صحمااااوي
25/02/2005, 10:01 PM
انخراط الشيعة العرب في الحكم لا يبدو مغايرا لطبيعة هذه الطائفة التي اتبعت نهج التقية طوال تاريخها فحسب، بل ايضا مغاير للنسق التكويني للنظام السياسي العربي، منذ مطلع القرن الماضي، الذي بات عليه التهيؤ لاستقبال الشركاء الجدد.
يحضر هذا الاستدراك التاريخي عن الشيعة في ضوء التحولين الكبيرين الحاصلين في اللحظة السياسية الراهنة. الاول، الحجم الوازن للشيعة في المعادلة السياسية اللبنانية عقب تحرير الجنوب من الاحتلال، والذي «التحرير» جعلهم في مصاف الطوائف المقررة في السياسة اللبنانية، والثاني، مشاركة شيعة العراق في الانتخابات التشريعية التعددية الاولى بعد سقوط النظام الديكتاتوري، الامر الذي سيجعل من هذه الطائفة صاحبة النفوذ الاوسع والاكثر حسما في رسم معالم العراق الجديد.
اذن، الحضور الشيعي المستجد في قمة الهرم السياسي العربي هام وحيوي لناحية عدم تجذره في التاريخ المنظور، الذي شهد ولادة الكيانات الرسمية، فكلا التجمعين الشيعيين العربيين اللبناني والعراقي، لم يسجل فعالية ذات شأن رغم ضخامة عددهم بالنسبة لحجم السكان. اذ من المعروف استنكاف الشيعة العراقيين عن الانخراط في انتخابات 1924، بعد فتوى من رجال الدين الشيعة بمقاطعة المجلس التأسيسي الذي وضع اول دستور لدولة العراق بعد انشائها عام .1921 الآن، التاريخ يعيد نفسه، ولكن سنيّاً، فيدعو رجال الدين السنة لمقاطعة الانتخابات التشريعية لانتخاب برلمان يصدر دستورا جديدا لدولة العراق ما بعد الديكتاتورية.
في لبنان، وان لم يكن حجم الشيعة عشية الاستقلال ونفوذهم يسمح لهم بدور المقرر والموجه للاحداث، الا ان غياب زعاماتهم عن صيغة الاستقلال التي تقاسمها الموارنة (بشارة الخوري) والسنة (رياض الصلح)، لم يكن يعكس حقيقة دورهم في مناهضة الانتداب. ومعروفة في هذا الصدد اعمال المقاومة التي انطلقت من الجنوب (ادهم خنجر، صادق حمزة..) والتي أشعلت فيما بعد الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، (للمفارقة ان شرارة الثورة كانت شيعية في حين ان حاضنتها كانت درزية بما يؤشر على غياب التشنج الطائفي في ذلك الزمان).
اذن، ثمة مراجعة تاريخية تتجسد في ان العراقيين الشيعة حزموا امرهم بالانخراط في صراع السلطة وقد استخلصوا دروس تجربة «مقعد الغياب» بأخذ أماكنهم في مؤسسات الدولة بعد تهميش اختياري مرة وقسري مرة اخرى لفترات امتدت منذ ثورة العشرين، كما ان نظراءهم اللبنانيين يبدون امام خيار مشابه في ضوء انحسار حالة المواجهة العسكرية مع اسرائيل، ومتطلبات انتقالهم من وضع الميليشيات العسكرية الى وضع الجماعة المنخرطة في ثنايا المجتمع المدني والخارطة السياسية المتعددة الاحزاب والطوائف.
وفي حين ان القانون الأساسي الذي حدد قواعد الانتخابات التشريعية العراقية يقوم على مبدأ النسبية، بما يعني استبعاد طغيان حزب او طائفة على مقاعد الهيـئة التشريعية وبالتالي احتكار المناصب الكبرى، فان تعددية المجتمع اللبناني، بحيث يمكن اعتباره كيان اقليات طائفية، تلغي امكانية استئثار الشيعة بمفاصل الحياة السياسية. بمعنى آخر، لا امكانية واقعية لتعسف سياسي شيعي في البلدين ردا على حرمان تاريخي مزعوم، وهو ما يمكن اعتباره رسالة نوايا حسنة للجماعات الدينية والاثنية الاخرى في الاجتماعين السياسيين العراقي واللبناني. في هذا الاطار يسجل للفصيل الشيعي الابرز في لبنان خطوة تراجعه عن شعار «الجمهورية الاسلامية» في مطلع الثمانينات كتقليد مشوه للتجربة الايرانية، كما سيتعين ملاحظة السلوك السياسي لشيعة العراق وهم في مراكز السلطة، وان كانت مقدمات بعض فعالياتهم تنطوي على نضج كبير، يرفض الانجرار الى مواجهات طائفية يستجديها البعض، مما يجعل التخوف من مشروع «الهلال الشيعي» الى «مؤامرة الرافضية» لتشييع العراق، ليس سوى صرخات تقترب الى حالات مرضية: فوبيا الشيعة لا تختلف ابدا عن «اسلامو فوبيا»، الرائجة حاليا.
*(حسن حب الله كاتب ومحرر في صحيفة الوطن الكويتية) ...
يحضر هذا الاستدراك التاريخي عن الشيعة في ضوء التحولين الكبيرين الحاصلين في اللحظة السياسية الراهنة. الاول، الحجم الوازن للشيعة في المعادلة السياسية اللبنانية عقب تحرير الجنوب من الاحتلال، والذي «التحرير» جعلهم في مصاف الطوائف المقررة في السياسة اللبنانية، والثاني، مشاركة شيعة العراق في الانتخابات التشريعية التعددية الاولى بعد سقوط النظام الديكتاتوري، الامر الذي سيجعل من هذه الطائفة صاحبة النفوذ الاوسع والاكثر حسما في رسم معالم العراق الجديد.
اذن، الحضور الشيعي المستجد في قمة الهرم السياسي العربي هام وحيوي لناحية عدم تجذره في التاريخ المنظور، الذي شهد ولادة الكيانات الرسمية، فكلا التجمعين الشيعيين العربيين اللبناني والعراقي، لم يسجل فعالية ذات شأن رغم ضخامة عددهم بالنسبة لحجم السكان. اذ من المعروف استنكاف الشيعة العراقيين عن الانخراط في انتخابات 1924، بعد فتوى من رجال الدين الشيعة بمقاطعة المجلس التأسيسي الذي وضع اول دستور لدولة العراق بعد انشائها عام .1921 الآن، التاريخ يعيد نفسه، ولكن سنيّاً، فيدعو رجال الدين السنة لمقاطعة الانتخابات التشريعية لانتخاب برلمان يصدر دستورا جديدا لدولة العراق ما بعد الديكتاتورية.
في لبنان، وان لم يكن حجم الشيعة عشية الاستقلال ونفوذهم يسمح لهم بدور المقرر والموجه للاحداث، الا ان غياب زعاماتهم عن صيغة الاستقلال التي تقاسمها الموارنة (بشارة الخوري) والسنة (رياض الصلح)، لم يكن يعكس حقيقة دورهم في مناهضة الانتداب. ومعروفة في هذا الصدد اعمال المقاومة التي انطلقت من الجنوب (ادهم خنجر، صادق حمزة..) والتي أشعلت فيما بعد الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، (للمفارقة ان شرارة الثورة كانت شيعية في حين ان حاضنتها كانت درزية بما يؤشر على غياب التشنج الطائفي في ذلك الزمان).
اذن، ثمة مراجعة تاريخية تتجسد في ان العراقيين الشيعة حزموا امرهم بالانخراط في صراع السلطة وقد استخلصوا دروس تجربة «مقعد الغياب» بأخذ أماكنهم في مؤسسات الدولة بعد تهميش اختياري مرة وقسري مرة اخرى لفترات امتدت منذ ثورة العشرين، كما ان نظراءهم اللبنانيين يبدون امام خيار مشابه في ضوء انحسار حالة المواجهة العسكرية مع اسرائيل، ومتطلبات انتقالهم من وضع الميليشيات العسكرية الى وضع الجماعة المنخرطة في ثنايا المجتمع المدني والخارطة السياسية المتعددة الاحزاب والطوائف.
وفي حين ان القانون الأساسي الذي حدد قواعد الانتخابات التشريعية العراقية يقوم على مبدأ النسبية، بما يعني استبعاد طغيان حزب او طائفة على مقاعد الهيـئة التشريعية وبالتالي احتكار المناصب الكبرى، فان تعددية المجتمع اللبناني، بحيث يمكن اعتباره كيان اقليات طائفية، تلغي امكانية استئثار الشيعة بمفاصل الحياة السياسية. بمعنى آخر، لا امكانية واقعية لتعسف سياسي شيعي في البلدين ردا على حرمان تاريخي مزعوم، وهو ما يمكن اعتباره رسالة نوايا حسنة للجماعات الدينية والاثنية الاخرى في الاجتماعين السياسيين العراقي واللبناني. في هذا الاطار يسجل للفصيل الشيعي الابرز في لبنان خطوة تراجعه عن شعار «الجمهورية الاسلامية» في مطلع الثمانينات كتقليد مشوه للتجربة الايرانية، كما سيتعين ملاحظة السلوك السياسي لشيعة العراق وهم في مراكز السلطة، وان كانت مقدمات بعض فعالياتهم تنطوي على نضج كبير، يرفض الانجرار الى مواجهات طائفية يستجديها البعض، مما يجعل التخوف من مشروع «الهلال الشيعي» الى «مؤامرة الرافضية» لتشييع العراق، ليس سوى صرخات تقترب الى حالات مرضية: فوبيا الشيعة لا تختلف ابدا عن «اسلامو فوبيا»، الرائجة حاليا.
*(حسن حب الله كاتب ومحرر في صحيفة الوطن الكويتية) ...