طويل وهما يشربان القهوة حول الجريمة والفلسفة وسارة، وحين علم لويس بتطور علاقة ريد وسارة طلب منه أن يُهدئ حماسها. غادر ريد إلى جورج بيكينغيل، الساحر كما يسميه الناس هنا، واستشاره فيما إذا كان أحد الخطابين اللذين معه جاءه من قاتل. وحين أشار بيكينغيل إلى أحدهما أنه كذلك قرر ريد السفر إلى لندن للبحث عن القاتل بنفسه.
التقى ريد في لندن بصديقه الموسيقار بتلر والمتهم من قبل أمه بإغراء خطيبة أخيه مما اضطره إلى العيش وحيداً بعيداً عن أمه. واستطاع بتلر أن يؤمّن لصديقه ريد مسكناً موقتاً في البناية التي يقطنها بعد أن عرف الهدف من زيارته. وسرعان ما انطلقا معاً للبحث عن أدلة في أماكن حدوث الجرائم بمحاذاة التايمز بطول 10 أميال.
بحث دلّلا من خلاله أنهما يمكن أن يكونا من أفضل رجال التحري معتمدين على المنطق والتحليل والاستنتاج. وتوصلا إلى أن القاتل ضخم الجسم، ميسور الحال، معبراً بجرائمه تلك عن ثورة وكراهية لشخص أجبره على قراءة بليك في المدرسة أو البيت وهو يجد في مثل هذه الجرائم متنفساً وطريقاً لتدمير ذاته لأنه يخوض صراعاً ضد نفسه بعد أن امتلأ إحساساً بالإثم والقهر، رجل يعتقد أن ثمة شيئاً خاطئاً في هذا العالم يريد تغييره وإصلاحه بطريقته.
.. ثم توصلا إلى أن القاتل ربما حاول الانتحار وفشل ولهذا كان كل ذلك العنف في جرائم قتله لأنه عنف انتحاري انقلب ضد الناس الآخرين. هذه النقطة الأخيرة قربتهما من القاتل بعد البحث في سجل من حاولوا الانتحار. وجدا أن أحدهم تنطبق عليه الأوصاف المطلوبة وأنه أميركي الأصل. كتب كتيباً عن بليك واسمه أورفيل ساندهايم. وبمساعدة الآخرين وصلوا إلى عنوانه ليكتشفا أنه مات منذ فترة بعد أن انتهى به الحال في مشفى للمجانين. ووجدا ابنه جورج ساندهايم يعيش هناك.
ظلَّ ريد يقترب من ابن القاتل أكثر حتى أنهما سهرا إلى وقت متأخر جداً في الليلة الأخيرة، وشربا حتى الثمالة وبات ريد ليلته في بيت جورج، وفي الصباح اكتشف مغادرته لداره مما أتاح له فرصة البحث عن أدلة للجرائم هنا وهناك ثم عاد إلى صديقه بتلر ليجد الشرطة تبحث عنه في كل مكان ظناً منها أنه الضحية العاشرة.
سارعت الشرطة إلى تطويق بيت القاتل وتبادلا إطلاق النار مما حدا بالمفتش باترسون إلى الاستعانة بـ «ريد» الذي أسرع إلى هناك وتخطى الشرطة ودخل عليه في بيته وأقنعه بالاستسلام لأن الشرطة لا تملك دليلاً على جرائمه وأن عليه أن يستخدم ذكاءه وثقافته في تضليل الشرطة وأنه يمكنه اللجوء إلى محامٍ ماهرٍ ليثبت براءته يسافر بعدها إلى جزيرته أو يثبت جنونه «كأبيه».....
قال كولن ولسون: إنني أخطط للعيش 300 سنة، وهو اليوم على عتبة الربع الأول من تخطيطه «74 سنة»، فهل يتحقق حلمه؟. . إنها كلمة هو قائلها، وسيجيب عنها الزمن!..
كريم السماوي - بيان الكتب