البسيوي
29/08/2005, 10:07 PM
منذ أكثر من عشرين عاماً والكاتبة التشيلية "إيزابيل الليندي" تؤكد حقيقة روائية تخالف من خلالها النظرة السائدة في العالم تجاه رواية أمريكا اللاتينية حين ساد اعتقادٌ لدى أغلب المهتمين بمسيرة الرواية في هذه القارة أنها قد استنفدت كل ما في جعبتها من القصّ الممتد عبر دروب الواقعية السحرية، وأن جيل جابريل غارسيا ماركيز وماريو بارغاس يوساهو هو آخر ما صدّرته هذه القارة إلى العالم من الروائيين الكبار، لكن الليندي - المولودة في العاصمة ليما 1942م - أخذت تؤكد منذ روايتها الأولى "بيت الأرواح" 1982م أنها قادمة من سن الأربعين لتقدم جيلاً من الأعمال الروائية الجديدة تعد معه وبه أهم رموز رواية ما بعد الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية والعالم.
ولسنا هنا في حاجة إلى تذكر رواياتها وكتبها التي ترجم معظمها إلى اللغة العربية فضلاً عن ترجماتها إلى اللغات العالمية الأخرى التي وزعت ملايين النسخ حول العالم.
آخر ما صدر للكاتبة رواية نشرت بالاسبانية أواخر العام الماضي 2002م بعنوان (مدينة البهائم) وكانت الروائية الليندي قد عقدت بمناسبة صدور روايتها هذه مؤتمراً صحفياً في "بيت أمريكا" بالعاصمة الاسبانية مدريد في سبتمبر من العام الماضي، وفي بداية المؤتمر كشفت الليندي أمراً جوهرياً يتعلق بالرواية، ذلك أن مدينة البهائم تعد الجزء الأول من ثلاثية روائية تعكف الليندي على كتابتها بناءً على طلب أحفادها الثلاثة، وتشير إلى أنهم هم أصحاب الفكرة، ومعنى ذلك أن هذه الثلاثية التي تزمع الليندي إصدار جزءيها الثاني والثالث من الممكن لنا أن نسميها ثلاثية الأحفاد! الذين لا يكفون عن مطالبة جدتهم بمزيد من الحكايات عندما يحل المساء، حيث تضيف الليندي "ففي كل ليلة أروي لهم قصة، والصغرى تعتقد أن هناك مستودعاً للحكايات في مكان ما من العالم! وأنني أعرف كل حكايات ذلك المستودع!! وقد أعجبتهم هذه الحكاية كثيراً فطلبوا مني كتابتها
ولكنها خرجت في النهاية في ثلاثمائة صفحة. أظن أنها ستعجب الكبار أيضاً، لقد بذلت من الجهد في كتابة هذه الرواية مثلما بذلت في رواياتي الأخرى"(..)
تبدأ الرواية بفصل يحمل عنوان "الكابوس" وهي بهذا العنوان تهيئ القارئ لدخول عالم مخيف يفتح عينيه على كل ما هو مثير ومرعب، وهذا الكابوس الذي يعتري فتى الخامسة عشرة (بطل الرواية) الكساندر كولد هو محور الحكاية تقريباً، حيث لا تجد له تفسيراً إلا مع السطور الأخيرة للرواية، في الكابوس يتبدى طائر أسود ضخم يرتطم بنافذة حجرة الكساندر (أو ألكس) ويدخل البيت ويحمل أمه (ليزا كود) المريضة بداء عضال ويعود ليخرج الطائر من النافذة ذاتها ويضيع في سماء مشحونة بالسحب السوداء، ومن هنا تبدأ الليندي السير في عالم متشابك من الحكايات والعناصر السردية المتنوعة، حيث يخرج ألكس من المدرسة أثناء الاستراحة عائداً إلى المنزل كي يجلب نايه الذي يعزف عليه بموهبة ظاهرة، وهو العازف الوحيد للناي في فرقة المدرسة التي ستؤدي تدريباً مسائياً ولا يمكنه أن يتغيب، حين يدخل البيت يرى خلسة أياه يقص شعر أمه فيثور ويعارك أباه ظناً منه أنه يؤذيها وحين تهدأ ثائرته يوضح له أبوه أن قص شعر الأم خير من رؤيته يتساقط أمام الآخرين.
في صباح اليوم التالي لهذه الحادثة يتوجه الأب (جون كولد) إلى ابنه ألكس ليخبره أن عليه أن يغادر قريتهم الصغيرة على شاطئ كاليفورنيا ويتوجه إلى جدته (كات كولد) للعيش معها في نيويورك حتى يتمكن جون كولد من الذهاب بالأم المريضة لتلقي العلاج الكيميائي في أحد مشافي تكساس، وهنا يبدأ تفرّق الأسرة، وتأخذ الرواية في الحديث عن رحلة ألكس كولد مع جدته العجوز الصلبة التي ستقوم برحلة مع بعثة الإنترناشيونال جيوغرافيك إلى قلب الغابة الأمازونية بين البرازيل وفنزويلا بحثاً عن مخلوق عملاق يدعى (البهيمة)، وبالفعل سافرت البعثة بقيادة الإنثربولوجي الشهير لودفيك لبلانك ودليل يدعى سيزر سانتوس بصحبته ابنته ناديا، وتبدأ الرحلة عبر غابات الأمازون وهنا يأتي العالم الغريب الساحر بأرواحه الخفية والهنود يدعون أهل الضباب والبهائم المجهولة.. إلخ.
في هذه الرحلة تتكشف أمور عديدة تتعلق بمثل هذه المناطق الغائبة عن العالم، فهناك عدد من المستثمرين المغامرين بحثاً عن ثروات نادرة تحقق لهم الثراء مدى حياتهم، وهناك المنظمات العالمية التي تسعى للاكتشاف والتوثيق كما المنظمات الصحية التي تسعى إلى التعرف على قبائل الهنود وأنواع البشر هناك لتلقيحهم ضد الأمراض التي تفتك بهم حفاظاً على أنواعهم من الانقراض وكانت هذه الرحلة مجالاً للتعرف على كل تلك الجماعات من البشر فكان الثري مارور كارياس هو المستغل لثروات تلك المنطقة وكانت الدكتورة أميرة تورس هي المبتعثة لتقليح أفراد الهنود المتواجدين بتلك المنطقة، والعجيب أن الاثنين - الثري والطبيبة - كانا على اتفاق إجرامي تقوم هي بموجبه بتلقيح الهنود بمصل المرض وليس بالمصل الوقائي منه! ولكن الشاب ألكس البطل وصديقته ناديا سالتوس - التي بدا أنها تحسن التعامل مع بعض قبائل الهنود كانا هما المنقذ للهنود وللبهيمة من هذا الشر الذي يسميه أفراد الهنود (راهاكاناريوا).
من خلال علاقة ناديا سالتوس بالهنود وخصوصاً التشامان واليماي أصبحت هي وألكس من ضمن أفراد قبيلة هنود الضباب فهو صار روحاً للجغوار وهي روح النسر.. وعيّنا في مركز الدفاع عن القبيلة ولكن كان لألكس طلب مقابل ذلك وهو أن يحصل على ماء الحياة الذي وصفه واليماي كي يأخذه ألكس إلى أمه لتتعافى من مرضها، وبالفعل توافق البهائم التي تمكّن الفتيان من لقائهما بسبب انضمامهما لأفراد الهنود، على الطلب وتمضي المغامرات الغريبة عبر أجواء تشبه الأحلام ولكنها تغري القارئ الفتى وتسحره بأوصاف الطبيعة الخلابة التي يخيل أحياناً أنها الإندرادو المزعومة.. ويتبقى على الفتيان الدفاع عن أهل الضباب وحمايتهم من البشر القادمين باتجاههم وهم هنا بعثة الانترناشيونال جرافيك، ويتمكن الفتيان بصعوبة بالغة من التحاور مع الجهتين (القبيلة الهندية والباحثين البشر) وعندها تتكشف نوايا الثري كارياس والطبيبة تورس وتبطل مكيدتهما وينقذ صغيران هما ألكس كولد وناديا سانتوس شعباً مجهولاً من الهنود من مصيبة اكتشاف البشر لأرضهم التي يريدون العيش فيها بوداعة وأمان بعيداً عن العالم بكل ما فيه.
إيزابسيل الليندي - ابنة الحظ - التي كانت تميل في رواياتها الأولى التي سبقت هذه الرواية إلى وسائل أسلوبية تعني بتقديم صور خيالية لا يمكن تقبلها أحياناً - كما في بيت الأرواح مثلاً - كانت قد تركتها فيما تلا ذلك من روايات ولكنها عادت هنا في "مدينة البهائم" مجدداً إلى استخدام تلك العناصر الواقعية السحرية، ويبدو أنها ستستمر في ذلك خصوصاً فيما تعكف على كتابته هذه الأيام من سلسلة روايات للفتيان.
علي زعلة - جريدة الرياض
ولسنا هنا في حاجة إلى تذكر رواياتها وكتبها التي ترجم معظمها إلى اللغة العربية فضلاً عن ترجماتها إلى اللغات العالمية الأخرى التي وزعت ملايين النسخ حول العالم.
آخر ما صدر للكاتبة رواية نشرت بالاسبانية أواخر العام الماضي 2002م بعنوان (مدينة البهائم) وكانت الروائية الليندي قد عقدت بمناسبة صدور روايتها هذه مؤتمراً صحفياً في "بيت أمريكا" بالعاصمة الاسبانية مدريد في سبتمبر من العام الماضي، وفي بداية المؤتمر كشفت الليندي أمراً جوهرياً يتعلق بالرواية، ذلك أن مدينة البهائم تعد الجزء الأول من ثلاثية روائية تعكف الليندي على كتابتها بناءً على طلب أحفادها الثلاثة، وتشير إلى أنهم هم أصحاب الفكرة، ومعنى ذلك أن هذه الثلاثية التي تزمع الليندي إصدار جزءيها الثاني والثالث من الممكن لنا أن نسميها ثلاثية الأحفاد! الذين لا يكفون عن مطالبة جدتهم بمزيد من الحكايات عندما يحل المساء، حيث تضيف الليندي "ففي كل ليلة أروي لهم قصة، والصغرى تعتقد أن هناك مستودعاً للحكايات في مكان ما من العالم! وأنني أعرف كل حكايات ذلك المستودع!! وقد أعجبتهم هذه الحكاية كثيراً فطلبوا مني كتابتها
ولكنها خرجت في النهاية في ثلاثمائة صفحة. أظن أنها ستعجب الكبار أيضاً، لقد بذلت من الجهد في كتابة هذه الرواية مثلما بذلت في رواياتي الأخرى"(..)
تبدأ الرواية بفصل يحمل عنوان "الكابوس" وهي بهذا العنوان تهيئ القارئ لدخول عالم مخيف يفتح عينيه على كل ما هو مثير ومرعب، وهذا الكابوس الذي يعتري فتى الخامسة عشرة (بطل الرواية) الكساندر كولد هو محور الحكاية تقريباً، حيث لا تجد له تفسيراً إلا مع السطور الأخيرة للرواية، في الكابوس يتبدى طائر أسود ضخم يرتطم بنافذة حجرة الكساندر (أو ألكس) ويدخل البيت ويحمل أمه (ليزا كود) المريضة بداء عضال ويعود ليخرج الطائر من النافذة ذاتها ويضيع في سماء مشحونة بالسحب السوداء، ومن هنا تبدأ الليندي السير في عالم متشابك من الحكايات والعناصر السردية المتنوعة، حيث يخرج ألكس من المدرسة أثناء الاستراحة عائداً إلى المنزل كي يجلب نايه الذي يعزف عليه بموهبة ظاهرة، وهو العازف الوحيد للناي في فرقة المدرسة التي ستؤدي تدريباً مسائياً ولا يمكنه أن يتغيب، حين يدخل البيت يرى خلسة أياه يقص شعر أمه فيثور ويعارك أباه ظناً منه أنه يؤذيها وحين تهدأ ثائرته يوضح له أبوه أن قص شعر الأم خير من رؤيته يتساقط أمام الآخرين.
في صباح اليوم التالي لهذه الحادثة يتوجه الأب (جون كولد) إلى ابنه ألكس ليخبره أن عليه أن يغادر قريتهم الصغيرة على شاطئ كاليفورنيا ويتوجه إلى جدته (كات كولد) للعيش معها في نيويورك حتى يتمكن جون كولد من الذهاب بالأم المريضة لتلقي العلاج الكيميائي في أحد مشافي تكساس، وهنا يبدأ تفرّق الأسرة، وتأخذ الرواية في الحديث عن رحلة ألكس كولد مع جدته العجوز الصلبة التي ستقوم برحلة مع بعثة الإنترناشيونال جيوغرافيك إلى قلب الغابة الأمازونية بين البرازيل وفنزويلا بحثاً عن مخلوق عملاق يدعى (البهيمة)، وبالفعل سافرت البعثة بقيادة الإنثربولوجي الشهير لودفيك لبلانك ودليل يدعى سيزر سانتوس بصحبته ابنته ناديا، وتبدأ الرحلة عبر غابات الأمازون وهنا يأتي العالم الغريب الساحر بأرواحه الخفية والهنود يدعون أهل الضباب والبهائم المجهولة.. إلخ.
في هذه الرحلة تتكشف أمور عديدة تتعلق بمثل هذه المناطق الغائبة عن العالم، فهناك عدد من المستثمرين المغامرين بحثاً عن ثروات نادرة تحقق لهم الثراء مدى حياتهم، وهناك المنظمات العالمية التي تسعى للاكتشاف والتوثيق كما المنظمات الصحية التي تسعى إلى التعرف على قبائل الهنود وأنواع البشر هناك لتلقيحهم ضد الأمراض التي تفتك بهم حفاظاً على أنواعهم من الانقراض وكانت هذه الرحلة مجالاً للتعرف على كل تلك الجماعات من البشر فكان الثري مارور كارياس هو المستغل لثروات تلك المنطقة وكانت الدكتورة أميرة تورس هي المبتعثة لتقليح أفراد الهنود المتواجدين بتلك المنطقة، والعجيب أن الاثنين - الثري والطبيبة - كانا على اتفاق إجرامي تقوم هي بموجبه بتلقيح الهنود بمصل المرض وليس بالمصل الوقائي منه! ولكن الشاب ألكس البطل وصديقته ناديا سالتوس - التي بدا أنها تحسن التعامل مع بعض قبائل الهنود كانا هما المنقذ للهنود وللبهيمة من هذا الشر الذي يسميه أفراد الهنود (راهاكاناريوا).
من خلال علاقة ناديا سالتوس بالهنود وخصوصاً التشامان واليماي أصبحت هي وألكس من ضمن أفراد قبيلة هنود الضباب فهو صار روحاً للجغوار وهي روح النسر.. وعيّنا في مركز الدفاع عن القبيلة ولكن كان لألكس طلب مقابل ذلك وهو أن يحصل على ماء الحياة الذي وصفه واليماي كي يأخذه ألكس إلى أمه لتتعافى من مرضها، وبالفعل توافق البهائم التي تمكّن الفتيان من لقائهما بسبب انضمامهما لأفراد الهنود، على الطلب وتمضي المغامرات الغريبة عبر أجواء تشبه الأحلام ولكنها تغري القارئ الفتى وتسحره بأوصاف الطبيعة الخلابة التي يخيل أحياناً أنها الإندرادو المزعومة.. ويتبقى على الفتيان الدفاع عن أهل الضباب وحمايتهم من البشر القادمين باتجاههم وهم هنا بعثة الانترناشيونال جرافيك، ويتمكن الفتيان بصعوبة بالغة من التحاور مع الجهتين (القبيلة الهندية والباحثين البشر) وعندها تتكشف نوايا الثري كارياس والطبيبة تورس وتبطل مكيدتهما وينقذ صغيران هما ألكس كولد وناديا سانتوس شعباً مجهولاً من الهنود من مصيبة اكتشاف البشر لأرضهم التي يريدون العيش فيها بوداعة وأمان بعيداً عن العالم بكل ما فيه.
إيزابسيل الليندي - ابنة الحظ - التي كانت تميل في رواياتها الأولى التي سبقت هذه الرواية إلى وسائل أسلوبية تعني بتقديم صور خيالية لا يمكن تقبلها أحياناً - كما في بيت الأرواح مثلاً - كانت قد تركتها فيما تلا ذلك من روايات ولكنها عادت هنا في "مدينة البهائم" مجدداً إلى استخدام تلك العناصر الواقعية السحرية، ويبدو أنها ستستمر في ذلك خصوصاً فيما تعكف على كتابته هذه الأيام من سلسلة روايات للفتيان.
علي زعلة - جريدة الرياض