المصعبي
06/09/2005, 11:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين ، الحمد لله الذي شرف عباده المؤمنين وإماءه المؤمنات بما وهبهم من عظيم الهبات وما رفعهم إليه من علي الدرجات ، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين وسراجاً للمهتدين وإماماً للمتقين ونعمة على الخلق أجمعين ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فالسلام عليكم أيها المشايخ والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ورحمة الله وبركاته.
أحمد الله سبحانه وتعالى الذي جمعنا في هذه الليلة الغراء ، في هذا الجامع الشريف ، وفي هذا البلد العريق لنشم عبقاً من التاريخ الماضي الحافل بالفضل والمجد ولنحرص من خلال ذلك بعون الله سبحانه وتوفيقه على ربط الحاضر بالماضي وضم طارف المجد إلى تليده ، وبهذا يتحقق ما نصبوا إليه من جعل هذه المسيرة موصولة بالتاريخ العريق ، فإن كل أمة لا ماضي لها لا يكون لها حاضر إذ الحاضر إنما يبنى على الماضي ، هذا ، وقبل كل شيء أنا أعتذر إليكم من حيث إنني وكّل إلي أن أتحدث عن المنهج الفقهي عند هذه العالمة الفقيهة الرضية الشيخة عائشة ابنة راشد الريامية رحمها الله تعالى .
ومن المعلوم أن الحديث حول منهج الشخص يحتاج إلى دراسة متأنية واسعة في عطائه سواء أكان عطاءً فقهياً أو فكرياً أو أدبياً ، ولم تتح لي فرصة ولم أطلع إلا على النزر اليسير من فتاواها ، ومن خلال هذا النزر اليسير لا أستطيع أن أحدد منهجا بعينه ، ولكن قبل محاولة امتصاص ما يمكن أن نمتصه مما وجدناه من المعارف من خلال فتاواها لنقدم بذلك صورة للمستمع مما يمكن أن ندليه من منهجها.
أريد أن أنبه بان هذا الاحتفاء يجب أن لا يكون أمراً عابراً ينتهي ولا يدع أثراً له في النفوس ، فإننا على أي حال مطالبون بأن نعتبر بما قدمه السلف مع ما كان يكابده من صعوبة الزمان وتحديات العصر وعدم توفر الوسائل التي توفرت لنا نحن ، فإذن نحن مطالبون بالأكثر ، مطالبون بأن نجهد أنفسنا حتى نصل بفضل الله سبحانه وتعالى إلى ما تتطلع إليه الأمة من نشر للمعرفة وبناء جيل على قيم هذه المعرفة ، هذا ، ولا ريب أن الجنس اللطيف يوجه إليه الخطاب بطريقة خاصة من حيث على بناتنا أن يدركن بأن مسؤولية هذا الدين ونشره والقيام بالبحث عن كنوزه ليست خاصة بالرجال دونهن ، فإن هذه مسؤولية مشتركة .
والله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في هذه الأرض استخلفه كإنسان بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى ، وقد جعل سبحانه وتعالى ميزات الإنسان التي استحق بها أن يرفع إلى هذه الدرجة العالية وأن يبوأ هذا المنصب الرفيع وأن يعلى قدره حتى ينافس الملأ الأعلى ويسبقه ، جعل الله سبحانه وتعالى مزية الإنسان التي نال بها هذه المرتبة إنما هي العلم ، فالله سبحانه وتعالى يقول : (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمده ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبأهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنت تكتمون) ، فالعلم إذاً هو ميزة الانسان التي رفع الله تعالى بها قدره وأعلى شأوه وجله مختصاً بهذه الخصوصية العظيمة ومبوأ هذا المنصب الشريف ، منصب الخلافة في الأرض .
على أن هذه الخلافة تستوجب أن يكون الإنسان موصولاً بمستخلفه بحيث يتصرف بحسب أمره وينطلق من هدايته فلا يقدم على أمر ولا يحجم عنه إلا ببينة من ربه ، وذلك يتوقف على العبادة الخالصة لله سبحانه التي تكون طبق أمره ، ويتوقف على الطاعة المطلقة لله سبحانه بحيث يحرص الإنسان وهو يشعر بمسؤولية الخلافة في هذه الأرض وأنه يتحمل تبعات ذلك ويوقف أمام الله ليسأله عما قدم وما أخر وما أعطى وما منع ، والعبادة وسائر الطاعات التي خوطب بها الإنسان لا يمكن للإنسان أن يؤديها بالجهل ، ونحن نرى في كتاب الله ما يدل على أن هذه المسؤولية ليست خاصة بجنس الذكور دون الإناث إذ الله عز وجل يقول : (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) ومن الذي يفرق بين الصالحات وأضدادها ؟ إنما يفرق بينها من كان على بينة من أمره .
لأجل هذا أدرك السلف الصالح هذه المسؤولية الكبيرة فكانوا مسارعين ذكوراً وإناثا إلى التفقه في دين الله ، وفي مقدمتهم الرعيل الأول أصحاب النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ورضي الله عنهم فإنهم يتنافسون في ذلك ، ولم يكن الحياء يحجب الإناث عن التفقه في دين الله ، وقد أثنت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على نساء الأنصار ، قالت: (لله در نساء الأنصار ما منعهن الحياء عن التفقه في الدين) ، فكان للمرأة أثر بارز في حياة هذه الأمة من حيث بناء الحضارة على أسس العلم ، وقد كان لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن السبق في هذا الميدان ، ولذلك كان الكثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين عندما يحتدم الخلاف ويعظم الإشكال في الكثير من القضايا ، وهذا مما يدل على أن المرأة مهيأة بطبيعتها لأن تكون فقيهة في دينها عالمة بأحكامه ، دقيقة النظر فيها ، تجتهد كما يجتهد الرجل وتستنبط كما يستنبط وتقف معه على قدم المساواة في ذلك .
وقد وجد في تاريخ هذه الأمة وفي تاريخ أهل الاستقامة بصفة خاصة الكثير من النساء اللواتي كن على قدر من العلم والمعرفة والحرص على المنافسة في ذلك ، فابنة مسور رحمهما الله تعالى كانت تناقش أباها في مسائل الحيض حتى أنها تجرأت على أن تصف له كيف يأتيها الحيض وكيف لونه وكيف طبعه ، فقال لها: أما تستحين يا بنيتي تسأليني عن مثل هذا ؟ فقالت: أخشى أن يمقتني الله إن استحييت ، فقال لها: لا مقتك الله ، وكانت تناقش أباها في النظر في القضايا العلمية وتدلي برأيها ولا تبالي بذلك وكان أبوها قرير العين بذلك ، فعندما قال في يوم من الأيام: إن المؤمنين أفضل من أعمالهم ، ردت عليه: بل أعمالهم أفضل منهم لأنهم يفنون وتبقى أعمالهم ، وفي يوم كان بجنبها وكانت تغسل ثيابه ن فقال: تمنيت لو أن الله سبحانه وتعالى طهر قلبي فكان مثل هذا الثوب في نظافته ، فقالت له: تمنيت لو أن الله سبحانه جعل تطهير قلبي بيدي فأطهره مثل هذا الثوب ، فقال لها: أنت أفقه مني حتى في الأماني .
وهكذا شأن المرأة ، على أن المرأة في الإسلام عندما كانت واعية مؤمنة مبصرة كانت محركا كبيراً لأبنائها ، بل كانت محركاً لزوجها في سبيل الخير ، فالخنساء التي فعلت في الجاهلية ما فعلته حزنا على أخيها ، عندما أكرمها الله سبحانه وتعالى بالإسلام ونور بصيرتها بالإيمان وأدركت قيمة هذه الحياة دفعت بأفلاذ كبدها جميعا إلى الجهاد ورمتهم في أتون المعركة وحضتهم على الثبات والجلد حتى يلقوا الله سبحانه ، وعندما بلغها استشهادهم ما زادت على أن حمدت الله سبحانه وتعالى على أن تقبلهم منها ، فهكذا شأن المرأة عندما تكون مؤمنة بصيرة في أمر دينها عارفة بأحكامه مطلعة على أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه .
هذا ، ومن المعلوم أن مناهج العلماء في الفقه والاجتهاد تختلف ، وللبيئات أثر في ذلك ، ولهذا كان هناك اختلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث ، نتيجة بعد أصحاب مدرسة الرأي عن مصدر علم الحديث الشريف ومركزه عن أرض الحجاز ، فلذلك كانوا مضطرين إلى الاجتهاد وتوسيع دائرة النظر في القضايا التي ينظرون فيها ، وبناءً على هذا وقع الخلاف بينهم وبين أهل الحديث في الكثير من المسائل ، ولربما جمد بعض أهل الحديث على الظواهر من دون أن يمعنوا في بواطن مقاصد هذه النصوص ، ولذلك كان اجتهادهم محصورا على ما تجلى لهم من ظواهر الأدلة الشرعية ولم ينفدوا ببصائرهم إلى الأسرار التي ينطوي عليها ، بينما أصحاب مدرسة الرأي كانوا على خلاف ذلك.
ونحن نرى أيضاً أن الأزمنة لها أثر في هذا الاختلاف ، فقد يكون زمن من الأزمان فيه التوسع في الثقافة العلمية ويكون المناخ مهيأ لأن يكون هنالك الاجتهاد الواسع والنظر والدقة ومحاولة الإحاطة بالأدلة الشرعية عندما تكون الأجواء المحيطة أجواءً علمية ، ولكن قد تكون هنالك ظروف أخرى فيها تكون غير مهيأة لهذا السبب أو لآخر ، إما لأسباب عسكرية وإما لأسباب سياسية وإما لأسباب اجتماعية أو غير ذلك ، ولأجل هذا نجد التفاوت بين عصر وآخر في قوة الاستنباط والنظر في الأدلة الشرعية.
ولابد من أن نعترف بالحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة مرة في بعض الأحيان ، فعهد أئمة اليعاربة كان عهداً متميزاً بالنفوذ السياسي والعسكري ولكن من حيث العلم نجد أن هذا الوطن لم يكن مزدهراً بالنهضة العلمية التي كان يجب أن تكون مواكبة للنهضة السياسية والنهضة العسكرية ، ولعلنا نستطيع أن نقول بأن أولئك الأئمة الفضلاء شغلوا كثيراً بمكافحة هذا العدو ، وقد سبقت هذه المرحلة مرحلة مريرة فيها الكثير الكثير مما يندى له الجبين ، إذ جاءت تلكم الفئة الحاقدة على الإسلام التي تمثلت في طلائع الاستعمار البرتغالي الذي قاده البوكيرك لعنه الله تعالى ، وجثم على صدر هذه الأمة واستطاع أن يمد نفوذه في المحيط الهندي حتى المحيط الهادي ووصل نفوذه إلى حدود الصين ولم تقف أمامه قوة قط ، بل كل قوة حاول أن يقضي عليها ، وعندما تصدى له الأسطول العثماني دمره تدميراً ، وكانت العاقبة عاقبة مرة.
وكان الرجل حقوداً على الإسلام إلى حد بعيد ، كما يتجلى ذلك في مذكراته التي جمعها زنيمه الذي سمي ابنه وهو ابن غير شرعي ، جمعها وطبعت أخيراً بعدما ترجمت إلى اللغة العربية في نحو ألف وستمائة صفحة ، وهي تدل على ما كان في نفس هذا الرجل بل وما كان في نفس أتباعه من حقد على الإسلام ، حتى أنه كان يأسف بأنه لم يستطع أن يحقق أمنيتين اثنتين كان يطمح إليهما :
الأمنية الأولى : هي أن يحول النيل من مجراه حتى يجعل مصر أرضاً يبابا نكاية بالمسلمين.
والأمنية الثانية : وهي أتعس وعقوبتها عند الله سبحانه وتعالى أعظم أنه كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ، وهو كان من غباوته يظن أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مدفون في مكة ، كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ويخرج كما يزعم منها جثمان (المأفوم) الكريه حسبما قال لعنه الله ليذري رفاته أمام المسلمين.
فنحن لا نتجاهل دور الأئمة اليعاربة عندما نهضوا وتصدوا لهذا الشر العظيم وتتبعوا فلول هؤلاء الحاقدين على الإسلام حتى طهروا منهم ومن رجسهم هذه البقاع والبقاع المجاورة ، كادوا يصلون إلى رأس الرجاء الصالح في مطاردتهم لولا ما عله الله سبحانه وتعالى من الخلاف فيما بينهم ، والله تعالى المستعان ، ولكن مهما كان ، كان حرياً بهم وهم نهضوا هذه النهضة أن يدعموا هذه النهضة بالعلم ، وعندما جاء أحد علماء جزيرة جربه إلى عمان وجه نصيحة إلى الإمام بلعرب بن سلطان بأن يعنى بنشر العلم لما وجده من ضآلة العلم بحيث كانت النهضة العلمية لا توازي النهضة الكبرى التي كانت قائمة في البلاد في الناحية السياسة والاجتماعية والعمرانية والعسكرية..
يتبع ان شاء الله
الحمد لله رب العلمين ، الحمد لله الذي شرف عباده المؤمنين وإماءه المؤمنات بما وهبهم من عظيم الهبات وما رفعهم إليه من علي الدرجات ، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين وسراجاً للمهتدين وإماماً للمتقين ونعمة على الخلق أجمعين ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فالسلام عليكم أيها المشايخ والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ورحمة الله وبركاته.
أحمد الله سبحانه وتعالى الذي جمعنا في هذه الليلة الغراء ، في هذا الجامع الشريف ، وفي هذا البلد العريق لنشم عبقاً من التاريخ الماضي الحافل بالفضل والمجد ولنحرص من خلال ذلك بعون الله سبحانه وتوفيقه على ربط الحاضر بالماضي وضم طارف المجد إلى تليده ، وبهذا يتحقق ما نصبوا إليه من جعل هذه المسيرة موصولة بالتاريخ العريق ، فإن كل أمة لا ماضي لها لا يكون لها حاضر إذ الحاضر إنما يبنى على الماضي ، هذا ، وقبل كل شيء أنا أعتذر إليكم من حيث إنني وكّل إلي أن أتحدث عن المنهج الفقهي عند هذه العالمة الفقيهة الرضية الشيخة عائشة ابنة راشد الريامية رحمها الله تعالى .
ومن المعلوم أن الحديث حول منهج الشخص يحتاج إلى دراسة متأنية واسعة في عطائه سواء أكان عطاءً فقهياً أو فكرياً أو أدبياً ، ولم تتح لي فرصة ولم أطلع إلا على النزر اليسير من فتاواها ، ومن خلال هذا النزر اليسير لا أستطيع أن أحدد منهجا بعينه ، ولكن قبل محاولة امتصاص ما يمكن أن نمتصه مما وجدناه من المعارف من خلال فتاواها لنقدم بذلك صورة للمستمع مما يمكن أن ندليه من منهجها.
أريد أن أنبه بان هذا الاحتفاء يجب أن لا يكون أمراً عابراً ينتهي ولا يدع أثراً له في النفوس ، فإننا على أي حال مطالبون بأن نعتبر بما قدمه السلف مع ما كان يكابده من صعوبة الزمان وتحديات العصر وعدم توفر الوسائل التي توفرت لنا نحن ، فإذن نحن مطالبون بالأكثر ، مطالبون بأن نجهد أنفسنا حتى نصل بفضل الله سبحانه وتعالى إلى ما تتطلع إليه الأمة من نشر للمعرفة وبناء جيل على قيم هذه المعرفة ، هذا ، ولا ريب أن الجنس اللطيف يوجه إليه الخطاب بطريقة خاصة من حيث على بناتنا أن يدركن بأن مسؤولية هذا الدين ونشره والقيام بالبحث عن كنوزه ليست خاصة بالرجال دونهن ، فإن هذه مسؤولية مشتركة .
والله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في هذه الأرض استخلفه كإنسان بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى ، وقد جعل سبحانه وتعالى ميزات الإنسان التي استحق بها أن يرفع إلى هذه الدرجة العالية وأن يبوأ هذا المنصب الرفيع وأن يعلى قدره حتى ينافس الملأ الأعلى ويسبقه ، جعل الله سبحانه وتعالى مزية الإنسان التي نال بها هذه المرتبة إنما هي العلم ، فالله سبحانه وتعالى يقول : (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمده ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبأهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنت تكتمون) ، فالعلم إذاً هو ميزة الانسان التي رفع الله تعالى بها قدره وأعلى شأوه وجله مختصاً بهذه الخصوصية العظيمة ومبوأ هذا المنصب الشريف ، منصب الخلافة في الأرض .
على أن هذه الخلافة تستوجب أن يكون الإنسان موصولاً بمستخلفه بحيث يتصرف بحسب أمره وينطلق من هدايته فلا يقدم على أمر ولا يحجم عنه إلا ببينة من ربه ، وذلك يتوقف على العبادة الخالصة لله سبحانه التي تكون طبق أمره ، ويتوقف على الطاعة المطلقة لله سبحانه بحيث يحرص الإنسان وهو يشعر بمسؤولية الخلافة في هذه الأرض وأنه يتحمل تبعات ذلك ويوقف أمام الله ليسأله عما قدم وما أخر وما أعطى وما منع ، والعبادة وسائر الطاعات التي خوطب بها الإنسان لا يمكن للإنسان أن يؤديها بالجهل ، ونحن نرى في كتاب الله ما يدل على أن هذه المسؤولية ليست خاصة بجنس الذكور دون الإناث إذ الله عز وجل يقول : (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) ومن الذي يفرق بين الصالحات وأضدادها ؟ إنما يفرق بينها من كان على بينة من أمره .
لأجل هذا أدرك السلف الصالح هذه المسؤولية الكبيرة فكانوا مسارعين ذكوراً وإناثا إلى التفقه في دين الله ، وفي مقدمتهم الرعيل الأول أصحاب النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ورضي الله عنهم فإنهم يتنافسون في ذلك ، ولم يكن الحياء يحجب الإناث عن التفقه في دين الله ، وقد أثنت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على نساء الأنصار ، قالت: (لله در نساء الأنصار ما منعهن الحياء عن التفقه في الدين) ، فكان للمرأة أثر بارز في حياة هذه الأمة من حيث بناء الحضارة على أسس العلم ، وقد كان لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن السبق في هذا الميدان ، ولذلك كان الكثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين عندما يحتدم الخلاف ويعظم الإشكال في الكثير من القضايا ، وهذا مما يدل على أن المرأة مهيأة بطبيعتها لأن تكون فقيهة في دينها عالمة بأحكامه ، دقيقة النظر فيها ، تجتهد كما يجتهد الرجل وتستنبط كما يستنبط وتقف معه على قدم المساواة في ذلك .
وقد وجد في تاريخ هذه الأمة وفي تاريخ أهل الاستقامة بصفة خاصة الكثير من النساء اللواتي كن على قدر من العلم والمعرفة والحرص على المنافسة في ذلك ، فابنة مسور رحمهما الله تعالى كانت تناقش أباها في مسائل الحيض حتى أنها تجرأت على أن تصف له كيف يأتيها الحيض وكيف لونه وكيف طبعه ، فقال لها: أما تستحين يا بنيتي تسأليني عن مثل هذا ؟ فقالت: أخشى أن يمقتني الله إن استحييت ، فقال لها: لا مقتك الله ، وكانت تناقش أباها في النظر في القضايا العلمية وتدلي برأيها ولا تبالي بذلك وكان أبوها قرير العين بذلك ، فعندما قال في يوم من الأيام: إن المؤمنين أفضل من أعمالهم ، ردت عليه: بل أعمالهم أفضل منهم لأنهم يفنون وتبقى أعمالهم ، وفي يوم كان بجنبها وكانت تغسل ثيابه ن فقال: تمنيت لو أن الله سبحانه وتعالى طهر قلبي فكان مثل هذا الثوب في نظافته ، فقالت له: تمنيت لو أن الله سبحانه جعل تطهير قلبي بيدي فأطهره مثل هذا الثوب ، فقال لها: أنت أفقه مني حتى في الأماني .
وهكذا شأن المرأة ، على أن المرأة في الإسلام عندما كانت واعية مؤمنة مبصرة كانت محركا كبيراً لأبنائها ، بل كانت محركاً لزوجها في سبيل الخير ، فالخنساء التي فعلت في الجاهلية ما فعلته حزنا على أخيها ، عندما أكرمها الله سبحانه وتعالى بالإسلام ونور بصيرتها بالإيمان وأدركت قيمة هذه الحياة دفعت بأفلاذ كبدها جميعا إلى الجهاد ورمتهم في أتون المعركة وحضتهم على الثبات والجلد حتى يلقوا الله سبحانه ، وعندما بلغها استشهادهم ما زادت على أن حمدت الله سبحانه وتعالى على أن تقبلهم منها ، فهكذا شأن المرأة عندما تكون مؤمنة بصيرة في أمر دينها عارفة بأحكامه مطلعة على أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه .
هذا ، ومن المعلوم أن مناهج العلماء في الفقه والاجتهاد تختلف ، وللبيئات أثر في ذلك ، ولهذا كان هناك اختلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث ، نتيجة بعد أصحاب مدرسة الرأي عن مصدر علم الحديث الشريف ومركزه عن أرض الحجاز ، فلذلك كانوا مضطرين إلى الاجتهاد وتوسيع دائرة النظر في القضايا التي ينظرون فيها ، وبناءً على هذا وقع الخلاف بينهم وبين أهل الحديث في الكثير من المسائل ، ولربما جمد بعض أهل الحديث على الظواهر من دون أن يمعنوا في بواطن مقاصد هذه النصوص ، ولذلك كان اجتهادهم محصورا على ما تجلى لهم من ظواهر الأدلة الشرعية ولم ينفدوا ببصائرهم إلى الأسرار التي ينطوي عليها ، بينما أصحاب مدرسة الرأي كانوا على خلاف ذلك.
ونحن نرى أيضاً أن الأزمنة لها أثر في هذا الاختلاف ، فقد يكون زمن من الأزمان فيه التوسع في الثقافة العلمية ويكون المناخ مهيأ لأن يكون هنالك الاجتهاد الواسع والنظر والدقة ومحاولة الإحاطة بالأدلة الشرعية عندما تكون الأجواء المحيطة أجواءً علمية ، ولكن قد تكون هنالك ظروف أخرى فيها تكون غير مهيأة لهذا السبب أو لآخر ، إما لأسباب عسكرية وإما لأسباب سياسية وإما لأسباب اجتماعية أو غير ذلك ، ولأجل هذا نجد التفاوت بين عصر وآخر في قوة الاستنباط والنظر في الأدلة الشرعية.
ولابد من أن نعترف بالحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة مرة في بعض الأحيان ، فعهد أئمة اليعاربة كان عهداً متميزاً بالنفوذ السياسي والعسكري ولكن من حيث العلم نجد أن هذا الوطن لم يكن مزدهراً بالنهضة العلمية التي كان يجب أن تكون مواكبة للنهضة السياسية والنهضة العسكرية ، ولعلنا نستطيع أن نقول بأن أولئك الأئمة الفضلاء شغلوا كثيراً بمكافحة هذا العدو ، وقد سبقت هذه المرحلة مرحلة مريرة فيها الكثير الكثير مما يندى له الجبين ، إذ جاءت تلكم الفئة الحاقدة على الإسلام التي تمثلت في طلائع الاستعمار البرتغالي الذي قاده البوكيرك لعنه الله تعالى ، وجثم على صدر هذه الأمة واستطاع أن يمد نفوذه في المحيط الهندي حتى المحيط الهادي ووصل نفوذه إلى حدود الصين ولم تقف أمامه قوة قط ، بل كل قوة حاول أن يقضي عليها ، وعندما تصدى له الأسطول العثماني دمره تدميراً ، وكانت العاقبة عاقبة مرة.
وكان الرجل حقوداً على الإسلام إلى حد بعيد ، كما يتجلى ذلك في مذكراته التي جمعها زنيمه الذي سمي ابنه وهو ابن غير شرعي ، جمعها وطبعت أخيراً بعدما ترجمت إلى اللغة العربية في نحو ألف وستمائة صفحة ، وهي تدل على ما كان في نفس هذا الرجل بل وما كان في نفس أتباعه من حقد على الإسلام ، حتى أنه كان يأسف بأنه لم يستطع أن يحقق أمنيتين اثنتين كان يطمح إليهما :
الأمنية الأولى : هي أن يحول النيل من مجراه حتى يجعل مصر أرضاً يبابا نكاية بالمسلمين.
والأمنية الثانية : وهي أتعس وعقوبتها عند الله سبحانه وتعالى أعظم أنه كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ، وهو كان من غباوته يظن أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مدفون في مكة ، كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ويخرج كما يزعم منها جثمان (المأفوم) الكريه حسبما قال لعنه الله ليذري رفاته أمام المسلمين.
فنحن لا نتجاهل دور الأئمة اليعاربة عندما نهضوا وتصدوا لهذا الشر العظيم وتتبعوا فلول هؤلاء الحاقدين على الإسلام حتى طهروا منهم ومن رجسهم هذه البقاع والبقاع المجاورة ، كادوا يصلون إلى رأس الرجاء الصالح في مطاردتهم لولا ما عله الله سبحانه وتعالى من الخلاف فيما بينهم ، والله تعالى المستعان ، ولكن مهما كان ، كان حرياً بهم وهم نهضوا هذه النهضة أن يدعموا هذه النهضة بالعلم ، وعندما جاء أحد علماء جزيرة جربه إلى عمان وجه نصيحة إلى الإمام بلعرب بن سلطان بأن يعنى بنشر العلم لما وجده من ضآلة العلم بحيث كانت النهضة العلمية لا توازي النهضة الكبرى التي كانت قائمة في البلاد في الناحية السياسة والاجتماعية والعمرانية والعسكرية..
يتبع ان شاء الله