سويري
06/07/2005, 01:16 PM
أخرج منها يا ملعون
رشاد أبوشاور
هي الرواية الثالثة للروائي العراقي صدّام حسين، بعد (زبيبة والملك)، و(القلعة الحصينة)، وهذا يعني أن الكاتب لم يعد ناشئاً، بل هو روائي محترف، يحّق له الانضمام لاتحاد كتّاب العراق، والاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب.
الرواية نشرت بعد أسر المؤلّف الذي هو رئيس العراق، والذي يطالب بعض مروّجي الديمقراطية بالإسراع في إعدامه وبعدئذ محاكمته، فهي حتي الآن آخر رواياته، التي لم يعد يقبل القرّاء بالتقيّد بما جاء علي أغلفتها غفلاً من اسم المؤلّف: رواية لكاتبها...
الروائي هو صدّام حسين، والنقد الموضوعي يفترض أن يتعامل معه انطلاقاً من نصّه ـ بلغة الحداثيين ـ بدون موقف مسبّق مبني علي الضغينة، والانحياز الأعمي، وهو ما لا ينسجم مع نزاهة النقد.
أخرج منها يا ملعون رواية، لذا لا بدّ أن تقرأ كنّص روائي، في أقلّه أسوة بالأعمال الأدبيّة للرئيس الليبي معمّر القذافي، الذي انعقدت لتأمل أعماله ندوات مكلفة، حضرها نقّاد أدب مشهود لهم ـ في هذه الحالة مشهود عليهم، أو مشحود عليهم ! ـ وروائيون، ومروّجو سلع أثروا ثمّ استداروا وقلبوا ظهر المجّن (نورج الدراسة)، وصاروا من أشرس دعاة الديمقراطية والليبراليّة، وباتوا أسلويين سياسيّاً فلسطينيّاً...
من حسن حّظ رواية الكاتب صدّام حسين أن إشاعات روّجت بأن الرقابة في الأردن منعت توزيع الرواية، كنوع من المجاملة لحكّام العراق المحميين بالاحتلال الأمريكي، وهذا ما دفع المزوّرين المحترفين لتصويرها وإغراق المكتبات بها، بحيث باتت تباع سرّاً، أو بما يشبه السريّة، وهو ما يثير فضول القرّاء، وغير القرّاء، ويستدرجهم لاقتناء الرواية.
كما هو شأني فإنني أتردد علي قلب مدينة عمّان من حين لآخر. أبدأ رحلتي بالجلوس عند حسن أبوعلي في كشكه الشهير، علي أحد كرسيي القش كما كنت أفعل قبل سنين بعيدة، وأبدأ ضربة الافتتاح بتقليب الصحف التي لن أشتريها، ثمّ المجلات الرخيصة لأطمئن إلي مواظبتها علي الرخص، رغم ارتفاعها ثمناً.
من بعد أنهض لأطوف حول الكشك في زاوية شبه منفرجة ـ ظهر الكشك يستند إلي جدار البنك العربي الهائل ـ مقلّباً الدوريات، والكتب الشهرية، ومنتقياً كتاباً ما، أو أكثر...
ثمّ أشرب شاياً بالنعناع أوصي عليه أبوعلي، وماءً غير مبرّد حفاظاً علي الصحة وتقيّداً بنصائح صينيّة...
سألت أبا علي عن رواية الكاتب العراقي صدّام حسين فضحك وطمأنني إلي انه أوصي علي بعض النسخ.
زرت كشكاً قريباً، فلفت انتباهي دخول وخروج أشخاص لا تبدو عليهم سيماء الثقافة الحداثية، وما بعد الحداثية، بل إنهم أوحوا لي بأنهم مّن العرب الذين أعادهم رامسفلد ورئيسه المفقوع إلي حقبة ما قبل الزمن الصناعي، فهم مغبّرون خشنو الملامح...
سالت المكتبجي عمّا يطلبونه، وعن تلك النسخ التي يستلّها ويدّسها في أيديهم موحياً بأنه يقوم بعمل ممنوع وتحت طائلة الجزاء:
ـ إنها رواية (أخرج منها يا ملعون)...
ـ ولكـــــن الرواية نشــرت علي الإنترنت، وقرأها كثيرون فلماذا تمنع ؟!
ـ من حظنا بصراحة، فالسوق واقف، والقرّاء فقراء، ورغيف الخبز أهم عند الناس من القراءة...
ـ يعني صدّام أفرجها عليكم ؟!
ـ فرّج الله كربه...
هنا توقفت عن المباسطة مع الورّاق العمّاني، ووجدتني أستعيد في ذاكرتي هذا التعبير: أخرج منها يا ملعون !...
لمّا كنّا في مخيم (النويعمة)، استيقظت في فجر أحد الأيّام علي صيحة انتزعتني من نومي غير الهنيء، وعرفت فيما بعد أن امرأة اسمها (هيجر) استيقظت وهي تنام أمام خيمتها، فاكتشفت أن زوجها النذل انسّل مع والدته وأطفاله، وهرب تاركاً الزوجة الشّابة تغّط في النوم عقاباً لها علي خلافها الدائم مع أمّه التي أجمع كّل من سمعتهم علي خبثها ولؤمها.
راح عقل (هيجر) بعد رواح الأطفال !
لم يرّد عقلها أدعياء المشيخة وأحجبتهم..
ذات يوم ظهر رجل قميء الشكل، علي عينيه نظارة معتمة بإطار أصفر غامق، يرتدي قمبازاً لا لون له، أسنانه منخورة، أنفه طويل، أصابعه معقوفة ـ لست أشنّع عليه ـ وأخذ يعالج المرأة بالضرب المبرّح صائحاً:
ـ أخرج منها يا ملعون...
كانت تصيح كثيراً، ثمّ مع تواصل الضرب وشدّته تبلّدت حواسها، وما عادت تنبس بكلمة، فقط تنظر مذهولة، ولا من مغيث !...
يشهد الله أنني فكّرت في استلال (شبرية) أبي ـ خنجره ـ و.. الانقضاض علي ذلك المخلوق ****** المتوحّش، ولكنني خشيت العواقب...
تخلّص أهل (هيجر) من ذلك ****** الجاهل الذي أظّن أنه حاول اغتصابها لأنها ذات يوم طفح الكيل بها، فما كان منها إلاّ ولبطته بين فخذيه فسقط علي قفاه، فأخذ يصرخ وهو ما أثار الجيران...
رأيت هيجر تصرخ وهي تضرب فخذيها:
ـ أيرضيكم ما يريد أن يفعله بي ؟
طرد الدجّال و..لم يخرج الملعون من هيجر...
اصطحبها أهلها إلي مستشفي بيت لحم، وهناك اعتني بها طبيب شّاب، وأخبر أهلها أنها تعاني من صدمة عصبية ونفسية سببها اختطاف أبنائها، وأن علاجها يكون باسترجاع أطفالها، مع بعض العلاجات المهدئة..
في رواية صدّام حسين لا يخرج الملعون من(ها) بالشعوذة، ولا بالضرب علي جسد الضحيّة...
لن أقول لكم كيف يخرج، فأنا لا أروّج للرواية، وأخشي لو قلت أنني قرأتها وأنها أعجبتني أن أتهّم بمعاداة الديمقراطيّة، وإن جاملت أعداء العراق بهجاء الرواية وفنيتها أن أحيد عن الموضوعيّة واستجيب للابتزاز...
قبل الحرب العدوانية علي العراق، سمعت من إذاعة العراق وقائع لقاء الرئيس صدّام حسين بالأدباء، وكانت إحدي نصائحه لهم أن يأخذوا (وقتهم) في كتابة رواياتهم، وأن لا يختصروا ويختزلوا، بحيث ينتجون روايات كبيرة الحجم والقيمة الأدبيّة...
الآن يأخذ الروائي صدّام حسين وقته وهو في الأسر، ولعلّه يكتب فصول روايته الكبيرة الجديدة (وأخرجنا الملعون منها)،
والملعون هو (الجّن) الذي يريد أن يحتّل جسدها وروحها ـ من هي قولكم ؟! ـ وطبيبها(المداويا) ليس المشعوذ الذي يهمّ أن يغتصبها مع (الشيطان) المحتّل، إنه الذي سيخرجه منها، وسيعيد إليها أبناءها وبناتها، من سيبنون..ها، ويكتبون فصول روايتها الجديدة الكبيرة قيمةً وحجماً، روايتها المتصّلة بتاريخها العريق: المقاومة...
لقد بات العراقي صدّام حسين روائيّاً أكثر شهرة حتي من مواطنه الروائي عبد الرحمن الربيعي، ورواياته حاليّاً best seller...
0
القدس العربى
رشاد أبوشاور
هي الرواية الثالثة للروائي العراقي صدّام حسين، بعد (زبيبة والملك)، و(القلعة الحصينة)، وهذا يعني أن الكاتب لم يعد ناشئاً، بل هو روائي محترف، يحّق له الانضمام لاتحاد كتّاب العراق، والاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب.
الرواية نشرت بعد أسر المؤلّف الذي هو رئيس العراق، والذي يطالب بعض مروّجي الديمقراطية بالإسراع في إعدامه وبعدئذ محاكمته، فهي حتي الآن آخر رواياته، التي لم يعد يقبل القرّاء بالتقيّد بما جاء علي أغلفتها غفلاً من اسم المؤلّف: رواية لكاتبها...
الروائي هو صدّام حسين، والنقد الموضوعي يفترض أن يتعامل معه انطلاقاً من نصّه ـ بلغة الحداثيين ـ بدون موقف مسبّق مبني علي الضغينة، والانحياز الأعمي، وهو ما لا ينسجم مع نزاهة النقد.
أخرج منها يا ملعون رواية، لذا لا بدّ أن تقرأ كنّص روائي، في أقلّه أسوة بالأعمال الأدبيّة للرئيس الليبي معمّر القذافي، الذي انعقدت لتأمل أعماله ندوات مكلفة، حضرها نقّاد أدب مشهود لهم ـ في هذه الحالة مشهود عليهم، أو مشحود عليهم ! ـ وروائيون، ومروّجو سلع أثروا ثمّ استداروا وقلبوا ظهر المجّن (نورج الدراسة)، وصاروا من أشرس دعاة الديمقراطية والليبراليّة، وباتوا أسلويين سياسيّاً فلسطينيّاً...
من حسن حّظ رواية الكاتب صدّام حسين أن إشاعات روّجت بأن الرقابة في الأردن منعت توزيع الرواية، كنوع من المجاملة لحكّام العراق المحميين بالاحتلال الأمريكي، وهذا ما دفع المزوّرين المحترفين لتصويرها وإغراق المكتبات بها، بحيث باتت تباع سرّاً، أو بما يشبه السريّة، وهو ما يثير فضول القرّاء، وغير القرّاء، ويستدرجهم لاقتناء الرواية.
كما هو شأني فإنني أتردد علي قلب مدينة عمّان من حين لآخر. أبدأ رحلتي بالجلوس عند حسن أبوعلي في كشكه الشهير، علي أحد كرسيي القش كما كنت أفعل قبل سنين بعيدة، وأبدأ ضربة الافتتاح بتقليب الصحف التي لن أشتريها، ثمّ المجلات الرخيصة لأطمئن إلي مواظبتها علي الرخص، رغم ارتفاعها ثمناً.
من بعد أنهض لأطوف حول الكشك في زاوية شبه منفرجة ـ ظهر الكشك يستند إلي جدار البنك العربي الهائل ـ مقلّباً الدوريات، والكتب الشهرية، ومنتقياً كتاباً ما، أو أكثر...
ثمّ أشرب شاياً بالنعناع أوصي عليه أبوعلي، وماءً غير مبرّد حفاظاً علي الصحة وتقيّداً بنصائح صينيّة...
سألت أبا علي عن رواية الكاتب العراقي صدّام حسين فضحك وطمأنني إلي انه أوصي علي بعض النسخ.
زرت كشكاً قريباً، فلفت انتباهي دخول وخروج أشخاص لا تبدو عليهم سيماء الثقافة الحداثية، وما بعد الحداثية، بل إنهم أوحوا لي بأنهم مّن العرب الذين أعادهم رامسفلد ورئيسه المفقوع إلي حقبة ما قبل الزمن الصناعي، فهم مغبّرون خشنو الملامح...
سالت المكتبجي عمّا يطلبونه، وعن تلك النسخ التي يستلّها ويدّسها في أيديهم موحياً بأنه يقوم بعمل ممنوع وتحت طائلة الجزاء:
ـ إنها رواية (أخرج منها يا ملعون)...
ـ ولكـــــن الرواية نشــرت علي الإنترنت، وقرأها كثيرون فلماذا تمنع ؟!
ـ من حظنا بصراحة، فالسوق واقف، والقرّاء فقراء، ورغيف الخبز أهم عند الناس من القراءة...
ـ يعني صدّام أفرجها عليكم ؟!
ـ فرّج الله كربه...
هنا توقفت عن المباسطة مع الورّاق العمّاني، ووجدتني أستعيد في ذاكرتي هذا التعبير: أخرج منها يا ملعون !...
لمّا كنّا في مخيم (النويعمة)، استيقظت في فجر أحد الأيّام علي صيحة انتزعتني من نومي غير الهنيء، وعرفت فيما بعد أن امرأة اسمها (هيجر) استيقظت وهي تنام أمام خيمتها، فاكتشفت أن زوجها النذل انسّل مع والدته وأطفاله، وهرب تاركاً الزوجة الشّابة تغّط في النوم عقاباً لها علي خلافها الدائم مع أمّه التي أجمع كّل من سمعتهم علي خبثها ولؤمها.
راح عقل (هيجر) بعد رواح الأطفال !
لم يرّد عقلها أدعياء المشيخة وأحجبتهم..
ذات يوم ظهر رجل قميء الشكل، علي عينيه نظارة معتمة بإطار أصفر غامق، يرتدي قمبازاً لا لون له، أسنانه منخورة، أنفه طويل، أصابعه معقوفة ـ لست أشنّع عليه ـ وأخذ يعالج المرأة بالضرب المبرّح صائحاً:
ـ أخرج منها يا ملعون...
كانت تصيح كثيراً، ثمّ مع تواصل الضرب وشدّته تبلّدت حواسها، وما عادت تنبس بكلمة، فقط تنظر مذهولة، ولا من مغيث !...
يشهد الله أنني فكّرت في استلال (شبرية) أبي ـ خنجره ـ و.. الانقضاض علي ذلك المخلوق ****** المتوحّش، ولكنني خشيت العواقب...
تخلّص أهل (هيجر) من ذلك ****** الجاهل الذي أظّن أنه حاول اغتصابها لأنها ذات يوم طفح الكيل بها، فما كان منها إلاّ ولبطته بين فخذيه فسقط علي قفاه، فأخذ يصرخ وهو ما أثار الجيران...
رأيت هيجر تصرخ وهي تضرب فخذيها:
ـ أيرضيكم ما يريد أن يفعله بي ؟
طرد الدجّال و..لم يخرج الملعون من هيجر...
اصطحبها أهلها إلي مستشفي بيت لحم، وهناك اعتني بها طبيب شّاب، وأخبر أهلها أنها تعاني من صدمة عصبية ونفسية سببها اختطاف أبنائها، وأن علاجها يكون باسترجاع أطفالها، مع بعض العلاجات المهدئة..
في رواية صدّام حسين لا يخرج الملعون من(ها) بالشعوذة، ولا بالضرب علي جسد الضحيّة...
لن أقول لكم كيف يخرج، فأنا لا أروّج للرواية، وأخشي لو قلت أنني قرأتها وأنها أعجبتني أن أتهّم بمعاداة الديمقراطيّة، وإن جاملت أعداء العراق بهجاء الرواية وفنيتها أن أحيد عن الموضوعيّة واستجيب للابتزاز...
قبل الحرب العدوانية علي العراق، سمعت من إذاعة العراق وقائع لقاء الرئيس صدّام حسين بالأدباء، وكانت إحدي نصائحه لهم أن يأخذوا (وقتهم) في كتابة رواياتهم، وأن لا يختصروا ويختزلوا، بحيث ينتجون روايات كبيرة الحجم والقيمة الأدبيّة...
الآن يأخذ الروائي صدّام حسين وقته وهو في الأسر، ولعلّه يكتب فصول روايته الكبيرة الجديدة (وأخرجنا الملعون منها)،
والملعون هو (الجّن) الذي يريد أن يحتّل جسدها وروحها ـ من هي قولكم ؟! ـ وطبيبها(المداويا) ليس المشعوذ الذي يهمّ أن يغتصبها مع (الشيطان) المحتّل، إنه الذي سيخرجه منها، وسيعيد إليها أبناءها وبناتها، من سيبنون..ها، ويكتبون فصول روايتها الجديدة الكبيرة قيمةً وحجماً، روايتها المتصّلة بتاريخها العريق: المقاومة...
لقد بات العراقي صدّام حسين روائيّاً أكثر شهرة حتي من مواطنه الروائي عبد الرحمن الربيعي، ورواياته حاليّاً best seller...
0
القدس العربى