المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : أفكار مدرس - أول درس ألقاه الزيات - ح7 ( وصف راااائع ادخل ولن تندم أبدا )


نبرات الضياء
05/07/2005, 11:52 PM
أبداً لن أنسى تلك الساعة الرهيبة العصيبة التي ألقيت فيها أول درس في أول فصل ! كان ذلك منذ سبعة عشر عاماً والسن حديثة والنفس غريرة والنظر قصير ، وكانت المدرسة ثانوية أجنبية ، تجمع أخلاطاً من الأجناس والأديان ، وأنماطاً من الأخلاق والتربية ، وكنت قد أدركت قسطاً من العلم النظري على الطريقة الأزهرية ، وشدوت طرفاً من التعليم الفني على الطريقة اللاتينية ، إلا أن ما حصلت منها كان لا يزال طافيا في ذهني ، متحيراً في فكري ، لا يطمئن إلى ثقة ، ولا يستقر على تجربة ! أضف ذلك إلى طبع حي ولسان من الخجل عي ، ووجه للقاء الناس هيوب .
قضيت موهنا من الليل في إعداد الدرس ، أراجع مادته وأرسم خطته وأسدد خطاه ، ثم احتفلت لكلام أقابل به التلاميذ قبل التمهيد للدرس ؛ وغدوت إلى المدرسة أقرع باب الأمل المرجو ، وأستطلع ضمير الغيب المحجب . دق الجرس فجاوبه قلبي بدقات تقطع نياطه وتشق لفائفه ، وقمت أجر رجلي وبجانبي مفتش الكلية جاء يقدمني إلى الطلبة .
دخلنا الفصل فحيا التلاميذ بالوقوف ، وقال المفتش فأطال القول وأجزل الثناء ، ثم خرج وبقيت !!.
أقسم لك أني أقول الحق ، وإن كنت أجد بشاعة طعمه ومرارة مذاقه على لساني ! لقد نظرت إلى التلاميذ نظرة حائرة ، ثم رجعت إلى نفسي أحاول إخراج ما فيها من الكلام المهيأ المحفوظ ، فكأن ذاكرتي صحيفة بيضاء ، كأن لساني مضغة جامدة لا تحس ! السكون شامل رهيب ، والأبصار شاخصة ما تكاد تطرف ، ووجوه الشباب ترتسم عليها ألوان مختلفة متعاقبة من خطرات النفوس ونزوات الرؤوس ، وأنا واقف منهم موقف المحكوم عليه ، أعالج في نفسي الخور والحصر ، وأجهد في لم ما تشعث من ذهني وتبدد من قواي ، حتى هداني الله إلى طريق الدرس ، فاعتسفته اعتسافا دون مقدمة ولا تمهيد ولا عرض !!
أتريد أن تعفيني يا صديقي من وصف هذا الدرس إبقاء وصونا لسر المهنة ؟ ولكن لماذا نتدافن الأسرار ونتكاتم العيوب ، ما دامت هذه المجلة خاصة بنا ، مكتوبة منا ولنا ؟ إن في الدلالة على أوعار الطريق ومضايقه و مزالقها تحذيراً للسالك البادئ ، وتبصرة للناشئ الغرير .
بدأت الدرس بصوت خافض وطرف خاشع ولسان مبلل ، وسرت فيه وأنا واقف لا أدنو من السبورة مخافة أن أحرك سكون الفصل ، ولا ألمس الطباشير خشاة أن أسيء الكتابة !!
كان من المعقول أن يعاودني الهدوء ويراجعني الثبات بعد زوال دهشة الدخول وربكة البدء لو كنت واثقاً من نفسي ، متمكناً من درسي . ولكن نظام الموضوع كان قد انقطع فتبعثرت حباته ، وتعثرت خطواته ، ورحت أسرد ما تذكرته منه وأنا أشعر بكلماتي تحتضر على شفتي ، وبريقي يجمد في فمي ، وبعرق يتصبب على جبيني ، حتى فرغت ، ثم جلست أبلع ما بقي من ريقي ، ونظرت فإذا الساعة لم يمض نصفها ، وإذا التلاميذ يتلاحظون ويتهامسون على كل شفة بسمة خبيثة لولا تعود النظام وقوة التهذيب لعادت قهقهة صاخبة !!
ماذا أقول بعد أن نفد القول ؟ وبماذا أملأ الفراغ الباقي من الوقت ؟
وكيف أؤخر انفجار هذه الضحكات المكظومة ؟ أسئلة كانت تضطرب في خاطري القلق فلا أجد لها جواباً غير الحيرة !! حتى تطوع تلميذ جريء
( لإنقاذ الموقف ) فقال : احك لنا حكاية يا أفندي بآي !.
ولم تكد شفتاي تنفرجان عن مشروع الرد حتى ابتدرني آخر :
لأ يا أفندي ، اتكلم لنا شوية إنشا شفهي .
وآخر : حضرتك حتدينا على طول ؟ .
وآخر : اسم حضرتك إيه يا افندي ، والله انت راجل طيب !!!.
وآخر : فلان صوته جميل يا افندي ، خليه يغني شويه .
فقطعت سيل هذه الأسئلة المتجنية الساخرة بهذه الجملة الحيية
المتواضعة :- على كل حال كاد الوقت ينتهي فلا يتسع لشيء من هذا :
ولكن صوتاً أشبه بصوت القدر قد انبعث من أقصى الحجرة يقول :
اوه ! دا لسه ساعة وربع ! حصة العربي ساعتين كل يوم !!.
- ساعة وربع ؟؟ نعم ساعة وربع ! اقضيها على هذه الحال الأليمة كما شاء نظام (الفرير) ، أو كما قضى الجد العاثر والطالع المشئوم !! إذن لا مناص من انفجار البركان ووقوع الكارثة !
كأنك تريدني على أن أسوق إليك بقية القصة !!
حنانيك ، ولا تكلفني هذه الخطة ، واعتمد على نفسك وحدسك في التخبر والاستنتاج ...!!
لقد انحل النظام فتشعث الأمر وانتشر ؛ وأذكر أني حاولت الكلام مراراً فلم أسمع صوتي من اللغط ! فجعلت قيادي في يد أولادي ثم سكت حتى نطق الجرس ..!!
ولكني عدت إلى الفصل ، ومضيت في التعليم ، وكنت بعد شهرين اثنين مدرس الفصل الأخير وأستاذ الكلية الأول !!
فما الذي جعل من اليأس أملاً ، ومن الفشل فوزاً ، ومن الضعف قوة ؟
اسمح لي أن أكون صريحا فيما كان لي، كما كنت صريحاً فيما كان علي .
لقد التمست الوصول على النجاح في أسباب خمسة كلها معلوم بالضرورة مؤيد بالطبع ، ولكن العلم غير العمل ، والرأي خلاف العزيمة ، والتجربة وجود الفكرة وواقع الحقيقة :
1- مواصلة الدرس وإدمان النظر : فلم اترك كتابا في المواد التي أدرسها حتى تقصيته أو ألممت به واستفدت منه ، وكان جدوى ذلك على وثوق الطلبة بما أقول ، وظهور التجديد قيما أعمل ، وتصريف الدرس وتنويعه على ما أحب . ولن تجد أشفع للمدرس من سعة اطلاعه وغزارة مادته .
2- إعداد الدرس وأداؤه : وكان يعنيني على الأخص ربطه بالدروس السابقة , والسير فيه مع الطلاب خطوة خطوة على الطريقة الاستنتاجية ثم تلخيصه بطريق الأسئلة . فكان من حسن إعداده أن ملأت الوقت كله به ، فلم يعد فيه فراغ لعبث عابث و لا تجني سفيه، و جررت إليه أذهان الطلاب بالتشويق والتطبيق والسؤال فلم يصبهم سام ولا ضيق ، وشغلتهم به عن أنفسهم وعني فلم يفرغوا لاصطياد نكته ولا لالتماس غميزة . وليس أعون على حفظ نظام الفصل من ملء الوقت بالمفيد الممتع ، ولا اضمن لجودة شرح المعلم وحسن استماع التلميذ من الفهم الموضوع .
3- مسايرة الترقي : فلم أتشبث بالقديم ، ولم أتعصب للكتاب ، ولم أُعن إلا بما له قيمة علمية . فالموضوعات متنوعة من حياة التلميذ وحال المجتمع ، والأمثلة مستنبطة من أساليب العصر وموضات أهله ، والبحث حر في حدود المنطق ، ويقوم على أساس التحليل والنقد والموازنة . وفي تشابه الفكرة والنزعة والغاية توثيق الصلة بين المعلم والمتعلم .
4- حسن الخلق : ولعمري ما يؤتى المعلم إلا من إغفاله هذه الجهة . فالادعاء والتظاهر ، والكبر والتفاخر ، و البذاء و التنادر ، والكذب والتحيز . والكسل والتدليس آفات العلم وبلايا المعلم . وما استعبد النفس الشابة الحرة كالخلق والكرم ، ولا يسر تعليمها وتقويمها كالقدوة الحسنة . ناهيك بما ينبع ذلك من جمال الأحدوثة واستفاضة الذكر ، وهما يزيدان في قدر المعلم واعتباره ، ويغنيان التلاميذ الجدد عن اختباره .
5- قوة الحزم : فكنت ألين في غير ضعف ، واشتد في غير عسف ، وأسير بالطالب على الواجب عن طريق ضميره وحسه ، لا عن طريق تأنيبه وحبسه ، وأجعل رضاي عنه غاية ثوابه ، وسخطي عليه غاية عقابه ، واعده الوعد فلا أذهل عن تنجيزه ، وأحكم عليه الحكم فلا أنكل عن تنفيذه ، واستعين على فهم عقليته ودرس نفسيته بإنشائه ، فأعامله بما يوائمه ، وأعالجه بالدواء الذي يلائمه .
كل ذلك يسعده طبع غالب ، ورغبة حافزة ، و مرانة طويلة ، وقدر من الله جعلني أجد سعادتي وراحتي في الفصل وبين الطلاب ، أكثر مما أجدها في البيت وبين الأصحاب .
ولكن المعلمين وا أسفاه كما بدأهم الله يعودون ! فليت شعري هل يكون الدرس الأخير في مبدأ مماتي ، كما كان الدرس الأول في مبدأ حياتي .

--------------------------------------------------------------------------------