المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الرواية الجزائرية.. والأسئلة المفقودة


سويري
29/08/2005, 11:31 AM
الرواية الجزائرية.. والأسئلة المفقودة

بشير مفتي



أن الرواــية الجزائرية التي ظهـرت متأخرة بالنســــبة للرواية العربية حتي عام 1970 مع رواية ريح الجـــنوب للراحل عبد الحميد بن هــــدوقة، قد خلقــت لنفسها تميزا في الساحة الــــروائية العربية، بالرغم من كل ما يمكن أن يوجه من ملاحظات نقدية للجيل المؤسس كالطاهر وطار وغيره من انخراطهم المباشر في لعبة النظام السياسي، وتعبيرهم عن أفكاره، وحتي برنامجه السياسي والإيديولوجي، إلا أنهم تمكنوا من تحقيق جماليات ومحاولات في الشكل الروائي، فوطار حاول أن يقدم شكلا روائيا يمازج بين الواقعية والصوفية ومناخاته سريالية في معظمها، كما أن بن هدوقة تمكن بعد روايات كلاسية، وخطية، وذاهبة في نفس الخط السياسي للسلطة، من تقديم عمل روائي متعدد نسبيا في الجازية والدراويش والتي قدم لأول مرة رواية تغتني بالأسطورة الشعبية، وتتميز بحبكة مفتوحة، وعقدة غير نمطية، وإن ظل بطلها الرئيسي الأحمر من خلال التسمية فقط رمزا مفضوحا للغاية، ومباشرا لحد بعيد، ولولا شخصية الجازية التي صعد الرمز بها إلي مستوي عال لفقدت الرواية نكهتها الجميلة وغموضها المحبب.
بقيت الرواية الجزائرية خلال عشرية السبعينات أسيرة نمط كتابي معين، أسس له الرواد، ولهذا لم تخرج رواية الجيل اللاحق مثل واسيني الأعرج، ومرزاق بقطاش، وجيلالي خلاص.. من تكرار نفس التجارب، والانهماك بذات المواضيع، أي التعبير عن مرحلة السبعينات التي هيمن عليها المد الواقعي الاشتراكي، ولم تستطع الانفلات من هذه الصورة المسيطرة إلا من لم ينشر، وحتي النشر كان ببيد هؤلاء، فهم لجان القراءة بالمؤسسة الوطنية للنشر التي ظلت تحتكر نشر الأدب إلي غاية إفلاسها في نهاية الثمانينات، مع نهاية نظام بومدين، وبروز مرحلة الرئيس الشاذلي بن جديد الليبرالية، والتي مهدت بانتهاء الفردوس الاشتراكي الأرضية لعملية سقوط سياسي وثقافي واجتماعي نشهد مظاهره حتي اليوم.
في بداية الثمانينات عاد الروائي رشيد بوجدرة للكتابة بالعربية ومنها ترجمت كل أعماله تقريبا للعربية، وبدأ في تلك الفترة ما يعرف بالرواية الجديدة يشق له طريقا في الكتابة الروائية الجزائرية تحت هيمنة وتأثير بوجدرة نفسه، الذي بدأ يتحول إلي أب مقدس، ومثال / نموذج يحتذي به، وعلي منواله، ومن المصادفات أن يكون مترجموه هم روائيون جزائريون، سنجد أثر ترجماتهم لأعماله علي نصوصهم الأدبية، وسيصل التقليد إلي درجة المسخ التام، بل التشويه، وستصبح الرواية الجزائرية في مرحلة السقوط الاجتماعي والسياسي، مرحلة روائية مشوهة تقريبا، يغيب عنها الحس الانتقادي، وتضيع جوهرها في فذلكات لغوية ولفظية، وتحريفا يقصد من وراءه التعبير عن رواية جديدة لذاتها، رواية غير مهتمة بجمهور القراء، ولا تسعي لإدراجهم ضمن حساسيتها الأدبية، رواية ترغب في عالمية من تلك التي حققها بوجدرة، ولكن الفرق أنه حققها في الساحة الثقافية الأجنبية وباللغة الفرنسية، وليس باللغة العربية، وهذا الفرق لم يلحظه معظمهم، ولم يثر انتباههم لأن النشر كان حد تلك اللحظة بيد جهاز واحد تابع للدولة والحزب، وكان يشرف عليه الروائي جيلالي خلاص.
لم يحدث الشرخ إلا عند حوادث تشرين الاول (أكتوبر) 88 حيث فاجأت انتفاضة الشباب في الجزائر العاصمة وعددا كبيرا من المدن الكبيرة، المثقفين والكتاب الذين كانوا يعيشون حتي تلك المرحلة، مطمئنين في غالبيتهم، مع السائد، وكانت علاقتهم مع السلطة علي أكمل وجوهها، ويا للسخرية، مشرقة، وناصعة البياض.
طبعا لا نستطيع تحميل الكتاب والمثقفين مسؤولية الأوضاع التي تفككت عن آخرها، وغياب أي استشراف، أو وعي نقدي كان بإمكانه تجنيب البلاد ما وقع لها فيما بعد. وهناك من جهة أخري نظالات مثقفين أحرار ومستقلين لم يدخلوا في لعبة الحزب الواحد، وسياسة السلطة التوجيهية، وبينما كان بعض كتاب الجزائر الكبار يشغلون مناصب كبري في الحزب، كان صوت المرحوم كاتب ياسين يدوي ضد الأحادية، وينافح من أجل تعددية سياسية وثقافة حرة، واشتراكية ديمقراطية.
مرحلة الثمانينات هي مرحلة إخفاق السياسي، الذي بقي تابعا لرجل الجيش، والعسكر، وعجزه عن بلورة رؤية مستقبلية لجزائر كانت لا تزال متأثرة بسنوات الاستعمار الطويلة، وتعيش علي وقع ماضيها الثوري، وحلم الحرية الكبير، وعلي المستوي الروائي، كانت الرواية الجزائرية، التي بدأت تؤكد وجودها، من خلال كم الإنتاج المسموح به، تظهر محاولة لطرح بعض القضايا الحساسة علي مستوي الواقع، دون أن تخدش بأي شكل النظام السياسي، ولا أن تعيد النظر في موقعه من المجتمع، كانت القطبية الدولية لا تزال سائدة، والجزائر كانت محسوبة علي المعسكر الاشتراكي، لكن الشاذلي بن جديد كان يقود البلاد علي شاكلة السادات، ومن أتوا به إلي الانفتاح علي سلبيات الاستهلاك والتبذير، لقد تكرست أصوات الرواد علي أساس أنها الأصل الذي لا مناح منه، وأصبح الآباء المقدسين، يمثلون شرعية الرواية الجزائرية، خاصة الثلاثي: وطار، بن هدوقة، ورشيد بوجدرة، وعن الأب ظهر الابن منطويا وخارجا من أحد المعاطف، فواسيني الأعرج سار علي ركب وطار حتي في تناول نفس الموضوعات، وظل يشيد بعبقريته لفترة طويلة، بل وصل به الأمر أن وصفه في إحدي الروايات ضمير الغائب إلي آخر أنبياء هذا العصر ومرزاق بقطاش سار في درب بن هدوقة مع اختلافات طفيفة، وجيلالي خلاص ومحمد ساري، سارا في فلك رشيد بوجدرة، حتي أن بوجدرة عندما كتب رواية ألف وعام من الحنين الرائعة جدا، ولكن التي تظـــهر عليها طبعــا بصمات ماركيز في مئة عــام من العزلة خاصة من جانب الواقعـــــية السحرية، سينتقل محمــــــد ساري من أسلوب الرواية الجديدة في السعير إلي أسلوب الرواية السحرية في البطاقة السحرية كما سيقدم واسيني روايات في هذا الاتجاه، و جيلالي خلاص أعمال بقيت وفية للنمط السردي الأول الذي نتج من تثاقف مشوه مع بوجدرة، وهكذا سيقدر للرواية الجزائرية أن تظل دائرة في حلقات من التقليد والتحريف والبحث عن ذاتها.
إن أصل الداء يكمن ربما بشكل كبير في رواية نجمة لكاتب ياسين، التي بالرغم من أنها كتبت بالفرنسية إلا أنها ظلت أهم رواية جزائرية في لا وعي الجزائريين، ولم يستطع أحد الانفكاك من شبحها الجميل والمرعب، وتحول صمت كاتب ياسين، صمت الكتابة، وليس الموقف والجرأة في النقد، إلي حالة من التساؤل، والقلق الدائمين.
لم يستطع الكتاب الجزائريين إلا مؤخرا وبفعل عوامل مختلفة وجديدة من الانفتاح علي تجارب وحساسيات جمالية أخري، كان يمكنها أن تخلق تثاقفات حرة ومتعددة كحساسية مالك حداد مثلا، الذي استفادت منه أحلام مستغانمي في تجربتها الروائية الجميلة، ولا من محمد ديب، الذي يمتلك حساسية جمالية مختلفة، لقد أدي احتكار النشر لفترة طويلة من تنميط المخيلات، وقبر التعددية الروائية، ولن يجد صوت محمد ديب الإبداعي طريقه للترجمة نحو العربية كما حدث مع بوجدرة مثلا، تماما مثلما لم تجد آسيا جبار هذا الطريق، ولا نبيل فارس، المبدع والمنشق سياسيا، والذي عاش مثل ديب في فرنسا هربا من أحادية النظام البومدييني، لقد بقي المكرس يفرض هيمنة جمالية سياسية أحادية، وخلق أبناء يسيرون في نفس الطريق، ويعيدون تكرار نفس التوجهات، وإن اختلفت الأساليب، وستكون فترة نهاية الثمانينات، وبداية التسعــــينات، بما صاحبها من تحلل وتفكك تامين، بداية وعي جديد بلعـــــبة الــرواية، ومغامرتها من جديد علي يد أسماء ستخرج من صمت الرماد، لن يشكل لها كاتب ياسين عائقــــــا بل أفقا للوعي بأهمية الكتـــــابة علي مستوي الأدب، وملهما فذا علي مستوي الروح النقـدية، وشجاعة الاستقلال الذاتي، عن الأطر السياسوية والسلطوية المفروضة، أو تلك التي تقبلتها الأجيال السابقة كأمر محتوم، لا يحتاج للمساءلة أو المراجعة، بينما الخلل الأساسي كان فيها هي بالذات، ومنها خرجت المآزق كلها.
جيل التسعينات هو جيل الحرية، وسأحاول تنـاول أسئلته وهواجسه في المرة القادمة إن أمكن ذلك طبعا.


كاتب من الجزائر


القدس العربى
29/8/2005