المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : بين رغبة الآباء وموهبة الأبناء .....


**المستحيل**
30/07/2005, 10:26 PM
يعتقد الآباء أصحاب القرار الأخير في الأسرة وخاصة فيما يتعلق بمستقبل الأبناء في مجتمعاتنا العربية أنهم العارفون والأدرى بمصلحة الأبناء وعلى هذا الأساس ومنذ سنوات الصبا المبكرة يبدأ غسيل الدماغ للطفل ، فبناء على ملاحظات ربما تكون عابرة وبسيطة للأدب حول قدرات الأبناء أو بناء على طموحات الوالدين في المجتمع يتم إقناع الولد في سن مبكرة انه حين يكبر سيكون طبيبا أو مهندسنا أو غير ذلك من المهن ذات الرنين الاجتماعي .
ويشب الولد ويجتاز المراحل الدراسية المبكرة وقد تقرر له مستقبله مسبقا بغض النظر عن قدراته ومواهبه ليصل إلى المرحلة الدراسية النهائية التي تسبق الجامعة ويحاول جهده بتشجيع من والديه للنجاح ليبدأ المراحل النهائية في المسيرة التعليمية .
يدخل كلية الهندسة ليكشف بعد فترة انه لم يخلق ليكون مهندسا أو يدخل كلية الطب ليكتشف انه لم يخلق ليكون طبيبا فيبدأ مسلسل الإحباط عنده ومحاولات الحفاظ على ماء وجهه وإشباع رغبات والديه .
ويمر شريط الذكريات في مخيلته ويتذكر انه خلال السنوات الأولى من حياته المدرسية كان يعشق الألوان وكان كثيرا ما يمسك بالقلم والورقة لينتج عن " خربشة " أشكال وامتزاجا للألوان رائعة ، المدرس كثيرا ما يعلق تلك الرسومات على جدار الفصل .
وخلال ذكرياته كان صوت أبيه يطغى دائما ويرن في ذاكرته ، أنا لا أريد ان يكون ولدي رساما ، ويتذكر كيف كان شقيقه يهرب من المدرسة ليلعب الكرة في الشارع وكانت النتيجة حين يعلم الأب علقة ساخنة لشقيقه رغم انه كان يحس بالسعادة والفخر حين يراقب مباريات فرق الحارة والمنطقة ويشاهد شقيقه بجسمه الرياضي العضلي المتناسق وسرعته الباهرة وقدرته على المحافظة على الكرة وهو يمر بين لاعبي الفرق الأخرى ليسجل أهدافا جميلة .
ويأتي صوت أبيه مرة أخرى ولكن بنبرة أشد وأقوى أنا لا أريد لابني ان يكون لاعب كرة فيحار في أمر أبيه .... ففي عقله الصغير أيام الطفولة لم يجد تفسيرا لرفض أبيه .
لقد قتل الأب موهبتين كان من الممكن ان تضيفا شيئا لمسيرة وتقدم مجتمعه ، ولكنه وبعناده ولمحاولة إشباع غروره وتفكيره خلق عالتين .
* الأول الدكتور أو المهندس الذي تخرج بعد سنوات طويلة من الدراسة والكفاح في دراسة مواد لم يكن مقتنعا بأنه سيبدع فيها ، وبالتالي تخرج وهو لا يملك الثقة الكاملة بنفسه لإحساسه بأنه لم يخلق لتلك المهنة وربما انه سيفقد الاهتمام بها فيتركها فيضيع تعب سنوات ومصاريف باهظة نفقتها عائلته والدولة عليه لتذهب هباء .
* والعالة الثانية : الابن الذي لم يكمل دراسته فتركها مبكرا وعمل بوظيفة بسيطة يتقاضى لقاءها راتبا من الدولة دون ان يكون المردود إنتاجا يضيف للمجتمع شيئا يذكر .
تتكرر هذه القضية باستمرار وتكثر في مجتمعاتنا العربية . بالطبع يتحمل تلك الأخطاء الأب حين يرى مستقبل أبنائه يتهدم أمام عينيه وأحلامه الشخصية الأنانية دون قصد منهم ويتحملها في النهاية ويدفع تكاليفها المجتمع ككل .
من نلوم على هذه الأخطاء ؟ هل نلوم أيضا ذلك الأب الذي لم يتنازل عن كبريائه الاجتماعي فيرضى ان يكون ابنه رساما ، ولم يقبل بممارسة ابنه الآخر لكرة القدم " لأن الكرة ما بتوكلش عيش " .
أم نوجه اللوم للمجتمع العربي الذي لا يقبل ان تتطور الرياضة فيه أو يتطور إيراد لاعبيها ليحق لهم ما يحق لغيرهم في ان يتقاضوا ثمنا لإسعاد الناس مثل أي ممثل أو مطرب .
هذا المجتمع العربي الذي لا يزال ينظر إلى اللاعب على أنه شخص فاشل في الدراسة ولا يقيمه كانسان موهوب في جسمه الذي وهبه له الخالق فأحسن تكوينه بتناسق عضلاته وسرعته وتوافق بنيته ومنحه عقلا خارقا في أسلوبه لاستعمال ذلك الجسم وتلك العضلات .
نحن جميعا ملامون وليس ذلك الأب فقط أو ذلك الإداري في النادي أو الاتحاد ....إذن ... ما هو الحل .
ربما يكون الحل واضحا وضوح الشمس للعيان . ولكنه يحتاج فقط إلى القليل من التنازلات والقليل من المساهمات والالتزامات من معظم قطاعات المجتمع قبل ان تصدر أحكاما على أصحاب المواهب المبدعين في الرياضة على إنها فاشلة في الدراسة فهل نتنازل قليلا ؟