المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الزلزال القادم


القبار
28/02/2005, 03:30 PM
زلزال حقيقي، او هكذا يبدو، يضرب الحياة السياسية المصرية المشهورة بركودها، بعد اعلان الرئيس حسني مبارك عزمه تعديل الدستور للسماح باجراء انتخابات رئاسية متعددة المرشحين بالاقتراع السري المباشر، لينفتح الباب علي مصراعيه امام تكهنات وسيناريوهات لمصير الرئاسة.
ويجمع مراقبون علي ان التصاعد المتوازي للضغوط الداخلية والامريكية خاصة، قد لعب دورا حاسما في تراجع مبارك المفاجئ، حتي للمعارضة، عن تحذيراته المتكررة من خطورة التلاعب في الدستور .
وظهرت علامات الضغط الامريكي خلال زيارة وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط لواشنطن قبل اسبوعين، والتي لم يستقبله خلالها الرئيس الامريكي جورج بوش، في بادرة غضب نادرة بتاريخ العلاقات الثنائية القوية تقليديا، ثم التصريحات القوية التي أدلت بها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في مؤتمر صحافي مشترك معه حول ضرورة ادخال اصلاحات سياسية في مصر.
ومع اعلان القاهرة رفضها التدخل الخارجي في موضوع الاصلاحات، قررت واشنطن الاسبوع الماضي الغاء اجتماع كان مقررا عقده في شرم الشيخ الاربعاء المقبل لوزراء خارجية دول الثماني، احتجاجا علي استمرار اعتقال المعارض المصري أيمن نور.
وكان من المقرر ان يبحث ذلك الاجتماع في تطبيق خطة الاصلاحات السياسية بالشرق الأوسط التي تبنتها قمة الثماني العام الماضي.
ويبدو ان قرار التاجيل وجه رسالة حازمة للقاهرة مفادها ان اعادة العلاقات لطبيعتها مع واشنطن اصبحت مرهونة باستجابته لمطالب بوش التي اعلنها، في خطاب حالة الاتحاد ثم كررها امام الاتحاد الاوروبي، بان تقود مصر المنطقة الي الديمقراطية كما قادتها الي السلام.
واعلنت وزارة الخارجية المصرية الاسبوع الماضي عن ان رايس ستزور مصر الاربعاء المقبل، الا ان وزارة الخارجية الامريكية ردت امس الاول باعلان تأجيل الزيارة، من طرف واحد، وحتي اشعار آخر، في تصعيد جديد للضغوط.
الا ان التصاعد غير المسبوق ايضا في الضغوط الشعبية الداخلية، وليس الحزبية، المتمثلة في المظاهرات، النادرة تقليديا، التي شهدتها القاهرة مؤخرا، قد ساهمت في اتخاذ القرار الذي فاجأ الاحزاب المصرية المعارضة غير المستعدة بمرشحين يستطيعون خوض انتخابات رئاسية في مواجهة مبارك المدعوم من اجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية.
وهكذا بات من المؤكد ان الرئيس المصري (76 عاما) سيكون المرشح الأقوي والأوفر حظا في الانتخابات المقبلة بغض النظر عن عدد المرشحين فيها. وعرض مبارك برنامجا انتخابيا من عشر نقاط في خطابه السبت في محافظة المنوفية، التي اختارها ليعلن منها قراره التاريخي بتعديل الدستور، التي تمثل قاعدته الشعبية الصلبة، وحيث يقع مسقط رأسه في قرية المصيلحة.
ويعتبر البعض ان تعديل الدستور قد يمثل ظهور ضوء في نهاية نفق مظلم من الحكم الشمولي طوله نصف قرن، امضي مبارك اكثر من نصفها نائبا للرئيس ثم رئيسا.
الا ان مصادر معارضة مصرية شددت علي ان حالة التفاؤل التي قوبل بها القرار لا تجد ما يبررها في الواقع، بسبب استمرار حالة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات التي يستحيل معها اجراء انتخابات نزيهة، الي جانب الضوابط التي اعلنها مبارك لتأهل المرشحين لدخول السباق الرئاسي، وتشترط حصول المرشح علي تزكية من مجلس الشعب او المجالس المحلية التي يسيطر عليها الحزب الحاكم. ما قد يعني عمليا ان مبارك سيختار منافسيه في الانتخابات. كما ان اشتراط الضوابط اجراء الانتخابات في يوم واحد يجعل الاشراف القضائي الكامل عليها غير ممكن من التاحية اللوجستية، ما يجعل التعديل الدستوري تغييرا شكليا يهدف لارضاء بوش .
وتشير المصادر الي ان تعديل الدستور يهدف اساسا لتخفيف الضغوط الامريكية بتوفير غطاء شرعي لتمكين مبارك من تمديد حكمه، الا انه قد يمهد كذلك لنقل الرئاسة الي نجله جمال بأسلوب اكثر ديمقراطية وأقل اثارة للجدل من توريثها عبر عملية الاستفتاء التي اصبحت محل سخرية من الشارع المصري. يذكر ان مبارك طلب من البرلمان ان يحذف كلمة الاستفتاء من الدستور، واستخدام كلمة الانتخاب بدلا منها.
القدس العربي ..

Ibadhiah
28/02/2005, 03:57 PM
حول العد التنازلي للنظامين المصري والسعودي: إصلاح الشرق الأوسط يبدأ بالتغيير حول ضفتي البحر الأحمر

خبر صغير ربما لم نلتفت إليه كثيرا، عن مؤتمر عقدته مؤسسة الفكر العربي في المغرب مطلع العام الحالي، الملفت للنظر في هذا المؤتمر كان حقيقةً، هو عنوانه، فقد عقد تحت عنوان ثقافة التغيير وتغيير الثقافة في العالم العربي ، وبغض النظر عما توصل إليه المشاركون في هذا المؤتمر، فإن الحديث الذي لا ينقطع عن التغيير في العالم العربي في السنوات الأخيرة، يدور في فلك عدة أزواج من الأسئلة: هل ينتظر العرب التغيير من الخارج، أم يبدأ التغيير من الداخل؟ هل يختص التغيير فقط بالنظم السياسية، أم يشمل تغيير الثقافة العربية ؟ أيهما يكون أولا: انتشار ثقافة التغيير، أم تغيير الثقافة السائدة؟ هل التغيير المأمول ذو نهج ٍ ديني، كما كان ديدن التغيير في المنطقة منذ فجر التاريخ، أم هو تغيير علماني يفرضه العصر فرضاً؟ هل هو شعبي جماهيري، أم نخبوي؟ كيف يبدأ، ومن أين؟ هل التغيير يأتي عن طريق عملية إصلاح ، أم عن طريق عملية هدم لما هو قائم؟ ومن هم المرشحون لبدء أيٍ من العمليتين؟ وهل التغيير في سبيله لأن يبدأ، أم أنه بدأ فعلاً؟ إلي آخر تلك الأزواج من التساؤلات، التي وإن أشارت إلي شيء ما، فهي تشير إلي لحظة (قلق حضاري) تعيشها المنطقة ككل، والقلق الحضاري يشمل ضمن عناصره ليس فقط السياسة ونظمها، بل يشمل كل أوجه الوجود الإنساني، الثقافة والمعرفة كماً ونوعاً، وحركة التفاعل مع الموجودات الأخري من حولنا، وامتداد الماضي إلي الحاضر وتداخلهما مع المستقبل، والرؤية التي نري بها أنفسنا ونواجه بها العالم، والقوي المادية والبشرية المتاحة، وغيرها من عناصر الوجود الإنساني. لكن.. ربما كان التساؤل الأكثر إلحاحا ـ في رأي البعض ـ هو: كيف وبأي تلك العناصر ومن (أين) يبدأ التغيير؟ أين هي تلك (الحلقة الأضعف) التي تنكسر عندها سلسلة الجمود المهيمن علي المنطقة العربية؟. صحيح أن هذه المنطقة ليست كلاً واحدا متماثل الأجزاء، لكن العناصر الأساسية التي تشكل وجودها هي بالفعل واحدة، أهمها الدين، والعقلية القبلية، والتخلف العلمي ومن ثم الاقتصادي، والتخلف الاجتماعي/القيمي/الثقافي كنتيجة للعناصر الأخري. وكلها مظاهر لمنظومة تخلف متكاملة! مظاهر لثقافة سائدة يجب أن تتغير، فأين هي (المراكز المشعة) لهذا التخلف في العالم العربي؟! أين هي تلك الحلقة الأضعف؟ التي إذا كسرت، نقول حينها ها هي قد هبت بالفعل.. رياح التغيير؟


المركز الأول: مملكة القهر والخوف

عندما أجريت انتخابات بلدية في المملكة السعودية مؤخراً، كان المشهد بكل عناصره مضحكاً! الأسلوب والتوقيت والدافع، وغير ذلك مما يتعلق (بأمرٍ كهذا) غريب عليهم وعلينا!، بدا الأمر وكأن العائلة المالكة في السعودية تبتلع دواءً مراً ينهرها طبيبها كي تتجرعه! فالمملكة السعودية ومنذ نشأتها.. قامت علي قمع الناس وسوقهم كالقطيع، لا علي استشارتهم في أمرهم! وهي دولة تتخذ (السيف) شعارا لها. السيف مرسوم وسط العَلم وعلي رأس الأوراق الرسمية، وعلي أغلفة الكتب المدرسية والدينية، وعلي بوابات مبانيها الوزارية وبنوكها ومختلف مؤسساتها، فإذا كان السيف هو (حسام) الأمر بين العائلة المالكة ورعاياها داخل المملكة، فإن ثلاثة أشياء أخري مكنت تلك المملكة من أن تكون أكبر مركز لإشعاع التخلف خارجها، الدعم الأمريكي للنظام القائم هناك، وأموال البترول المركزة في يد العائلة، والمكانة الدينية بوجود المقدسات الإسلامية علي أراضيها.
فالدعم الأمريكي بسكوته عمدا ولمصالحه الخاصة، عن هذا الانتهاك الصارخ للكرامة البشرية، والعداء المروع لقيم التحضر والتقدم الإنساني، ظل مساندا لذلك النظام الوحشي، وحتي بعد (غزوتي نيويورك وواشنطن) في الحادي عشر من سبتمبر، استمر ـ وإن مكشراً عن أنيابه قليلا ـ حتي بعد بدء مراجعة الولايات المتحدة لأسباب الإرهاب، ربما ما غيره سعي أمريكا لمحاربة الإرهاب (علي طريقتها الخاصة، بمحاربة الشعوب) هو محاولتها الضغط علي العائلة المالكة كي تظهر أو تدعي شيئا من المرونة، تجاه شعبٍ كّل وملّ من عائلة تمتص دمه وتهين كرامته. فقط مرونة تسمح بشيء من التنفيس، يمنع انفجارا قد لا يأتي علي هوي كلا الطرفين، العائلة الحاكمة في السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، وفي إطار هذا التنفيس السطحي جاءت تلك الانتخابات المضحكة، ولأن الشعب السعودي لم يعد كله كما كان منذ مئة عام، وقت تأسيس المملكة، بل تكونت فيه نخبة مثقفة واعية، تتمرد علي هذا النمط من الحكم الخارج عن سياق حركة التاريخ، وترفض أن تبتلع مثل هكذا طعم تافه، فإن بعض المثقفين السعوديين خارج أسوار مملكة القهر (ففي الداخل يُسكت السيف الحسام صوت أشجع المثقفين) ما زالوا يحاولون كشف الواقع المزري للإنسان المسجون وراء أسوار تلك القلعة، بالسبل المتاحة في أيديهم، من صحافة أو إنتاج أدبي متمرد أو ما تسمح لهم به الفضائيات أو غيرها، وفي ظل غياب حركة شعبية عربية شاملة، فإن مأزقهم الذي يواجهونه، يمثله تساؤل: من يدعمهم؟ فالولايات المتحدة مازالت تدعم العائلة التي ترهبهم، وهم ما زالوا فرادي بغير قوة كافية لتحريك الوضع هناك، والطرف الذي استطاع إشاعة شيء من التوتر وحلحلة الوضع هو جماعة القاعدة ومشتقاتها، وهي تطرح مشروعا أشد قسوة وقهرا لحرية الإنسان، ومع ذلك فهو مشروع يستهوي الغالبية العظمي من الشعب السعودي، التي تأمل في أي بارقة تغيير حتي لو كانت علي يد أسامة بن لادن وجماعاته، (وربما تكون هذه ـ قابلية ـ طبيعية داخل الإنسان العربي لمثل هذه المشاريع!). ولو كانت آفات هذا النظام منصبة علي شعبه فقط، لكانت مشكلة محلية لا تؤثر علي الآخرين بدرجة أو بأخري، لكن الدور السعودي يتعدي شعبه إلي (العرب) كلها، وأدق تعبير عن هذا ما قاله الأمير بندر لمجلة نيوزويك عام واحد وتسعين (وتصريحه المنقول هنا، نقل ـ نصا ـ عن مقالٍ لكاتبٍ سعودي ذكر المصدر المذكور ونص التصريح وتاريخه) وعنوان المقال الأصلي في مجلة النيوزويك ـ حسب المقال السعودي المنقول عنه هنا هو: أمير سعودي يرسم دوراً ملكياً جديداً ، حيث قال الأمير: العرب يبدون مثل المرأة التي تنام معك في الفراش، لكنها لا تريد أن تخلع ملابسها، لذا فإن شخصاً ما يجب أن يساعد الطرفين ليفهما بعضهما بعضاً !! النظام السعودي إذن يساعد العرب علي خلع ملابسهم أمام الأمريكان! فكيف نصم آذاننا عنه وكأنه لا يعنينا، شئنا أو أبينا، لابد لنا أن نهتم بما يجري وراء تلك الأسوار، شئنا أو أبينا فإن (التغيير) في بلد كلٍ منا يرتبط بالتغيير علي الضفة الشرقية للبحر الأحمر، التي يحكمها نظام يملك ـ إضافة للدعم الأمريكي ـ ثروة تتدفق بين يديه بسبب النفط، وهو ما جعل البعض يصف العقود الأخيرة في القرن الماضي بأنها (الحقبة السعودية)، حيث تمكن هذا المال في يد العائلة، بلا رقيب شعبي عليه، أن يشتري ذمم أفراد كثر من النخب العربية في كل أرجاء العالم، بدرجات تبدأ من الأنظمة الحاكمة وحتي الأدباء والشعراء والصحفيين والباحثين ورواد الإعلام والتعليم والبيزنيس وغير ذلك، وساعد في ذلك تلك المكانة الرفيعة التي تحتلها (الأراضي المقدسة) في مخيال كل مسلم في العالم، فصار للوهابية التي يستند إليها النظام السعودي أذرع تمتد وتتمدد في كل أرجاء العالم العربي، يحملها العمال والعاملون لسنوات في المملكة إلي أوطانهم بعد عودتهم، عن وعي ٍ بها أو عن غير وعي، باعتبارها (قيم الأراضي المقدسة)، ففي مصر مثلا ـ البلد الأشد تأثرا بما يجري في تلك الأراضي ـ وبعد أكثر من ربع قرن من عمل ملايين المصريين بالمملكة في مختلف القطاعات، صار الرداء السعودي الأسود زيا منتشرا بين النساء المصريات، وصارت الجلاليب السعودية واللحي الطويلة مظهر التدين الوهابي الأول بين المصريين، وحتي في العادات اليومية المصرية المستقرة منذ مئات السنين (فالمصريون منذ الأزل كانوا يحتفلون بمرور أسبوع علي مولد الطفل في مناسبة تسمي بالعامية المصرية السبوع ، فإذا بها تتحول علي أيدي العائدين من الأراضي المقدسة إلي احتفالية العقيق !) ، وتحول المصريون وغيرهم في بلدان عربية أخري عن الحماس لما يمكن وصفه بأنه (ثقافة الإنتاج) ،التي غرستها حركات التحرر من الاستعمار في ستينيات القرن الماضي، إلي (ثقافة الريع)، وكلنا نعرف كيف أعرض العائدون من المملكة عن صناديق الادخار إلي شركات (توظيف الأموال)، التي انكشف بعد فوات الأوان أنها كانت شركات (نهب الأموال) باسم الدين، وغير ذلك من مظاهر تأثير الحقبة السعودية علي بقية العرب، الدين إذن والمقدسات هي أداة في يد نظام قمعي، تدعمه القوة العظمي في العالم والتدفق المالي البترولي، نظام ينشر التخلف والخنوع والكسل والاستسلام، والإغراق في متاهات غيبية عن حياة ليست هنا علي الأرض، نظام يتعهد علنا بمساعدة العرب... في خلع ملابسهم!

المركز الثاني: الديكتاتورية
المصرية الغاشمة الجهول

الديكتاتورية المصرية الغاشمة الجهول، هو وصف دقيق معبر لحالة (الدولة) المصرية منذ نشأتها قبل آلاف السنين علي الضفة الغربية للبحر الأحمر، وهو وصف تعود ملكيته الفكرية ـ إن صح التعبير ـ إلي صاحبه ومبدعه الدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا الراحل، الذي أورثنا موسوعة بعنوان (شخصية مصر)، وبداية، فإن علوم الاجتماع وتاريخ الحضارات تعلمنا أنك عندما تتحدث عن (الدولة) فإنك تتحدث عن (نظام) للعلاقات بين الناس، اتفقوا عليه في عقد اجتماعي يلقي قبولهم ـ كما في البلدان الديمقراطية ـ أو أخضعوا له بالقوة والقمع، وهو ما يعني أن جمال حمدان عندما وصف (الدولة) المصرية بأنها كانت علي مر التاريخ ومازالت.. ديكتاتورية غاشمة جهولا، فقد كان يعبر عن طبيعة (النظام) الذي خضع له المصريون قهراً وقسراً منذ بدء التاريخ الإنساني المسجل، هذا فقط توضيح لسياق استخدام هذا التعبير، ومصر بموقعها الجغرافي وهبات أرضها ومناخها وعوامل طبيعية أخري، وما نتج عن ذلك من زخم تاريخها الإنساني والحضاري، مرت تاريخياً بمراحل كانت فيها (مركز إشعاع) للحضارة والتقدم، بما أمكن لها من تراكم علوم الهندسة والكيمياء والفلك ومختلف الفنون (والمؤسف أن كل تلك الفنون والإبداعات تجلت في نهاية المطاف فقط في.. فن حفظ المومياوات وهندسة القبور!) لكنها صارت ـ أو صار نظامها ـ في نهايات القرن العشرين.. المركز الثاني للإشعاع العكسي في المنطقة بعد المملكة السعودية، صارت مركزاً لإجهاض المشاريع التقدمية قبل أن تولد، ذلك أن النظام المصري الحالي أصبح معبراً عن (الديكتاتورية المصرية الغاشمة الجهول) في أقصي مراحل تطورها!، داخلياً: انتهاك صارخ ـ بل اغتيال ـ لحقوق الإنسان وكرامته، وخارجياً: صارت عاملاً نشطاً في تخريب أي أمل إقليمي للتنمية والتقدم، قد يدفع هذا لطرح تساؤلات عدة، علي رأسها.. لماذا حدث هذا التحول السلبي في مصر؟ وما السبيل إلي إعادة الإشعاع المصري إلي طريقه الإيجابي.. لنفسها وللمنطقة ككل؟ ليس إعادته فقط.. بل تصويبه، حتي يكون إشعاعاً أكثر عصرية.. إشعاعاً أفضل حتي مما كان عليه في الفترة التي توصف بأنها كانت (بدايات عصر النهضة) المصرية، لا شك أن هذا التصويب لابد وأن يبدأ من تصحيح (نظام العلاقات) بين الناس الذي يسمي بالدولة، أي أن التغيير في المنطقة العربية يبدأ بتغيير نظام العلاقات بين المصريين داخل مصر! ولهذا السبب المفهوم ضمنياً علي المستوي الدولي، يتابع العالم بحذر وترقب.. تصاعد الصرخة المصرية التي اندفع المصريون لإطلاقها في الشوارع هذه الأيام، والتي منحوها مصطلح (كفاية) ، فقد كان المصريون علي مدي العقدين الماضيين يخرجون إلي الشوارع احتجاجا علي ضرب أفغانستان وتقسيم تيمور إلي شرقية وغربية! كان هناك تشوهاً في أولويات الشارع المصري، كان الاحتجاج علي مصيبتهم الداخلية غائبا ً، وفي ديسمبر الماضي انطلقت أول صرخة تذمر واضحة من المصاب الداخلي، علي يد هؤلاء الذين وضعوا رؤوسهم علي أكفهم وأطلقوا الصرخة الأولي وعددهم قليل، ولم يكتفوا بالشكوي في المجالس الخاصة والمقاهي، فصارت وكالات الأنباء في العالم ـ لمن يتابع ـ تسمي انطلاقتهم (حركة كفاية المصرية)، بينما كل من يعرف (نفسية) اللهجة العامية المصرية.. يعرف ماذا يعني أن يصرخ المصري بعد صمتٍ طويل في وجه أحدهم قائلاً (كفاية)! إن هذا يعني أنه لاقي من الظلم ما جعله يتغلب علي (طبيعة) الصبر المعروف عن المصريين، لكن هذه الصرخة لن تقابل ـ في ظل تصاعدها ـ بصمتٍ وتجاهل من قبل نظام ٍ قمعي كنظام مبارك وأسرته، وهو ما يعني أن صداماً مروعاً ووحشية ضارية سوف يلقاها المصريون ـ إذا ما استمروا في الصراخ ـ في الأيام القريبة المقبلة، فكل الحالات التاريخية المشابهة، مر فيها النظام في أيامه الأخيرة بأقصي حالات التوحش والافتراس لمعارضيه. لكن التغيير داخل مصر لا يقتصر علي (نظــــام الدولة) وحسب، رغم أنه الأهم في المرحلة الحالية، فالبُعد الثاني للتغيير يتعلق (بثقافة) المجتمع المصري، التي زادت خرابا علي خراب وظلاما علي ظلام علي مدي عقود، هيمنت فيها قوي لاعقلانية علي النفس المصرية، قوي هاربة من ماض ٍ يعود إلي زمن الكهنة والسحرة، إلي حاضر ٍ.. تحــــدث فيه معجزات أيضاً، لكن علي يد علماء الطبيعة، وليس علماء الكلام!

التغيير إذن في المنطقة العربية يرتهن بالتغيير حول ضفتي البحر الأحمر، وإذا كان حراس العالم في الولايات المتحدة ينشدون في مصر والسعودية تغييرا (مفصلا ً) لخدمة مصالحهم، لا لإخراج الشعوب العربية من ظلامها الحالك.. فلا هذا يهمهم، ولا نحن يحق لنا أن نطالبهم به!، وإن كانوا قد أدركوا بما يجندون من مراكز دراسات استراتيجية وجيوش الباحثين، أن تغيير هذين النظامين هو (مفتاح) التغيير في المنطقة، فإن صعوبة الأمر علي الشعوب العربية ـ ونخبها ومثقفيها ومفكريها ـ ليس أنها ترفض التغيير، وإنما كيف تستجيب للمساعدة الخارجية، بأقل قدر من الخسارة المتوقعة بسبب (اللجوء) للخارج، فقد بات واضحاً أن السعوديين والمصريين وإن صرخوا، وإن صمدوا، أمام وحشية العائلتين في قمع صراخهم، لن يتمكنوا من إزاحتهما دون (غض طرف) بل ومساعدة من قبل حراس العالم في الولايات المتحدة، وهذه هي المعادلة الصعبة التي طالما قاومت النخبة ـ المصرية خاصة ـ فكرة تطبيقها، تغيير بمساعدة من الخارج مع ما تفرضه من ثمن الدخول في دورة جديدة من التبعية، أم محاولات داخلية تنتهي دائما بقمعها؟ لكن استمرار فساد (الدولة) حول ضفتي البحر الأحمر، واستمرار تعنتها وعدم إقرار رجالها بأن العالم (يتغير) ، وأنهم أصبحوا خارج حركة التاريخ، وأن من كان يدعمهم طوال تلك العقود انقلب عليهم الآن ودارت عليهم الدوائر، كل ذلك يدفع عجلة التغيير الآن ـ شئنا أو أبينا ـ في اتجاه (محاولة داخلية، بغض طرف خارجي) ، فالمواطن المصري والسعودي البسيط، لا يملك جيشا ولا قوات شرطة ولا آبار بترول ولا أجهزة متكاملة للإعلام، وهي فرصته الآن.. حيث غضب حراس العالم علي جلاديه، بعد أن خلعوا كل ملابسهم.. حتي القطعة الأخيرة، فرصته الآن أن ينقض... علي هؤلاء العراة!

هويدا طه
http://www.alquds.co.uk