جلنار
26/07/2005, 12:38 PM
استفزاز
نبدو أحياناً كالأسماك تماماً .. فمن الصعب علينا التأقلم والاندماج في ظروف وأماكن أخرى غير الأماكن التي اعتدناها ، وعلى الخصوص حين تتباين فيها العادات والقيم .
بدت لي في منتهى الضعف حين أبصرتها ، امرأة كبيرة في السن تقف وسط الشارع المكسو بطبقة من الثلج الخفيف ، تأخذ نفساً عميقاً ثم تحكم لف معطفها حولها جيداً قبل أن تتابع سيرها وهي تدفع عربة ثقيلة أمامها .. كما بدا لي وجهها شاحباً وعيناها غائرتان وكأنها لم تتناول عشائها البارحة .
ذكرني منظرها هذا بجدتي حين كانت تضع أمامي فطوري المكون من الحليب الساخن وقطع من الجبن والخبز لأتناولها في شتاء بارد وإن لم يخلو من تدفئة ، تتركني بعدها لتنتقل إلى حيث عملها في المطبخ وفي أرجاء البيت .. كنت أتابعها تقوم بأعباء بيتها وحدها دون أن تطلب مساعدة من أحد .. ظلت هكذا حتى كبرت برغم تخاذل صحتها في الأيام الأخيرة رحمها الله .
تساءلت وأنا أرى هذه السيدة .. ماالذي يضطرها للخروج وحدها في هذا الصباح وفي هذا الجو الشاتي ؟ ثم نفضت كتفي مُسلماً إلى أنها ربما لم تجد من يقضي لها حاجتها .. وأقررت بأن لطبيعة الناس والمكان في كل المجتمعات مقاييس أخرى غير التي أعرفها أنا في مجتمعي !! .
شعرت بالشفقة عليها فأقبلت ناحيتها .. عرضت مساعدتي بأدب :
_ سيدتي هل يمكنني خدمتك ؟
شكرتني بلطف .. لكني أبديت لها صدق رغبتي في مساعدتها فعلاً .. تنحت عن العربة وهي تظهر لي امتنانها بود ظاهر .
أثناء سيرنا رحنا نقطع الطريق بالحديث عن الجو وطبيعة المكان ، أخبرتها بأني وافد جديد قدمت إلى " لندن " قبل شهر مع أسرتي الصغيرة المكونة من زوجتي وابناي الصغيران في بعثة دراسية تابعة لعملي وبأني أسكن في حي هادئ قريب من هنا .
أعتقد أنها استأنست بحديثها معي فقد استراحت ملامحها كما بدت أنفاسها تنتظم في اتزان معقول .. وحين وصلنا عرضت عليّ مبلغاً من المال لقاء خدمتي لها .
ضحكت بعفوية ثم قلت لها :
_ سيدتي .. في بلادي تعامل المرأة برقي ، فهي تعطى هوية مميزة وحرمة خاصة ، بحيث يندر أن تجدي امرأة في وضع كهذا دون أن يبدي أحدهم مساعدة عفوية نحوها.
ثم ابتسمت لأضيف :
كما أن عندنا دين يمنعنا من تلقي أجر مقابل معروف نسديه للآخرين وإلا فقد هويته .
قالت وقد كسا وجهها الانبساط فراح الانبهار يرتسم على محياها :
_ هذا رائع .. فمن أين أتيت ؟
ابتسمت لأقول معتزاً والفخر يملأ أركان نفسي من جديد :
_ أنا عربي مسلم يا سيدتي .
بعدها لاحظت تغير وجهها حين أطرقت بصمت فلم تُعلق !
عند وقوفنا أمام أحد المباني ، عرضتُ عليها أن أقوم بنقل حاجاتها إلى شقتها فابتسمت لي بحرج شديد وهي تشكرني ، ثم قالت مترددة وهي تشير ناحية المكان :
_ اسمع .. لا أستطيع .. هذه ليست شقتي كما تظن ، إنها " حانة " أعمل فيها .. والعربة الثقيلة التي دفعتها عني ، تحتوي على ثلج و زجاجات خمر وها قد حضر الآن من ينقلهم إليها .
شعرتُ بدوار وأنا أفتح عيناي مستنكراً بدهشة تنمُ عنها ملامحي المنزعجة حين حضر أحدهم و دفع العربة إلى الداخل .. بينما ابتعدت أنا مسرعاً وفي داخلي تنمو كل مقاييس الغضب ، بحيث وددت لو استطعت تحطيم كل ما فيها .
في نهاية الشارع التالي قابلني ابني " أحمد " الذي استبطأني على ما يبدو ، فسألني مستفهماً عن سر تأخري ؟
أجبته بانزعاج :
_ لا شيء .. كان مجرد موقف استفزازي !! :معصب:
--------------------------------------------------------------
القصةالتالية
أضغاث أعياد
العيد الذي اعتدت:
فيضان ما له من رادع.. تفيض الرغوة من كأسه.. رائحة الخمر المزعجة.. الأصوات والأضواء.. وأولئك الذين يتمايلون ويقفزون.. رتابة لم يشفع لها الصخب.. ما من جديد يسلبني.. فقد أهلكتني الغوايات.. "ديفيد".. "هيلين".. "كيت".. وهو.. يجلسون بجانبي.. يعيدون أحاديثهم السطحية.. وآخر مغامراتهم.. لم ينهض منهم سوى "كاثرين".. أراها في حلبة الرقص.. كيف تطير وكأنها سيدة عالمها.. وهي التي لم يقو قلبها على حمل همها لتفرغ به إلي قبل أيام.. مكسورة.. مزهوقة الكرامة.. بعدما أكملت قائمة عشاقها يوبيلها الفضي.. حتى تركها آخرهم بعدما عزف على قلبها أعذب النغمات.. سرى الضجر في عروقي بعدما تملكني اليأس حتى كاد أن يخترق الابتسامة التي قنعت بها نفسي.. لست جديدة العهد في تلك الحياة.. ولكنه ذاك الشعور الذي شاركني الليالي منذ أيام معدودة.. بأن حياتي تتفلت من بين أصابعي كالقطرات.. عام بعد عام.. لا تشبعني الإنجازات..
حصلت على شهادتي الجامعية.. وقد وعدني بالزواج بعد انفصالنا الثاني.. حيث أدرك بأنه يحبني.. النجاح يسبق خطواتي.. والجميع يحبونني.. بقبلاتهم الباردة.. بابتساماتهم الباهتة.. باردة تلك الحياة.. أتقطع على سرير الحزن كل ليلة دون أن يأسى لحالي مخلوق.. سوى جمهور السماء الذي يشاهدني بتلك الليالي أحتضر بصمت..
فجأة.. أُغلقت الأضواء.. وانقطع الهرج والمرج.. أفاقتني الظلمة من شرودي.. ورحت أحرك يدي.. قد أمسك بأحد أصدقائي فألقي عليه بعض اللوم الذي بدأت ألوم نفسي به.. أغمضت عيناي بقوة عندما اجتاحهما الضوء المسلط علي.. وقبل أن أفتحهما.. أحسست بيد غريبة تقبض على معصمي وتسحبني إلى حيث لا أعلم.. فسارعت بفتح عيناي.. قد أدرك ما يحدث حولي.. فوجدت أصدقائي على جانبي يغنون بهدوءٍ قطع صخب الملهى يذكّروني بعيد ميلادي.. وأمامي كعكة بيضاء مزينة باسمي وحوله أربعٌ وعشرون شمعة.. فقطّعت وجهي بابتسامة خرجت بالكاد.. ورحت أنفخ سنين عمري التي لم تكن أكثر من ذلك الهباء المتطاير..
العيد الذي ارتدت:
قد أذيب كوم الجليد المتكتل على قلبها.. ذلك الذي لم تذبه حرارة الشفقة على شتاتي الذي لم يجد له من لام.. لست لها أكثر من قطعة أثاث تزين المنـزل.. تظن أن ابتسامتها الجافة ستروي الظمأ.. كنت آخذ وأرمي وأشتري وأعيد وأنقح.. من فرط الحاجة إلى بعض الحنان.. أجوب محلات الهدايا أبحث عما يمكن أن أهديَه أمي الانجليزية.. وبينما أنا في خضم الانهماك.. وإذ بها تلوح أمامي.. سيدة ترتدي ذلك اللباس الذي لطالما شاهدته في شوارع (لندن).. وأثار استغرابي حينات كثر.. فاقتربت منها متناسية انشغالي.. أسألها بكل جرأة.. كمن قبض على مجرم.. وبلا أدنى مقدمات:
-أيتها السيدة.. كيف تتحملين هذا اللباس.. ألا تختنقين.. ألا تتعثرين بالعباءة..؟..
تدفقت تلك الأسئلة بقوة.. بل بفظاظة.. فالتفتت نحوي.. لأكتشف أنها لم تكن سيدة.. وإنما فتاة في مقتبل العمر قد تصغرني.. أجابتني بكل أدب:
-سرني سؤالك.. لستِ الأولى آنستي..! أعلم بأنك تعجبين لحالي.. ولكن إن سألتني عن شعوري.. فاعلمي بأني أعانق السماء بهذا اللباس.. ثم هي القوة التي تغنينني.. والنشوة التي يطلسمها التحدي.. أحس بأني لا أخاف الوحدة.. ولا الاجتماع.. ولا هزات الزمن.. ولا بوادر الجزع..
كان كلامها يخرج كالسهام التي تُغرز في قلبي.. ولكنها كانت تثلجه.. تريحه.. ما أعذبها من جراح..
تسابقت أنفاسي.. أحسست بالإهانة ترافق إحساسي بالأنا.. فرددت بتحد يخرج عن السياق.. لمجرد أن أكون حاضرة:
-أنا ست بجاهلة لتملي علي كل هذا؟.. ولست أنت بكاملة؟.. ثم أنت لم تعط الإجابة حقها..
فقطع علينا الحديث رجل سمح الوجه أمسك بالفتاة ليذهب بها وتبين أنه زوجُها.. فتركت يده بلطف لدقيقةٍ ثم ربتت على كتفي وأعطتني كتيبات صغار أخرجتها من حقيبتها:
- أنا لم ألبسه لأي بشر.. بل لأجلي.. ولا أحد يجبرك عليه أو يجبرني.. أنا أرى في ملامحك عرقاً يخصني أختاه.. إذا ما أحسست بالفراغ فاقرئي بعضاً من هذا..
ثم رحلت عني تاركةً إياي ضحية التفكير..
دخلت غرفتي منهارة.. أطلقت الدموع التي حبستها طوال الطريق.. لم تغب كلمة مما سمعته عن بالي.. ذلك الأسلوب الجميل.. الفصيح البليغ حتى وهو انجليزي.. التهمت الكتيبات الواحد تلو الآخر.. أخذت أقرأ وأنا أدمع.. ربما وجدت ضالتي.. ها هو الهم يخرج مع تلك الدموع.. ها هي الروح قد دبت فيني للتو.. أحسست بأني عشت سنيني جثةً تصحو.. تأكل وتشرب.. حياتي لم تكن أكثر من أن أعيش شبابي "كاثرين".. وأموت.. أمي..
العيد الذي أردت:
دفعت باب المحل بقوة فكسرته إلا قليلاً.. أحسست بقوة جامحة تخرجني من المنـزل نحو ذلك المحل.. غير مبالية بآثار الدموع.. بتلك الألوان التي امتزجت على تقاسيم وجهي لترسم لوحة عنوانها الألم.. غضب البائع.. بلكنته الانجليزية الممزوجة بالأوردية.. ولكنه حين عرف تلك الفتاة التي اعتادت شراء مجلاتها منه.. أسرع بكوب ماء.. ولكنني سألته وأنا أتنهد غير آبهة بكوبه أو بمن اصطف أمام آلته:
-أتملك "قل هو الله أحد"؟.. :confused:
تذكرتها بصعوبة.. رائحة جلباب أبي.. صوته الحنون.. سمرته الدافئة.. منذ أن انتزعتني أمي بيديها القاحلتين من حضنه إلى الضياع/الحرمان.. وفورما سمع كلماتي وضع قرآناً في الكيس ثم أغدق علي بالكتيبات كالتي تركتها في غرفتي.. ولمحت بجانبه علبة مزركشة بداخلها ذلك اللباس.. فعزمت على شرائها.. على ارتداء العباءة.. عزمت على التماهي في غياهب السكينة.. ربما بدأت بالطريق من نهايته.. من أصعب محطاته.. ربما ستسحب الدنيا بُسُط الورد لتفرشها شوكاً.. لكنني أمسكت بالحاجيات وأنا أحس بقوةٍ أدهشتني من نفسي.. ثم فتحت باب المحل.. أحسست بأني أفتحُ باب عالمٍ جديد.. عالمٍ سأخوضه.. بما في الأكياس من أسلحة..!
نبدو أحياناً كالأسماك تماماً .. فمن الصعب علينا التأقلم والاندماج في ظروف وأماكن أخرى غير الأماكن التي اعتدناها ، وعلى الخصوص حين تتباين فيها العادات والقيم .
بدت لي في منتهى الضعف حين أبصرتها ، امرأة كبيرة في السن تقف وسط الشارع المكسو بطبقة من الثلج الخفيف ، تأخذ نفساً عميقاً ثم تحكم لف معطفها حولها جيداً قبل أن تتابع سيرها وهي تدفع عربة ثقيلة أمامها .. كما بدا لي وجهها شاحباً وعيناها غائرتان وكأنها لم تتناول عشائها البارحة .
ذكرني منظرها هذا بجدتي حين كانت تضع أمامي فطوري المكون من الحليب الساخن وقطع من الجبن والخبز لأتناولها في شتاء بارد وإن لم يخلو من تدفئة ، تتركني بعدها لتنتقل إلى حيث عملها في المطبخ وفي أرجاء البيت .. كنت أتابعها تقوم بأعباء بيتها وحدها دون أن تطلب مساعدة من أحد .. ظلت هكذا حتى كبرت برغم تخاذل صحتها في الأيام الأخيرة رحمها الله .
تساءلت وأنا أرى هذه السيدة .. ماالذي يضطرها للخروج وحدها في هذا الصباح وفي هذا الجو الشاتي ؟ ثم نفضت كتفي مُسلماً إلى أنها ربما لم تجد من يقضي لها حاجتها .. وأقررت بأن لطبيعة الناس والمكان في كل المجتمعات مقاييس أخرى غير التي أعرفها أنا في مجتمعي !! .
شعرت بالشفقة عليها فأقبلت ناحيتها .. عرضت مساعدتي بأدب :
_ سيدتي هل يمكنني خدمتك ؟
شكرتني بلطف .. لكني أبديت لها صدق رغبتي في مساعدتها فعلاً .. تنحت عن العربة وهي تظهر لي امتنانها بود ظاهر .
أثناء سيرنا رحنا نقطع الطريق بالحديث عن الجو وطبيعة المكان ، أخبرتها بأني وافد جديد قدمت إلى " لندن " قبل شهر مع أسرتي الصغيرة المكونة من زوجتي وابناي الصغيران في بعثة دراسية تابعة لعملي وبأني أسكن في حي هادئ قريب من هنا .
أعتقد أنها استأنست بحديثها معي فقد استراحت ملامحها كما بدت أنفاسها تنتظم في اتزان معقول .. وحين وصلنا عرضت عليّ مبلغاً من المال لقاء خدمتي لها .
ضحكت بعفوية ثم قلت لها :
_ سيدتي .. في بلادي تعامل المرأة برقي ، فهي تعطى هوية مميزة وحرمة خاصة ، بحيث يندر أن تجدي امرأة في وضع كهذا دون أن يبدي أحدهم مساعدة عفوية نحوها.
ثم ابتسمت لأضيف :
كما أن عندنا دين يمنعنا من تلقي أجر مقابل معروف نسديه للآخرين وإلا فقد هويته .
قالت وقد كسا وجهها الانبساط فراح الانبهار يرتسم على محياها :
_ هذا رائع .. فمن أين أتيت ؟
ابتسمت لأقول معتزاً والفخر يملأ أركان نفسي من جديد :
_ أنا عربي مسلم يا سيدتي .
بعدها لاحظت تغير وجهها حين أطرقت بصمت فلم تُعلق !
عند وقوفنا أمام أحد المباني ، عرضتُ عليها أن أقوم بنقل حاجاتها إلى شقتها فابتسمت لي بحرج شديد وهي تشكرني ، ثم قالت مترددة وهي تشير ناحية المكان :
_ اسمع .. لا أستطيع .. هذه ليست شقتي كما تظن ، إنها " حانة " أعمل فيها .. والعربة الثقيلة التي دفعتها عني ، تحتوي على ثلج و زجاجات خمر وها قد حضر الآن من ينقلهم إليها .
شعرتُ بدوار وأنا أفتح عيناي مستنكراً بدهشة تنمُ عنها ملامحي المنزعجة حين حضر أحدهم و دفع العربة إلى الداخل .. بينما ابتعدت أنا مسرعاً وفي داخلي تنمو كل مقاييس الغضب ، بحيث وددت لو استطعت تحطيم كل ما فيها .
في نهاية الشارع التالي قابلني ابني " أحمد " الذي استبطأني على ما يبدو ، فسألني مستفهماً عن سر تأخري ؟
أجبته بانزعاج :
_ لا شيء .. كان مجرد موقف استفزازي !! :معصب:
--------------------------------------------------------------
القصةالتالية
أضغاث أعياد
العيد الذي اعتدت:
فيضان ما له من رادع.. تفيض الرغوة من كأسه.. رائحة الخمر المزعجة.. الأصوات والأضواء.. وأولئك الذين يتمايلون ويقفزون.. رتابة لم يشفع لها الصخب.. ما من جديد يسلبني.. فقد أهلكتني الغوايات.. "ديفيد".. "هيلين".. "كيت".. وهو.. يجلسون بجانبي.. يعيدون أحاديثهم السطحية.. وآخر مغامراتهم.. لم ينهض منهم سوى "كاثرين".. أراها في حلبة الرقص.. كيف تطير وكأنها سيدة عالمها.. وهي التي لم يقو قلبها على حمل همها لتفرغ به إلي قبل أيام.. مكسورة.. مزهوقة الكرامة.. بعدما أكملت قائمة عشاقها يوبيلها الفضي.. حتى تركها آخرهم بعدما عزف على قلبها أعذب النغمات.. سرى الضجر في عروقي بعدما تملكني اليأس حتى كاد أن يخترق الابتسامة التي قنعت بها نفسي.. لست جديدة العهد في تلك الحياة.. ولكنه ذاك الشعور الذي شاركني الليالي منذ أيام معدودة.. بأن حياتي تتفلت من بين أصابعي كالقطرات.. عام بعد عام.. لا تشبعني الإنجازات..
حصلت على شهادتي الجامعية.. وقد وعدني بالزواج بعد انفصالنا الثاني.. حيث أدرك بأنه يحبني.. النجاح يسبق خطواتي.. والجميع يحبونني.. بقبلاتهم الباردة.. بابتساماتهم الباهتة.. باردة تلك الحياة.. أتقطع على سرير الحزن كل ليلة دون أن يأسى لحالي مخلوق.. سوى جمهور السماء الذي يشاهدني بتلك الليالي أحتضر بصمت..
فجأة.. أُغلقت الأضواء.. وانقطع الهرج والمرج.. أفاقتني الظلمة من شرودي.. ورحت أحرك يدي.. قد أمسك بأحد أصدقائي فألقي عليه بعض اللوم الذي بدأت ألوم نفسي به.. أغمضت عيناي بقوة عندما اجتاحهما الضوء المسلط علي.. وقبل أن أفتحهما.. أحسست بيد غريبة تقبض على معصمي وتسحبني إلى حيث لا أعلم.. فسارعت بفتح عيناي.. قد أدرك ما يحدث حولي.. فوجدت أصدقائي على جانبي يغنون بهدوءٍ قطع صخب الملهى يذكّروني بعيد ميلادي.. وأمامي كعكة بيضاء مزينة باسمي وحوله أربعٌ وعشرون شمعة.. فقطّعت وجهي بابتسامة خرجت بالكاد.. ورحت أنفخ سنين عمري التي لم تكن أكثر من ذلك الهباء المتطاير..
العيد الذي ارتدت:
قد أذيب كوم الجليد المتكتل على قلبها.. ذلك الذي لم تذبه حرارة الشفقة على شتاتي الذي لم يجد له من لام.. لست لها أكثر من قطعة أثاث تزين المنـزل.. تظن أن ابتسامتها الجافة ستروي الظمأ.. كنت آخذ وأرمي وأشتري وأعيد وأنقح.. من فرط الحاجة إلى بعض الحنان.. أجوب محلات الهدايا أبحث عما يمكن أن أهديَه أمي الانجليزية.. وبينما أنا في خضم الانهماك.. وإذ بها تلوح أمامي.. سيدة ترتدي ذلك اللباس الذي لطالما شاهدته في شوارع (لندن).. وأثار استغرابي حينات كثر.. فاقتربت منها متناسية انشغالي.. أسألها بكل جرأة.. كمن قبض على مجرم.. وبلا أدنى مقدمات:
-أيتها السيدة.. كيف تتحملين هذا اللباس.. ألا تختنقين.. ألا تتعثرين بالعباءة..؟..
تدفقت تلك الأسئلة بقوة.. بل بفظاظة.. فالتفتت نحوي.. لأكتشف أنها لم تكن سيدة.. وإنما فتاة في مقتبل العمر قد تصغرني.. أجابتني بكل أدب:
-سرني سؤالك.. لستِ الأولى آنستي..! أعلم بأنك تعجبين لحالي.. ولكن إن سألتني عن شعوري.. فاعلمي بأني أعانق السماء بهذا اللباس.. ثم هي القوة التي تغنينني.. والنشوة التي يطلسمها التحدي.. أحس بأني لا أخاف الوحدة.. ولا الاجتماع.. ولا هزات الزمن.. ولا بوادر الجزع..
كان كلامها يخرج كالسهام التي تُغرز في قلبي.. ولكنها كانت تثلجه.. تريحه.. ما أعذبها من جراح..
تسابقت أنفاسي.. أحسست بالإهانة ترافق إحساسي بالأنا.. فرددت بتحد يخرج عن السياق.. لمجرد أن أكون حاضرة:
-أنا ست بجاهلة لتملي علي كل هذا؟.. ولست أنت بكاملة؟.. ثم أنت لم تعط الإجابة حقها..
فقطع علينا الحديث رجل سمح الوجه أمسك بالفتاة ليذهب بها وتبين أنه زوجُها.. فتركت يده بلطف لدقيقةٍ ثم ربتت على كتفي وأعطتني كتيبات صغار أخرجتها من حقيبتها:
- أنا لم ألبسه لأي بشر.. بل لأجلي.. ولا أحد يجبرك عليه أو يجبرني.. أنا أرى في ملامحك عرقاً يخصني أختاه.. إذا ما أحسست بالفراغ فاقرئي بعضاً من هذا..
ثم رحلت عني تاركةً إياي ضحية التفكير..
دخلت غرفتي منهارة.. أطلقت الدموع التي حبستها طوال الطريق.. لم تغب كلمة مما سمعته عن بالي.. ذلك الأسلوب الجميل.. الفصيح البليغ حتى وهو انجليزي.. التهمت الكتيبات الواحد تلو الآخر.. أخذت أقرأ وأنا أدمع.. ربما وجدت ضالتي.. ها هو الهم يخرج مع تلك الدموع.. ها هي الروح قد دبت فيني للتو.. أحسست بأني عشت سنيني جثةً تصحو.. تأكل وتشرب.. حياتي لم تكن أكثر من أن أعيش شبابي "كاثرين".. وأموت.. أمي..
العيد الذي أردت:
دفعت باب المحل بقوة فكسرته إلا قليلاً.. أحسست بقوة جامحة تخرجني من المنـزل نحو ذلك المحل.. غير مبالية بآثار الدموع.. بتلك الألوان التي امتزجت على تقاسيم وجهي لترسم لوحة عنوانها الألم.. غضب البائع.. بلكنته الانجليزية الممزوجة بالأوردية.. ولكنه حين عرف تلك الفتاة التي اعتادت شراء مجلاتها منه.. أسرع بكوب ماء.. ولكنني سألته وأنا أتنهد غير آبهة بكوبه أو بمن اصطف أمام آلته:
-أتملك "قل هو الله أحد"؟.. :confused:
تذكرتها بصعوبة.. رائحة جلباب أبي.. صوته الحنون.. سمرته الدافئة.. منذ أن انتزعتني أمي بيديها القاحلتين من حضنه إلى الضياع/الحرمان.. وفورما سمع كلماتي وضع قرآناً في الكيس ثم أغدق علي بالكتيبات كالتي تركتها في غرفتي.. ولمحت بجانبه علبة مزركشة بداخلها ذلك اللباس.. فعزمت على شرائها.. على ارتداء العباءة.. عزمت على التماهي في غياهب السكينة.. ربما بدأت بالطريق من نهايته.. من أصعب محطاته.. ربما ستسحب الدنيا بُسُط الورد لتفرشها شوكاً.. لكنني أمسكت بالحاجيات وأنا أحس بقوةٍ أدهشتني من نفسي.. ثم فتحت باب المحل.. أحسست بأني أفتحُ باب عالمٍ جديد.. عالمٍ سأخوضه.. بما في الأكياس من أسلحة..!