سويري
12/07/2005, 11:59 AM
في الذكري الرابعة لوفاة الكاتب المغربي محمد زفزاف: الكاتب العربي الميت أفضل لأهله وشهرته من الكاتب الحي!2005/07/12
فيصل عبد الحسن
كنت أعرف ان المبدع محمد زفزاف كريم اليد ويجود بما يملكه، ويكفي التدليل علي ذلك كثرة زائري بيته من الأدباء الشباب الذين يأكلون معه في صحن واحد ويدخنون من علبة سجائره ويشربون معه بذات القدح.. لكنه يرحمه الله بسبب افتقاره الي مورد مال ثابت كان لا يستطيع في بعض الأحيان حتي شراء الجريدة. وهنا لي في هذه العجالة أن استذكر الصديق المبدع محمد زفزاف في ذكراه الرابعة التي تصادف 13 تموز (يوليو) بكثير من التحسر علي أديب مات في أوج عطائه الأدبي والفني وهو في التاسعة والخمسين من عمره: ولد زفزاف سنة 1942 وتوفي في 13/7/2001، وقد اكتملت نظرته النافذة للحياة واتسق تعامله معها أدبيا، بحيث صار أدبه عوالم ضاجة بالمخلوقات التي هـــــي ربما أكـــــثر حياة في كثير من الأحيان من الأحياء الحقيقيين الذين نراهم يسعون في حياتهم اليومية هنا وهناك.
لقد صدقت مرة أخري المقولة التي تقول: ان من الأفضل للشاعر ان يعيش بين الانكليز أما اذا اقترب منه الأجل المحتوم، فعليه ان يحمل صرته ليموت بين العرب. قرأت الكثير من المقالات التي كتبت عن زفزاف بعد وفاته مباشرة أو بعد فترة من ذلك التأريخ، كأنما كتبت تلك المقالات وأخفيت في الأدراج بانتظار اللحظة المناسبة، وهذا أيضا ما يضيفه الموت علي الكاتب العربي من اهتمام، انه هالة من القداسة واليوتوبيا نضيفها الي سيرة الراحلين، وأتذكر قبل أربع سنوات عندما مرت سيارة نقل الموتي تحمل جثمان القاص والروائي محمد زفزاف باتجاه مقبرة الشهداء بالدار البيضاء، المقبرة الهائلة الاتساع التي تستقبل يوميا أكثر من مئة سيارة كمعدل يومي ـ تحمل مئة ميت وميتة، هي حصيلة موتي مدينة كبيرة كالدار البيضاء ونواحيها وبعض المدن القريبة منها ليوم واحد، وقد يتعجب القارئ من معرفة هذا الرقم، والجواب أن الذي يهتم بالأحياء عليه أيضا أن يهتم بالأموات ويتابع فيها ابن احد القائمين عليها وهو يسجل الأرقام علي لوح صغير، مثلما نفعل حين نسجل علي لعبة الداما عدد المرات التي فزنا بها علي خصمنا، وهنا يسجل ابن القائم عدد المرات التي فاز بها الموت علي الأحياء في ليلة واحدة ونهار واحد.. من الصباح حتي المساء.. ترعي العيون قوافل سيارات المعزين تسبقهم سيارة صغيرة بيضاء كتب عليها بالخط الكوفي سيارة نقل الموتي ـ لا اله الا الله محمد رسول الله . والسيارة المشار لها نسميها في العراق فرخ النيرين ويسميها اخواننا في مصر ميكروباص وهي في المغرب تؤدي الغرض علي أحسن وجه، فأجساد الميتين تنكمش بعد الموت كأنما ما أكلت ولا شربت ولا كتبت أيضا، واغلب الأجساد هنا هي من قياس جسد سيدنا المسيح عليه السلام الذي لم يقو علي حمل خشبة الصليب وهو يسير في طريق الآلام فحملها عنه أحد تلاميذه.
ما سأل عنه أحد
أقول هنا ان الكاتب العربي الميت أفضل لأهله وشهرته من الكاتب الحي، لأنه في حالته الأولي تتصارع دور النشر لاعادة طبع أعماله ملوحة بدفع المبالغ المالية التي يطلبها الورثة وهي ذات الأعمال التي دفع الكاتب المرحوم من جيبه الخاص ليراها مطبوعة ويحزن عندما يراها مكدسة في المكتبات لا يقلبها أحد اثناء حياته التي لا يسأل عنه فيها احد. كيف يعيش؟ ومن أين ينفق علي نفسه وزوجه وأولاده وأهله الأب والأم .
شيء مفرح أن تتباري الأقلام لكيل المديح لكاتب من الكتاب وهي تصفه مرة بالكاتب الكبير وأخري بالعبقري، ولا أدري كيف رضي علي نفسه من سماه بالكاتب الكبير ان يعيش هذا الكبير حياة الضنك والعوز في شقة صغيرة رطبة في زنقة ابن منير كنت حين أزوره فيها أضبط ساعتي لأعرف الزمن الذي يمكنني ان أصمد فيه بمواجهة البرد والرطوبة، وهذا ليس بعيدا بل حدث قبل سنة وبضعة شهور قبل وفاته يرحمه الله أي أنه كان في أوج شهرته وتألقه الاعلامي، ولا أدري كيف رضوا علي أنفسهم وهم يتشدقون بوصف الفقيد محمد زفزاف بوصفه الأديب الفقير والصوفي وصاحب الجسد الآسيوي الضئيل، كأنما هذي من نوازل الدهر القدرية عليه التي لا مناص منها ولا هروب. ربما يا سادتي معيشة الفقر والفاقه، هي ضرورة لخلق الذات المبدعة للكاتب في بداية حياته الأدبية وطفولته اما بعد أن يصير كاتبا معروفا وتدرس كتاباته في جامعات عالمية، وتستشهد الدولة بكتابات أديبها وكاتبها في المحافل الثقافية والدولية فهذا غير مقبول.... لا يزال القاص والروائي المبدع الصديق محمد زفزاف يعيش في ذهني وهو بملابسه الخشنة التي تذكرك برفاق غيفارا وغيفارا ذاته بلحيته المميزة وعينيه النابضتين بالحياة، ومفرداته الساخرة، وعلاقاته الواسعة مع البائعين والفقراء وخدم المنازل والعاطلين عن العمل وأيضا النشالين والنشالات، وربما تعود علاقات زفزاف بهذه الشرائح من المجتمع المغربي بسبب بدايته السياسية، اذ كان عضوا نشطا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وكان داعيا للأفكار الاشتراكية باحدي خلايا درب غلف ـ أفقر أحياء الدار البيضاء في الستينيات والسبعينيات ـ والاتحاد الوطني كما هو معروف في تلك الفترة يساري الهوي والمبدأ.
أديب يساري
أتذكر أن زفزاف كان في السوق القريب من شقته في أحد أيام كانون الاول (ديسمبر) من عام 2000 وكنت علي موعد معه، وحين وصلت شقته وجدت من يخبرني انه في السوق، ولم أشأ انتظاره في شقته الرطبة، التي أشعر بالمرض كلما زرته فيها، ففضلت أن اتبعه الي السوق ووجدته يبحث عن بائع سمك يبيعه كيلو سمك بسعره الحقيقي، لأن البائعين يعرفونه وينادونه بالأستاذ وهم يبيعون له بضاعتهم بسعر الكلفة، وهو لا يريد ذلك، يريد أن يشتري منهم مثلما يشتري الباقون من أهل الدرب. كنت أعرف وكان أيضا أهل السوق يعرفون أن الأستاذ محمد زفزاف لا يملك دخلا ماليا ثابتا فهو استقال من عمله كأستاذ ثانوي في مدرسة ثانوية بدرب غلف، وتفرغ منذ سنوات كثيرة للأدب، وقلت في نفسي يا الهي علي الكاتب في وطننا العربي أن يتوقف عن الكتابة، فهي جهد ضائع يوظفه غيره لينال الثروات والمناصب والسفرات وبدلات السفر المالية والشيكات الفائضة من مهرجانات تغنت بأسماء هؤلاء المبدعين الفقراء.... لم يشتر محمد زفزاف كيلوغرام السمك ذاك ولم يسمح لي بشرائه له. حدثني يومها عن صاحب جريدة اتصل به قبل شهور لينشر مقالا أسبوعيا في جريدته نظير مكافأة مجزية عن كل مقال، يقول محمد زفزاف كتبت ثمانية مقالات وكلها جديدة، هذا كان شرطهم علي، وفاجأتني الجريدة أنها نشرت كل مقالين في مقال واحد. واخبروني بعد ذلك أن بياضا صادفهم علي أوراق الجريدة وكان عليهم تغطيته بأي شكل، وبعد ذلك لم يرسلوا لي غير مبلغ ضئيل لا أجرؤ الآن علي ذكره لضآلته. يقول زفزاف، فكتبت لرئيس التحرير رسالة ضمنتها كلمتين هما: حرام عليك وكلفت نفسي بوضع طوابع البريد عليها وأرسلتها الي رئيس تحرير تلك الجريدة.
في تلك الزيارة شعرت أن القاص زفزاف يعاني من مرض ما، وسألته عن ذلك، قال: نعم أنا مريض ويحاول طبيب صديق بين وقت وآخر كتابة أسماء بعض الأدوية التي أشتريها من الصيدلية القريبة، كان الشحوب البادي علي وجهه اخطر من مسألة أدوية ينالها بسعر منخفض من صديق طبيب، وقد أشرت الي مرضه لأول مرة في مقال عنه نشرته جريدة الزمان في أحد أعدادها أواخر سنة 2000، وفي اليوم ذاته كنت علي موعد مع الشاعر الصديق حسن نجمي، الذي تم اختياره وقتها رئيسا لاتحاد الأدباء وكتاب المغرب، وأخبرته عن الحالة الصحية السيئة للمبدع محمد زفزاف، وفعلا استجاب الصديق الشاعر وزار مع وزير الثقافة المغربية الشاعر محمد الأشعري صديقهم زفزاف في شقته، عرفت ذلك مما نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية في حينه وأشارت الي مرضه، فاهتم الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي وكان رئيس وزراء المغرب في ذلك الوقت بالموضوع، عرفت ذلك من محمد زفزاف في ما بعد، لقد عرض عليه اليوسفي أن يرسله الي فرنسا للعلاج علي نفقته الخاصة، وقد رفض زفزاف ذلك باباء شديد، مشيرا الي أنه من الضروري أن تتحمل الدولة المغربية نفقات علاجه مع شكره الجزيل لعرض الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الكريم، وبقيت المسألة معلقة هكذا، وأخذت صحة محمد زفزاف تسوء يوما بعد آخر، وحصل في ما بعد علي دعوة من جماعة ثقافية فرنسية لعلاجه في فرنسا مجانا، فسافر سفرته العلاجية الأولي الي هناك واتضح أن علاجه في مشفي سان بيتريير في ضواحي باريس يكلف مبالغ مالية كبيرة، وكتبت الصحف الفرنسية حول هذا الموضوع، واهتم الملك المغفور له الحسن الثاني بالموضوع وتحملت الدولة المغربية تكاليف الفحوصات الأولي للفقيد محمد زفزاف.
فوضوي منظم
وبعدها عاد زفزاف عام 2000 الي المغرب بصحة جيدة. كان المرض قد اختفي، لكن زفزاف بقي علي شحوبه إذ أن الدغام، التسمية المغربية الدارجة لمرض سرطان الفك الأسفل الذي كان يعاني منه كان يقرض ببطء كقاتل سري.
زرته وقتها في شقته، وجدت ذات الأثاث القديم، المتهالك، وذات الرطوبة علي الجدران، والجرائد والكتب علي منضدة صغيرة الي جوار كرسيه في فوضي تذكرنا بمن يعيشون في وحدة لا ينتظرون من الحياة شيئا غير الذي اعتادوه، ولا يهتمون بتشكيلات الحياة، وجدت غرفته مزدحمة بأدباء شباب جاءوا يزورونه بعضهم جاء من مدن مغربية بعيدة، والشيء الذي أفرحني انه أقلع عن عادة التدخين والشراب. اهديته روايتي عراقيون أجناب وكانت قد صدرت قبل أيام قليلة وأهداني هو كتابين جديدين صدرا له، رواية بعنوان أفواه واسعة وآخر عن ترجمة فرنسية لمجموعة من النقاد وعلق علي عملية تبادل الكتب بعبارة ساخرة استمدها من الدبلوماسيين: تبادل أوراق الاعتماد. وفي رواية محمد زفزاف الأخيرة التي نشرها قبل وفاته بسنة ونصف سنة أفواه واسعة يمكنك أن تقرأ التحول الفكري الكبير والاستبطان الجيد للتراث الاسلامي فقد تحول الكاتب في هذه الرواية من العدمية التي عاشها ومارسها طوال حياته وكذلك من أفكاره اليساريه الي ما يقابلها عادة في الفكر الاسلامي وقد وضع علي لسان بطله الذي هو ذاته الكاتب زفزاف أسئلة عن الموت والحياة لم يطرحها الا ذلك الذي يتلمس طريقه في الفكر المثالي بحثا عن أجوبة جاهزة، أسئلة تتناول الحق والعدل والباطن والظاهر والباطل والظلم وعكسهم العقل والحب والجمال والعدل، وتساءل في الرواية أسئلة عديدة عما سيحدث بعد عشرة ملايين من السنوات علي هذه الارض، وكيف سيفكر أحفادنا بنا بعد تلك الملايين العشرة؟
صورة أخري أنقلها في ذكري وفاته الرابعة عن محبة الناس من أبناء الشعب المغربي للكاتب والانسان محمد زفزاف وعن غناه الروحي فقد كنت في أحد الايام معه في جولة في حي المعاريف وسط الدار البيضاء وكان هناك كشك معين يزوره زفزاف صباح كل يوم ليقلب الجرائد مجانا، ليري ما تنشره الصفحات الثقافية من أخبار ونصوص، وقد عمد أغلب أصحاب الأكشاك في الدار البيضاء علي منع تصفح الجرائد والمجلات المعروضة للبيع، وكنت أعرف أن المبدع زفزاف كريم اليد ويجود بما يملكه، ويكفي التدليل علي ذلك كثرة الزائرين في بيته من الأدباء الشباب، الذين يأكلون معه في صحن واحد ويدخنون من علب سجائره ويشربون معه بذات القدح..لكنه كان يرحمه الله بسبب افتقاره الي مورد مالي ثابت لا يستطيع حتي شراء الجريدة التي يكتب فيها أو يكتب فيها عنه وهي حال معظم كتاب وأدباء المغرب للأسف في تلك الأيام، أولئك الذين توقفوا عن الخدمة في الوظائف العامة وتفرغوا للكتابة، ولولا رعاية الملك المغربي الشاب محمد السادس للأديب محمد زفزاف في مرضه الأخير لبقيت جثته رهنا في مصحة المنبع حتي يسدد اخوه حسن زفزاف أو ابنته الطبيبة سهام محمد زفزاف ـ المتخرجة هذا العام ـ أجور علاج الفقيد.
وقد حدث ذلك في السنوات الماضية لشعراء مغاربة وعرب ماتوا من دون أن يستطيع ذووهم دفع فواتير علاجهم في دراما وتراجيديا تذكرك دائما بضآلة دور الأديب والكاتب في حياتنا العربية.
حنين الي العذاب
لقد كان الأدب المغربي بحاجة الي مسيح، يعذبه الفقر والمرض، ويموت بدلا عن جميع الكتاب والأدباء المغاربة، ويتحمل بموته عذاباتهم وغربتهم وقلة حيلتهم ازاء واقع متغير لا يرحم أحدا. لقد خسرنا محمد زفزاف مبكرا وربما ربحنا ذلك المسيح الخاص بنا كعرب ومغاربة، كما فعل العراقيون حين ربحوا بموت السياب المفجع نموذجهم الأدبي الخاص بهم. وفي هذه العجالة اليومية أتذكر نصين لمحمد زفزاف لن انساهما ابداً، النص الأول قصة قرأتها في السبعينات في وطني العراق نشرتها مجلة الأقلام العراقية تحكي عن مواطن عربي مهلهل الملابس يتلفت خائفا وهو يعبر الي وسط الشارع ثم يتقيأ، وزفــزاف يركز علي عملية التقيؤ حتي نهاية القصة.
والنص الثاني هو ما كتبه الأديب محمد زفزاف علي فراش المرض وقبل وفاته بأربع وعشرين ساعة في يوم الخميس في 12 تموز (يوليو) 2001 ونشرته الصحف المغربية بعد دفنه بثلاثة أيام، والنص يقول: اننا نعرف أننا ذاهبون الي الله جميعا .
ہ روائي وصحافي من العراق يقيم في المغرب
0
القدس العربى
فيصل عبد الحسن
كنت أعرف ان المبدع محمد زفزاف كريم اليد ويجود بما يملكه، ويكفي التدليل علي ذلك كثرة زائري بيته من الأدباء الشباب الذين يأكلون معه في صحن واحد ويدخنون من علبة سجائره ويشربون معه بذات القدح.. لكنه يرحمه الله بسبب افتقاره الي مورد مال ثابت كان لا يستطيع في بعض الأحيان حتي شراء الجريدة. وهنا لي في هذه العجالة أن استذكر الصديق المبدع محمد زفزاف في ذكراه الرابعة التي تصادف 13 تموز (يوليو) بكثير من التحسر علي أديب مات في أوج عطائه الأدبي والفني وهو في التاسعة والخمسين من عمره: ولد زفزاف سنة 1942 وتوفي في 13/7/2001، وقد اكتملت نظرته النافذة للحياة واتسق تعامله معها أدبيا، بحيث صار أدبه عوالم ضاجة بالمخلوقات التي هـــــي ربما أكـــــثر حياة في كثير من الأحيان من الأحياء الحقيقيين الذين نراهم يسعون في حياتهم اليومية هنا وهناك.
لقد صدقت مرة أخري المقولة التي تقول: ان من الأفضل للشاعر ان يعيش بين الانكليز أما اذا اقترب منه الأجل المحتوم، فعليه ان يحمل صرته ليموت بين العرب. قرأت الكثير من المقالات التي كتبت عن زفزاف بعد وفاته مباشرة أو بعد فترة من ذلك التأريخ، كأنما كتبت تلك المقالات وأخفيت في الأدراج بانتظار اللحظة المناسبة، وهذا أيضا ما يضيفه الموت علي الكاتب العربي من اهتمام، انه هالة من القداسة واليوتوبيا نضيفها الي سيرة الراحلين، وأتذكر قبل أربع سنوات عندما مرت سيارة نقل الموتي تحمل جثمان القاص والروائي محمد زفزاف باتجاه مقبرة الشهداء بالدار البيضاء، المقبرة الهائلة الاتساع التي تستقبل يوميا أكثر من مئة سيارة كمعدل يومي ـ تحمل مئة ميت وميتة، هي حصيلة موتي مدينة كبيرة كالدار البيضاء ونواحيها وبعض المدن القريبة منها ليوم واحد، وقد يتعجب القارئ من معرفة هذا الرقم، والجواب أن الذي يهتم بالأحياء عليه أيضا أن يهتم بالأموات ويتابع فيها ابن احد القائمين عليها وهو يسجل الأرقام علي لوح صغير، مثلما نفعل حين نسجل علي لعبة الداما عدد المرات التي فزنا بها علي خصمنا، وهنا يسجل ابن القائم عدد المرات التي فاز بها الموت علي الأحياء في ليلة واحدة ونهار واحد.. من الصباح حتي المساء.. ترعي العيون قوافل سيارات المعزين تسبقهم سيارة صغيرة بيضاء كتب عليها بالخط الكوفي سيارة نقل الموتي ـ لا اله الا الله محمد رسول الله . والسيارة المشار لها نسميها في العراق فرخ النيرين ويسميها اخواننا في مصر ميكروباص وهي في المغرب تؤدي الغرض علي أحسن وجه، فأجساد الميتين تنكمش بعد الموت كأنما ما أكلت ولا شربت ولا كتبت أيضا، واغلب الأجساد هنا هي من قياس جسد سيدنا المسيح عليه السلام الذي لم يقو علي حمل خشبة الصليب وهو يسير في طريق الآلام فحملها عنه أحد تلاميذه.
ما سأل عنه أحد
أقول هنا ان الكاتب العربي الميت أفضل لأهله وشهرته من الكاتب الحي، لأنه في حالته الأولي تتصارع دور النشر لاعادة طبع أعماله ملوحة بدفع المبالغ المالية التي يطلبها الورثة وهي ذات الأعمال التي دفع الكاتب المرحوم من جيبه الخاص ليراها مطبوعة ويحزن عندما يراها مكدسة في المكتبات لا يقلبها أحد اثناء حياته التي لا يسأل عنه فيها احد. كيف يعيش؟ ومن أين ينفق علي نفسه وزوجه وأولاده وأهله الأب والأم .
شيء مفرح أن تتباري الأقلام لكيل المديح لكاتب من الكتاب وهي تصفه مرة بالكاتب الكبير وأخري بالعبقري، ولا أدري كيف رضي علي نفسه من سماه بالكاتب الكبير ان يعيش هذا الكبير حياة الضنك والعوز في شقة صغيرة رطبة في زنقة ابن منير كنت حين أزوره فيها أضبط ساعتي لأعرف الزمن الذي يمكنني ان أصمد فيه بمواجهة البرد والرطوبة، وهذا ليس بعيدا بل حدث قبل سنة وبضعة شهور قبل وفاته يرحمه الله أي أنه كان في أوج شهرته وتألقه الاعلامي، ولا أدري كيف رضوا علي أنفسهم وهم يتشدقون بوصف الفقيد محمد زفزاف بوصفه الأديب الفقير والصوفي وصاحب الجسد الآسيوي الضئيل، كأنما هذي من نوازل الدهر القدرية عليه التي لا مناص منها ولا هروب. ربما يا سادتي معيشة الفقر والفاقه، هي ضرورة لخلق الذات المبدعة للكاتب في بداية حياته الأدبية وطفولته اما بعد أن يصير كاتبا معروفا وتدرس كتاباته في جامعات عالمية، وتستشهد الدولة بكتابات أديبها وكاتبها في المحافل الثقافية والدولية فهذا غير مقبول.... لا يزال القاص والروائي المبدع الصديق محمد زفزاف يعيش في ذهني وهو بملابسه الخشنة التي تذكرك برفاق غيفارا وغيفارا ذاته بلحيته المميزة وعينيه النابضتين بالحياة، ومفرداته الساخرة، وعلاقاته الواسعة مع البائعين والفقراء وخدم المنازل والعاطلين عن العمل وأيضا النشالين والنشالات، وربما تعود علاقات زفزاف بهذه الشرائح من المجتمع المغربي بسبب بدايته السياسية، اذ كان عضوا نشطا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وكان داعيا للأفكار الاشتراكية باحدي خلايا درب غلف ـ أفقر أحياء الدار البيضاء في الستينيات والسبعينيات ـ والاتحاد الوطني كما هو معروف في تلك الفترة يساري الهوي والمبدأ.
أديب يساري
أتذكر أن زفزاف كان في السوق القريب من شقته في أحد أيام كانون الاول (ديسمبر) من عام 2000 وكنت علي موعد معه، وحين وصلت شقته وجدت من يخبرني انه في السوق، ولم أشأ انتظاره في شقته الرطبة، التي أشعر بالمرض كلما زرته فيها، ففضلت أن اتبعه الي السوق ووجدته يبحث عن بائع سمك يبيعه كيلو سمك بسعره الحقيقي، لأن البائعين يعرفونه وينادونه بالأستاذ وهم يبيعون له بضاعتهم بسعر الكلفة، وهو لا يريد ذلك، يريد أن يشتري منهم مثلما يشتري الباقون من أهل الدرب. كنت أعرف وكان أيضا أهل السوق يعرفون أن الأستاذ محمد زفزاف لا يملك دخلا ماليا ثابتا فهو استقال من عمله كأستاذ ثانوي في مدرسة ثانوية بدرب غلف، وتفرغ منذ سنوات كثيرة للأدب، وقلت في نفسي يا الهي علي الكاتب في وطننا العربي أن يتوقف عن الكتابة، فهي جهد ضائع يوظفه غيره لينال الثروات والمناصب والسفرات وبدلات السفر المالية والشيكات الفائضة من مهرجانات تغنت بأسماء هؤلاء المبدعين الفقراء.... لم يشتر محمد زفزاف كيلوغرام السمك ذاك ولم يسمح لي بشرائه له. حدثني يومها عن صاحب جريدة اتصل به قبل شهور لينشر مقالا أسبوعيا في جريدته نظير مكافأة مجزية عن كل مقال، يقول محمد زفزاف كتبت ثمانية مقالات وكلها جديدة، هذا كان شرطهم علي، وفاجأتني الجريدة أنها نشرت كل مقالين في مقال واحد. واخبروني بعد ذلك أن بياضا صادفهم علي أوراق الجريدة وكان عليهم تغطيته بأي شكل، وبعد ذلك لم يرسلوا لي غير مبلغ ضئيل لا أجرؤ الآن علي ذكره لضآلته. يقول زفزاف، فكتبت لرئيس التحرير رسالة ضمنتها كلمتين هما: حرام عليك وكلفت نفسي بوضع طوابع البريد عليها وأرسلتها الي رئيس تحرير تلك الجريدة.
في تلك الزيارة شعرت أن القاص زفزاف يعاني من مرض ما، وسألته عن ذلك، قال: نعم أنا مريض ويحاول طبيب صديق بين وقت وآخر كتابة أسماء بعض الأدوية التي أشتريها من الصيدلية القريبة، كان الشحوب البادي علي وجهه اخطر من مسألة أدوية ينالها بسعر منخفض من صديق طبيب، وقد أشرت الي مرضه لأول مرة في مقال عنه نشرته جريدة الزمان في أحد أعدادها أواخر سنة 2000، وفي اليوم ذاته كنت علي موعد مع الشاعر الصديق حسن نجمي، الذي تم اختياره وقتها رئيسا لاتحاد الأدباء وكتاب المغرب، وأخبرته عن الحالة الصحية السيئة للمبدع محمد زفزاف، وفعلا استجاب الصديق الشاعر وزار مع وزير الثقافة المغربية الشاعر محمد الأشعري صديقهم زفزاف في شقته، عرفت ذلك مما نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية في حينه وأشارت الي مرضه، فاهتم الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي وكان رئيس وزراء المغرب في ذلك الوقت بالموضوع، عرفت ذلك من محمد زفزاف في ما بعد، لقد عرض عليه اليوسفي أن يرسله الي فرنسا للعلاج علي نفقته الخاصة، وقد رفض زفزاف ذلك باباء شديد، مشيرا الي أنه من الضروري أن تتحمل الدولة المغربية نفقات علاجه مع شكره الجزيل لعرض الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الكريم، وبقيت المسألة معلقة هكذا، وأخذت صحة محمد زفزاف تسوء يوما بعد آخر، وحصل في ما بعد علي دعوة من جماعة ثقافية فرنسية لعلاجه في فرنسا مجانا، فسافر سفرته العلاجية الأولي الي هناك واتضح أن علاجه في مشفي سان بيتريير في ضواحي باريس يكلف مبالغ مالية كبيرة، وكتبت الصحف الفرنسية حول هذا الموضوع، واهتم الملك المغفور له الحسن الثاني بالموضوع وتحملت الدولة المغربية تكاليف الفحوصات الأولي للفقيد محمد زفزاف.
فوضوي منظم
وبعدها عاد زفزاف عام 2000 الي المغرب بصحة جيدة. كان المرض قد اختفي، لكن زفزاف بقي علي شحوبه إذ أن الدغام، التسمية المغربية الدارجة لمرض سرطان الفك الأسفل الذي كان يعاني منه كان يقرض ببطء كقاتل سري.
زرته وقتها في شقته، وجدت ذات الأثاث القديم، المتهالك، وذات الرطوبة علي الجدران، والجرائد والكتب علي منضدة صغيرة الي جوار كرسيه في فوضي تذكرنا بمن يعيشون في وحدة لا ينتظرون من الحياة شيئا غير الذي اعتادوه، ولا يهتمون بتشكيلات الحياة، وجدت غرفته مزدحمة بأدباء شباب جاءوا يزورونه بعضهم جاء من مدن مغربية بعيدة، والشيء الذي أفرحني انه أقلع عن عادة التدخين والشراب. اهديته روايتي عراقيون أجناب وكانت قد صدرت قبل أيام قليلة وأهداني هو كتابين جديدين صدرا له، رواية بعنوان أفواه واسعة وآخر عن ترجمة فرنسية لمجموعة من النقاد وعلق علي عملية تبادل الكتب بعبارة ساخرة استمدها من الدبلوماسيين: تبادل أوراق الاعتماد. وفي رواية محمد زفزاف الأخيرة التي نشرها قبل وفاته بسنة ونصف سنة أفواه واسعة يمكنك أن تقرأ التحول الفكري الكبير والاستبطان الجيد للتراث الاسلامي فقد تحول الكاتب في هذه الرواية من العدمية التي عاشها ومارسها طوال حياته وكذلك من أفكاره اليساريه الي ما يقابلها عادة في الفكر الاسلامي وقد وضع علي لسان بطله الذي هو ذاته الكاتب زفزاف أسئلة عن الموت والحياة لم يطرحها الا ذلك الذي يتلمس طريقه في الفكر المثالي بحثا عن أجوبة جاهزة، أسئلة تتناول الحق والعدل والباطن والظاهر والباطل والظلم وعكسهم العقل والحب والجمال والعدل، وتساءل في الرواية أسئلة عديدة عما سيحدث بعد عشرة ملايين من السنوات علي هذه الارض، وكيف سيفكر أحفادنا بنا بعد تلك الملايين العشرة؟
صورة أخري أنقلها في ذكري وفاته الرابعة عن محبة الناس من أبناء الشعب المغربي للكاتب والانسان محمد زفزاف وعن غناه الروحي فقد كنت في أحد الايام معه في جولة في حي المعاريف وسط الدار البيضاء وكان هناك كشك معين يزوره زفزاف صباح كل يوم ليقلب الجرائد مجانا، ليري ما تنشره الصفحات الثقافية من أخبار ونصوص، وقد عمد أغلب أصحاب الأكشاك في الدار البيضاء علي منع تصفح الجرائد والمجلات المعروضة للبيع، وكنت أعرف أن المبدع زفزاف كريم اليد ويجود بما يملكه، ويكفي التدليل علي ذلك كثرة الزائرين في بيته من الأدباء الشباب، الذين يأكلون معه في صحن واحد ويدخنون من علب سجائره ويشربون معه بذات القدح..لكنه كان يرحمه الله بسبب افتقاره الي مورد مالي ثابت لا يستطيع حتي شراء الجريدة التي يكتب فيها أو يكتب فيها عنه وهي حال معظم كتاب وأدباء المغرب للأسف في تلك الأيام، أولئك الذين توقفوا عن الخدمة في الوظائف العامة وتفرغوا للكتابة، ولولا رعاية الملك المغربي الشاب محمد السادس للأديب محمد زفزاف في مرضه الأخير لبقيت جثته رهنا في مصحة المنبع حتي يسدد اخوه حسن زفزاف أو ابنته الطبيبة سهام محمد زفزاف ـ المتخرجة هذا العام ـ أجور علاج الفقيد.
وقد حدث ذلك في السنوات الماضية لشعراء مغاربة وعرب ماتوا من دون أن يستطيع ذووهم دفع فواتير علاجهم في دراما وتراجيديا تذكرك دائما بضآلة دور الأديب والكاتب في حياتنا العربية.
حنين الي العذاب
لقد كان الأدب المغربي بحاجة الي مسيح، يعذبه الفقر والمرض، ويموت بدلا عن جميع الكتاب والأدباء المغاربة، ويتحمل بموته عذاباتهم وغربتهم وقلة حيلتهم ازاء واقع متغير لا يرحم أحدا. لقد خسرنا محمد زفزاف مبكرا وربما ربحنا ذلك المسيح الخاص بنا كعرب ومغاربة، كما فعل العراقيون حين ربحوا بموت السياب المفجع نموذجهم الأدبي الخاص بهم. وفي هذه العجالة اليومية أتذكر نصين لمحمد زفزاف لن انساهما ابداً، النص الأول قصة قرأتها في السبعينات في وطني العراق نشرتها مجلة الأقلام العراقية تحكي عن مواطن عربي مهلهل الملابس يتلفت خائفا وهو يعبر الي وسط الشارع ثم يتقيأ، وزفــزاف يركز علي عملية التقيؤ حتي نهاية القصة.
والنص الثاني هو ما كتبه الأديب محمد زفزاف علي فراش المرض وقبل وفاته بأربع وعشرين ساعة في يوم الخميس في 12 تموز (يوليو) 2001 ونشرته الصحف المغربية بعد دفنه بثلاثة أيام، والنص يقول: اننا نعرف أننا ذاهبون الي الله جميعا .
ہ روائي وصحافي من العراق يقيم في المغرب
0
القدس العربى