بويحياوي
21/03/2005, 04:22 PM
التحفة الأزهرية
إطلالة على مصطلح حشوية
بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن تيمية كما في ( المنتقى من منهاج السنة ) ط1418هـ أوقاف المملكة ص122
(( والكتاب والسنة ليس فيهما ، لفظة ( ناصبة ) ولا ( مشبهة ) ولا ( حشوية ) بل ولا فيهما لفظ ( رافضي ) فنحن إذا قلنا ( رافضة ) نذكره للتعريف ، لدخول أنواع مذمومة بالنص فيه ، فيبقى علما على هؤلاء الجهلة الذين عدموا الصدق والتوفيق )) اهـ .
فإذا علمت هذا بان لك أن كل هذه الألفاظ ليست في الكتاب ولا السنة فكيف جاز إطلاقها ؟؟ نعم لا مشاحة في الاصطلاح وهذا ما عناه ابن تيمية .
فإن قلت : ( الحشوية ) أطلقته المعتزلة أولا .
فالجواب من وجوه :
أولا : كلمة ( الرافضة ) أول من أطلقها الزيدية أيضا وهم يرون الخروج أولا ، ثم هم على رأي واصل بن عطاء ثانيا ، فلو لم يجز إطلاق حشوية لأن أول من نطق بها المعتزلة وهم مبتدعة ، لما جاز إطلاق رافضة لأن أول من أطلقها الزيدية ، فالجواب على هذا هو جوابنا على ذاك .
ثانيا : القول بأن أول من أطلق حشوية هم المعتزلة ، مبناه على ما نقل من قول عمرو بن عبيد عن عبدالله بن عمر بأنه حشوي كما نقله ابن تيمية مقلدا لغيره وقد عبر في منهاج السنة2/520 بلفظ : (( وقد قيل : إن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد ... )) وقيل صيغة تمريض تفيد الضعف ، ولا يروى عن عمرو بن عبيد بإسناد صحيح . !!
ثالثا : لا نسلم بأن عمرو بن عبيد أول من أطلقها لما نقل من إطلاق أهل السنة إياها في مجلس الحسن البصري ، ففي شرح المنهاج للإمام الإسنوي 1/309 :
(( فائدة : اختلف في الحشوية ، فقيل بإسكان الشين ، لأن منهم المجسمة ، والجسم محشو ، والمشهور أنه بفتحها ، نسبة إلى الحشا ، لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فوجد كلامهم رديئا فقال ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ، أي جانبها ، والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانب البطن )) اهـ .
فإن قلت : هذا نقل بلا سند ، قلنا : وذاك نقل بلا سند ، لكن هذا مشهور بصيغة الجزم ، وذاك غير مشهور بصيغة التمريض ، فأنت بين ثلاثة أمور ، إما الجمع بينهما ، أو الترجيح ، أو إسقاطهما والتوقف ، أما الجمع فنقول عمرو بن عبيد كان أحد المعتزلين لحلقة الحسن البصري وأحد من لقبهم الناس من أهل السنة بالحشوية لرداءة كلامهم ، فقال عمرو بن عبيد عن ابن عمر بأنه حشوي ، يقصد إن كان ما نقول في القدر ونحوه حشو فعبدالله بن عمر حشوي ، وهذا لسوء فهمه وضعف عقله ، فيكون المعتزلة قابلوا بها أهل السنة بعد أن أطلقها عليهم أهل السنة ، كما فعل القدرية لما سماهم أهل السنة بذلك فقالوا لأهل السنة بل أنتم القدرية لأنكم تقولون بالقدر .
وأما الترجيح وهو بالقرائن أو بالشواهد ، فليس عندك ما يرجح قولك على قولنا ، فلا يكون قولك أولى من قولنا ، ونحن عندنا لأنا مثبتون لقولها من الأقدم وأنتم نافون ، والمثبت مقدم على النافي ، ولأن قولنا هو المشهور كما قال الإسنوي ، وقولكم غير مشهور ، ولأن أهل السنة أطلقوه على المبتدعة وهذا كله مرجح لقولنا دون قولكم .
وأما التوقف في النقلين بإسقاطهما ، ثم النظر في غيرهما ، فقد وجدنا نحن من أطلقها من أهل السنة من أئمة أهل الحديث ، فقد روى الحاكم في ( علوم الحديث ) ص137 في باب ( معرفة مذاهب المحدثين ) وقد ذكر الجـهـمـيـة والقدرية والشيعة والإرجاء .. ثم قال :
أخبرني أبو علي الحافظ قال أخبرني علي بن مسلم الإصبهاني قال حدثنا عقيل بن يحيى الإصبهاني قال سمعت أبا داود يقول : (( كان جرير بن حازم إذا قدم قال شعبة : قد جاءكم هذا الحشوي )) اهـ .
وهذا إسناد صحيح متصل ورجاله كلهم ثقات ، وقد روى هذا عبدالله بن أحمد في العلل والعقيلي في الضعفاء في ترجمة جرير ، وسنده كالشمس .
فهذا شعبة إمام من أئمة أهل السنة أطلق هذا على جرير بن حازم .
ثانيا :
إذا تقرر هذا فالنظر فيمن تطلق عليه هذه الكلمة ، فقد تطلق بحق كما يطلقها أهل السنة على بعض جهلة أهل الحديث ، وقد تطلق بباطل كما يطلقها المعتزلة على جميع أهل السنة لا سيما الأشاعرة لفرط العداوة بينهم وبين المعتزلة ، يقول ابن تيمية في المجموع 4/ 23 :
(( فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهم بقلة المعرفة أو بقلة الفهم ، أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة .. وأما الثاني فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة ، بل قد يقولون القولين المتناقضين ... ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ... ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونم ، ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا ، وقد يكون منكرا من القول وزورا ، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات ، فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ، وقد رأيت من هذا العجائب ... )) اهـ كلام ابن تيمية .
فإذا تقرر هذا علمت أن إطلاق هذا اللقب على من يستحقه لا غضاضة فيه كما لا غضاضة في إطلاق لفظ الرافضة على من طعن في الصحب الكرام ..وقد جرى على هذا أئمة الزمان في كل آن..
قال ابن قتيبة في كتاب ( الاختلاف في اللفظ ) ط1/العلمية ص40 : (( ولمّا رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء [ يعني الجهمية ] في النفي ، عارضوهم في التمثيل ، فقالوا بالتشبيه المحض ! ، والأقطار ! والحدود ! ، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث كما ظاهرها !! ، وقالوا بالكيفية فيها ، وحملوا من مستشنع الحديث : ( عَرَق الخيل ) ! ، و( حديث عرفات ) ! ، وأشباه هذا من الموضوع ..)) اهـ ، وانظر ( مع ابن قتيبة في العقيدة الإسلامية ) ط الشركة العالمية ص122 .
وقد لقي الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي جماعة من الحشوية في رحلته فقال عنهم في ( العواصم من القواصم ) ص210 :
(( وكان رأس هذه الطائفة بالشام أبو الفرج الحنبلي بدمشق ، وابن الرميلي المحدث ببيت المقدس ، والقطرواني بنواحي نابلس ، والفاخوري بديار مصر ، ولحقت منهم ببغداد أبا الحسين بن أبي يعلى الفراء ، وكل منهم ذو أتباع من العوام ، جمعا غفيرا ، عصبة عصية عن الحق ، وعصبية على الخلق ، ولو كانت لهم أفهام ، ورزقوا معرفة بدين الإسلام ، لكان لهم من أنفسهم وازع ، لظهور التهافت على مقالاتهم ، وعموم البطلان لكلماتهم ، ولكن الفدامة استولت عليهم ، فليس لهم قلوب يعقلون بها ، ولا أعين يبصرون بها ، ولا آذان يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل .. )) اهـ .
ويقول إمام أهل الحديث سيد الحفاظ الإمام الكبير أبو القاسم بن عساكر في ( تبيين كذب المفتري ) ص369 عن الأهوازي وكان من كبار أهل الحشو ما صورته :
(( فأغص الله الأهوازي بريقه وفض فاه ، فإنه كان في اعتقاده سالميا مشبها مجشما حشويا ، ومن وقف على كتابه الذي سماه كتاب ( البيان في شرح عقود أهل الإيمان ) الذي صنفه في أحاديث الصفات ، واطلع على ما فيه من الآفات ، ورأى ما فيه من الأحاديث الموضوعة ، والروايات المستنكرة المدفوعة ، والأخبار الواهية الضعيفة ، والمعاني المتنافية السخيفة ، كحديث ركوب الجمل !! وعرق الخيل !! قضى عليه في اعتقاده بالويل ، وبعض هذا الكتاب موجود بدمشق بخط يده ، فمن أراد الوقوف عليه فليقف ليتحقق سوء معتقده .. )) اهـ كلام الحافظ .
وهذا الإمام الهمام ابن الجوزي رحمه الله يرد عليهم ويرميهم بالتشبيه والتجسيم فيقول في كتابه ( دفع شُبَهِ التشبيه .. ) ط الكليات الأزهرية ص8 ردًّا على المشبهة :
(( وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات .. ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحَدَث ، ولم يَقْنَعُوا بأن قالوا : ( صفة فعل ) حتى قالوا : ( صفة ذات ) ، ثم لما أثبتوا أنها صفات ، قالوا : ( لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل ( يد ) على معنى نعمة وقدرة ، ولا ( مجيء وإتيان ) على معنى بِرٍّ ولطف ، ولا ( ساق ) على شدة ) ، بل قالوا : ( نحملها على ظواهرها المتعارفة ) !! ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين .. ثم يتحرجون من التشبيه ، ويَأْنَفُون من إضافته إليهم ، ويقولون : ( نحن أهل السنة ) !! ، وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام ، وقد نصحت التابع والمتبوع ، فقلت لهم : يا أصحابنا ، أنتم أصحاب نقل واتباع ، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل رحمه الله يقول وهو تحت السياط : ( كيف أقول ما لم يُقَل ؟ ) ، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، ثم قلتم في الأحاديث : ( تُحْمَل على ظاهرها ) !! ، وظاهر القدم الجارحة ، فإنه لما قيل في عيسى عليه الصلاة والسلام : ( روح الله ) ، اعتقدت النصارى لعنهم الله تعالى أن لله سبحانه وتعالى صفةً هي روح وَلَجَت في مريم !! ، ومن قال : ( استوى بذاته المقدسة ) فقد أجراه سبحانه مجرى الحِسِّيَّات !! ، وينبغي أن لا يُهْمَل ما ثبت به الأصل ، وهو العقل ، فإنا به عرفنا الله تعالى ، وحكمنا له بالقِدَم ، فلو أنكم قلتم : ( نقرأ الأحاديث ونسكت ) ، لما أنكر أحد عليكم ، وإنما حَمْلُكُم إياها على الظاهر قبيح )) اهـ كلام ابن الجوزي ، وكان سيفا مسلولا على أهل البدع رحمه الله تعالى .
ثم تصدى لهم الإمام سلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام فقال في ملحة الاعتقاد :
(( والحشويّة المشبهِة الذين يشبِّهون الله بخلقه ضربان أحدهما لا يتحاشى من إظهار الحشو (ويَحسبَونَ أنَّهم على شيءٍ ألا إنهم همُ الكاذِبون) والآخَرُ يتستّر بمذهب السلف لسُحتٍ يأكله أو حطامٍ يأخذه:
( أظهروا للناسِ نُسكا % وعلى المنقوشِ دارُوا )
(يُريدونَ أنْ يأمَنوكُم ويَأمَنوا قَومَهُم) ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه .. )) اهـ من ملحة الاعتقاد .
وتكلم عنهم الإمام المجتهد شيخ الإسلام بدر الدين بن جَمَاعة الكِناني الشافعي في كتابه ( إيضاح الدليل ) ط1/دار السلام ص93 فقال :
(( ومن انتحل قول السلف ، وقال بتشبيه ، أو تكييف ، أو حَمْلِ اللفظ على ظاهره مما يتعالى الله عنه من صفات المحدثين ، فهو كاذب في انتحاله ، بريء من قول السلف واعتداله .. )) اهـ .
وقد تكلم عنهم الإمام تاج الدين السبكي مستعملا لفظ المجسمة بكلام غاية في المتانة والدقة وكأنه يلاحظ حال الحشوية اليوم في طعنهم بأهل السنة فقال في طبقاته ما نصه 1/192 :
(( .. وفي المبتدعة لا سيما المجسمة زيادة لا توجد في غيرهم ، وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم ، والشهادة على من يخالفهم في العقيدة بما يسوءه في نفسه وماله بالكذب تأييدا لاعتقادهم ، ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته في النيل منهم ، فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم ... وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا هذا ، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة لا سيما القائم عليهم ، بكل ما يسوءه في نفسه وماله .
وبلغني أن كبيرهم استفتي في شافعي : أيشهد عليه بالكذب ؟؟
فقال : ألست تعتقد أن دمه حلال ؟؟ قال : نعم ، قال : فما دون ذلك دون دمه فاشهد وادفع فساده عن المسلمين !!!
فهذه عقيدتهم ، ويرون أنهم المسلمون وأنهم أهل السنة ، ولو عُدوا عددا لما بلغ علماؤهم ولا عالم فيهم على الحقيقة مبلغا يعتبر ، ويكفرون غالب علماء الأمة ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه !!! وهو منهم بريء ، ولكنه كما قال بعض العارفين ، ورأيته بخط تقي الدين بن الصلاح : إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما ، وهما بريئان منهم : أحمد بن حنبل ابتلي بالمجسمة ، وجعفر الصادق ابتلي بالرافضة .... وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا إلى أن كتب ( شرح صحيح مسلم ) للشيخ محي الدين النووي ، وحذف من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات ، فإن النووي أشعري العقيدة ، فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفه ، وهذا عندي من كبائر الذنوب ، فإنه تحريف للشريعة ، وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات ، فقبح الله فاعله وأخزاه ، وقد كان في غنية عن كتابة هذا الشرح ، وكان الشرح في غنية عنه .. )) اهـ . كلام الإمام السبكي مختصرا .
فانظر كيف وصفهم قبل 700 سنة وكأنه يرى حال مجسمة اليوم رحمه الله تعالى ، وهكذا كلما ظهروا ونشروا التشبيه والتجسيم قام عليهم الأئمة والعلماء فأجحروهم وبينوا لناس أمرهم وكشفوا عن حقيقة عقائدهم وسمهوهم باسمهم الحقيقي وهو المجسمة والحشوية المشبهة ، هذا وكما رد عليهم الأئمة في سالف الزمان وفي كل آن كما قدمنا فكذلك سار العلماء القريبون من عصرنا وعلى رؤوسهم علماء الزهر الشريف ، وهذه إحدى فتاوى علماء الأزهر الشريف تفضح عقائد الحشوية المشبهة وتبين أساليبهم وادعائهم أنهم سلفية !! وهذه كانت دعواهم قديما كما قال الإمام سلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام ، فإليكم هذه الفتيا :
قال الإمام العلامة المحدث المجدد أبو محمد محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكي الأزهري مؤسس الجمعية الشرعية بمصر وصاحب ( المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ) المتوفى سنة 1352هـ رحمه الله تعالى قال في كتابه [ إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات .. ] ص2 :
الحمد لله رب العالمين ، المنـزه عن صفات المخلوقين ، كالجهة والجسمية والمكان والفوقية ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الذي جاء بمحو الشرك والإلحاد وأمرنا بتنزيه الله تعالى عن صفات العباد ، والمنـزل عليه ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ) وقوله : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
( أما بعد ) فيقول : محمود بن محمد بن أحمد خطاب السبكي : قد سألني بعض الراغـبـيـن في معرفة عقائد الدين ، والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه :
( نص سؤال السائل ) :
ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة !! وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص !! ويقول : ذلك هو عقيدة السلف !! ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد ويقول لهم من لم يعتقد ذلك يكون كافرا !! مستدلا بقوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وقوله عز وجل : ( ءأمنتم من في السماء ) أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل ؟؟؟ وعلى كونه باطلا أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه ؟؟؟ وإن مات على هذه الحال قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ؟؟؟ وهل مَنْ صَدّقَه في ذلك الاعتقاد يكون كافرا مثله ؟؟ وما قولكم فيما يقوله بعض الناس من أن القول بنفي الجهات الست عن الله تعالى باطل لأنه يلزم عليه نفي وجود الله تعالى ؟؟؟ أفيدونا مأجورين مع بيان مذهب السلف والخلف في هاتين الآيتين ونحوهما من الآيات المتشابهات كـ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وأحاديث الصفات كحديث ( ينـزل ربنا إلى السماء الدنيا ) وحديث البجارية بيانا شافيا مع ذكر أقوال علماء التفسير والحديث والفقه والتوحيد مع الإيضاح الكامل لتنقطع ألسنة المجازفين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه ويعتقدون أن ما ذهب إليه علماء الخلف من التأويل كفر زاعمين أنه مذهب الجـهـمـيـة الكفرة ، وأشاعوا ذلك بين العوام !! جزاكم الله تعالى عن الدين وأهله أحسن الجزاء .
( نص جواب الإمام أبي محمد محمود خطاب السبكي رحمه الله ) :
فأجبت بعون الله تعالى فقلت :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الهادي إلى الصواب ، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب ، وعلى آله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد ، أما بعد ،
فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين ، والدليل العقلي على ذلك : قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث ، والنقلي قال تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش أوالكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك ، وتبين منه زوجه وعليه أن يتوب فورا ، وإذا مات على هذا الاعتقاد ـ والعياذ بالله تعالى ـ لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر وقوله لهم من لم يعتقد ذلك يكون كافرا !! فهو كفر وبهتان عظيم ، واستدلاله على زعمه الباطل بهاتين الآيتين ونحوهما أن الله عز وجل يحل في عرشه أو يجلس عليه أو يحل في سماء أو نحو ذلك مما تزعمه تلك الشرذمة ، مع أن كلام الله غير مخلوق وهو من صفات الله تعالى القديمة الموجودة قبل وجود العرش والسماوات ، فالله تعالى موصوف بأنه استوى على العرش قبل وجود العرش ، وهل كان جالسا ـ على زعمهم ـ على العرش المعدوم قبل وجوده ؟؟!! وهل جل جلاله في السماء قبل خلق السماء ؟؟!! هذا مما لا يتوهمه عاقل ، وهل العقل يصدق بحلول القديم في شيء من الحوادث ؟؟!! فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الجملة فهذا القائل المجازف وأمثاله قد ادعوا ما لا يقبل الثبوت لا عقلا ولا نقلا ، وقد كفروا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، والطامة الكبرى التي نـزلت بهؤلاء دعواهم أنهم ( سلفيون ) !!!!! ، وهم عن سبيل الحق زائغون ، وعلى خيار المسلمين يعيبون ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وأما مذهب السلف والخلف بالنسبة للآيات والأحاديث المتشابهة فقد اتفق الكل على أن الله تعالى منـزه عن صفات الحوادث ، فليس له عز وجل مكان في العرش ولا في السماء ولا في غيرهما ، ولا يتصف بالحلول في شيء من الحوادث ، ولا بالاتصال بشيء منها ، ولا بالتحول والانتقال ونحوهما من صفات الحوادث ، بل هو سبحانه وتعالى على ما كان عليه قبل خلق العرش والكرسي والسماوات وغيرها من الحوادث ، ( قال الحافظ في الفتح ) :
(( اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير )) اهـ .
وإنما اختلفوا في بيان المعنى المراد من هذه الآيات والأحاديث ، فالسلف رضي الله عنهم يؤمنون بها كما وردت معتقدين أنها مصروفة عن ظاهرها لقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ويفوضون علم المراد منها إلى الله تعالى لقوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) فيقولون في آية ( الرحمن على العرش استوى ) استوى استواء يليق به لا يعلمه إلا هو عز وجل ، وفي آية ( ءأمنتم من في السماء ) نؤمن بها على المعنى الذي أراده سبحانه وتعالى مع كمال التنـزيه عن صفات الحوادث والحلول ويقولون في آية ( يد الله فوق أيديهم ) له يد لا كأيدينا ولا يعلمها إلا هو تعالى ، وهكذا في سائر الآيات المتشابهة ، قال الإمام الجليل السلفي ابن كثير في الجزء الثالث من تفسيره صفحة 488 ما نصه :
(( وأما قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها ، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى ، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال : من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه ، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى )) اهـ .
ونحوه في سائر تفاسير الأئمة المحققين ، ويقولون في حديث ( ينـزول ربنا إلى سماء الدنيا ) ينـزل نزولا يليق به لا يعلمه إلا هو تعالى ، وأما حديث الجارية وهو ما أخرجه مسلم وأبو داود في باب نسخ الكلام في الصلاة من طريق معاوية بن الحكم ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية : ( أين الله ؟ ) قالت : ( في السماء ) قال : ( من أنا ؟ ) قالت : ( أنت رسول الله ) قال أعتقها فإنها مؤمنة ، فيقولون فيه ما قالوه في آية ( ءأمنتم من في السماء ) وهكذا سائر أحاديث الصفات المتشابهة ، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ) قالوا الوقف هنا تام ، وأما الراسخون في العلم إلخ فكلام مستأنف لبيان أن أكابر ذوي العلم مصدقون بثبوت المتشابه في القرآن .
وأما الخلف رحمهم الله تعالى فيقولون في هذه الآيات والأحاديث هي معروفة المعنى ، فمعنى ( الرحمن على العرش استوى ) استولى بالقهر والتصرف ، ومعنى ( ءأمنتم من في السماء ) من في السماء عذابه أو سلطانه ومصدر أمره ، أو هو كناية عن تعظيم الله تعالى بوصفه بالعلو والعظمة ، وتنـزيهه عن السفل والتحت لا أنه سبحانه وتعالى حال فيها !! لأن الحلول من صفات الأجسام وأمارات الحدوث والله منـزه عن ذلك ، ومعنى ( ينـزل ربنا إلى سماء الدنيا ) ينـزل رسوله أو رحمته ، وأما إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجارية على إشارتها نحو السماء فاكتفاء منها بما يدل على عدم شركها لتعتق ، لأنه بإشارتها إلى السماء علم أنها ليست ممن يعبد الأصنام التي في الأرض ، وهكذا في سائر الآيات والأحاديث بناء منهم على كون الوقف في الآية الشريفة على قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) مستدلين على ذلك بكون القرآن عربيا ، ولغة العرب ناطقة بتلك المعاني ، والفضل الزائد للسلف .
فمن نسب إلى علماء السلف أو الخلف شيئا خلاف ذلك فهو ضال مضل ، ومن قال إن مذهب علماء الخلف هو مذهب الجـهـمـيـة فهو مفتر كذاب ، فإن الة أتباع جـهـم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال ، وأنكر الاستطاعات كلها ، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان ، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط ، وأن الكفر هو الجهل به فقط ، وقال لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى ، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز ، كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به ، وزعم أيضا أن علم الله تعالى حادث ، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء حي أوعالم أو مريد ، وقال لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء موجود وحي وعالم ومريد ونحو ذلك ، ووصفه بأنه قادر وموجد وفاعل وخالق ومحيي ومميت ، لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده ، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية ، ولم يسم الله تعالى متكلما به ، وأكفره أصحابنا في جميع ضلالاته وأكفرته القدرية في قوله بأن الله تعالى خالق أفعال العباد ، فاتفق أصناف الأمة على تكفيره انتهى من ( الفرق بين الفرق ) للإمام أبي منصور عبدالقاهر بن طاهر البغدادي صفحة تسع وتسعين ومائة ، ومنه تعلم أن علماء الخلف برآء من هذا المذهب ومن أهله .
وأما ما قيل من أنه يلزم من نفي الجهات الست عن الله نفي وجوده !! فهو قول باطل بالبداهة لما هو معلوم من أن الله عز وجل كان موجودا قبل وجود الجهات الست المذكورة ، وهي فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشمال ، بل كان موجودا قبل وجود العالم كله بإجماع السابقين واللاحقين ، فكيف يتوهم من عنده أدنى شائبة عقل أنه يلزم من نفي تلك الجهات عنه سبحانه وتعالى نفي وجوده جل وعلا ؟؟!! وكيف يتصور أن الله عز وجل القديم يتوقف وجوده على وجود بعض الحوادث أو كل الحوادث التي خلقها ؟؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم ، كيف وقد قال جمع من السلف والخلف إن من اعتقد أن الله في جهة فهو كافر كما صرح به العراقي ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الأشعري والباقلاني ، ذكره العلامة ملا علي قاري في ( شرح المشكاة ) من الجزء الثاني صفحة 137 ، قال الله تعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وقال تعالى : ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى الطريق المستقيم ويحول بيننا وبين نزعات الشيطان الرجيم ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى من كان بهديه من العاملين .
هذا وقد عرضت هذه الإجابة على جمع من أفاضل علماء الأزهر فأقروها وكتبوا عليها أسماءهم وهم أصحاب الفضيلة :
الشيخ محمد النجدي شيخ السادة الشافعية ، والشيخ محمد سبيع الذهبي شيخ السادة الحنابلة ، والشيخ محمد العزبي رزق المدرس بالقسم العالي ، والشيخ عبدالحميد عمار المدرس بالقسم العالي ، والشيخ علي النحراوي المدرس بالقسم العالي ، والشيخ دسوقي عبدالله العربي من هيئة كبار العلماء ، والشيخ علي محفوظ المدرس بقسم التخصص بالأزهر ، والشيخ إبراهيم عيارة الدلجموني المدرس بقسم التخصص بالأزهر ، والشيخ محمد عليان من كبار علماء الأزهر ، والشيخ أحمد مكي المدرس بقسم التخصص بالأزهر ، والشيخ محمد حسين حمدان .
انتهت الفتوى .
إطلالة على مصطلح حشوية
بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن تيمية كما في ( المنتقى من منهاج السنة ) ط1418هـ أوقاف المملكة ص122
(( والكتاب والسنة ليس فيهما ، لفظة ( ناصبة ) ولا ( مشبهة ) ولا ( حشوية ) بل ولا فيهما لفظ ( رافضي ) فنحن إذا قلنا ( رافضة ) نذكره للتعريف ، لدخول أنواع مذمومة بالنص فيه ، فيبقى علما على هؤلاء الجهلة الذين عدموا الصدق والتوفيق )) اهـ .
فإذا علمت هذا بان لك أن كل هذه الألفاظ ليست في الكتاب ولا السنة فكيف جاز إطلاقها ؟؟ نعم لا مشاحة في الاصطلاح وهذا ما عناه ابن تيمية .
فإن قلت : ( الحشوية ) أطلقته المعتزلة أولا .
فالجواب من وجوه :
أولا : كلمة ( الرافضة ) أول من أطلقها الزيدية أيضا وهم يرون الخروج أولا ، ثم هم على رأي واصل بن عطاء ثانيا ، فلو لم يجز إطلاق حشوية لأن أول من نطق بها المعتزلة وهم مبتدعة ، لما جاز إطلاق رافضة لأن أول من أطلقها الزيدية ، فالجواب على هذا هو جوابنا على ذاك .
ثانيا : القول بأن أول من أطلق حشوية هم المعتزلة ، مبناه على ما نقل من قول عمرو بن عبيد عن عبدالله بن عمر بأنه حشوي كما نقله ابن تيمية مقلدا لغيره وقد عبر في منهاج السنة2/520 بلفظ : (( وقد قيل : إن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد ... )) وقيل صيغة تمريض تفيد الضعف ، ولا يروى عن عمرو بن عبيد بإسناد صحيح . !!
ثالثا : لا نسلم بأن عمرو بن عبيد أول من أطلقها لما نقل من إطلاق أهل السنة إياها في مجلس الحسن البصري ، ففي شرح المنهاج للإمام الإسنوي 1/309 :
(( فائدة : اختلف في الحشوية ، فقيل بإسكان الشين ، لأن منهم المجسمة ، والجسم محشو ، والمشهور أنه بفتحها ، نسبة إلى الحشا ، لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فوجد كلامهم رديئا فقال ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ، أي جانبها ، والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانب البطن )) اهـ .
فإن قلت : هذا نقل بلا سند ، قلنا : وذاك نقل بلا سند ، لكن هذا مشهور بصيغة الجزم ، وذاك غير مشهور بصيغة التمريض ، فأنت بين ثلاثة أمور ، إما الجمع بينهما ، أو الترجيح ، أو إسقاطهما والتوقف ، أما الجمع فنقول عمرو بن عبيد كان أحد المعتزلين لحلقة الحسن البصري وأحد من لقبهم الناس من أهل السنة بالحشوية لرداءة كلامهم ، فقال عمرو بن عبيد عن ابن عمر بأنه حشوي ، يقصد إن كان ما نقول في القدر ونحوه حشو فعبدالله بن عمر حشوي ، وهذا لسوء فهمه وضعف عقله ، فيكون المعتزلة قابلوا بها أهل السنة بعد أن أطلقها عليهم أهل السنة ، كما فعل القدرية لما سماهم أهل السنة بذلك فقالوا لأهل السنة بل أنتم القدرية لأنكم تقولون بالقدر .
وأما الترجيح وهو بالقرائن أو بالشواهد ، فليس عندك ما يرجح قولك على قولنا ، فلا يكون قولك أولى من قولنا ، ونحن عندنا لأنا مثبتون لقولها من الأقدم وأنتم نافون ، والمثبت مقدم على النافي ، ولأن قولنا هو المشهور كما قال الإسنوي ، وقولكم غير مشهور ، ولأن أهل السنة أطلقوه على المبتدعة وهذا كله مرجح لقولنا دون قولكم .
وأما التوقف في النقلين بإسقاطهما ، ثم النظر في غيرهما ، فقد وجدنا نحن من أطلقها من أهل السنة من أئمة أهل الحديث ، فقد روى الحاكم في ( علوم الحديث ) ص137 في باب ( معرفة مذاهب المحدثين ) وقد ذكر الجـهـمـيـة والقدرية والشيعة والإرجاء .. ثم قال :
أخبرني أبو علي الحافظ قال أخبرني علي بن مسلم الإصبهاني قال حدثنا عقيل بن يحيى الإصبهاني قال سمعت أبا داود يقول : (( كان جرير بن حازم إذا قدم قال شعبة : قد جاءكم هذا الحشوي )) اهـ .
وهذا إسناد صحيح متصل ورجاله كلهم ثقات ، وقد روى هذا عبدالله بن أحمد في العلل والعقيلي في الضعفاء في ترجمة جرير ، وسنده كالشمس .
فهذا شعبة إمام من أئمة أهل السنة أطلق هذا على جرير بن حازم .
ثانيا :
إذا تقرر هذا فالنظر فيمن تطلق عليه هذه الكلمة ، فقد تطلق بحق كما يطلقها أهل السنة على بعض جهلة أهل الحديث ، وقد تطلق بباطل كما يطلقها المعتزلة على جميع أهل السنة لا سيما الأشاعرة لفرط العداوة بينهم وبين المعتزلة ، يقول ابن تيمية في المجموع 4/ 23 :
(( فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهم بقلة المعرفة أو بقلة الفهم ، أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة .. وأما الثاني فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة ، بل قد يقولون القولين المتناقضين ... ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ... ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونم ، ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا ، وقد يكون منكرا من القول وزورا ، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات ، فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ، وقد رأيت من هذا العجائب ... )) اهـ كلام ابن تيمية .
فإذا تقرر هذا علمت أن إطلاق هذا اللقب على من يستحقه لا غضاضة فيه كما لا غضاضة في إطلاق لفظ الرافضة على من طعن في الصحب الكرام ..وقد جرى على هذا أئمة الزمان في كل آن..
قال ابن قتيبة في كتاب ( الاختلاف في اللفظ ) ط1/العلمية ص40 : (( ولمّا رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء [ يعني الجهمية ] في النفي ، عارضوهم في التمثيل ، فقالوا بالتشبيه المحض ! ، والأقطار ! والحدود ! ، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث كما ظاهرها !! ، وقالوا بالكيفية فيها ، وحملوا من مستشنع الحديث : ( عَرَق الخيل ) ! ، و( حديث عرفات ) ! ، وأشباه هذا من الموضوع ..)) اهـ ، وانظر ( مع ابن قتيبة في العقيدة الإسلامية ) ط الشركة العالمية ص122 .
وقد لقي الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي جماعة من الحشوية في رحلته فقال عنهم في ( العواصم من القواصم ) ص210 :
(( وكان رأس هذه الطائفة بالشام أبو الفرج الحنبلي بدمشق ، وابن الرميلي المحدث ببيت المقدس ، والقطرواني بنواحي نابلس ، والفاخوري بديار مصر ، ولحقت منهم ببغداد أبا الحسين بن أبي يعلى الفراء ، وكل منهم ذو أتباع من العوام ، جمعا غفيرا ، عصبة عصية عن الحق ، وعصبية على الخلق ، ولو كانت لهم أفهام ، ورزقوا معرفة بدين الإسلام ، لكان لهم من أنفسهم وازع ، لظهور التهافت على مقالاتهم ، وعموم البطلان لكلماتهم ، ولكن الفدامة استولت عليهم ، فليس لهم قلوب يعقلون بها ، ولا أعين يبصرون بها ، ولا آذان يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل .. )) اهـ .
ويقول إمام أهل الحديث سيد الحفاظ الإمام الكبير أبو القاسم بن عساكر في ( تبيين كذب المفتري ) ص369 عن الأهوازي وكان من كبار أهل الحشو ما صورته :
(( فأغص الله الأهوازي بريقه وفض فاه ، فإنه كان في اعتقاده سالميا مشبها مجشما حشويا ، ومن وقف على كتابه الذي سماه كتاب ( البيان في شرح عقود أهل الإيمان ) الذي صنفه في أحاديث الصفات ، واطلع على ما فيه من الآفات ، ورأى ما فيه من الأحاديث الموضوعة ، والروايات المستنكرة المدفوعة ، والأخبار الواهية الضعيفة ، والمعاني المتنافية السخيفة ، كحديث ركوب الجمل !! وعرق الخيل !! قضى عليه في اعتقاده بالويل ، وبعض هذا الكتاب موجود بدمشق بخط يده ، فمن أراد الوقوف عليه فليقف ليتحقق سوء معتقده .. )) اهـ كلام الحافظ .
وهذا الإمام الهمام ابن الجوزي رحمه الله يرد عليهم ويرميهم بالتشبيه والتجسيم فيقول في كتابه ( دفع شُبَهِ التشبيه .. ) ط الكليات الأزهرية ص8 ردًّا على المشبهة :
(( وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات .. ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحَدَث ، ولم يَقْنَعُوا بأن قالوا : ( صفة فعل ) حتى قالوا : ( صفة ذات ) ، ثم لما أثبتوا أنها صفات ، قالوا : ( لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل ( يد ) على معنى نعمة وقدرة ، ولا ( مجيء وإتيان ) على معنى بِرٍّ ولطف ، ولا ( ساق ) على شدة ) ، بل قالوا : ( نحملها على ظواهرها المتعارفة ) !! ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين .. ثم يتحرجون من التشبيه ، ويَأْنَفُون من إضافته إليهم ، ويقولون : ( نحن أهل السنة ) !! ، وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام ، وقد نصحت التابع والمتبوع ، فقلت لهم : يا أصحابنا ، أنتم أصحاب نقل واتباع ، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل رحمه الله يقول وهو تحت السياط : ( كيف أقول ما لم يُقَل ؟ ) ، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، ثم قلتم في الأحاديث : ( تُحْمَل على ظاهرها ) !! ، وظاهر القدم الجارحة ، فإنه لما قيل في عيسى عليه الصلاة والسلام : ( روح الله ) ، اعتقدت النصارى لعنهم الله تعالى أن لله سبحانه وتعالى صفةً هي روح وَلَجَت في مريم !! ، ومن قال : ( استوى بذاته المقدسة ) فقد أجراه سبحانه مجرى الحِسِّيَّات !! ، وينبغي أن لا يُهْمَل ما ثبت به الأصل ، وهو العقل ، فإنا به عرفنا الله تعالى ، وحكمنا له بالقِدَم ، فلو أنكم قلتم : ( نقرأ الأحاديث ونسكت ) ، لما أنكر أحد عليكم ، وإنما حَمْلُكُم إياها على الظاهر قبيح )) اهـ كلام ابن الجوزي ، وكان سيفا مسلولا على أهل البدع رحمه الله تعالى .
ثم تصدى لهم الإمام سلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام فقال في ملحة الاعتقاد :
(( والحشويّة المشبهِة الذين يشبِّهون الله بخلقه ضربان أحدهما لا يتحاشى من إظهار الحشو (ويَحسبَونَ أنَّهم على شيءٍ ألا إنهم همُ الكاذِبون) والآخَرُ يتستّر بمذهب السلف لسُحتٍ يأكله أو حطامٍ يأخذه:
( أظهروا للناسِ نُسكا % وعلى المنقوشِ دارُوا )
(يُريدونَ أنْ يأمَنوكُم ويَأمَنوا قَومَهُم) ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه .. )) اهـ من ملحة الاعتقاد .
وتكلم عنهم الإمام المجتهد شيخ الإسلام بدر الدين بن جَمَاعة الكِناني الشافعي في كتابه ( إيضاح الدليل ) ط1/دار السلام ص93 فقال :
(( ومن انتحل قول السلف ، وقال بتشبيه ، أو تكييف ، أو حَمْلِ اللفظ على ظاهره مما يتعالى الله عنه من صفات المحدثين ، فهو كاذب في انتحاله ، بريء من قول السلف واعتداله .. )) اهـ .
وقد تكلم عنهم الإمام تاج الدين السبكي مستعملا لفظ المجسمة بكلام غاية في المتانة والدقة وكأنه يلاحظ حال الحشوية اليوم في طعنهم بأهل السنة فقال في طبقاته ما نصه 1/192 :
(( .. وفي المبتدعة لا سيما المجسمة زيادة لا توجد في غيرهم ، وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم ، والشهادة على من يخالفهم في العقيدة بما يسوءه في نفسه وماله بالكذب تأييدا لاعتقادهم ، ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته في النيل منهم ، فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم ... وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا هذا ، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة لا سيما القائم عليهم ، بكل ما يسوءه في نفسه وماله .
وبلغني أن كبيرهم استفتي في شافعي : أيشهد عليه بالكذب ؟؟
فقال : ألست تعتقد أن دمه حلال ؟؟ قال : نعم ، قال : فما دون ذلك دون دمه فاشهد وادفع فساده عن المسلمين !!!
فهذه عقيدتهم ، ويرون أنهم المسلمون وأنهم أهل السنة ، ولو عُدوا عددا لما بلغ علماؤهم ولا عالم فيهم على الحقيقة مبلغا يعتبر ، ويكفرون غالب علماء الأمة ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه !!! وهو منهم بريء ، ولكنه كما قال بعض العارفين ، ورأيته بخط تقي الدين بن الصلاح : إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما ، وهما بريئان منهم : أحمد بن حنبل ابتلي بالمجسمة ، وجعفر الصادق ابتلي بالرافضة .... وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا إلى أن كتب ( شرح صحيح مسلم ) للشيخ محي الدين النووي ، وحذف من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات ، فإن النووي أشعري العقيدة ، فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفه ، وهذا عندي من كبائر الذنوب ، فإنه تحريف للشريعة ، وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات ، فقبح الله فاعله وأخزاه ، وقد كان في غنية عن كتابة هذا الشرح ، وكان الشرح في غنية عنه .. )) اهـ . كلام الإمام السبكي مختصرا .
فانظر كيف وصفهم قبل 700 سنة وكأنه يرى حال مجسمة اليوم رحمه الله تعالى ، وهكذا كلما ظهروا ونشروا التشبيه والتجسيم قام عليهم الأئمة والعلماء فأجحروهم وبينوا لناس أمرهم وكشفوا عن حقيقة عقائدهم وسمهوهم باسمهم الحقيقي وهو المجسمة والحشوية المشبهة ، هذا وكما رد عليهم الأئمة في سالف الزمان وفي كل آن كما قدمنا فكذلك سار العلماء القريبون من عصرنا وعلى رؤوسهم علماء الزهر الشريف ، وهذه إحدى فتاوى علماء الأزهر الشريف تفضح عقائد الحشوية المشبهة وتبين أساليبهم وادعائهم أنهم سلفية !! وهذه كانت دعواهم قديما كما قال الإمام سلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام ، فإليكم هذه الفتيا :
قال الإمام العلامة المحدث المجدد أبو محمد محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكي الأزهري مؤسس الجمعية الشرعية بمصر وصاحب ( المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ) المتوفى سنة 1352هـ رحمه الله تعالى قال في كتابه [ إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات .. ] ص2 :
الحمد لله رب العالمين ، المنـزه عن صفات المخلوقين ، كالجهة والجسمية والمكان والفوقية ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الذي جاء بمحو الشرك والإلحاد وأمرنا بتنزيه الله تعالى عن صفات العباد ، والمنـزل عليه ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ) وقوله : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
( أما بعد ) فيقول : محمود بن محمد بن أحمد خطاب السبكي : قد سألني بعض الراغـبـيـن في معرفة عقائد الدين ، والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه :
( نص سؤال السائل ) :
ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة !! وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص !! ويقول : ذلك هو عقيدة السلف !! ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد ويقول لهم من لم يعتقد ذلك يكون كافرا !! مستدلا بقوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وقوله عز وجل : ( ءأمنتم من في السماء ) أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل ؟؟؟ وعلى كونه باطلا أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه ؟؟؟ وإن مات على هذه الحال قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ؟؟؟ وهل مَنْ صَدّقَه في ذلك الاعتقاد يكون كافرا مثله ؟؟ وما قولكم فيما يقوله بعض الناس من أن القول بنفي الجهات الست عن الله تعالى باطل لأنه يلزم عليه نفي وجود الله تعالى ؟؟؟ أفيدونا مأجورين مع بيان مذهب السلف والخلف في هاتين الآيتين ونحوهما من الآيات المتشابهات كـ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وأحاديث الصفات كحديث ( ينـزل ربنا إلى السماء الدنيا ) وحديث البجارية بيانا شافيا مع ذكر أقوال علماء التفسير والحديث والفقه والتوحيد مع الإيضاح الكامل لتنقطع ألسنة المجازفين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه ويعتقدون أن ما ذهب إليه علماء الخلف من التأويل كفر زاعمين أنه مذهب الجـهـمـيـة الكفرة ، وأشاعوا ذلك بين العوام !! جزاكم الله تعالى عن الدين وأهله أحسن الجزاء .
( نص جواب الإمام أبي محمد محمود خطاب السبكي رحمه الله ) :
فأجبت بعون الله تعالى فقلت :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الهادي إلى الصواب ، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب ، وعلى آله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد ، أما بعد ،
فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين ، والدليل العقلي على ذلك : قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث ، والنقلي قال تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش أوالكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك ، وتبين منه زوجه وعليه أن يتوب فورا ، وإذا مات على هذا الاعتقاد ـ والعياذ بالله تعالى ـ لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر وقوله لهم من لم يعتقد ذلك يكون كافرا !! فهو كفر وبهتان عظيم ، واستدلاله على زعمه الباطل بهاتين الآيتين ونحوهما أن الله عز وجل يحل في عرشه أو يجلس عليه أو يحل في سماء أو نحو ذلك مما تزعمه تلك الشرذمة ، مع أن كلام الله غير مخلوق وهو من صفات الله تعالى القديمة الموجودة قبل وجود العرش والسماوات ، فالله تعالى موصوف بأنه استوى على العرش قبل وجود العرش ، وهل كان جالسا ـ على زعمهم ـ على العرش المعدوم قبل وجوده ؟؟!! وهل جل جلاله في السماء قبل خلق السماء ؟؟!! هذا مما لا يتوهمه عاقل ، وهل العقل يصدق بحلول القديم في شيء من الحوادث ؟؟!! فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الجملة فهذا القائل المجازف وأمثاله قد ادعوا ما لا يقبل الثبوت لا عقلا ولا نقلا ، وقد كفروا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، والطامة الكبرى التي نـزلت بهؤلاء دعواهم أنهم ( سلفيون ) !!!!! ، وهم عن سبيل الحق زائغون ، وعلى خيار المسلمين يعيبون ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وأما مذهب السلف والخلف بالنسبة للآيات والأحاديث المتشابهة فقد اتفق الكل على أن الله تعالى منـزه عن صفات الحوادث ، فليس له عز وجل مكان في العرش ولا في السماء ولا في غيرهما ، ولا يتصف بالحلول في شيء من الحوادث ، ولا بالاتصال بشيء منها ، ولا بالتحول والانتقال ونحوهما من صفات الحوادث ، بل هو سبحانه وتعالى على ما كان عليه قبل خلق العرش والكرسي والسماوات وغيرها من الحوادث ، ( قال الحافظ في الفتح ) :
(( اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير )) اهـ .
وإنما اختلفوا في بيان المعنى المراد من هذه الآيات والأحاديث ، فالسلف رضي الله عنهم يؤمنون بها كما وردت معتقدين أنها مصروفة عن ظاهرها لقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ويفوضون علم المراد منها إلى الله تعالى لقوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) فيقولون في آية ( الرحمن على العرش استوى ) استوى استواء يليق به لا يعلمه إلا هو عز وجل ، وفي آية ( ءأمنتم من في السماء ) نؤمن بها على المعنى الذي أراده سبحانه وتعالى مع كمال التنـزيه عن صفات الحوادث والحلول ويقولون في آية ( يد الله فوق أيديهم ) له يد لا كأيدينا ولا يعلمها إلا هو تعالى ، وهكذا في سائر الآيات المتشابهة ، قال الإمام الجليل السلفي ابن كثير في الجزء الثالث من تفسيره صفحة 488 ما نصه :
(( وأما قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها ، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى ، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال : من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه ، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى )) اهـ .
ونحوه في سائر تفاسير الأئمة المحققين ، ويقولون في حديث ( ينـزول ربنا إلى سماء الدنيا ) ينـزل نزولا يليق به لا يعلمه إلا هو تعالى ، وأما حديث الجارية وهو ما أخرجه مسلم وأبو داود في باب نسخ الكلام في الصلاة من طريق معاوية بن الحكم ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية : ( أين الله ؟ ) قالت : ( في السماء ) قال : ( من أنا ؟ ) قالت : ( أنت رسول الله ) قال أعتقها فإنها مؤمنة ، فيقولون فيه ما قالوه في آية ( ءأمنتم من في السماء ) وهكذا سائر أحاديث الصفات المتشابهة ، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ) قالوا الوقف هنا تام ، وأما الراسخون في العلم إلخ فكلام مستأنف لبيان أن أكابر ذوي العلم مصدقون بثبوت المتشابه في القرآن .
وأما الخلف رحمهم الله تعالى فيقولون في هذه الآيات والأحاديث هي معروفة المعنى ، فمعنى ( الرحمن على العرش استوى ) استولى بالقهر والتصرف ، ومعنى ( ءأمنتم من في السماء ) من في السماء عذابه أو سلطانه ومصدر أمره ، أو هو كناية عن تعظيم الله تعالى بوصفه بالعلو والعظمة ، وتنـزيهه عن السفل والتحت لا أنه سبحانه وتعالى حال فيها !! لأن الحلول من صفات الأجسام وأمارات الحدوث والله منـزه عن ذلك ، ومعنى ( ينـزل ربنا إلى سماء الدنيا ) ينـزل رسوله أو رحمته ، وأما إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجارية على إشارتها نحو السماء فاكتفاء منها بما يدل على عدم شركها لتعتق ، لأنه بإشارتها إلى السماء علم أنها ليست ممن يعبد الأصنام التي في الأرض ، وهكذا في سائر الآيات والأحاديث بناء منهم على كون الوقف في الآية الشريفة على قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) مستدلين على ذلك بكون القرآن عربيا ، ولغة العرب ناطقة بتلك المعاني ، والفضل الزائد للسلف .
فمن نسب إلى علماء السلف أو الخلف شيئا خلاف ذلك فهو ضال مضل ، ومن قال إن مذهب علماء الخلف هو مذهب الجـهـمـيـة فهو مفتر كذاب ، فإن الة أتباع جـهـم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال ، وأنكر الاستطاعات كلها ، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان ، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط ، وأن الكفر هو الجهل به فقط ، وقال لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى ، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز ، كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به ، وزعم أيضا أن علم الله تعالى حادث ، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء حي أوعالم أو مريد ، وقال لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء موجود وحي وعالم ومريد ونحو ذلك ، ووصفه بأنه قادر وموجد وفاعل وخالق ومحيي ومميت ، لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده ، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية ، ولم يسم الله تعالى متكلما به ، وأكفره أصحابنا في جميع ضلالاته وأكفرته القدرية في قوله بأن الله تعالى خالق أفعال العباد ، فاتفق أصناف الأمة على تكفيره انتهى من ( الفرق بين الفرق ) للإمام أبي منصور عبدالقاهر بن طاهر البغدادي صفحة تسع وتسعين ومائة ، ومنه تعلم أن علماء الخلف برآء من هذا المذهب ومن أهله .
وأما ما قيل من أنه يلزم من نفي الجهات الست عن الله نفي وجوده !! فهو قول باطل بالبداهة لما هو معلوم من أن الله عز وجل كان موجودا قبل وجود الجهات الست المذكورة ، وهي فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشمال ، بل كان موجودا قبل وجود العالم كله بإجماع السابقين واللاحقين ، فكيف يتوهم من عنده أدنى شائبة عقل أنه يلزم من نفي تلك الجهات عنه سبحانه وتعالى نفي وجوده جل وعلا ؟؟!! وكيف يتصور أن الله عز وجل القديم يتوقف وجوده على وجود بعض الحوادث أو كل الحوادث التي خلقها ؟؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم ، كيف وقد قال جمع من السلف والخلف إن من اعتقد أن الله في جهة فهو كافر كما صرح به العراقي ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الأشعري والباقلاني ، ذكره العلامة ملا علي قاري في ( شرح المشكاة ) من الجزء الثاني صفحة 137 ، قال الله تعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وقال تعالى : ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى الطريق المستقيم ويحول بيننا وبين نزعات الشيطان الرجيم ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى من كان بهديه من العاملين .
هذا وقد عرضت هذه الإجابة على جمع من أفاضل علماء الأزهر فأقروها وكتبوا عليها أسماءهم وهم أصحاب الفضيلة :
الشيخ محمد النجدي شيخ السادة الشافعية ، والشيخ محمد سبيع الذهبي شيخ السادة الحنابلة ، والشيخ محمد العزبي رزق المدرس بالقسم العالي ، والشيخ عبدالحميد عمار المدرس بالقسم العالي ، والشيخ علي النحراوي المدرس بالقسم العالي ، والشيخ دسوقي عبدالله العربي من هيئة كبار العلماء ، والشيخ علي محفوظ المدرس بقسم التخصص بالأزهر ، والشيخ إبراهيم عيارة الدلجموني المدرس بقسم التخصص بالأزهر ، والشيخ محمد عليان من كبار علماء الأزهر ، والشيخ أحمد مكي المدرس بقسم التخصص بالأزهر ، والشيخ محمد حسين حمدان .
انتهت الفتوى .