البسيوي
01/08/2005, 08:48 AM
دولة الإمارات العربية المتحدة ليست عبارة عن نهضة اقتصادية حديثة ارتبطت باللؤلؤ والتجارة والبترول ولكن أيضا نهضة فكرية متطورة وتوجهات فلسفية سابقة لزمنها واتجاهات سياسية أثرت في منطقة الخليج العربي برمتها، هذه التوجهات جميعها عكسها ابن الإمارات المؤرخ عبدالله بن صالح المطوع (1890-1959) في كتبه ومخطوطاته العديدة. فهذا المؤرخ المبدع، الذي استحق أن يلقب “بأول مؤرخ للإمارات”، استطاع وبجدارة أن يعكس التوجهات السياسية والفكرية والفلسفية السائدة في تلك الفترة في عمان والإمارات والسعودية وأن يقدمها للقارئ بصورة حية ولافتة للأنظار.
ولد المطوع في بلدة الحيرة بالشارقة وترعرع في جو علم وأدب انعكس على مؤلفاته العديدة التي عثر على بعضها واندثر البعض الآخر. من أهم مؤلفاته التي قام المؤرخ الدكتور فالح حنظل عام 1994 بتحقيقها هي “عقود الجمان في تاريخ آل سعود في عمان” و”الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي”، والأخيرة هي موضوع مقالنا. حازت هاتان المخطوطتان منذ العثور عليهما وانتشالهما من أسر الرفوف والأدراج، شهرة أدبية وتاريخية واسعة. فهما نتاج مرحلة تاريخية زاخرة بالأحداث من تاريخ منطقة الإمارات. فأهمية المخطوطة الأولى أنها تؤرخ لمرحلة مهمة من العلاقات الإماراتية-السعودية. أما المخطوطة الثانية “الجواهر واللآلئ” فأهميتها تكمن في أنها تروي لنا النشأة الأولى لكل إمارة. كما تروي لنا هذه المخطوطة الأصول الأولى للقبائل التي عاشت في هذه المنطقة والتي أسهمت بشكل أو بآخر في ظهور الإمارات بشكلها الحالي.
فمنذ القدم ارتبطت الإمارات السبع، التي تكون اتحاد الإمارات اليوم، في إطار يمثل مجتمعا واحدا له تقاليده وتصوراته الاجتماعية وأفكاره وسلوكه الموحد. يلتقي فيه أفراده على اختلاف جماعاتهم كما تلتقي حبات عقد اللؤلؤ المختلفة في خيط واحد تضمهم مقومات حياتية واحدة ويوحدهم شعور واحد فيبدون كعقد الجواهر الفريد. من هنا اشتق المؤلف عنوان مخطوطته وهو “الجواهر واللآلئ”. أما عمان الشمالي فهي تعكس تلك الرابطة التي تربط منطقة الإمارات بعمان والتي ترجع إلى أعماق التاريخ ومسببات الجغرافيا.
بحث المطوع في الأصول التاريخية الأولى للإمارات مقدما لنا صورة حية تعكس التوجهات السياسية والفكرية السائدة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كما قدم لنا المطوع في هذه المخطوطة التركيبة القبلية السائدة آنذاك في عمان ومنطقة الإمارات ودرجة تماسكها وارتباطها بالأحداث السياسية الجارية آنذاك. ولعل أكثر الأمور التي عرضها أهمية هي تلك الروايات التي تدور حول النشأة الأولى لكل إمارة وهو الأمر الذي لم يتصد له أحد من المؤرخين الذين كتبوا عن الإمارات.
لذا جاء هذا الكتاب ليسد النقص الموجود في معرفتنا عن تاريخ هذا البلد وظهورها على مسرح الأحداث. ولعل المهم أيضا، من الناحية التوثيقية، هو اعتماد المؤرخ على المصادر العمانية والسعودية، بالإضافة إلى اعتماده على الروايات الشفاهية المتناقلة من جيل لآخر، وهو الأمر الذي يعطي لهذه المخطوطة أهمية كبرى كونها تعكس رؤية ابن الإمارات عن تاريخ وطنه.
انقسمت مخطوطة “الجواهر واللآلئ” إلى أربعة فصول يناقش الفصل الأول منها “قبيلة آل نهيان” وهي العائلة الحاكمة لإمارة أبوظبي والقبائل التي كانت على ولاء لها. وكما يقول المطوع فنسب هذه القبيلة يرجع إلى بني هلال الذين ينتمون إلى عامر بن صعصعة. وهم بذلك يختلفون عن بني هلال سكان شمال إفريقيا. اختاروا الظفرة لسكناهم وكونوا إمارة خاصة بهم وهم أصحاب بأس ونخوة، نجحوا في أن يكونوا قوة داخلية كبيرة في إمارة أبوظبي.
الفصل الثاني من فصول هذه المخطوطة تتحدث عن تاريخ القواسم وإمارتهم الكبرى والتي امتدت من الشارقة حتى رأس الخيمة على الساحل العربي للخليج وإلى لنجة على الساحل الفارسي للخليج. وتتحدث المخطوطة عن نسب القواسم وكيفية تأسيسهم لإمارتهم الكبرى على ساحل عمان وكيفية امتداد نفوذهم على مياه الخليج العربي بالإضافة إلى القبائل التي سكنت وتنقلت في معيتهم وتحالفت معهم كما تروي المخطوطة الفكر السياسي والايدلوجي السائد آنذاك.
الفصل الثالث من هذه المخطوطة يصف لنا كيفية تأسيس آل علي لإمارتهم وتاريخ هذا التأسيس، وأصول المجموعة البشرية والقبائل التي انضمت إليها منذ أن سكنت هذه المجموعة البشرية في بلدة أم القيوين وأسست لها إمارة مستقرة هناك.
أما الفصل الرابع فيتحدث عن النشأة الأولى لإمارة عجمان منذ أن سكنها آل النعيم وحتى ظهورها كإمارة مستقلة في القرن التاسع عشر. فالنعيم هي إحدى قبائل العرب الكبرى التي تنتمي إلى قبائل الأنصار: الأوس والخزرج. وقد نجح النعيم في تأسيس إمارة قوية في عجمان حافظت على استقلالها رغم كل الظروف السياسية والإقليمية وأبقت على ولائها للقواسم.
بالإضافة إلى هذه الفصول الأربعة وجد للمخطوطة ملاحق ألحقت بها وهي عبارة عن تعليقات وتصحيحات واستطرادات على ما جاء فيها. ومما يؤسف له أن المعلق لم يذكر اسمه فبقي مجهولا لكنه، وعلى حسب رواية د.فالح حنظل، يعتقد بأنه قد يكون الشيخ محمد بن سعيد بن غباش والذي قد يكون المطوع قد أحاله له لإبداء ملاحظاته وآرائه.
إن مخطوطة “الجواهر واللآلئ” إن دلت على شيء فهي تدل على مستوى الوعي الفكري الذي بلغه أهل الإمارات قديما. كما تدل على تلك العلائق الوشيجة التي جمعت أهل الإمارات جميعهم في عقد واحد قبل زمن طويل من قيام الاتحاد. وهي تثبت للعالم أجمع أن الإمارات ليست نفطا وليست اقتصادا متحررا ولكنها أيضا فكر وعقل متحرر.
د. فاطمة الصايغ
الخليج الثقافي
ولد المطوع في بلدة الحيرة بالشارقة وترعرع في جو علم وأدب انعكس على مؤلفاته العديدة التي عثر على بعضها واندثر البعض الآخر. من أهم مؤلفاته التي قام المؤرخ الدكتور فالح حنظل عام 1994 بتحقيقها هي “عقود الجمان في تاريخ آل سعود في عمان” و”الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي”، والأخيرة هي موضوع مقالنا. حازت هاتان المخطوطتان منذ العثور عليهما وانتشالهما من أسر الرفوف والأدراج، شهرة أدبية وتاريخية واسعة. فهما نتاج مرحلة تاريخية زاخرة بالأحداث من تاريخ منطقة الإمارات. فأهمية المخطوطة الأولى أنها تؤرخ لمرحلة مهمة من العلاقات الإماراتية-السعودية. أما المخطوطة الثانية “الجواهر واللآلئ” فأهميتها تكمن في أنها تروي لنا النشأة الأولى لكل إمارة. كما تروي لنا هذه المخطوطة الأصول الأولى للقبائل التي عاشت في هذه المنطقة والتي أسهمت بشكل أو بآخر في ظهور الإمارات بشكلها الحالي.
فمنذ القدم ارتبطت الإمارات السبع، التي تكون اتحاد الإمارات اليوم، في إطار يمثل مجتمعا واحدا له تقاليده وتصوراته الاجتماعية وأفكاره وسلوكه الموحد. يلتقي فيه أفراده على اختلاف جماعاتهم كما تلتقي حبات عقد اللؤلؤ المختلفة في خيط واحد تضمهم مقومات حياتية واحدة ويوحدهم شعور واحد فيبدون كعقد الجواهر الفريد. من هنا اشتق المؤلف عنوان مخطوطته وهو “الجواهر واللآلئ”. أما عمان الشمالي فهي تعكس تلك الرابطة التي تربط منطقة الإمارات بعمان والتي ترجع إلى أعماق التاريخ ومسببات الجغرافيا.
بحث المطوع في الأصول التاريخية الأولى للإمارات مقدما لنا صورة حية تعكس التوجهات السياسية والفكرية السائدة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كما قدم لنا المطوع في هذه المخطوطة التركيبة القبلية السائدة آنذاك في عمان ومنطقة الإمارات ودرجة تماسكها وارتباطها بالأحداث السياسية الجارية آنذاك. ولعل أكثر الأمور التي عرضها أهمية هي تلك الروايات التي تدور حول النشأة الأولى لكل إمارة وهو الأمر الذي لم يتصد له أحد من المؤرخين الذين كتبوا عن الإمارات.
لذا جاء هذا الكتاب ليسد النقص الموجود في معرفتنا عن تاريخ هذا البلد وظهورها على مسرح الأحداث. ولعل المهم أيضا، من الناحية التوثيقية، هو اعتماد المؤرخ على المصادر العمانية والسعودية، بالإضافة إلى اعتماده على الروايات الشفاهية المتناقلة من جيل لآخر، وهو الأمر الذي يعطي لهذه المخطوطة أهمية كبرى كونها تعكس رؤية ابن الإمارات عن تاريخ وطنه.
انقسمت مخطوطة “الجواهر واللآلئ” إلى أربعة فصول يناقش الفصل الأول منها “قبيلة آل نهيان” وهي العائلة الحاكمة لإمارة أبوظبي والقبائل التي كانت على ولاء لها. وكما يقول المطوع فنسب هذه القبيلة يرجع إلى بني هلال الذين ينتمون إلى عامر بن صعصعة. وهم بذلك يختلفون عن بني هلال سكان شمال إفريقيا. اختاروا الظفرة لسكناهم وكونوا إمارة خاصة بهم وهم أصحاب بأس ونخوة، نجحوا في أن يكونوا قوة داخلية كبيرة في إمارة أبوظبي.
الفصل الثاني من فصول هذه المخطوطة تتحدث عن تاريخ القواسم وإمارتهم الكبرى والتي امتدت من الشارقة حتى رأس الخيمة على الساحل العربي للخليج وإلى لنجة على الساحل الفارسي للخليج. وتتحدث المخطوطة عن نسب القواسم وكيفية تأسيسهم لإمارتهم الكبرى على ساحل عمان وكيفية امتداد نفوذهم على مياه الخليج العربي بالإضافة إلى القبائل التي سكنت وتنقلت في معيتهم وتحالفت معهم كما تروي المخطوطة الفكر السياسي والايدلوجي السائد آنذاك.
الفصل الثالث من هذه المخطوطة يصف لنا كيفية تأسيس آل علي لإمارتهم وتاريخ هذا التأسيس، وأصول المجموعة البشرية والقبائل التي انضمت إليها منذ أن سكنت هذه المجموعة البشرية في بلدة أم القيوين وأسست لها إمارة مستقرة هناك.
أما الفصل الرابع فيتحدث عن النشأة الأولى لإمارة عجمان منذ أن سكنها آل النعيم وحتى ظهورها كإمارة مستقلة في القرن التاسع عشر. فالنعيم هي إحدى قبائل العرب الكبرى التي تنتمي إلى قبائل الأنصار: الأوس والخزرج. وقد نجح النعيم في تأسيس إمارة قوية في عجمان حافظت على استقلالها رغم كل الظروف السياسية والإقليمية وأبقت على ولائها للقواسم.
بالإضافة إلى هذه الفصول الأربعة وجد للمخطوطة ملاحق ألحقت بها وهي عبارة عن تعليقات وتصحيحات واستطرادات على ما جاء فيها. ومما يؤسف له أن المعلق لم يذكر اسمه فبقي مجهولا لكنه، وعلى حسب رواية د.فالح حنظل، يعتقد بأنه قد يكون الشيخ محمد بن سعيد بن غباش والذي قد يكون المطوع قد أحاله له لإبداء ملاحظاته وآرائه.
إن مخطوطة “الجواهر واللآلئ” إن دلت على شيء فهي تدل على مستوى الوعي الفكري الذي بلغه أهل الإمارات قديما. كما تدل على تلك العلائق الوشيجة التي جمعت أهل الإمارات جميعهم في عقد واحد قبل زمن طويل من قيام الاتحاد. وهي تثبت للعالم أجمع أن الإمارات ليست نفطا وليست اقتصادا متحررا ولكنها أيضا فكر وعقل متحرر.
د. فاطمة الصايغ
الخليج الثقافي