المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الفقيهة العابدة (الشيخة عائشة الريامية) محاضرة لسماحة الشيخ الخليلي


المصعبي
06/09/2005, 11:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العلمين ، الحمد لله الذي شرف عباده المؤمنين وإماءه المؤمنات بما وهبهم من عظيم الهبات وما رفعهم إليه من علي الدرجات ، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين وسراجاً للمهتدين وإماماً للمتقين ونعمة على الخلق أجمعين ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فالسلام عليكم أيها المشايخ والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ورحمة الله وبركاته.



أحمد الله سبحانه وتعالى الذي جمعنا في هذه الليلة الغراء ، في هذا الجامع الشريف ، وفي هذا البلد العريق لنشم عبقاً من التاريخ الماضي الحافل بالفضل والمجد ولنحرص من خلال ذلك بعون الله سبحانه وتوفيقه على ربط الحاضر بالماضي وضم طارف المجد إلى تليده ، وبهذا يتحقق ما نصبوا إليه من جعل هذه المسيرة موصولة بالتاريخ العريق ، فإن كل أمة لا ماضي لها لا يكون لها حاضر إذ الحاضر إنما يبنى على الماضي ، هذا ، وقبل كل شيء أنا أعتذر إليكم من حيث إنني وكّل إلي أن أتحدث عن المنهج الفقهي عند هذه العالمة الفقيهة الرضية الشيخة عائشة ابنة راشد الريامية رحمها الله تعالى .




ومن المعلوم أن الحديث حول منهج الشخص يحتاج إلى دراسة متأنية واسعة في عطائه سواء أكان عطاءً فقهياً أو فكرياً أو أدبياً ، ولم تتح لي فرصة ولم أطلع إلا على النزر اليسير من فتاواها ، ومن خلال هذا النزر اليسير لا أستطيع أن أحدد منهجا بعينه ، ولكن قبل محاولة امتصاص ما يمكن أن نمتصه مما وجدناه من المعارف من خلال فتاواها لنقدم بذلك صورة للمستمع مما يمكن أن ندليه من منهجها.




أريد أن أنبه بان هذا الاحتفاء يجب أن لا يكون أمراً عابراً ينتهي ولا يدع أثراً له في النفوس ، فإننا على أي حال مطالبون بأن نعتبر بما قدمه السلف مع ما كان يكابده من صعوبة الزمان وتحديات العصر وعدم توفر الوسائل التي توفرت لنا نحن ، فإذن نحن مطالبون بالأكثر ، مطالبون بأن نجهد أنفسنا حتى نصل بفضل الله سبحانه وتعالى إلى ما تتطلع إليه الأمة من نشر للمعرفة وبناء جيل على قيم هذه المعرفة ، هذا ، ولا ريب أن الجنس اللطيف يوجه إليه الخطاب بطريقة خاصة من حيث على بناتنا أن يدركن بأن مسؤولية هذا الدين ونشره والقيام بالبحث عن كنوزه ليست خاصة بالرجال دونهن ، فإن هذه مسؤولية مشتركة .




والله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في هذه الأرض استخلفه كإنسان بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى ، وقد جعل سبحانه وتعالى ميزات الإنسان التي استحق بها أن يرفع إلى هذه الدرجة العالية وأن يبوأ هذا المنصب الرفيع وأن يعلى قدره حتى ينافس الملأ الأعلى ويسبقه ، جعل الله سبحانه وتعالى مزية الإنسان التي نال بها هذه المرتبة إنما هي العلم ، فالله سبحانه وتعالى يقول : (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمده ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبأهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنت تكتمون) ، فالعلم إذاً هو ميزة الانسان التي رفع الله تعالى بها قدره وأعلى شأوه وجله مختصاً بهذه الخصوصية العظيمة ومبوأ هذا المنصب الشريف ، منصب الخلافة في الأرض .



على أن هذه الخلافة تستوجب أن يكون الإنسان موصولاً بمستخلفه بحيث يتصرف بحسب أمره وينطلق من هدايته فلا يقدم على أمر ولا يحجم عنه إلا ببينة من ربه ، وذلك يتوقف على العبادة الخالصة لله سبحانه التي تكون طبق أمره ، ويتوقف على الطاعة المطلقة لله سبحانه بحيث يحرص الإنسان وهو يشعر بمسؤولية الخلافة في هذه الأرض وأنه يتحمل تبعات ذلك ويوقف أمام الله ليسأله عما قدم وما أخر وما أعطى وما منع ، والعبادة وسائر الطاعات التي خوطب بها الإنسان لا يمكن للإنسان أن يؤديها بالجهل ، ونحن نرى في كتاب الله ما يدل على أن هذه المسؤولية ليست خاصة بجنس الذكور دون الإناث إذ الله عز وجل يقول : (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) ومن الذي يفرق بين الصالحات وأضدادها ؟ إنما يفرق بينها من كان على بينة من أمره .



لأجل هذا أدرك السلف الصالح هذه المسؤولية الكبيرة فكانوا مسارعين ذكوراً وإناثا إلى التفقه في دين الله ، وفي مقدمتهم الرعيل الأول أصحاب النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ورضي الله عنهم فإنهم يتنافسون في ذلك ، ولم يكن الحياء يحجب الإناث عن التفقه في دين الله ، وقد أثنت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على نساء الأنصار ، قالت: (لله در نساء الأنصار ما منعهن الحياء عن التفقه في الدين) ، فكان للمرأة أثر بارز في حياة هذه الأمة من حيث بناء الحضارة على أسس العلم ، وقد كان لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن السبق في هذا الميدان ، ولذلك كان الكثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين عندما يحتدم الخلاف ويعظم الإشكال في الكثير من القضايا ، وهذا مما يدل على أن المرأة مهيأة بطبيعتها لأن تكون فقيهة في دينها عالمة بأحكامه ، دقيقة النظر فيها ، تجتهد كما يجتهد الرجل وتستنبط كما يستنبط وتقف معه على قدم المساواة في ذلك .




وقد وجد في تاريخ هذه الأمة وفي تاريخ أهل الاستقامة بصفة خاصة الكثير من النساء اللواتي كن على قدر من العلم والمعرفة والحرص على المنافسة في ذلك ، فابنة مسور رحمهما الله تعالى كانت تناقش أباها في مسائل الحيض حتى أنها تجرأت على أن تصف له كيف يأتيها الحيض وكيف لونه وكيف طبعه ، فقال لها: أما تستحين يا بنيتي تسأليني عن مثل هذا ؟ فقالت: أخشى أن يمقتني الله إن استحييت ، فقال لها: لا مقتك الله ، وكانت تناقش أباها في النظر في القضايا العلمية وتدلي برأيها ولا تبالي بذلك وكان أبوها قرير العين بذلك ، فعندما قال في يوم من الأيام: إن المؤمنين أفضل من أعمالهم ، ردت عليه: بل أعمالهم أفضل منهم لأنهم يفنون وتبقى أعمالهم ، وفي يوم كان بجنبها وكانت تغسل ثيابه ن فقال: تمنيت لو أن الله سبحانه وتعالى طهر قلبي فكان مثل هذا الثوب في نظافته ، فقالت له: تمنيت لو أن الله سبحانه جعل تطهير قلبي بيدي فأطهره مثل هذا الثوب ، فقال لها: أنت أفقه مني حتى في الأماني .




وهكذا شأن المرأة ، على أن المرأة في الإسلام عندما كانت واعية مؤمنة مبصرة كانت محركا كبيراً لأبنائها ، بل كانت محركاً لزوجها في سبيل الخير ، فالخنساء التي فعلت في الجاهلية ما فعلته حزنا على أخيها ، عندما أكرمها الله سبحانه وتعالى بالإسلام ونور بصيرتها بالإيمان وأدركت قيمة هذه الحياة دفعت بأفلاذ كبدها جميعا إلى الجهاد ورمتهم في أتون المعركة وحضتهم على الثبات والجلد حتى يلقوا الله سبحانه ، وعندما بلغها استشهادهم ما زادت على أن حمدت الله سبحانه وتعالى على أن تقبلهم منها ، فهكذا شأن المرأة عندما تكون مؤمنة بصيرة في أمر دينها عارفة بأحكامه مطلعة على أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه .




هذا ، ومن المعلوم أن مناهج العلماء في الفقه والاجتهاد تختلف ، وللبيئات أثر في ذلك ، ولهذا كان هناك اختلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث ، نتيجة بعد أصحاب مدرسة الرأي عن مصدر علم الحديث الشريف ومركزه عن أرض الحجاز ، فلذلك كانوا مضطرين إلى الاجتهاد وتوسيع دائرة النظر في القضايا التي ينظرون فيها ، وبناءً على هذا وقع الخلاف بينهم وبين أهل الحديث في الكثير من المسائل ، ولربما جمد بعض أهل الحديث على الظواهر من دون أن يمعنوا في بواطن مقاصد هذه النصوص ، ولذلك كان اجتهادهم محصورا على ما تجلى لهم من ظواهر الأدلة الشرعية ولم ينفدوا ببصائرهم إلى الأسرار التي ينطوي عليها ، بينما أصحاب مدرسة الرأي كانوا على خلاف ذلك.




ونحن نرى أيضاً أن الأزمنة لها أثر في هذا الاختلاف ، فقد يكون زمن من الأزمان فيه التوسع في الثقافة العلمية ويكون المناخ مهيأ لأن يكون هنالك الاجتهاد الواسع والنظر والدقة ومحاولة الإحاطة بالأدلة الشرعية عندما تكون الأجواء المحيطة أجواءً علمية ، ولكن قد تكون هنالك ظروف أخرى فيها تكون غير مهيأة لهذا السبب أو لآخر ، إما لأسباب عسكرية وإما لأسباب سياسية وإما لأسباب اجتماعية أو غير ذلك ، ولأجل هذا نجد التفاوت بين عصر وآخر في قوة الاستنباط والنظر في الأدلة الشرعية.




ولابد من أن نعترف بالحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة مرة في بعض الأحيان ، فعهد أئمة اليعاربة كان عهداً متميزاً بالنفوذ السياسي والعسكري ولكن من حيث العلم نجد أن هذا الوطن لم يكن مزدهراً بالنهضة العلمية التي كان يجب أن تكون مواكبة للنهضة السياسية والنهضة العسكرية ، ولعلنا نستطيع أن نقول بأن أولئك الأئمة الفضلاء شغلوا كثيراً بمكافحة هذا العدو ، وقد سبقت هذه المرحلة مرحلة مريرة فيها الكثير الكثير مما يندى له الجبين ، إذ جاءت تلكم الفئة الحاقدة على الإسلام التي تمثلت في طلائع الاستعمار البرتغالي الذي قاده البوكيرك لعنه الله تعالى ، وجثم على صدر هذه الأمة واستطاع أن يمد نفوذه في المحيط الهندي حتى المحيط الهادي ووصل نفوذه إلى حدود الصين ولم تقف أمامه قوة قط ، بل كل قوة حاول أن يقضي عليها ، وعندما تصدى له الأسطول العثماني دمره تدميراً ، وكانت العاقبة عاقبة مرة.




وكان الرجل حقوداً على الإسلام إلى حد بعيد ، كما يتجلى ذلك في مذكراته التي جمعها زنيمه الذي سمي ابنه وهو ابن غير شرعي ، جمعها وطبعت أخيراً بعدما ترجمت إلى اللغة العربية في نحو ألف وستمائة صفحة ، وهي تدل على ما كان في نفس هذا الرجل بل وما كان في نفس أتباعه من حقد على الإسلام ، حتى أنه كان يأسف بأنه لم يستطع أن يحقق أمنيتين اثنتين كان يطمح إليهما :

الأمنية الأولى : هي أن يحول النيل من مجراه حتى يجعل مصر أرضاً يبابا نكاية بالمسلمين.
والأمنية الثانية : وهي أتعس وعقوبتها عند الله سبحانه وتعالى أعظم أنه كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ، وهو كان من غباوته يظن أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مدفون في مكة ، كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ويخرج كما يزعم منها جثمان (المأفوم) الكريه حسبما قال لعنه الله ليذري رفاته أمام المسلمين.



فنحن لا نتجاهل دور الأئمة اليعاربة عندما نهضوا وتصدوا لهذا الشر العظيم وتتبعوا فلول هؤلاء الحاقدين على الإسلام حتى طهروا منهم ومن رجسهم هذه البقاع والبقاع المجاورة ، كادوا يصلون إلى رأس الرجاء الصالح في مطاردتهم لولا ما عله الله سبحانه وتعالى من الخلاف فيما بينهم ، والله تعالى المستعان ، ولكن مهما كان ، كان حرياً بهم وهم نهضوا هذه النهضة أن يدعموا هذه النهضة بالعلم ، وعندما جاء أحد علماء جزيرة جربه إلى عمان وجه نصيحة إلى الإمام بلعرب بن سلطان بأن يعنى بنشر العلم لما وجده من ضآلة العلم بحيث كانت النهضة العلمية لا توازي النهضة الكبرى التي كانت قائمة في البلاد في الناحية السياسة والاجتماعية والعمرانية والعسكرية..



يتبع ان شاء الله

خط الأفق
07/09/2005, 12:08 AM
بارك الله فيك

موضوع ممتاز

رحمها الله

الجيطالي
07/09/2005, 07:47 AM
بارك الله فيك أخي -المصعبي- على هذه الدرر

ونريد أن نبشر الجميع بأن فضيلة الشيخ الباحث خلفان بن سالم البوسعيدي -حفظه الله- قاب قوسين أو أدنى من إصدار كتابه القيم في علم "الشيخه الرياميه" والذي سيحوي فتاوى تقدر بــ 700 فتوى تقريبا.
فهنيئا للمكتبة الإسلاميه هذه الإضافة العلميه.

المصعبي
09/09/2005, 05:40 PM
وعُني الإمام بتعليم جماعة من العلماء هذه الجماعة لعل بعض المؤرخين يضخم أمرها إلا أن عددها محدود، الذين قالوا بأنهم تخرجوا في هذه المدرسة هم خمسون لا يكفون قضاة لعمان فضلاً عن أن يكفوا لإرسالهم إلى بقاع الأرض معلمين ومرشدين وشارحين معالم الإسلام.



فالنهضة العلمية مهما كانت لم تكن بالمستوى المطلوب في ذلك الوقت، وعندما نقارن اجتهاد العلماء في ذلك الوقت سواءً العلماء الذين كانوا في صدر هذه الدولة أو الذين كانوا في وسطها في عهد ازدهارها نجد أن ذلك الإجتهاد الذي يصدر منهم من حيث بنائه على الأدلة والنظر لا يوازي شيئاً بجانب اجتهاد العلماء الأوائل الذين كانوا في العصور المتقدمة واجتهاد العلماء الذين جاؤوا من بعدهم بعد ما قامت نهضة الإجتهاد في البلاد.



هذا، ولا ريب أن هذه السيدة الرضية رحمها الله تعالى كانت على قدر من العلم، فإنها كانت تنافس علماء زمانها الذين اعتبروا في ذلك الوقت في الصدر وكانت فتاواهم هي المعتمدة، وكانت رحمها الله في كثير من الأحيان ترجح آراء غير آرائهم، وهنا لا بد من أن نتعرض للإجتهاد ومقدار ما يمكن للمجتهد أن يحققه من مكاسب علمية وأن يصل إليه من المراتب، فاجتهاد العلماء يقسمونه إلى ثلاث مراتب:


المرتبة الدنيا: هي القدرة على الترجيح وذلك بأن يكون الفقيه قادراً على ترجيح رأي على رأي وذلك عندما ينظر إلى الأدلة أدلة العلماء الذين اجتهدوا أي الذين سبقوا في الإجتهاد واستنبطوا الأدلة من الكتاب أو من السنة النبوية أو عولوا على النظر في مقاصد الشريعة الغراء أو استطاعوا أن يرجحوا دليلاً على دليل من خلال جمعهم بين الأدلة واتباعهم وسائل الترجيح ترجيح الأدلة بعضها على بعض حسبما هو معهود عند الفقهاء والأصوليين، هذه المرتبة بعض العلماء سماها مرتبة اجتهاد ومنهم من قال بأنها دون الإجتهاد وإنما يقال لها مرتبة الترجيح إذ الاجتهاد إنما يكون بالقدرة على استنباط الأدلة الشرعية من مظانّها وبدون هذه القدرة وإنما أن عوّل الإنسان على مجرد الترجيح فلا يكون مجتهداً عند هؤلاء القائلين.




والمرتبة الثانية: وهي أعلا من هذه المرتبة في الاستنباط بحيث يكون الإنسان قادراً على استنباط الأدلة الشرعية من غير أن يسبقه أحد إلى الاستدلال بهذه الأدلة وذلك إنما يحصل للإنسان بالممارسة مع وجود الآلات التي تمكنه من الاجتهاد والنظر وتتبع الأدلة، وهذا أمر يتوقف على معرفة القرآن الكريم والتفريق بين عمومه وخصوصه، وتقييده وإطلاقه، ومجمله ومبينه، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، مع النظر في أدلة السنة المطهرة سواءً أكان هذا المجتهد قادراً بنفسه على تتبع الروايات والتمييز بين صحيحها وغير صحيحها، أو كان معوّلاً على العلماء الذين لهم قدم في علم مصطلح الحديث بحيث يميزون بين ما هو صحيح من الأحاديث وما هو غير صحيح.



مع مراعاة ما يجب مراعاته في الأحاديث نفسها كالذي يراعي في القرآن بحيث ينظر الإنسان إلى المجمل والمبي،ن والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، فإن مما هو معلوم عند أهل العلم أن الخصوص يقدم على العموم، والتقييد يقدم على الإطلاق، والمجمل يرَدّ إلى المبيّن، والمتشابه يرَدُّ إلى المحكم، والناسخ يقضي على المنسوخ، هذا أمرٌ معروف، ولكن للا بد من معرفة مراتب الأدلة التي تخص العمومات كما يقول العلماء: دليل العام وإن كان قطعي المتن هو ظني الدلالة، لأن دلالة العام لا تتجاوز أن تكون ظنية فلذلك كثر التخصيص، حتى أن من العلما من قال بأنه ما من عموم إلا وقد خصص ما عدا قول الله سبحانه وتعالى: (خالق كل شيء) ونحو ذلك.




ونحن نقول بأن هنالك من الأدلة العامة ما لا يمكن أن نقول فيه بأنه ظني، وهذه الأدلة إنما هي أدلة العقيدة، فمن أدلة العقيدة ما يقضي العقل باستحالة تخصيصه كقول الله سبحانه وتعالى: (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) إذ لا يمكن أن يقول أحد بأن قوله سبحانه وتعالى: (لم يلد) يخصص وأن أحداً من الذين وُلدوا هو مولود لله تعالى الله عن ذلك، ولا يمكن أن يقول أحد أيضاً بأن الله تعالى وُلد لأحد تعالى الله عن ذلك، ولا يمكن أن يزعم أحد بأن لله تعالى كفؤاً، وهكذا نحو قوله: (ولا يظلم ربك أحدا)، وقوله سبحلنه وتعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، إلى غير ذلك من الأدلة التي يقضي العقل باستحالة تخصيصها، ونحن لا نريد أن نخوض في هذا المجال.




على أي حال بجانب هذا أيضاً لا بد من أن يكون الإنسان أي المجتهد على بينة من معرفة الخطاب الشرعي والتمييز بين خطاب الوضع وخطاب التكليف، والتمييز أيضاً بين دلائل الخطاب على الأحكام، إلى كم دلالة تنقسم دلالة الألفاظ على الأحكام ؟ فهي تنقسم إلى أربع دلالات، لأن اللفظ يدل على الحكم الشرعي إما بعبارته وإما بإشارته وإما باقتضائه وإما بدلالته، ولا بد من التمييز بين مراتب ذلك، ثم بعد ذلك كله أيضاً هو مطالب بأن يكون على معرفة باللغة العربية لأنها اللغة التي نزل بها القرآن والتي وردت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ويتعذر على الإنسان أن يجتهد في الأدلة الشرعية وهو غير متمكن من اللغة العربية بحيث يعرف دلالة هذه اللغة على المعاني.




فإن الكثير من مسائل الترجيح لا يمكن أن يرجح فيها دليل على دليل إلا بعد إمعان النظر في قواعد اللغة العربية، وهذا أمر لا نريد أن نتعرض له، وكذلك أن يكون على خبرة بالسيرة النبوية، كثير من الأحكام إنما تستقى من السيرة النبوية، ومن خلال معرفة الإنسان بالسيرة النبوية يستطيع ضب الأدلة الشرعية من حيث نزولها إن كانت آيات قرآنية أو ورودها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت سنة نبوية، فيميز بذلك بين الناسخ والمنسوخ، ومع هذا أيضاً يطالب المجتهد أن يكون على بينة من مقاصد الشريعة الغراء، فإن الترجيح كثيراً ما يعتمد على النظر في هذه المقاصد، بل نفس الاستنباط أحياناً إنما ينبن على النظر في مقاصد الشريعة، وبدون هذا النظر يكون الإنسان غير قادر على استيعاب الأدلة الشرعية وما تدل عليه من الأحكام.





ونحن عندما ننظر إلى تلك الحقبة على أي حال نجد أن الناس ربما حصل من بعضهم شيء من الاجتهاد، أي من العلماء الذين كانوا بين الناس في ذلك الوقت، بحيث يستنبطون الأحكام الشرعية ولكن غالب الاجتهاد إنما كان ترجيحاً ترجيح رأي على رأي، والعلماء كانوا في ذلك متنافسين، هذا الترجيح حصل عند الكثير من العلماء، وكانت هذه السيدة الرضية رحمها الله تعالى تنافس هؤلاء العلماء، ربما تختار رأياً غير رأيهم. نجد أن العلامة الصبحي رحمه الله كان يعد في الرعيل الأول في ذلك الوقت في العلماء ولكنها كانت تختلف معه في الكثير من المسائل، من ذلك: أنه كان يقول في المرأة إذا جاءها الحيض واستمر بها الدم ولم ينقطع عنها الدم يقول بأنها تجعل عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً، وهذا الرأي للإمام الربيع رحمه الله ولعل هذا الرأي هو أسهل ما يكون للنساء في الإستعمال، ولا يكلف النساء عنتاً كثيرا، وإن كان هنالك الكثير الكثير من الآراء التي تخالف هذا الرأي، وهذا الرأي مقيد بما إذا لم تكن هنالك عادة سابقة للمرأة، وأما إن كانت لها عادة فإنها تحكّم عادتها في ذلك بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت الحيضة فدعي لها الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي).




ولكن العلامة الصبحي بجانب نظره إلى هذه المسألة من خلال الرأي وترجيحه له على بيقية الأراء يرى أنه لعله من باب الاحتياط أن المرأة بعدما تصلي خمسين صلاة أي إذا اعتبرت نفسها مستحاضة في العشرة التي بعد عشرة الحيضة تصلي خمسين صلاة يرى أنها بعد أن تصلي خمسين صلاة تصلي صلاة واحدة من باب الاحتياط، ولكن هذه الفقيهة عارضته في ذلك، فقالت : لا، بل ولو صلت تلك الصلاة بما أنها جاوزت العشرة فإنها تعتبر في حكم الحائض، ولما كانت في حكم الحاءض فعلى أي حال لا تعتبر صلاتها تلك شيئاً وتترك خمسين صلاة كالتي صلتها من قبل وبعد ذلك تعود للصلاة مرة أخرى، هذا الرأي على أي حال وهو رأيها مبني على الأصل، فإن الأصل في الدم أنه دم حيض، وما دامت مواصفاته مواصفات دم الحيض يُحمل على أنه دم حيض حتى يثبت للمرأة بأن ذلك الدم يتعذر أن يكون دم حيض، ولا يتعذر ذلك إلا عندما تتجاوز عشرة أيام، فإن أقصى مدة للحيض عشرة أيام، وبما أن أقل الطهر عشرة أيام فهي تعطي للطهر عشرة أيام فإذا جاوزت هذه العشر عليها أن تغتسل وتصلي فإذا صلت خمسين صلاة فلتترك الصلاة وإذا تركت خمسين صلاة فلتصل كذلك خمسين صلاة إذ الأصل في الدم أنه دم حيض ويُحمل على أنه دم استحاضه عندما يتعذر كونه دم حيض.




وهذا على أي حال اجتهاد مبني على نظر دقيق في هذه المسألة، وهو مبني على قاعدة أصولية معروفة وهي استصحاب الأصل، كذلك وجدنا الفقيهة المذكورة اختلفتمع العلامة الصبحي في مُوصى له إذا قتل الموصي، فقد وقع قبل الخلاف معها خلاف بين الصبحي وابن عبيدان، فكان ابن عبيدان يرى أن القتل على أي حال من الأحوال هو مسقط للوصية كما يُسقط حقه أي حق القاتل من الإرث إن قتل موروثه، وكان الصبحي يرى أن هذهالمسألة لا بد من إمعان النظر فيها، والفقيهة ابنة راشد كان لها رأي آخر، كان رأيها التوسط، فإن كان هذا القاتل دارياً بأن المقتول موص له ففي هذه الحالة لا يستحق هذه الوصية، أما إن كان على غير معرفة بالوصية رأساً فعلى أي حال لا يعتبر في هذه الحالة متعجلاً لأمر لأنه لم يكن على معرفة بالوصية رأساً، ومهما كان فإن القول بالمنع مطلقاً إنما هو مبني على القياس أولاً، وهي ذكرت قياس الوصية على الميراث.




ثم بجانب ذلك أيضاً يُنظر في هذه القضية إلى قاعدة معروفة عند الفقهاء والأصوليين وهي قاعدة سد الذرائع، فإنه من المعلوم عندما يحس كل أحد أنه إن قتل من أوصى له لا يستحق من الوصية شيئاً كما لو قتل موروثه لا يستحق من إرثه شيئاً لا ريب أن هذا من الأمور الرادعة عن القتل، فإن في النفس ريبة من هذا القتل، إذ لعل القتل ولو كان خطأ حسب الظاهر لصاحبه إرادة ولصاحبه نزعة من خلاله إلى التوصل بهذا القتل إلى ما يتطلع إليه من الوصية أو ما يتطلع إليه من الإرث، ولذلك جاءت الشريعة الغراء بسد هذا الباب رأسا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يرث القاتل عمداً كان القتل أو خطأ)، وهذا لأجل صون دماء المسلمين حتى لا يتوصل المفسدون إلى سفكها لأي غرض من الأغراض.



يتبع ان شاء الله

سليمان بن موسى
12/09/2005, 04:52 AM
أنتظر البقية.

المصعبي
19/09/2005, 12:10 PM
أنتظر البقية.


ستأتي إن شاء الله