المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : سؤال أهل الذكر 30 من رجب 1426 هـ ، 4/9/2005م


أبو زياد
06/09/2005, 12:30 PM
فهرس حلقات برنامج سؤال أهل الذكر (http://om.s-oman.net/showthread.php?t=143955)

سؤال أهل الذكر 30 من رجب 1426 هـ ، 4/9/2005م

الموضوع : عام

السؤال (1)
في الساحة الإسلامية يدور جدل حول وجود جفوة بين الخطاب الإسلامي المعاصر المتمثل في النواحي الفقهية ودوائر الوعظ وبين الواقع الذي يعيشه المسلمون ، على اعتبار أن الكثير من القواعد التي ينطلق منها الخطاب الإسلامي إنما هي في الأساس مستمدة من قواعد اللغة ومن استقراء الأدلة الشرعية وهي مع هذا جهد بشري وكذلك فيها خلاف شديد بين الأصوليين.
أما جانب الواقع فقد أخذ كما يقولون حظاً قليلاً كالعرف ومراعاة مقتضى الحال وتحقيق المناط والضرورات وغيرها .
هذا الأمر أدى ببعض الناس إلى أن ينادي بما يسمى بتجديد الفقه الإسلامي .
قد كانت الدعوة في البداية مناداة بتجديد الفقه الإسلامي ومراعاة مقتضى الحال ، ثم تطور الأمر إلى المناداة بتحديث ومراجعة القواعد الأصولية التي ينطلق منها العلماء .
أنتم سماحة الشيخ أحد علماء الأمة الإسلامية الذين يأخذ عنكم الناس ، ما هي حقيقة تجديد الفقه الإسلامي ؟ وهل ترون أن هناك بالفعل فجوة بين الخطاب الإسلامي وبين الواقع ؟

الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد المصطفى الأمين ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ولم يتركه هملا ، ولم يخلقه سدى ، بل خُلق هذا الإنسان ليضطلع بأمانة الله تبارك وتعالى .

والكون كله مع ترامي أطرافه ، ومع اختلاف طبائع أجزائه هو مملكة الله سبحانه ، والإنسان جعله الله قطباً تدور عليه رحى هذا الكون ، وهو خليفة في جزء مهم منه وهو هذه الأرض التي وإن بدت من حيث حجمها تافهة بالنظر إلى بقية الأجرام والكائنات الواسعة فإنها إنما كانت مهمة بسبب أن الله سبحانه اختار الإنسان فيها لئن يكون خليفة يتحمل المسئوليات العظمى ، يتحمل مسئولية الصلة التي بينه وبين ربه ، ويتحمل أيضاً مسئوليته في الصلة التي بينه وبين نظام الكون الذي يسبح كل شيء منه بحمد الله ويسجد لجلال الله بحيث لا تخرج ذرة من ذرات الوجود عن هذا النظام الإلهي الرباني .
ولكن الإنسان الذي منحه الله سبحانه وتعالى الاختيار في تحركاته وسكناته قد يشذ عن نظام هذا الكون عندما تأبى عليه نفسه المتمردة أن ينقاد لأمر الله وأن يخضع لجلاله ، وأن يذعن لسلطانه ، وأن يلتزم شرعه ، وأن يعبده كما فرض عليه .

والإنسان الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى لئن يحمل هذه الأمانة ميّزه الله سبحانه بموهبة العقل والإدراك ، وهذه موهبة عظيمة فبها تميّز الإنسان على سائر الكائنات التي تشاركه الوجود على ظهر هذا الكوكب المظلم ، وبها تمكن من استغلال الطاقات المختلفة الموجودة في طبيعة هذا الكون ، فصار بذلك يتمتع بهذه الكائنات تمتعاً مطلقاً لا حدود له وإن كان غيره يتمتع فإن تمتعه في حدود بخلاف تمتع الإنسان إذ الله تبارك وتعالى يمتن عليه بقوله ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً )(البقرة: من الآية29) ، وقوله ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ )(الجاثـية: من الآية13) .

وطبيعة الإنسان طبيعة مختلفة عن طبائع سائر الكائنات ، فالإنسان كما هو معلوم روح وجسم ، وقلب وعقل ، وضمير وغرائز ، وفكر ووجدان ، فهو يتصارع في نفسه بسبب المطالب المتنوعة التي يطلبها كل جانب من هذه الجوانب وبسبب الدوافع التي يفرزها هذا التصارع بين الجوانب كلها ، لذلك كان بحاجة إلى منهج يسير عليه هذا المنهج لم يوكل إلى عقله وإن كان عقل الإنسان نوراً جعله الله سبحانه وتعالى هادياً له وأعلى الله تعالى من قدره إذ ناط به تكليفه وجعله بصيرة يهتدي بها هذا الإنسان ، إلا أن هذا العقل يتأثر بمؤثرات نفسية واجتماعية قد تطفئ شعلته وقد تغوّر معينه ، لذلك كان بحاجة إلى مدد آخر من عند الله ، كان هذا المدد هو الوحي ، ولا يمكن أن ينفصل أحد هذين الهاديين عن الآخر ، فإنه لو تُرك العقل وحده من غير وحي من الله سبحانه وتعالى لتخبط هذا العقل تخطباً عجيباً بحيث إنه يستحسن ما يُستقبح ويستهجن ما يُستحسن بقوة المؤثرات الكثيرة التي تؤثر عليه .

وكذلك لو كان الوحي وحده هو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الخير مع غير أن يكون معه عقل يسترشد به لكان صوت الوحي لا يعدو أن يكون نُعاقاً وسط من لا يسمع نداء ولا يعي معنى لما يسمعه .
فكان اجتماع الشرع والعقل هو سبيل الهداية .

لذلك كان على الإنسان أن يسلّم تسليماً لما جاء من عند ربه ، لأن ما جاء من عند ربه هو الخير كله ، فالخير كل الخير إنما هو فيما جاء به وحي الله تبارك وتعالى الذي لا يتبدل ولا يتحول .
ولكن مع هذا لا بد من التفرقة ما بين الثوابت والمتغيرات .

هناك ثوابت لا يمكن المساس بها ، الثوابت تبقى هي ثوابت ، لا دخل للعقل ولا دخل للتجربة ، ولا دخل لتطور الحياة فيها ، لأن هذه الثوابت لو تزعزعت فمعنى ذلك أن الهداية بأسرها تكون متزعزعة ، ولذلك يقول الله تعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) (الأحزاب:36) .

أما المتغيرات فإنها هي التي يسوغ أن تُطرح على الساحة ، وأن تُوضع على المحك ، وأن تُختبر بشتى الوسائل بحيث يجمع الذي ينظر ويدقق فيها ما بين معطيات عقله وما جاء من وحي الله سبحانه وتعالى الذي يستنبط منه حكم الله تعالى في هذه القضايا .

فهذه المتغيرات هي مجال الاجتهاد ، أما الثوابت فلا مجال لئن يجتهد فيها مجتهد .

ليس هنالك مجال لئن يجتهد أحد في قضية الخمر مثلاً بحيث يدّعي تحليلها لوجه من الوجوه ، أو يدّعي جواز المتاجرة فيها أو جواز أي شيء مما يدنو منها أو يلابسها ، هذه قضية لا مجال للنظر فيها .
كذلك الربا والزنا والفواحش بأسرها ما ظهر منها وما بطن ، لا يمكن أن يأتي إنسان فيقول بأن هذا العصر يتطلب الأحوال وأن تتبدل فيسوّغ الزنا لأجل إعطاء الناس فرصة للترويح عن أنفسهم أو نحو ذلك ، أو أن يباح ما حرّمه الله تعالى من تبرج النساء تبرج الجاهلية ، أو من إعطاء العين فرصتها في النظر إلى محاسن الجنس الآخر فإن ذلك مما لا يسوغ بحال من الأحوال ، يجب على الإنسان أن يقف عند حدود الله هنا .

أما القضايا المستجدة فهي التي يسوغ فيها النظر ، ولكن مع ذلك لمن يسوغ فيها النظر ؟
إنما ذلك للراسخين في العلم الذين أشار إليهم كتاب الله تعالى عندما قال سبحانه ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة:122) ، هؤلاء الذين تفقهوا في الدين ، وأنتم تدركون أن الفقه إنما هو فهم ما فيه غموض .

فالفقه في دين الله الإدراك الدقيق الفاحص للقضايا على ضوء هذا النور الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ، فلا يعني ذلك أن يتصرف الإنسان كما يملي عليه هواه بحيث يدّعي أن عقله أملى عليه إباحة هذا أو تحريم ذلك من غير رجوع إلى أصول ثابتة في شرع الله سبحانه وتعالى .

وهذه الموهبة لا تكون إلا لمن جمع بين العديد من العلوم ومن بينها علم اللغة ، القرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى بلسان عربي مبين ، وقد شرّف الله هذا اللسان بأن جعله وعاء لكلامه الخالد الذي لا يأتيه الباطل ما بين يديه ولا من خلفه ، وبسبب ذلك كانت ضرورة معرفة هذا اللسان ضرورة ملحة ، فالله سبحانه وتعالى ما خاطب عباده بلغة الألغاز ، وإنما خاطبهم باللغة الصريحة المفهومة ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) (الشعراء:195) كما قال بنفسه .

هذا اللسان لا بد من يُرجع إلى أصوله ، ولا بد من أن يُرجع إلى شواهده الثابتة ، ولا بد من أن يُرجع إلى قواعده التي وضعها المتخصصون فيه من أجل معرفة هذا الخطاب الإلهي الذي خاطب الله تبارك وتعالى به العباد .

وقد تختلف الأفهام بسبب اختلاف بعض أدوات التعبير ، بحيث تأتي تارة لهذا المعنى وتارة لذلك المعنى من خلال هذا اللسان العربي المبين ، وبسبب ذلك تتعدد المذاهب في القضية الواحدة ، وتتباين الأفهام لأن مجتهداً قد يعوّل على معنى لهذه الأداة المعبرة ، ويعوّل مجتهد آخر على معنى آخر كما اختلف العلماء في القُرء أو القَرء من قول الله تبارك وتعالى ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ )(البقرة: من الآية228) ، هل هذه القروء هي الأطهار أو هي الحِيَض ؟

ولكل قول من هذين القولين دليل في اللسان العربي فإن من قال بأنها الحِيَض عوّل على ما كان معروفاً عند العرب أنهم يطلقون القُرء أو القرَء - ويأتي بلغتين - على الحيض ، ومن شواهد ذلك قول الشاعر :

ورب ذي ضغن عليّ فائض *** له قروء كقروء الحائض

وهناك اتجاه آخر إلى أن القروء بمعنى الأطهار ، ولذلك أيضاً أصل في اللسان العربي ومن شواهده قول الشاعر :

أفي كل عام أنت جاشم غزوة *** تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وفي الحي رفعة *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا

فالقروء التي تضيع إنما هي الأطهار عندما يكون الزوج في غزوة .
فإذن القرء له كلا المعنيين في اللسان العربي ، ولذلك كان من المشترك الذي يتوقف على النظر في الأدلة الأخرى التي ترجح أحد المعنيين على الآخر ، وبحسب النظر في تلكم الأدلة وقع الخلاف بين أهل العلم من غير أن يكون بين هؤلاء المختلفين تنافر وشقاق لأن كلاً منهم إنما رجّح الرأي الذي ذهب إليه حسب الأدلة التي تبينت له .

وكذلك يقع الاختلاف أيضاًً بالنظر إلى اعتبارات أخرى من حيث ثبوت النسخ فيما يُقال بنسخه وعدم ثبوت النسخ ، أو ناحية تخصيص العمومات أو تقييد المطلق وبيان المجملات وغير ذلك مما يكون بسببه الخلاف .

ثم إن الفقهاء بحسب المدارس الذين درسوا فيها تعددت أيضاً مشاربهم ، فمنهم من عوّل على القياس ، ومنهم من ضيّق جانب القياس ، ومنهم من نظر إلى المصالح المرسلة ، ومنهم من قال بخلاف ذلك .
وكذلك من حيث سد الذرائع ، منهم من توسع في باب سد الذرائع ، ومنهم من لم يعوّل على ذلك ، هذه مدارس ، ولكن الحقيقة لا بد من الجمع بين ذلك كله ، فالقضايا التي لم ينص عليها لا بد من النظر فيها من حيث وضعها على هذا المحك بحيث ينظر فيها من حيث المصالح المرسلة إن لم يكن منصوصاً عليها أو من حيث سد الذرائع أو حيث دخولها في القياس أو عدم دخولها أو نحو ذلك ، هذه أمور لا بد منها .

ثم مع هذا أيضاً هناك اختلاف في الأدلة الآحادية ، الأدلة الآحادية فيها مجال واسع للنظر في ثبوتها وعدم ثبوتها ، أي الروايات الآحادية ، لأن الروايات الآحادية ليست قطعية الثبوت ، ولما لم تكن قطعية الثبوت فإن دلالتها أيضاً تبقى دلالة ظنية وإن كانت من حيث ألفاظها نصية ، كما أن العمومات وإن كانت قطعية الثبوت فإن دلالتها أيضاً تكون دلالات ظنية بسبب أن العام هو ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن .

فهذه الأمور بسببها قد يقع الخلاف .

ونحن نأسف أن نرى كثيراً من الجهلة الذين لا يفرقون بين التمرة والجمرة ، ولا بين الضب والنون ، ولا بين النور والظلمة قد يتسورون هذا الأمر ويأتونه من غير بابه ، ويحاولون أن يخوضوا في الأحكام الشرعية بغير ما أذن به الله .

على أنه لا بد من أن ندرك أن التقول على الله سبحانه وتعالى بغير علم أمر كبير ، ولأجل ذلك وجدنا في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن هذا لا يكون إلا بوحي من الشيطان فالله تعالى يقول في الشيطان ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:169) وقد قرن الله ما بين التقوّل عليه بغير علم والإشراك به عندما قال ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف:33) فالتقوّل على الله بغير علم أمر خطير جداً ، ولذلك نحن ندعو إلى الاحتياط ، وقد كان السلف الصالح يتدافعون الفتيا خشية أن يقولوا على الله ما لم يكن لهم به علم ، وكانوا أيضاً يحترسون كل الاحتراس من أن يخوضوا في معاني القرآن حتى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عندما سُئل عن الأب في قول الله تعالى ( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) (عبس:31) ، قال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ، وأين أذهب وماذا أصنع إن قلت في كتاب الله بغير مراد الله .

وعمر رضي الله عنه عندما تلا هذه الآية الكريمة قال : هذه الفاكهة وما هذا الأب ؟ ثم قال : وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تعرف الأب ، ألا فخذوا من كتاب الله ما ظهر لكم وكِلوا ما خفي عليكم إلى الله سبحانه .

هكذا كان السلف الصالح في احتياطهم .

ونحن الآن بخلاف ذلك ، كل منا يحاول أن يقتحم على النصوص الشرعية حتى يرد النصوص تارة ، وقد يعوّل على بعض النصوص مع إهمال النصوص الأخرى وهذا أمر فيه خطر كبير .

فالشريعة الإسلامية فيها ثوابت وفيها متغيرات ، فالثوابت يجب أن تبقى ثوابت .


والخطاب الديني لا بد من أن يكون نابعاً من لغة القرآن ، ولا بد من أن يكون نابعاً من فهم القرآن الفهم الصحيح ، ولا بد من أن يكون أيضاً قائماً على الأسس الثابتة .

نعم قد تكون هنالك قواعد صالحة للنظر فيها بحيث لم تكن قواعد قطعية أو لم تبن على الأدلة القطعية ولكن هناك من القواعد ما هو قطعي لا يمكن أن يُترك التعويل عليه ، فلا يمكن أن يقول قائل بأن دلالة الخاص دلالة ظنية ، بل هي قطعية بالاتفاق ، فإن جاء دليل خاص وكان هذا الدليل قطعي المتن فإنه على أي حال يكون قطعي الدلالة أيضاً ولا يمكن إلا أن يعوّل عليه .

أبو زياد
06/09/2005, 12:32 PM
السؤال (2)
سماحة الشيخ أنتم بهذا الكلام ترون أن الخطاب الإسلامي خاصة من النواحي الفقهية حساس جداً على اعتبار أنه بلاغ عن الله فهل تشترطون مع هذا أن يكون المتحدث بخطاب مصيري يهم الأمة الإسلامية أن يكون مجتهداً ؟

الجواب :
نعم إن كان يأتي بجديد ، فليس لكل أحد أن يأتي بجديد ، إنما الذي يأتي بالجديد هو العالم المجتهد القادر على أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وهذا يتوقف على معرفة اللغة العربية التي هي وعاء لكلام الله كما قلنا ، ويتوقف على معرفة القواعد والضوابط التي من خلالها يتمكن الإنسان من الاجتهاد مع وجود الملكة الراسخة في النفس التي تمكّن الإنسان من استنباط الحكم الشرعي ، وبدون ذلك فإن الإنسان يجب عليه أن لا يتجاوز حدود معرفته ، وأن لا يتطاول على القول على الله تبارك وتعالى بدون علم .
أما إن كان ينقل ما قاله العلماء والمفكرون من قبل فلا مانع من ذلك ، والله تعالى أعلم .

السؤال (3)
هل يصح له أن يتحدث بالواسطة مثلاً ؟

الجواب :
نعم ينقل ، إن كان ناقلاً ولم يكن ناقدا .

سؤال (تابع )
حتى في المسائل الاجتهادية فقد تكون دقيقة لا يعبر عنها بمراد المجتهد ؟

الجواب :
إن وُجد المجتهد فليرُد ذلك إلى المجتهد لأن الاجتهاد هو كالعلاج ، والطبيب إنما ينظر إلى مزاج المريض وينظر إلى طبعه ، فهو قد يصف لهذا المريض من العلاج ما لا يصفه للمريض الآخر مع توحد العلة بسبب اختلاف طبائعهما ، وهكذا المجتهد قد ينظر إلى حالة ما بها علاج المشكلة الدينية ، وقد تختلف هذه المشكلات باختلاف الأوقات والأزمنة ، وقد تختلف باختلاف الأمكنة ، فلذلك مع وجود المجتهد إنما يوكل ذلك إلى العالم المجتهد ، أما مع عدم وجود المجتهد فقصارى ما يمكن أن يؤديه غير المجتهد نقل ما قاله المجتهدون .

أبو زياد
06/09/2005, 12:33 PM
السؤال (4)
ما يدور الآن في الساحة خلاف بين مدارس فقهية ، فقد ظهر ما يسمى فقه التيسير ، فقه الجاليات الإسلامية في غير العالم الإسلامي ، تجد في الجانب من يعارضهم في ذلك الكلام ومن يرد عليهم أقوالهم ومن يدعي أنهم خرجوا عن دلالات النصوص الشرعية ، هل يدخل هذا ضمن أسباب الخلاف المقبولة بين الفقهاء ، أم هو محاولة إثارة بلبلة لا غير ؟

الجواب :
على أي حال بالنسبة لفقه التيسير فالتيسير مطلوب ، ولكن في حدوده المأذون بها ، لا في الحدود التي لم يؤذن بها ، ومن أحسن ما حفظنا عن علمائنا كلمات قالها الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله تعالى ، وهي كلمات لها وزنها في الفقه الإسلامي وفي معرفة أبعاد الشريعة الإسلامية يقول : ( ليس الفقيه من حمل الناس على ورعه ، إنما الفقيه من أفتى الناس بما يسعهم في دين الله ) .

فالفقيه ليس هو الذي يحمل الناس على زهده وعلى ورعه ، فباب الورع باب واسع ، ولكن الفقيه هو الذي يفتي بما يسعهم في دين الله ، وليتورع بنفسه ، ليترك ما يريد أن يحتاط لنفسه فيه أو ما يريد تركه حتى لا يحوم حول الحمى ، أما الناس عامتهم فإنه يفتيهم بما يسعهم في دينهم ، ولكن هذا لا يعني أن تتجاوز الحدود ، هناك ضوابط وهناك قواعد لا بد من الانضباط بمقتضى تلك الضوابط والرجوع إلى تلك القواعد إن كانت هذه القواعد قواعد قطعية ، فأصول الشريعة لا تمس ، النصوص التي لا غبار عليها لا تمس .

الله تبارك وتعالى شرع أحكاماً ليس من السائغ بوجه من الوجوه أن يقول قائل بأن الزواج بالأخت أو الزواج بالعمة أو الزواج بالخالة مباح ، هذا أمر فيه نصوص قطعية ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ....... )(النساء: من الآية23) ، هذه نصوص لا يجوز أن يحام حولها أبدا .

نعم إن كانت قضية وقع فيها اختلاف بين الأمة ولا تعتمد على نصوص قطعية فيسوغ الاختلاف ، ويسوغ عندما يكون أحد عمل بوجه ما من الوجوه أن يُترك وشأنه فهذا مما ذهب إليه علماؤنا الأسبقون .

نحن عندنا أن الزواج بدون ولي لا يجوز ، وهذا الذي دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلّم : لا نكاح إلا بولي . وقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام : أيما امرأة زوجت نفسها بدون إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل . ولكن نرى مع هذا أن من علمائنا من قال كما يروى ذلك عن الإمام أبي علي موسى بن علي رحمه الله وهو من علماء القرن الثالث الهجري أي ما قبل اثني عشر قرنا من الزمن يقول : النكاح بلا ولي لا يصح ، ولكن إن وقع الدخول لم أفرق بينهما .

لماذا ؟ إنما قال لا يفرق بينهما لأن في المسألة اختلافاً ، هناك رأي الحنفية الذين قالوا بعدم اشتراط الولي رأساً ، وهناك قول الظاهرية الذين اشترطوا الولي في البكر دون الثيب ، فلذلك قال بعد الدخول لا أقول بالتفريق بينهما ، هذا رأي ، نحن لا نمانع أن يأخذ الإنسان بهذا الرأي ، وإن كنا ندعو إلى أن يوثق النكاح بشروطه التي جاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ولكن نحن ندرك أن هذه الروايات روايات آحادية ، وأنها لا تعطي الدلالة القطعية بسبب أحاديتها فلذلك لو عمل أحد بعد الدخول لا نقول بأنه يجب التشدد في ذلك ، لو أخذ أحد برأي أبي علي موسى بن علي لسكتنا عنه .

السؤال (5)
هل هذا من باب مراعاة الخلاف أم أن النصوص الشرعية أساساً تسمح أيضاً بهذا الخلاف ؟

الجواب :
الأصل نظراً إلى أن النصوص ليست قطعية كما قلنا ، لعدم قطعية ثبوتها ، لأن الروايات هي روايات آحادية والروايات الآحادية وإن كانت توجب العمل إلا أن هذا الإيجاب إنما هو ظني وليس بقطعي .

أبو زياد
06/09/2005, 12:36 PM
السؤال (6)
هناك من ينادي بقتل المشركين ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)(التوبة: من الآية36) ، ويحتج بهذه الآية وهذه الآية فيها خلاف شديد وأنها منسوخة أو ناسخة ،عدد كثير ممن يتحدثون باسم الإسلام ينادون ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) ويحتج بهذه الآية على اعتبار أنها ظاهرة من حيث الظاهر واضحة في القتل لكن لا يناقش هل هي نصاً أم منسوخة أم ناسخة ، فلو أخذنا هذا المثال فماذا تقولون أنتم ؟

الجواب :
على أي حال نحن نقول بأنه لا بد من الجمع بين النصوص ، وبالجمع بين النصوص تتبين الحقيقة .
المسلمون إنما كانوا معرضين لغزو من قبل أعداء الإسلام ، وكيف يُغزون من قبل أداء الإسلام وهم يظلون مكتوفي الأيدي لذلك نزل ما نزل في كتاب الله تعالى وأنت ترون كيف بداية الآيات التي تحدثت عن الجهاد ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:39-41) . هذه الآيات التي تحدثت عن الجهاد بدايتها جاءت هكذا مبينة علة مشروعية الجهاد وهي أن المؤمنين ظُلموا واعتدي عليهم وأُخرجوا من ديارهم بغير حق انتُهكت حرماتهم وأُريد بهم أن يُصرفوا عن عقيدتهم ، أن يُصرفوا عن عقيدة الحق .

ونجد كذلك في سورة البقرة أن الله تبارك وتعالى يقول ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (البقرة:190) . نعم الآية إنما دلت على أن النص الشرعي يدل على احترام الأشهر الحرم ، فمقاتلة المشركين إنما تكون بعد الأشهر الحرم إلا إن اعتدوا في الشهر الحرام .
وقد يكون هنالك اختلاف ما بين بعض العلماء في بعض القضايا الجزئية نظراً إلى اختلافهم في النظر إلى العمومات والنظر إلى الخصوصات فمن المعلوم أن جمهور العلماء وعليه العمل أن الخاص يقضي على العام سواء تقدم الخاص أو تأخر ، فنجد من أمثلة ذلك أن ابن العربي في كتابه ( أحكام القرآن ) يقول : كنت يوماً بالبيت المقدس - طهره الله - بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة ، فبينا نحن كذلك إذ ظهر رجل بهي المنظر عليه أطمار ، فسلّم تسليم العلماء وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرعاع . فقال القاضي : من السيد ؟ فقال : رجل سلبه الشطار أمس ، وأنا من أهل صاغان من طلبة العلم ومقصدي هذا الحرم المقدس . فقال : سلوه . على عادتهم في إكرام العلماء بالمبادرة للعلماء بالسؤال ، فوقعت القرعة على مسألة الكافر إذا لجأ إلى الحرم هل يُقتل ؟ فأجاب بأنه لا يُقتل . فقيل له : وما الدليل ؟ فقال : الدليل قول الله تعالى ( وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيه )(البقرة: من الآية191) ، الآية فيها قراءتان الأولى ( لا تقتلوهم ) وهي نص في الموضوع ، والثانية ( لا تقاتلوهم ) وهي دالة على النهي عن المقاتلة التي هي سبب للقتل ولئن امتنع السبب امتنع المُسَبَب ، فقال القاضي :- منتصراً لمذهب مالك والشافعي وإن لم ير رأيهما – هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(التوبة: من الآية5) . فأجاب : هذا لا يليق بمنصب القاضي مع جلالة علمه فإن الآية التي احتججتم بها خاصة والآية التي اعترضت بها عامة والخاص لا ينسخه العام . فبهت القاضي من سرعة جوابه وهذا من غريب الكلام .

تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه

أبو مجاهد
06/09/2005, 12:54 PM
بارك الله فيكم

نثبت الموضوع