المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الحلم يا بدرية - خلفان الزيدي


البسيوي
28/06/2005, 06:49 PM
ككل الحكايات التي ينطوي ذكرها ويغيب رسمها مع توالي الايام وتقلب السنين.. كانت بدرية حكاية منسية من ذاكرته.. تسكن زاوية قصية في اعماق قلبه.. وتحاول ان تزيل الغشاوة التي طمست ملامح حكايتها معه.. لم يدر وهو المليء بحكايات واقاصيص الطفولة واحاديث الايام السالفة ان ثمة حكاية ستعاوده وكأن فصولها بدأت بالامس القريب.

حينما جاءه صوتها ذات نهار بدأ ككل النهارات.. عادت له كل الايام والليالي التي خلت.. وعاد شريط ذكرياته بكل التفاصيل والملامح التي تلاشت.. عاد صبيا يجري بين منازل القرية.. يجتر عاطفة صغيرة لم يدرك معناها وكينونتها يومذاك.. كان يجلس على ساقية الفلج مع بدرية يروي لها قصص وحكايات المدينة التي زارها ذات يوم وقرر ان يكون لها وتكون له.. كان يدرك في قرارة نفسه وهو الصغير الذي لم تتجاوز سنواته اصابع كفيه، ان المدينة حلم من لا حلم له.. وانها الخلاص من حياة القرية هذه ومن عناء الخروج صباحا ومكابدة مشقة القيظ ونخيله الباسقات.. والعمل حتى يتفصد الجسد عرقا وتنهار قواه وتتفتت عزيمته.. كان الفلج الذي يتخلل مزارع القرية مكابدة اخرى عليه ان يتبعه حتى المنبع ويصلح ما فسد من تقاسيم جريانه.. وعليه ان يكون الحارس اليقظ لمياهه وهي تنساب لتروي المزارع العطشى.. يتابعها من مجرى الى آخر.

كان يقاسم بدرية احلامه الكبيرة على صغره: تصوري يا بدرية، المباني الشاهقات التي تناطح السحاب ذات النوافذ العالية.. كأنها مرآة قائمة تعكس ما حولها.. تصوري يا بدرية وانت تجلسين على الشرفة تتراءى لك المدينة بكل تفاصيلها وشخوصها.. هناك ستمارسين حريتك دون قيود.. ستخرجين كما تشائين دون ان يلتفت اليك امرؤ ليلقي عليك موعظة او نصيحة لا تجدي في زماننا هذا نفعا.. تخيلي البشر هناك يا بدرية.. اناس من اجناس وشعوب مختلفة.. لكل منهم حياته ومنهجه في الحياة.. سنجري في طرقاتها انا وانت ولن تتبعنا الانظار او تترصدنا الالسن.

ويمضي يحكي لها عن المدينة وعن الحياة هناك.. وعن حلمه الذي يشيده معها.. يحكي لها عن المباني الشاهقة وعن الشوارع المتسعة والممتدة بامتداد حلمه والمدينة.. يحكي عن البشر الذين يجوبون الطرقات ليلا ونهارا.. ولا يتوقفون عن المسير.. في المدينة لا يمكن ان نعي من اين تأتي هذه الجموع والى اين تسير.. ولا يمكن لنا ان نستيقظ ذات صباح مبكرا دون ان نجد من سبقنا الى الاستيقاظ.. ولا يغالبنا النعاس فنخرج الى الشوارع لنجد ذاتنا وحيدين دون انفاس اخرى تشاركنا الوحدة والسهر..

كان يحكي لها وساقية الفلج تمتلئ شيئا فشيئا حتى اذا ما لاح له طيف والده.. وانهالت نحوه السباب والشتائم.. وتلقى وعيد الويل والثبور على تغافله عن متابعة جريان الفلج والجلوس الى فتاة على ساقيته.. جرى بعيدا.. وراح يغوض الساقية.. مبتعدا عن والده وعن بدرية..

كان صوتها ما زال ينساب إليه عبر اسلاك الهاتف.. وكان هو يجري في الساقية يحمل حلما صغيرا وأد قبل ان يكبر ثم ما لبث ان عاود الحياة بعد حين من الزمن..

* خالد، انا بدرية!.. الم تعد تتذكرني؟.. هل ما زالت المدينة حلمك الذي لا نهاية او حدود له؟؟.
* ....
* خالد ما بك؟... الا تعرفني؟.

*****
كل الاحلام تبدأ صغيرة ثم تكبر.. حتى تلامس عنان السماء، وكل الاماني تبدأ كبذرة ما تلبث ان تنمو وتعلو حتى تكون شجرة يانعة الثمار.. حتى حلمه ببدرية كبر معه ونما و ملك كيانه ووجدانه.. وحين تهيأت شمسه للشروق ولاح الامل له.. تلفت حوله فلم يجد بدرية.. فتش عنها.. فعياه حضورها من جديد.. مضى لحياته بعدما تبدد حلمه وغابت امنياته.. شق طريقه دون ان يعي للحكايات التي سردها ذات يوم على ساقية الفلج.. خالها وهو المتعب من تعاقب الفصول والازمنة.. ان بدرية حكاية صغيرة سمعها قبل منامه.. ثم اغمض عينيه وراح في حلم عميق.. ولما استيقظ.. كان كل شيء قد غاب وانطوي.. لم يلتفت وراءه ليجمع اشلاء ذاكرته.. ولم يبحث عن فتات ما تبقى من ايامه الماضية.. كانت له حياته التي تلاشت معالمها وتماهت ملامحها بين ثنايا المدينة وصخبها..

يعوده الصوت من جديد.. يهزه من اعماقه.. ينتشله من ذاكرته.. يعيده لدروب القرية.. ولساقية الفلج التي هرب إليها ذات يوم ثم هرب منها.. وتتوالى عليه صور الطفولة..

* انا بدرية يا خالد..!

*****
يوم كانت امها تقعدها على حجرها، وتسوي شعرها وتخضب ضفائرها بالحناء.. يوم كانت تضع الكحل في عينيها فيتناغم السواد مع جدائل الشعر الحريري المنساب على كتفها يحيط بوجهها الدائري.. ويوم ان تختال بفستانها المزركش ونقوش الحناء على معصميها.. يوم ذاك كانت تتوالى عليها كلمات المديح والاطراء.. قالت لها امها ذات حين: تبدين كعروسة، وقال لها والدها: ما اجملك من فتاة!.. اما هو فقد لمحها من بعيد وخالت ان قلبه الصغير رقص طربا لرؤيتها.. وخفق ـ كما هو حال قلبها ـ بحبها.. ورنا إليها كما الطير الى انثاه.. ترك رفاقه، واتجه إليها، تبادلا النظرات.. وقدم لها دعوة مشاركته اللعب، تمنعت وتحججت ان امها نهرتها من مخالطة الاولاد.. هؤلاء الذين لا يكفون عن عفر وجوههم وتلطيخ ملابسهم بالتراب، قالت انها ستذهب لتلعب العرائس مع الفتيات.

ومضت عنه.. ذهبت لحال سبيلها.. التفتت إليه بعد برهة زمن، لم يكن في مكانه.. كان قد اختفى وتوارى عن الانظار كما اختفى بعدئذ وتلاشى تاركا طيفه يحوم في حياتها.

كانت تنظر حينها ان تقاسمه الحلم الذي رسماه معا على ساقية الفلج وبين دروب القرية.. ذلك الذي جمع الحديث بينهما.. وحلق بهما في عالم غير عالمهما.. كانت تدرك وهي الصغيرة حينئذ.. ان احلام الصغار تسكن في جوف الطير.. تحلق معها وتطير من قرية الى اخرى ومن مدينة الى مدينة.. توقفت لحظة لتتساءل: هل تسكن الطيور المدن؟، كانت تتمنى لو كان خالد بقربها ليجيب عن تساؤلها هذا.. ويصف لها كيف ان الطيور تحلق سعيدة هناك.. او انها لا تحتاج للاحلام والاماني طالما تملك الاجنحة وتعيش الحرية..

كان العثور عليه من جديد اشبه بالحلم الذي ولد ثانية.. ترددت وهي تطلب رقمه.. وتهفو الى سماع صوته وهي التي ألفت صداه في لياليها وايامها.. تحينت الفرصة المناسبة للحديث معه عبر الهاتف.. بددت التردد.. وطردت الهواجس.. ثم ما أن جاءها صوته.. حتى كادت تصرخ باسمه.. وان تطير اليه محلقة.. لكنها تمالكت ذاتها.. وحبست جزءا من عاطفتها.. واسمعته اسمها عل خيالاته تعيده إليها..
- انا بدرية يا خالد.. هل تتذكرني؟
- ...
لم تكن تريد منه الا ان تسمع اسمها ينبعث من جوفه.. كما كلمات الاحلام التي كان يبعثها إليها وهما صغيران يجوبان طرقات القرية ويطوفان مزارعها.. ويجلسان تحت اشجارها..
وقالها.. سمعته يتجرع اسمها كمن الجمت المفاجأة اوتار صوته.. وحبست انفاسه.. ردد اسمها بينه وبين نفسه.. كان يريد ان يتأكد انها هي.. حلمه الصغير:
- بدرية!.
- بدرية يا خالد.. مدينة الحلم.. وحلم المدينة.

*****
يوم وجدت المدينة/ الحلم.. كانت بدرية غائبة عني، ناديتها باعلى صوتي.. فتشت عنها في كل الجهات.. وبحثت في ثنايا القرى وفي تخومها.. ذرعت المدن وقطعت الفيافي والقفران.. ولما يئست العثور عليها عدت للمدينة وحيدا دون حلم يشاركني الحياة.. ويقاسمني الامل..

عدت لحياتي يا بدرية.. واعترف لك ان المدينة التي بسطتها في خيالاتي.. تلك التي صغتها كحلم يضمنا حينما نكبر.. وجلسنا على ساقية الفلج نرسم ملامحه ونلون معالمه.. ما كانت هي المدينة/ الحلم.. ولا كانت جزءا من التفاصيل الملونة.. كانت بلون واحد يتدرج بين البياض والسواد.. اما الالوان يا بدرية.. فقد كانت انت.. كنت شمسها وزهرها وعطرها وكنت الروح النابضة فيها.. عدت اعشق القرية.. واعيد تشكيل احلامي السابقة.. صارت القرية هي حلمي واملي.. كم رنت الى ساقية الفلج.. والى دروب المزارع والى اشجار النخيل الباسقات.. وكم حننت الى الصباحات الجميلة التي تجمعنا.. والى النسائم المحملة بالزهر العطري وهي تعانق انفاسنا.. وكان حلما يا بدرية سرقته مني المدينة.. وما عدت اقوى حتى على الحلم ثانية..

يأتيني صوتك من جديد.. انا الذي نفضت الاحلام من كاهلي.. ويأست العودة مرة اخرى لايام انقضى ذكرها وانطوى رسمها.. تؤكدين لي.. انك لست حلما.. كما هذه المدينة التي اتجسد في احداثها.. واشكل معلما من معالمها.. انا الذي عانيت الوصول إليها وتكبدت طموح التماهي فيها..
- هو ليس حلما يا خالد.. كفانا احلام.. انا والمدينة اصبحنا حقيقة ماثلة.

بل هو كذلك.. طالما اننا لم نعثر على ما نريد في احلامنا التي رسمناها من قبل، هو حلم يا بدرية.. وسيظل كذلك، لكنني كما قلت لك ما عدت اقوى على تحمل الاحلام.. ورسم حياة اخرى بعيدة عن واقعي.. ويكفي انني احملك حلما في ذاتي.. انتظر ان تجمعني بك الايام.. فلما جئتني.. فأي حلم يبقى لدي.. واي شيء احمله معي من جديد؟.

عودي يا بدرية.. عودي لمكانك السرمدي.. حلقي بين هامات السحاب.. اضيئ مجلسك بين النجوم.. كوني نجمة بعيدة المنال.. لا تكسري الحواجز التي تفصلنا.. بيني وبينك قيود وسدود لا قوة لنا على تحطيمها.. كوني كما كنت لدي.. حلم المدينة.. ومدينة الحلم.

*****
تأتيني يا خالد طيف هلامي لا اتبين جل ملامحه.. ولا ادري كينونته.. كنت الحلم يا خالد.. وكنت الامل المتجسد امامي في صورة المدينة.. كم عشقت الحلم/ المدينة.. هذا الذي تفننت في رسم تفاصيله امامي وانت ما زلت صغيرا.. وكم سافرت معك للخيالات البعيدة تلك التي لا تسكن القرى.. ولا تعيش بين الدروب الضيقة وبين الحارات والبساتين.. ولا تنام على خرير مياه الفلج المنسابة بين المزارع وحقول الاشجار.

تأتيني لمحة وتغادر سريعا.. ولا تترك لي المجال لاروي لك الاحاديث والحكايات التي صغتها بعيدا عنك.. في ذاتي تعيش تساؤلات واستفهامات كبيرة بكبر الحلم الذي رسمناه معا..

اين كنت يا خالد؟.. واين اخفيت حلمنا الصغير؟.. لماذا توأد الاحلام بعد نموها؟.. ولماذا تخنق الامال في مهدها.. فرقتنا الاقدار وجمعتنا ثانية.. ذات يوم بعيد نظر كلانا الى موضعه فلم يجد رفيق حلمه معه.. التفتنا الى الطريق الذي يقودنا معا.. كان كل منا وحيدا يحن الى الآخر.. ويتوق اللقاء به.. وكانت المدينة ثالثنا المغيب.. المنطوي في ذاكرة الغد البعيد.. كنت تمنيني بالسفر الى المدينة ذات يوم.. لنتنسم هواءها.. ونشم انفاسها.. ونذرع شوارعها.. كنت ارنو الى السماء لاقطف منها نجوما واصنعها قلادة اضعها على جيدي.. اتأهب للأحلام الجميلة التي ستأخذني إليها.. والى اضواء المدينة المشتعلة حتى بزوغ الصباح.. انام واستعيد اطياف القصص المروية على ساقية الفلج.. بحثت عنك وعن المدينة.. وجدت المدينة غير الحلم الذي توسدنا خيالاته.. اما انت يا خالد..

- انا ما عدت احلم يا بدرية.

ما عدت تحلم يا خالد.. غير ان ثمة نجمة في سمائك لا بد انك تنتظرها كل مساء.. وتترقب ان تضيء ليلتك.. وتلون امسياتك.. هذه النجمة عادت إليك يا خالد.. عادت لتكمل الحكاية المروية.. وترسم النهاية السعيدة لقصة سلفت احداثها.
- لا تكسري القيود يا بدرية.. لا تحطمي السدود.. كلانا حلم بعيد المنال.
- خالد..
- بدرية..

*****
هي النهايات السعيدة التي تزخر بها قصص العشاق.. وحكايات المحبين.. لكننا هنا لا نختار حياتنا.. ولا نشكل اقدارنا.. اجتمعنا على غفلة من الزمن.. وافترقنا على غفلة اخرى.. ولما اجتمعنا مرة ثانية في مكان آخر وزمن آخر.. كنا كمن يحلم بحياة اخرى، ثم يتفاجأ ان الزمن كتب له حياة مغايرة.. ودون ان تكتمل حكايتنا.. سنكمل الرمق الاخير من الحلم.
- اي حلم يا خالد؟
- الحلم يا بدرية..

راعي الغيز
28/06/2005, 11:02 PM
امتعتنا بنقلـــــك ..

ألف شكر .. ;)

ماويّة
29/06/2005, 12:40 AM
قرأتها .......

فأثارت الكثير من الرموز بالقصه ألم وجرح بالنفس ......

يبدو ان كل شيء بحياتنا كما أكد الزيدي .... مجرد ...

حــــــــــلـــــــــــــ ــــم ..

ظلال الهاجري
29/06/2005, 03:58 PM
عندما تكون الأحلام أكبر من الواقع فلا عجب إن كانت النهايات كتلك النهاية . :rolleyes:

بدرية وخالد والحلم ... واقع معايش .. والنهاية تكون محسومة سلفا .

جميل .. :)

إبحار قلم
29/06/2005, 05:29 PM
عندما تكون الأحلام أكبر من الواقع فلا عجب إن كانت النهايات كتلك النهاية . :rolleyes:

بدرية وخالد والحلم ... واقع معايش .. والنهاية تكون محسومة سلفا .

جميل .. :)



صدقت أخي..


النهاية تكون محسومة سلفا من قبل...( القاضي = القدر) :(